عام

لماذا تنجذب بعض الفتيات إلى الـ “باد بوي”

  •  عائشة عادل

في مشهدٍ استعراضي لأحد الأفلام المصرية، يدخل البطل بهمجيته وعنجهيته حي محبوبته لينادي في الناس: هذه البنت تخصني يا “حارة”، ثم يستعرض قوته أمام من يفكر أن يقف في طريق ذلك أو أن يجرؤ على التفريق بينهما..

مشهدٌ عابرٌ قد يبدو عاديًا وربما يمرّ كغيره على المشاهدين من الناس، لكنه يمثل لدى الفتيات أيقونة خاصة بفكرةٍ مستحدثة بعنوان “باد بوي”

قد يعدّه البعض اسمًا عاديًا لمسمّى يستحضره الشباب في مخيلتهم عبر صفاتٍ مقرونة به أو تعاريف مضافة إليه، لكنه في الحقيقة عنوانٌ يضمّ في فحواه كثيرًا من الأفكار المغلوطة والتصورات المشوهة، تلك التي تتغلغل في عقيدة المرء وتنعكس على سلوكياته دون أن يشعر.

 

أثر المدخلات

مع تقادم الأيام وانفراط عقد الزمن؛ انفرطت معه الكثير من المعايير التي يستقبل بها الإنسان معارفه ويستمد منها قناعاته وتتشكل بها أفكاره، وبات تحليل المستقبلات شيئًا غريبًا على الإنسان، إما تحصيل حاصلٍ أو من باب التعنت الذي ينفر منه الجميع، وصار الناس يعيشون حالة من “التمييع” لكلّ شيء، بوابات العقول مفتوحة على مصرعيها يدخل إليها ما يدخل ويخرج من سفاسفها ما يخرج، فلا قيمة له ولا نفع من ورائه. ومع الغزو الإعلامي المهول الذي استحلّ حرمات النفوس قبل البيوت؛ باتت نتيجة حتمية أن يكون هو السبيل الممهد لاستقاء المفاهيم واستمداد الأفكار، بما فيه من حمولة فكرية ومعرفية وبما يدسّه فيه أصحابه من أغلاط التصورات والمبادئ، فكانت السينما والمسارح والأفلام.. سلسلة طويلةٌ من مجرد محاولات ملء الفراغ وتمرير الوقت، ولم يقف أحدٌ ليفكر: ما الذي تصنعه السينما بمفاهيمنا؟

 

الباد بوي كما تصوره لنا السينما

في عرف الأفلام السينمائية؛ لا بد للصورة الأخيرة أن تجمع قطبي الحياة الذكر والأنثى، وبعيدًا عن اختلاف السيناريو المطروح، فإن هناك بطلًا ما تقوده سلسلة الأحداث إلى البطلة، تجمعهما علاقة عاطفية تكلل في النهاية بالنجاح، وكي تكتمل الصورة على نحو جذابٍ فإن هناك هالة معينةٌ تحيط بالبطل لتضمن له قلب محبوبته، إطار محدد من الصفات اختزلتها صورة بعنوان: باد بوي، وتفاصيلها: شابٌ وسيمٌ بملامح جذابةٍ وله كاريزما خاصة به، تبرز كل جوانب الحسن فيه بشكلٍ مبالغ، ابتداءً من بنيته الجسمانية وحتى ملامحه العنيفة حادة القسمات، خفيف الدم بملابس غريبة غالبًا، وقَصة شعرٍ تلائم الموضة.. صورة مبتذلةٌ إلا أنها تلعب تمامًا على جانب الغريزة لدى الأنثى فتصيب هدفها بدقة، حتى لقد أصبحت هذه المواصفات من طرف خفي هي حلم الفتيات التي تبحث عنه في أي شاب ترتبط به وإن لم تصرّح بنفسها.. هي صورةٌ تشكلت كخلفيةٍ لكل أحلامها ودون حتى أن تحس أنها إنما تقيس اللوحة الحيّة بتلك التي في خيالاتها، تشذب من هذه وتلائم لهذه، والنتيجة.. أوهامٌ لا تتحقق.

 

طبيعة بشرية

إن كانت الأنثى تميل بفطرتها إلى الذكر، فهذا أمر منطقي وكافٍ ليحصل الانجذاب بينهما، لكني وإذ أقرّب الصورة ها هنا فإنني أتلمس عامل جذب بشري آخر يميل بالأنثى إلى ذكرٍ بتلك المواصفات المطروحة، إنه عامل الفضول.

يقول كريستوف سي: إن الدافع لاكتشاف كل ما هو غامض ومجهول؛ غريزة بشرية تماما مثل الحاجة إلى غريزة الطعام والجنس.[1]

مشهد الرجل الغامض “بسلامته” الذي يتصدر لنا كـ “چنتل مان” في هيئته الجذابة؛ ما هو في الحقيقة إلا ورقةٌ رابحة يلعبون بها على وتر الفضول لدى المرأة؛ إذ كما يقول كريستوف، إنها غريزة بشرية كغريزة الجنس تمامًا. تلك التي تدفع بالأنثى لتكشف دواخله وتسبر غوره وتضع يدها على أصول الحكاية، معادلةٌ صعبةٌ تسعى لتكون وحدها آينشتاين الذي تمكن من حلها، والعالم -المتمثل في صديقاتها- يقف مدهوشا من قدرتها على حلها.

في ظل هذا التصور، فإن صورة الـ “جود بوي” لن تكون مناسبةً لاستفزاز غريزة الفضول لدى الأنثى، الرجل المستقيم الواضح الذي لا يعرف الرمادي، ثابت الإيقاع صريح الطباع جليّ الحكاية؛ بالطبع لن يكسب نقطة في صالحه إذا لم تحمل الأنثى تجاهه فضولًا يدفعها للتقرب إليه.

فكان انعكاس الصورة: “باد بوي” بملامح مغلقة لا تعبر عما يشعر به، عينان غائرتا العمق وفمٌ صموتٌ لا يتحدث إلا ندرةً، وقصةٌ من ورائه لا يعرفها عنه أحد، “ثقيل” الفعل والقول، ولمزيد من الحبكة: لديه من الغرور ما يكفي ليظن أن العالم بمن فيه تحت قدميه.

دورٌ مناسب تمامًا لينتهي كما يقول المثل: الفضول قتل القطة.

 

وهم الانتصار

يبحث الإنسان في علاقاته عن تملّك جزءٍ ما في شريكه، يتسع الجزء المملوك أو يضيق وفقًا لمدى صحة العلاقة أو فسادها، ففي العلاقات الصحية يقنع بجزء من قلب شريكه واهتمامه وتقديره ومودته، بينما يطمع في العلاقات الفاسدة إلى أن يتملكه بشكلٍ مرَضيٍ أو على الأقل مُرض لحاجته التي لن تشبع بطبيعة الحال.

وبما أن الرجل “باد بوي” جدًا، فإنه نغمة شاذةٌ عن إيقاع كل العلاقات، زئبقٌ لا يعرف الثبات ولا يقبض أحدٌ عليه، قلبه يسع من النساء ألفًا لأن واحدة ليست قادرة على سلبه إياه، وبجانب غريزة الفضول تتحرك غريزةٌ أخرى لدى المرأة تزيد من ميلها إليه؛ إنها لذة الانتصار، فتسعى بجهدها كي تتملكه، هي وحدها التي ألانت قلبه وهذبت طبعه ورققت حدته وفتحت مغاليقه، إما إرضاءً لجانب أنوثتها برفع حس التميز لديها، أو كسبًا لغرورٍ ترفض به أن تستعصي عليها مغامرة، خاصة إذا كانت المغامرة: قلب رجل.

وسواء حققت غايتها أم لم تفعل، فإن الرؤية الوردية التي تطرحها السينما مشوشةٌ مائلة؛ فلا الرجل بسلامته يتغير لأجل الأنثى في جميع الأحوال، ولا قلبه بكل ما أتيح له من انطلاقٍ يذعن لها، وكل هذا لا يمنحها إلا إحساسًا غادرًا بالانتصار، وهمًا يقوم ما أحكم الرجل فخه حولها، وتعود منه بخفي حنين عندما تدرك أنها كانت هي المغامرة، وأن خوض المغامرات وإرضاء الغرائز وحدهما لا يقوّما إنسانًا ولا ينظما لحنًا شاذًا.

 

النتيجة

ربما تعد تلك مجرد لفظةٍ يعمد بها الشباب إلى مجرد فكاهة أو مزحٍ ليس إلا؛ لكن الحقيقة أن مآلات هذه المصطلحات والتي بدورها تنبئ عن منظومة من المفاهيم تحدد سلوك مجتمع كامل؛ كانت زيغًا وضلالًا، وما نراه في مجتمعاتنا من سلبيات الأمر يفوق مجرد تفكه وأكبر من مزحة!

لم تتأثر الفتيات وحدهن بالمدخلات، بل طال الأمر الشباب أيضًا، فتحت مسمّى الـ “باد بوي” ورغبة في أن يكون الرجل جذابًا للأنثى، سبع رجال ينفش ريشه كما يفعل الطاووس في مواسم التزاوج؛ انحرف غالبيتهم عن الجادة وتلبسوا ثيابًا ليست لهم، وتعللوا بهذا لكل سلوك سيئ وتمردٍ على الأعراف والتقاليد، ولم يسلم الدين من هذا، يبحثون عن مظاهر تافهةٍ يثبتون بها رجولتهم كما يظنون، وهم والله أبعد ما يكونون عنها.

أما وقد اختلت كفة المجتمع الأولى؛ فها الكفة الثانية!

زهدت الفتيات العلاقات المستقيمة وراحت تبحث عمن يرضي لديها حس المغامرة ويجعل لحياتها إيقاعًا مختلفًا بعيدًا عن مللها ورتابتها، واتخذت دورًا لا تحسنه ولا تجيده فطرتها فخسرت وجرّت معها من الأجيال ما يفوق خسارتها.

 

محاولات للخروج من الأزمة

إننا نحتاج جهودًا كثيفة على نطاق المجتمعات والأفراد لنعيد ضبط المنظار إلى رؤية سليمة بها نستوضح الغايات ونوجه الخطو إليها بما يحفظ لنا مبادئنا وقيمنا، فلا ننساق خلف تصورات مشوهة قدمتها لنا وسائل دخيلة بفكرها وعقائدها ومقاصدها، ولا نستحيل مجرد حيواناتٍ تنقاد لغرائزها وتسير خلفها سير النعاج إرضاءً لها، لتعلم الأنثى أنها إلى علاقة آمنة بعيدة المدى عميقة الأثر؛ أحوج من تلك التي ترضي غرائزها لكنها تحمل لها تهديدًا بالتخلي في أي لحظة.

وأنه يكفيها من الرجل أن يكون رجلًا بحق، يكمل نقص بشريتها ويسد حاجة أنوثتها، لا “سوبر مان” ولا “باد بوي” مهما لمع بريقهما في أُطر خادعة.

وليعلم الرجل أن مروءته وحدها تكفيه ليكون رجلًا، وأن تضخيم الصورة وجعلها غطاءً لتفاهته ومقياسًا لرجولته لا يجعل منه إلا مسخًا؛ إن جذب من النساء عشائرَ فإنه لن يمنحه نفعًا ولا قيمة.

اقرأ ايضًا: “خيركم لأهله”: التصور الإسلامي للرجولة


[1] من مقال: الفضول قد يقتل القطة حقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى