عائض بن سعد الدوسري
في العصور الإسلاميَّة المتقدمة والوسطى، وُجِدَ لفيفٌ واسعٌ من الفلاسفة ومن تابعهم من الباطنيَّة وغلاة الصوفيَّة -على اختلافهم في مصطلحاتهم، وتعبيراتهم المذهبيَّة، وتفاصيل عقائدهم- يشتركون في بنية عقدية متقاربة، قوامها التمييز بين مفهومين مزدوجين حول الإله (تصور ثنائي لمفهوم الألوهيَّة). الأول: الاعتقاد بوجود كيانٍ متعالٍ منزه عن الأسماء والصفات والأفعال، الإله المجرد الخفي، والصورة المحضة، والعقل المجرد، البعيد عن تدبير العالم وتصريف شؤون الخلق. والثاني: الاعتقاد بوجود ’إله‘ أدنى، أو كيانٍ مظهرٍ للإلهيَّة، وهو الفاعل والمدبر والمتصرف في الكون المشاهد، وهو من تُصرف إليه العبودية غالبًا، ويُنسب إليه الخلق التدبير والتوسط والاتصال بالبشر في هذا العالم.
ومن يتأمَّل مذاهب هؤلاء الفلاسفة، والباطنيَّة، وغلاة الصوفيَّة، يجدهم يعولون كثيرًا في مبانيهم العقائدية على أفكارٍ مختلطة وممتزجة من عدة روافد أجنبيَّة، إذ أنَّ هذه البنية العقديَّة ترجع في أصولها إلى أفكار مستمدة من الفلسفة اليونانية (=التجريد)، والأفلاطونية المحدثة (=العقول والنفوس والفيض)، والعقائد الغُنُوصيَّة (=التي تؤمن بالإله الخفي الأكبر والإله الأصغر). ثم إنَّ هؤلاء يصوغون مبادئها وألفاظها وأفكارها بلغة اعتقاداتهم المذهبيَّة الخاصَّة، فلسفيًّا أو شرعيَّا، مع تشابه هؤلاء وتقاربهم في ذلك التكييف والمقاربة. وقد يكون هذا الاشتراك، في فهم أمر الألوهيَّة، ناشئًا عن انتقال مباشر من الفلسفة اليونانية والأفلاطونية المحدثة (كالحال مع الفلاسفة)، أو عن توسط أفكار فلسفيَّة أسَّسَها ابتداءً الفلاسفة ثم ظهرت في البيئة الإسلاميَّة وتلقفتها عنهم بعض الطوائف (كالحال مع الباطنية)، أو عن توسط أفكار باطنيَّة مهدت لها وعبدت أفكارها (كالحال مع غلاة الصوفية)، سواء كان ذلك بصريح القول البين، أو بعبارات غامضة، أو بلسان الحال والواقع.
وهنا مسألةٌ مهمَّةٌ، وهي: لم احتاج هؤلاء إلى هذين المستويين من الألوهية؟ السبب يعود إلى أنَّ الإله المتعالي عندهم منزَّهٌ عن المباشرة والفعل، فلا يصدر عنه العالم مباشرة، ولا تصدر عنه كثرةٌ، ومن ثَمَّ احتاجوا إلى وسائط بين هذا الإله الخفي المجرد المتعالي وبين العالم المشاهد المتكثر، وتتصف هذه الوسائط بالخلق والعلم والحياة والعقل والتدبير والتصرف والوحي والإلهام، فتحولت الوسائط شيئًا فشيئًا إلى محل العبادة، والتدبير، والتوجه بالدعاء، والطلب.
فالألوهيَّة التي يؤمن بها لفيفٌ من الفلاسفة والباطنيَّة وغلاة الصوفيَّة أو يشرحونها أو يشيرون إليها في كتبهم، تقع على ضربين أو مستويين:
أولاً: مستوى الألوهيَّة الأعلى (الباطن، الخفي، والمتعالي، والمجرد): وهو الإله غير المقول عليه بوصف أو اسم إلا بالسلوب والنفي إلا ما ندر استعارةً، فهو عقل محض، وصورة محضة، فلا يقال عليه اسم من الأسماء، ولا يوصف بوصف، والأسماء الحسنى مجرد استعارات، فهو المنزه عن الأسماء والصفات، وتوحيده ليس معرفته وإنما معرفة حدوده العلويَّة والسفليَّة، فلا يُتوصَّل إلى معرفة توحيده إلا بمعرفة تلك الحدود، فسلبُ الأسماء والصفات عنه هو حقيقةُ تنزيهه؛ ولأنَّه لا يندرج تحت اسم ولا صفة، فلا يُقال: إنَّه حيٌّ، ولا قادرٌ، ولا عالمٌ، ولا عاقلٌ، ولا كاملٌ، ولا تامٌّ، ولا فاعلٌ، ولا يُقال له: ذاتٌ… إلخ. وهذا التقرير، كما يقول العلماء، ظاهره التنزيه والتعظيم، وحقيقته النفي والتعطيل والاقتراب بهذا ’الكيان‘ أو الإله إلى دائرة العدم.
فبالنسبة إلى كثيرٍ من الفلاسفة اليونانيين، ومن تابعهم من الفلاسفة اللاحقين، فالمقرَّر لديهم فيما يتعلق بـ(الإله الأعلى) -وهو الذي يسمونه بكبير الآلهة أو المحرك الأول، ويصفه إكزينوفان بأنَّه: ”إلهٌ واحدٌ، الأكبر بين الآلهة”- أنَّه عقلٌ محضٌ وصورةٌ محضةٌ، يُوصف بالسلوب والنفي التفصيلي، وأحيانًا بسلب النقيضين عنه. يقول أرسطو: ”أن هناك جوهرًا أبديًا وساكنًا لا يتحرك”، و”مثل هذا الجوهر لا يمكن أن يكون له حَدٌّ”. ويقول إكزينوفان: ”لا يمكن أن يكون لا متناهيًا ولا أن يكون متناهيًا، لا يمكن أن يشبه لا باللاموجود ولا بالموجودات، ولا يمكن أن يتحرك ولا أن يكون لا متحركًا”. ويؤكد ثاوفرسطيس أنَّ “الإلهيَّة لا تتحرك”، ويقول سمبليقوس وأمونيوس: “أرسطوطاليس كان يقول: الإله لا يتحرك”.
وهذا المستوى من الألوهيَّة، الذي قَرَّرَهُ أولئك الفلاسفة اليونانيون، وعلى رأسهم أرسطو، يتجه إلى الاقتراب بها إلى العدميَّة، حيث يقول الفيلسوف بيير سيلفان ماريشال: “تَمِيلُ الأَفْكَارُ الَّتِي يُكَوِّنُهَا أَرِسْطُو عَنِ الأُلُوهِيَّةِ بصورةٍ غَيْرِ مُبَاشِرةٍ إِلَى الإِطَاحَةِ بِهَا، وَتَدْمِيرِهَا”. ولهذا، فإن هذا المستوى الأول من الألوهيَّة يتجاوز -في اعتقادهم- دائرة العلاقة التعبديَّة المباشرة، فلا يُقصد بالدعاء أو الصلاة أو التضرع، ولا يُستمد منه العون في شؤون الحياة البشرية؛ لأنه يُنظر إليه بوصفه مبدأً متعاليًا منزَّهًا عن المباشرة والفعل، فتنتقل الوظائف الدينيَّة والوجودية إلى وسائط أدنى تتولى الصلة بينه وبين العالم. يقول ابن تيميَّة عن أولئك الفلاسفة ومن في حكمهم: “يقولون إن الله لا يعلم دعاءنا، ولا يسمع نداءنا، والله عندهم لا يقدر على تغيير شيء من العالم ولا يفعل بمشيئته”. ويقول المؤرخ والعالم اللاهوتي الألماني يوهان موزهايم (1755م): “إله أرسطو لا يمكن اعتباره نافعًا أو ضارًا بالنسبة للبشر، وليس مستحقًا لأي نوع من أنواع العبادة، وليس حرًا في إرادته، والتضرع إليه لا جدوى منه، والعالم يتحرك وفقًا لقانون أبدي ولا يمكن تعديل مساره بأي طريقة، فلا مساعدة يمكن أن نتوقعها من الإله، فهو إله عاطل خامل، وما حاجتنا إلى إله يعيش فقط لنفسه، وذاته لا تتكون إلا من الفكر فقط! فكيف يمكن للإنسان أن يأمل في الراحة والحماية من مثل هذا الإله؟”.
وقد تابع فلاسفةَ اليونان من جاء بعدهم من فلاسفة الأديان في تصورهم لمفهوم الألوهيَّة هذا، فمثلاً: أكَّدَ الفيلسوف المسيحي والمتكلم الأثيني أرستيذس (كان حيًّا في الفترة من: 124م-126م)، أنَّه: “ليس لأحدٍ أن يُطلقَ أسماءً على اللهِ غيرِ الموصوف”. وقال: “الله لا اسم له، لأنَّ كل ما له اسمٌ فهو مخلوقٌ من غيره”. و”لا يتحرك، ولا يُحصى، ولا يُعبر عنه، لأنه لا يوجد مكان يتحرك فيه أو إليه. وبما أنَّه لا يُعد فهو لا يُحد ولا يحيط به شيء، ولا سخط عنده ولا غيظ؛ لأنه لا انفعال عنده، بل هو عقليٌّ“. وكذلك الفيلسوف والمتكلم المسيحي يوستينوس (100م-165م)، الذي قال في وصف الله: “الإله الواحد غير المحدود، وغير المنظور، الذي لا يستوعبه عقل، الذي يُفهم من خلال التفكير العقلاني والمنطق”.
ويبين الفيلسوف البريطاني وولتر ستيس، وهو من أبرز فلاسفة القرن العشرين في فلسفة الدين والتصوف، أنَّ الفكرة الفلسفيَّة المحوريَّة عن هذا الإله هي تجريده في الحقيقة من كل شيء، حيث: ”لا تقول أي شيء إيجابي عن الواحد، وهي لا تنسب إليه سوى محمولات سلبية لا تقول لنا ما هو، بل ما ليس هو، إنه بلا صورة وبلا حركة”. ويُشير الفيلسوف الأمريكي كينيث سيسكين إلى أهمية الفلسفة اليونانيَّة وما يميزها عن غيرها، إذ استطاعت تلك الفلسفة أن تغير الطريقة التي يتصور بها الناس الألوهيَّة، فهم وإن لم يعترضوا على عبادة الأوثان، إلا أنَّهم جعلوا نسبة الصفات والأسماء الثبوتيَّة المشتركة، التي اعتبروها تجسيمًا، إلى (الإله الأعلى) “يبدو سخيفًا”. ومن ثَمَّ نفهم لماذا كان إيمبيدوكليس يقول: ”ليس بمقدورنا الاقتراب من الألوهيَّة”.
وهذا التجريد المحض للألوهيَّة (=الإله الأعلى) الذي أسَّسَ له الفلاسفة اليونان، وأثَّرَ تأثيرًا بالغًا في المذاهب الدينيَّة، أمرٌ يدركه معظم علماء الإسلام، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، ويدرك كثيرٌ منهم مآلاته. يقول الأديب والعالم المعتزلي الصاحب بن عبَّاد: ”أنكرت المتفلسفة أن يكون الله تعالى قادرًا، عالمًا، حيًا، سميعًا بصيرًا”. ويقول المتكلم الأشعري أبو بكر الباقلاني: “قال أفلاطون وأرسطوطاليس: إنَّ الباري سبحانه لا اسم له ولا صفة، ولا يجوز أن نخبر عنه ونتكلم عليه، ولا يجوز أن يتغير ويتحول أو يتحرك أو يسكن أو ينتقل”. ويقول المتكلم الماتريدي أبو المعين ميمون النسفي: “وزعم بعض المنتسبين إلى الفلسفة أنَّ كل اسم يجوز إطلاقه على المُحْدَث لا يجوز إطلاقه على الله تعالى؛ لأنَّه يوجب التشابه”. ويؤكد ابن تيميَّة أنَّ مذهب كثير من الصابئة والفلاسفة في الرب: “أنَّه ليس له إلا صفات سلبية، أو إضافية أو مركبة منهما”، وأنَّ أمثال هؤلاء هم أصل مقالة التعطيل للصفات الإلهيَّة، وفي الوقت الذي كانوا يجردون ويعطلون (الإله الأعلى) عن صفاته، كانوا يتوجهون إلى عبادة آلهة أخرى، حيث “كانوا يعبدون الكواكب، ويَبْنُون لها الهَيَاكِل”. ويؤكد ابن تيميَّة أنَّ هؤلاء الفلاسفة ومن تابعهم من المعطلة في الحقيقة “لا يعبدون شيئًا”، وأنَّهم “يُظهرون للناس التنزيه، وحقيقة كلامهم التعطيل…ومرادهم بذلك نفيُ حقيقة أسمائه وصفاته”.
أمَّا ما يتعلق بالأفلاطونية المحدثة، فإنا نجد أثرها واضحًا على الفلاسفة المتأخرين والباطنيَّة وغلاة الصوفيَّة؛ فيذكر المستشرق الإيطالي المعروف دافيد سانتلانا (1931م) أنَّ الأفلاطونية المحدثة تذهب إلى أنَّ الوجود “قد انحصر في أصل واحد وهو: العقل الفائض من العلة الأولى، وما يفيض من العقل من مراتب الموجودات”. وأنَّها كلها “أنوار عقليَّة؛ أي: قوى إلهيَّة”، وأنَّ مثل هذا التصور نجد قريبًا منه “ما يوجد في المتصوفين” و “حکماء الإشراق من الفلاسفة”. ويؤكد المستشرق المجري إجناتس جولدتسيهر (1921م) أنَّ الباطنيَّة هم من نقل نظريات الأفلاطونية المحدثة إلى البيئة الدينيَّة الإسلاميَّة، وعن طريق الباطنيَّة تلقفها الصوفيَّة، وأنَّ هاتين الطائفتين اضطلعتا بدورٍ فاعلٍ في وضع الحديث النبوي والمرويات عن الأئمة، بحيث تم تصوير النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة بصورة تترجم تلك النظريات الفلسفيَّة.
أمَّا الغُنُوصية، التي مزجت في عقائدها بين الفلسفة اليونانيَّة ومصادر شرقيَّة، فإنَّها تؤمن -على اختلافات بين طوائفها- بمستويين من الألوهيَّة، الأول: الإله الأعلى، وهو إله متعالٍ مطلق، منزَّه عن العالم المادي، ولا يتصل بالمادة مباشرة، ويوصف بأنه مصدر النور والكمال والامتلاء، ولا يُعرف إلا بواسطة المعرفة الباطنيَّة. والثاني: الإله الأدنى أو الصانع (الديمورج)، الذي خلق العالم المادي، وينظرون إلى العالم المادي بوصفه عالماً ناقصًا وسجنًا للأرواح التي تتطلب التحرر من عالمها السفلي والرجوع إلى العالم العلوي. ويؤكد ديفيد براكيه -وهو أحد أبرز الباحثين الأمريكيين في تاريخ المسيحية المبكرة والغُنُوصية– أنَّ فكرة الإله الصانع (الديمورج) تعود في أصلها إلى الفيلسوف اليوناني أفلاطون، حيث هو الإله الصانع (المنتج)، وفي الغُنُوصية صار هذا الإله هو الفاطر والمسؤول عن خلق العالم المادي وتنظيمه، ويُنظر إليه غالباً باعتباره موجهاً للشؤون البشرية. أمَّا الإله الأعلى الإله الفرد في الغُنُوصية، فهو الإله النهائي. يقول ديفيد براكيه: “خلص الغنوصيون وآخرون -وهذا رأي مُشتَرَكٌ فِيهِ- إلى أنَّ الإله الذي خلق هذا الكون لا يمكن أن يكون الإله الأعلى النهائي. بل، يجب أن يكون هذا الإله إلها أدنى”. أمَّا الإله الأعلى فهو “الإله الحقيقي، الإله الذي هو رُوحي، ونقي، وثابت، على نحو كلي”، و”إله ما عرَفَهُ أغلب البشر”. أمَّا القس الدكتور يوسف توما مرقس، فيؤكد كذلك أنَّ الغُنُوصية تؤمن بوجود الإله الأدنى الفاطر والخالق والصانع، في مقابل “الإله الحقيقي [الذي] لم يخلق شيئًا، وعلى العكس من ذلك، يبقى الإله الحقيقي وحيدًا في بحر من نور”.
ويؤكد البروفيسور فريتز هيرمان، المتخصص في الفلسفة اليونانيَّة، على التأثير الواسع لأفكار الفلسفة اليونانية عمومًا وأفلاطون وأرسطو خصوصًا، ليس على الغُنُوصية فقط، بل على ’الأديان السماويَّة‘ أيضًا فيما يتعلق بتصور الألوهيَّة، حيث “لا يوجد فكر لاحق ولا مفكر أتى بعده لم يكن متأثرًا بفكر أفلاطون حول الإله والآلهة، وهذا ينطبق على أرسطو قبل كل شيء، وهو الذي غدت كتبه ذات تأثيرٍ رائعٍ على التفكير الغربي بصورة عامة وعلى الكنيسة المسيحيَّة في الغرب بشكلٍ خاص”.
أمَّا بالنسبة إلى الباطنيَّة، فتُعدُّ من أهم نقلة النظريات الفلسفيَّة الفلسفة اليونانية والغنوصيَّة إلى البيئة الدينيَّة الخصبة لها: الباطنيَّة والتصوف، كما يؤكد ذلك المستشرق المجري إجناتس جولدتسيهر (1921م)، والذي يرى أنَّ الباطنيَّة وغلاة الصوفيَّة ترجموا تلك النظريات الفلسفيَّة في المرويات والأخبار الموضوعة، لدعم عقائدهم الخاصَّة. ويقول المستشرق الألماني کارل هیرش بکر (1933م): “ليس من شك في أنَّ الآراء الغنوصية كانت مادة خصبة انتفع بها” الباطنيون على اختلاف مذاهبهم. وقد سبق بيان أنَّ جذور الفكرة الأصليَّة (لمفهوم الألوهيَّة المزدوج) قد تقَرَّرَت أولاً عند الفلاسفة اليونانيين، وعند الأفلاطونية المحدثة والغُنُوصيَّة، ثم تطورت لدى الفلاسفة في الإسلام والباطنيَّة ثم غلاة الصوفيَّة، الذين وظفوا لها المصطلحات الشرعيَّة الخاصَّة، وتم إسقاط معاني تلك النظريات الفلسفيَّة على النبي والأئمة والأولياء.
إنَّ جوهر عمل الباطنيَّة في هذا الباب هو محاكاة وتقليد الفلاسفة القدماء من فلاسفة اليونان وفلاسفة الأفلاطونيَّة المحدثة والغُنُوصيَّة. يقول أبو بكر الباقلاني: “وأمَّا هم [=الباطنية] فما عندهم غير تقليد الفلاسفة الحكماء بزعمهم فيما قالوه، وتفخيم شأنهم، والعجب بالتعبير الوحشي من ألفاظهم، ومفارقة الملل”. ويقول أبو حامد الغزالي: ”من بواطن كفرهم [=الفلاسفة] استمداد هؤلاء الأغبياء [=الباطنية]، فإنهم بين مذاهب الثنوية والفلاسفة يتذبذبون، وحول حدود المنطق في مجادلاتهم يتدندنون. ولقد طال تفتيشي عن شبه الفلاسفة وأباطيلهم حتى اطلعت على طرق تحايلهم، ومن لم يطلع على كنه شبه خصمه لم يقدر على قمعه”. وأشار إلى قريبٍ من ذلك أبو المعين ميمون النسفي، حيث قال بعد بيان مذهب الفلاسفة: “وتبعهم على هذا الرأي الفاسد الباطنية القرامطة“. وكذلك أشار إلى الشيء نفسه ابن تيميَّة.
فمثلاً: يقول حسين ابن الوليد: ”التنزيه هو نفي جميع الصفات عن غيب الغيوب [=الله]، والاعتراف بأنَّ جميع صفات الشرف والجلالة، وما تعبر به جميع اللغات من الإشارات بنعوت الإلهيَّة فإنَّها واقعة على العقل الأول، فهذه حقيقة التوحيد والتجريد والتنزيه“. ويقول إبراهيم بن الحسین الحامدي تحت عنوان: (في القول على التوحيد، من غير تشبيه ولا تعطيل): “هو سبحانه لا يدخل تحت اسم ولا صفة، ولا يومى إليه بالإشارة مكيفة، ولا يقال عليه حياً، ولا قادراً، ولا عالماً، ولا عاقلا، ولا كاملا، ولا تاماً، ولا فاعلاً”، و”الحمد لله نور النور، ومدبر الأمور المنزه عن الأسماء والصفات“. ويقول الكرماني: “إنَّه تعالى لا ينال بصفة من الصفات”. ويقول علي بن محمد الوليد: “إن نفي الصفات عنه معتقد صحيح، لا يسوغ ترکه”.
ومن أجل ذلك، كفَّرت الباطنيَّة سائر الطوائف الإسلاميَّة المثبتة للأسماء الحسنى والصفات العُلى؛ لأنَّ إثبات الصفات يستلزم -في تصورهم- إثبات الحد لله تعالى وتكييفه، وهو ما يعدُّونه منافيًا للتنزيه المطلق الذي يقررونه. حتى إنَّ أكثر الطوائف “تنزيهًا” لم تسلم من ذلك الحكم، حيث يقول الكرماني: “المعتزلة قالوا بأفواههم قول الموحدين، واعتقدوا بأفئدتهم اعتقاد الملحدين، بإطلاقهم على الله ما يستحقه غير الله من الصفات، نعوذ بالله”. بل إنَّهم بالغوا في النفي إلى درجة أنَّهم انتقدوا بعض الفلاسفة في نسبة بعض الأوصاف إلى الله، يقول أدريان كانديار: ”أبو يعقوب السجستاني في كتابه (المقاليد الملكوتية) ينتقد وصفَ ابنِ سينا لوجود الله بأنَّه واجبٌ، لأنَّ وصف وجود الله بالوجوب يقتضي التركيب في حقيقة الله من الوجود والوجوب، وذلك يستلزم حدوث الله، وهو ممتنع”.
وأمَّا بالنسبة إلى الصوفيَّة، فقد أكَّدَ اللاهوتي والفيلسوف والمؤرخ الأمريكي روفوس جونز على أنَّ “أفلوطين -بكل معنى الكلمة- هو أب التصوف الغربي”. وقال أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، شيخ مشايخ الطرق الصوفية المصرية: “كان لنظرية أفلوطين في الفيض وترتب الوجود عن الواحد أثرها على الصوفية المتفلسفين“. ويذكر هاينس هالم أنَّ المستشرق الفرنسي ماسينيون يرى أنَّ “أعلام التصوف الإسلامي هم ورثة التراث الغُنُوصي“. ولهذا، انعكس ما قرَّره الفلاسفةُ اليونانيون، وفلاسفةُ الأفلاطونية المحدثة، والغُنوصيَّة، على البناء العقدي لدى غلاة الصوفيَّة؛ إذ تبنَّوا التصور القائم على الإله المجرَّد المحض، فنفوا عنه الأسماء والصفات، وأسندوا إليه التنزيه المطلق، ثم نسبوا الأسماء والصفات وسائر أفعال الألوهيَّة إلى (العقل الأول)، الذي أطلقوا عليه تسمياتهم ومصطلحاتهم الخاصة.
فمثلاً: يقول ابن عربي في كلامه عن الله: “الذات الأحديَّة المطلقة المتنزهة عن كل تعين، وصفة، واسم، ورسم، وحد، ونعت، فله الفردية مطلقاً”. ويقول عبد الكريم الجيلي متحدثًا عن اعتقاده في الله: “اعلم وفقنا الله وإياك، إنَّ الحق تعالى لا يمكن دركه على الحيطة والاستيفاء أبدًا…لأنَّ ذاته لا تدخل تحت صفة من صفاته”. ويؤكد عبد الكريم الجيلي أنَّ الصفات الإلهيَّة السبع، والتي يسميها بـ (أمهات الظهور) وهي: (الحياة، العلم، الإرادة، القدرة، السمع، البصر، الكلام) ليست لله تعالى، وإنَّما لغيره (=العقل الأول).
ثانيًا: مستوى الألوهيَّة الأدنى (المظهر للإلهيَّة بمعرفة الحدود، والصورة المتجلية): وهو الإله أو الموجود الذي له الأسماء والصفات، وحقيقة توحيده عندهم معرفة وجوده ووحدانيته، وسبقه، وكماله وأزليته، وجلاله، وعلمه، وبهائه، وعقله، وعظمته، وكبريائه، وقدرته، وحياته، وانفراده بجميع صفاته، فهو الدهر والزمان، وهو الخالق المبدع، المستوي على العرش، وهو المقصود في القرآن الكريم عندهم بقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ).
وهذا المستوى من الألوهيَّة فاعلٌ ونشطٌ، يتوجه إليه هؤلاء غالبًا بالعبودية والصلاة والدعاء والتوسل، ومتصل بشؤون الحياة البشرية، ويسمى ويوصف بحسب كل طريقة بأسمائها وصفاتها الخاصَّة أو المشتركة التي تنعته بها، فيقال عن معبود أو معبودات هذا المستوى: العقل الأول أو المبدَع الأول، وهذا هو الأساس بينهم، ومنهم من يلحق بالعبودية: العقل العاشر (واهب الصور ومصدر الوحي والإلهي)، وفلك القمر، والملائكة الروحانية، والأفلاك، والأجرام السماوية، والإمام والأئمة، والولي، والأقطاب، والأوتاد، والحقيقة المحمديَّة، والإنسان الكامل، وخاتم الأولياء، وهكذا.
فبالنسبة إلى الفلاسفة اليونانيين، فإنَّهم -كما هو معلوم- ظهروا في بيئة وثنيَّة تؤمن بتعدد الآلهة ووجود الوسائط. وهنا نقطة مهمة قد لا يتنبه لها كثيرٌ من الباحثين في الفلسفة اليونانيَّة، وهي أهميَّة دراسة الدين اليوناني الوثني، إذ إنَّه أثَّرَ كثيرًا في أسس الفلسفة اليونانيَّة وفي تصورها للألوهيَّة. يقول فريتز هيرمان: “كتابٌ عن الفلسفة اليونانيَّة لن يكون كاملاً من غير فصلٍ يتحدث عن الدين اليوناني. والسبب في ذلك، على الأقل من بداية القرن الخامس قبل الميلاد فصاعِدًَا، أنَّ التفكير اللاهوتي شَكَّلَ جزءًا لا يتجزأ من التفكير الفلسفي فيما يخص بعض أهم المؤثرين الأوائل من فلاسفة ما قبل سُقْراط“.
يقول ابن تيميَّة: “كان المشركون يعبدون الأصنام المجسدة التي لها ظل، وهذا كان دين الروم واليونان، وهو دين الفلاسفة: أهل مقدونية وأثينة، كأرسطو وأمثاله من الفلاسفة المشائين وغيرهم، وكان أرسطو قبل المسيح، وكان مشركًا يعبد هو وقومه الأصنام”. ومع تجريدهم للإله الأعلى، و”أنَّه ليس له إلا صفات سلبية”، إلا أنَّهم كانوا يعبدون آلهة أخرى، ويَبْنُون لها الهَيَاكِل. وعبادة الأصنام في نظر فلاسفة اليونان لا تتنافي مع تجريد الإله الأعلى، وهذا ما يؤكده الفيلسوف والمنطقي فَرفوريوس الصُّوري (305م)، إذا يرى أنَّ صناعة التماثيل هي من باب تبجيل للآلهة، ليتذكروا بها، وليقوموا بأداء طقوس الصلاة والتطهير والتوسل. فالهياكل السماوية للكواكب والآلهة كان اليونانيون يضعون لها الأصنام والتماثيل، فيرونها ويحسونها ويصرفون إليها العبادات، مع اعتقادهم في الوقت نفسه بالإله الخفي المجهول الذي لا يعرفونه ولا يقولون عنه إلا بالسلب والنفي.
وهذه الخلفيَّة الوثنيَّة لدى اليونان والتي تحدَّثَ عنها ابن تيميَّة حقيقة معروفة، إذ قال المؤرخ بترونيوس الروماني: “أن تجد إلهًا في أثينا أسهل من أن تجد فيها إنساناً”. وقال الرحالة والجغرافي اليوناني باوسانياس (180م): “إن آلهة أثينا أكثر من آلهة سائر بلاد اليونان”. وقال الفيلسوف والمؤرخ اليوناني كسينوفون (354 ق.م): “ما أثينا سوى مذبح وتقدمة”. وقال المؤرخ اليهودي الروماني فلاڤيوس يوسيفوس (100م): “إنَّ في أثينا تماثيل مختلفة الأنواع والمواد لكل الآلهة. وكانت تماثيلها محيطة بكل ساحة، وقائمة في كل زاوية من زوايا الأزقة والشوارع، وفي باحة كل دار وفي كل مخدع”. ويتحدث الكاتب الروماني يوليوس فيرميكوس ماتيرنوس (القرن الرابع الميلادي)، عن أنَّ الوثنيين اليونانيين والرومان عبدوا كل شيءٍ وجدوه مفيدًا ونافعًا لهم، واتخذوا من كل ذلك آلهة لهم. وقد عاب اللاهوتي المسيحي المعروف أوغسطينوس (٤٣٠م) عليهم كثرة معبوداتهم وعباداتهم الكثيرة المتعددة تلك.
وحين تحدَّث ابن تيميَّة عن عقيدة فلاسفة اليونان في الإله والآلهة، أشار إلى أنَّ هؤلاء بجوار اعتقادهم بتلك الآلهة الكثيرة التي يعرفونها بأسمائها وصفاتها، ويقدمون إليها العبادات والذبح والنذور وسائر الطقوس، كان لديهم إله مجرد لا يعرفونه ولا يعرفون له اسم أو صفة، فقال: “في كتبهم [أي المسيحيين] أنَّ بولص [=بولس] لما صار إلى أيثينية [=أثينا] دار الفلاسفة، وفيها دارُ الأصنام، وجد مكتوبًا على باب دار العلماء: (الإلهُ الخفيُّ الذي لا يُعْرَف)”. وقد جاء هذا النص في الترجمة الكاثوليكيَّة لسفر (أعمال الرسل)، وهو أنَّ بولس حين وقف بين جموع الفلاسفة في أثينا، رأى المدينة “مملؤة أصنامًا“، فقال مخاطبًا إياهم: “يا أهل أثينا، أراكُم شَديدي التَّدَينِ مِن كُلِّ وَجْه، فإني وأنا سائر أنظر إلى أنصابكم وَجَدتُ هَيكَلاً كُتِبَ عليه: (إلى الإله المجهول)، فَما تَعْبُدونَه وأَنتُم تَجْهَلُونَه!”. وقد ورد في ترجمات مختلفة ألفاظ متقاربة، فبدل (أنصابكم) جاء: معابدكم ومعبوداتكم والأشياء التي تكرمونها، وبدل (هيكلاً) جاء: مذبحًا ومعبدًا، وبدل (تجهلونه) جاء: لا تعرفونه. وجاء في حاشية الكتاب المقدَّس، التي وضعتها لجنة مؤلفة من علماء كتابيين ولاهوتيين ينتمون إلى مختلف الكنائس المسيحية من كاثوليكية وأرثوذكسية وإنجيلية، تعليقٌ على عبارة (الإله المجهول)، نصُّه: “كرس الأثينيون مذبحاً للإله المجهول ليأمنوا شر إله نسوا أن يحسبوا له حسابًا”.
ويشرح فريدريك بروس (1990م)، وهو من أبرز علماء العهد الجديد في الأوساط البروتستانتية الإنجيلية، ويلقب بـ(عميد الدراسات الإنجيلية) معنى (مملوءة أصناماً): “أي تملأها هياكل وتماثيل الآلهة الوثنية”. ويقول الدكتور وليم إدي، شارح الإنجيل: “رأى بولس حيثما توجه هياكل وتماثيل ومذابح”. وقد نَعَتَ فلاسفة أثينا يسوع الذي كان بولس يدعوهم إليه بأنَّه “آلهة غريبة“، ويعلق الدكتور وليم إدي، شارح الإنجيل، على عبارة (آلهة غريبة) بقوله: “قسم الأثينيون الآلهة ثلاثة أقسام، وأصل الآلهة هنا في اليونانية تفيد القسم الأدنى من هذه الثلاثة”. ويشرح وليم إدي نص بولس، فيقول: “(معبوداتکم) أراد بذلك كل ما يتعلق به من الهياكل والمذابح والتماثيل. (وجدتُ أيضًا مذبحًا) فوق المذابح المختصة بآلهة معروفة الأسماء والصفات…(لإله مجهول وأنتم تجهلونه إلخ)، أي وأنتم لا تعلمون اسمه ولا صفاته ولا العبادة التي ترضيه، فبذلك العنوان أقررتم بوجود إله يستحق العبادة، مجهول الاسم والصفات”.
فكثيرٌ من الفلاسفة اليونانيين، شأنهم شأن سائر قومهم، كانوا وثنيين يؤمنون بتعدد الآلهة، ويعبدون الكواكب والأفلاك وغيرها من الآلهة. يقول مؤرخ الفلسفة اليونانية وولتر ستيس: “أفلاطون وأرسطو اعتقدا أنَّ النجوم كائنات إلهيَّة، وأنَّ اعتبار الشمس حجرًا ملتهبًا أحمر، والقول إنَّ القمر مصنوع من الأرض، كان هذا تجديفًا [=زندقة] ضد الأفكار اليونانيَّة”. ولذلك، لما جاء أنكساغورس وأنكر ذلك، وقال إنَّ القمر أرضٌ فيها جبال ووديان، وأنَّ الشمس والكواكب أجرامٌ ملتهبة لا تختلف طبيعتها عن طبيعة الأجسام الأرضية، كما يتبين من مقابلة الأحجار المتساقطة من السماء بما عندنا من أحجار، تم اتهامه بالكفر، ووصف بأنَّه ملحدٌ؛ وسبب ذلك أنَّه أنكر ألوهيَّة القمر والشمس، ومن ثَمَّ -كما يقول برتراند رسل– “اضطر للهرب ناجيًا بعمره”. وكان الفيلسوف اليوناني أرسطو يعتقد أنَّ حسن التدبير وجمال النظام في العالم مرده إلى “عمل الآلهة”. يقول الباحث في الفلسفة الدكتور ماجد فخري إنَّ: ”حركة الشمس والقمر والكواكب مردها عند أرسطو إلى فعل العقول المفارقة، وهي محركات لا تتحرك شيمة المحرك الأول. إن أرسطو لا يخلص للوحدانية [=وحدانيَّة المحرك الأول] هذه إخلاصاً تاماً، فهو يدعو هذه العقول المفارقة آلهة، ويشيد بأجداده من قدماء اليونان الذين نسبوا الألوهيَّة الى الأجرام السماوية كذلك”.
وكان الفيلسوف زينون يعتقد أنَّ الشمس والقمر وجميع الأفلاك كائنات عاقلة مفكرة، توقدها “نار فنَّانة”، تساعدها في النمو، وأنَّ الأثير هو الإله العاقل المدبر، واحتج لعقل العالم بحجة منطقيَّة، بقوله: “العاقل أفضل من غير العاقل، ولكن ليس من شيء أفضل من العالم، إذن فالعالم عاقل”. وكان الأثينيون، مثلهم مثل كثير من فلاسفتهم، يعتقدون أن َّكل ما هو سماوي فهو إلهي، وهذا الاعتقاد دخل لاحقًا إلى كثير من الفلاسفة في الإسلام والباطنيَّة وغلاة الصوفيَّة، وأثَّر فيهم على مستويات متفاوتة، فكثير منهم يعتقد أنَّ الكواكب لها نفوسها وعقولها، وأنَّ العالم السماوي لا يخضع لقوانين الكون والفساد، وأن العقول تدبر وتتصرف والخلق، وتستجيب للدعاء، وتنزل الوحي.
يقول مؤرخ الديانات المعتزلي الإمامي النوبختي: “قال أرسطو: لا يجوز أن يفسد [الفلك] بوجه من الوجوه. وقال أفلاطون: الفلك حيٌّ، وزعم أنَّ الخالق قسم الأنفس، فجعل في كل كوكب نفسًا. وقال قوم: الفلكُ حيٌّ مميزٌ سميعٌ بصيرٌ، ليس بشامٍّ ولا ذائقٍ، وحُكِيَ هذا عن أرسطو وعن [الفيلسوف] الكندي“. ويقول الفيلسوف أبو البركات البغدادي: ”قالوا [=الفلاسفة]: وعقله [=عقل فلك القمر] هو العقل الذي به تهتدي نفوس البشر، وهو الذي يسمونه العقل الفعَّال، وعنه تصدر نفوس البشر”. ويقول المنطقي والفيلسوف نجم الدين الخونجي (٦٦٣هـ): “أن يجعل المؤثر هو الفلك، فالقائلون به هم الفلاسفة والمنجمون والصابئة، فإنهم زعموا أَنَّ الأفلاك أحياء ناطقة وكذا الكواكب، وأنَّ الله تعالى فوَّض تدبير العالم السفلي إليها“. ويقول الفيلسوف الأرسطي ابن رشد: “الأجرام السماوية ذات عقول ضرورة، لأنَّ الحركة إنما تكون من شوق، فهي ضرورة ذات شوق نطقي، وهذه الأجرام أزليَّة، فإنها إذا تصورت الخير الذي كمالها في تصوره تشوقت أن تتشبه به في الكمال”. ويؤكد ابن تيميَّة أنَّ الفلاسفة ومن تابعهم يعتقدون أنَّ “العقل الفعَّال العاشر رب كل ما تحت فلك القمر“، وأنَّ ”أئمة الصابئة الفلاسفة” الذين يعتقدون بـ”نفي الصفات والأفعال”، هم “أهل الشرك”، و”لهم مصنفات في دعوة الكواكب، وكان لهم بها هيكل العلة الأولى وهيكل العقل الفعال وهيكل النفس الكلية وهيكل زحل وهيكل المشتري وهيكل المريخ وهيكل الشمس وهيكل الزهرة وهيكل عطارد وهيكل القمر”. وأنَّهم “يتوسلون بالقمر وبدعوته، والقمر وعبادته، وأبو معشر البلخي له (مصحف القمر)، يذكر فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب الاستعاذة منه”.
أمَّا بالنسبة إلى الباطنيَّة، بمستوياتها المتفاوتة: الخُلَّص أو المتوسطة، فسنجدهم كعادتهم في محاكاة للقدماء من الأفلاطونية المحدثة والغُنُوصيَّة، يجعلون الأنبياء والأئمة إلهةً تمثل منزلة تُقارب (الإله الأدنى)، الذي يخلق ويرزق، ويدبر ويصرف شؤون العالم، وله الاتصال بالبشر، وإليه يتوجهون بالعبادة وأداء الطقوس، أمَّا (الإله الأعلى) المجرد المحض المتعالي، فإنَّه بعيدٌ عن خلقه، ومهمته الرئيسة هي تفويض (الإله الأدنى) بالأمر والتدبير. يقول الدكتور مصطفى غالب، وهو باحثٌ إسماعيليٌّ معاصرٌ، شارحاً عقيدة الباطنيَّة في بداية الخلق وصدور الأشياء، إنَّهم يذهبون “في توحيدهم إلى أنَّ الله سبحانه وتعالى منزه عن الصفات والأسماء”، فهذا ما يتعلق بتجريد (=الإله الأعلى)، ثم إنَّهم ينطلقون منه إلى الموجود الأول الذي له الخلق والأمر (=الإله الأدنى)، إذ يعتقدون “أنَّه سبحانه وتعالى أبدع من ذاته العقل الكلي، أو الموجود الأول، أو المبدَع الأول، أو السابق، وجعله علة للموجودات: العلويَّة والسفليَّة”، فكل ما وُجِدَ في الكون فهو عنه أساسًا، فـ”بواسطة المبدَع الأول هذا وُجِدَت النفس، وهي الخلق المنبجس من الخلق الأول، وبواسطة الأصلين السابق والتالي، أو العقل والنفس، وجدت المخلوقات كلها العلوية: الروحانية، والسفلية: الجسمانية”. فعقيدة الباطنيَّة تقوم على نفي الأسماء والصفات والأفعال عن الله تعالى؛ لأنَّهم – كما يقول مصطفى غالب– يعتقدون أنَّ الله متعال عن المراتب كلها كمالاً ونقصاً، وحدة وكثرة، ومن ثَمَّ فإنهم وهبوا تلك الأسماء الحسني والصفات الإلهيَّة إلى (العقل الأول) أو (المبدَع الأول) أو (الموجود الأول)، والتوحيد عند الباطنيَّة هو معرفة (العقل الأول)، وهذا البناء الباطني سيكون الأساس في تكوين نظرية (الإنسان الكامل) عند غلاة الصوفية لاحقًا.
فمثلاً: يقول الحامدي : “فالحي، القادر، القديم، العالم، هو الموجود الأول“، و”أمَّا توحيد المؤمن فهو معرفته لهذا الواحد الأول“. وينقل الحامدي عن أحد علماء الباطنيَّة أنَّه قال: “وأمَّا معرفة التوحيد فإن الصفة والمعرفة هو لأول موجود عن المبدِع الحق، وإنَّ المبدِع الحق يتعالى عن الصفات، ويتنزه عن الإشارات، والكل عاجز عن صفته وتوهمه، وإشارة إليه”. ويعقد إدريس عماد الدين القرشي باباً بعنوان: (في سبق الأول من عالم الإبداع إلى التوحيد، وما اختص به لسبقه من إمداده بنوره) عن العقل الأول، ومما قاله فيه، ما نصه : “نور الأنوار، وسر الأسرار، المكنى عنه بالمؤمن المهيمن العزيز الجبار،…وهو الواسطة بينهم وبين مبدعهم جل وعلا، وحجابه الأرفع الأعلى، وهو من النور والبهاء…ولما اتصلت به مواد مبدعه وأنواره منشية ومخترعة، أفاضها على من دونه من العقول الشريفة، والأنوار المقدسة اللطيفة”.
وذَكَرَ النوبختي والقمي أنَّ محمد بن نصير النميري زَعَمَ أنَّ أبا الحسن عليَّ بن محمد العسكري إلهٌ وربٌّ، وأنَّه الذي بعثه نبيًّا. ويقول الحسين بن حمدان الخصيبي (358 هـ): “إنَّه لما كان الاسم مع المعنى لا غيره ولا سواه، فوَّضَ إليه [=أي إلى محمد] الجزء [=أي العالمين] والكل [=أي سلمان الفارسي]، فكوَّن الباب، وأوقفه بالنورانيَّة وتمام الفصل، الاسم منه السلام، خلق الخلق، النورانين والممزوجين ومن في الملك أجمعين، الباب ومن يليه من المراتب العلويَّة والسفليَّة”. ويرى المستشرق هاينس هالم، الذي يُعد من أبرز المختصين الغربيين في دراسة تاريخ طوائف الباطنيَّة، أنَّ ما يُعرف في التراث الباطني برؤيا جابر الجعفي في (أم الكتاب) هي في الحقيقة إحدى أبرز تجليات الغُنُوصيَّة في لباسٍ باطني، حيث يتلقى جابر بن يزيد الجعفي الوحي من إمام زمانه محمد الباقر، وهذا الإمام في حقيقته هو: ” كائن صوري، تجسد لتلك الألوهيَّة العلية عديمة الاسم، ومن هنا لا يسمى إلا بـ(الإله الأزلي) و(الإله القديم)”، وأنَّ هذا الإله المتعالي المجرد يظهر ويتجلى في خواصه الخاصَّة الخمس: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين“. ويقول أبو الخير سلامة بن أحمد الحدَّا النُّصيري (من القرن الخامس الهجري): “قال شيخنا وسيدنا [أبو] الحسين محمد بن علي الحلي، عليه رضوان الملك العلي: كل ظهورات المعنى الإلهي بأنزع بطين، وهو الحق المبين…، ومعنى القول فيه إنَّه أنزع بطين، أي أنزع من الصفات، قديم بالذات، ممتنع عن النعوت والصفات، إنَّ النعوت كلها محمديات. وقد سئل مولانا [=الصادق] عن الحجاب، فقال: الحجاب حجب الذات عن الأسماء والصفات، وأنا أقر واعترف أنَّ محمدًا اسمه المحمود، وواحده الموجود، ومقامه المعبود، اخترعه من نور ذاته، وجعله موقع أسمائه وصفاته، وأول حجباته، وغاية متجلياته، فوَّضَ إليه مقاليد ملكه، فقدره بتقديره، ودبره بتدبيره”. ويقول أيضًا أبو الخير سلامة بن أحمد الحدَّا النُّصيري: “فتعالى وتقدَّسَ من هذه الصفات، وجلَّ وعلا عن التحديد، معرفة ذاته الظاهر بالأنزع البطين، وهو أمير المؤمنين، غاية كل غاية ونهاية كل نهاية”. وجاء في (كتاب المجموع) في العقيدة النُّصيرية، الذي نشره المستشرق رينيه دوسو، التوجه بالدعاء إلى علي بن أبي طالب، حيث يقول: “أسألك يا مالك الملك يا أمير النحل يا علي يا وهاب، يا أولى يا تواب، يا داحي الباب…يا أمير النحل يا صاحب الدولة العالية، يا من أنت الأحد، واسمك الواحد، وبابك الوحدانية، يا من ظهرت في السبع القباب الذاتية، بأن تجعل قلوبنا وجوارحنا ثابتة على معرفتك الزكية، وخلصنا من هذه الهياكل الناسوتية، ولبسنا القمصان النورانية”.
بل إنَّ هذه النظريات الفلسفية الأجنبية انعكست -أيضًا- إلى حد بعيد في بعض الاتجاهات أو المذاهب ذات النزعة الباطنية، أو المتأثرة بالتأويل الباطني، ويُعدُّ المجلسي مثالًا يمكن الاستشهاد به في هذا السياق، حيث إنَّ يبين بوضح وجلاء التقارب بين تصور الفلاسفة للعقول المفارقة وبين تصورهم لأئمتهم، حيث يقول: “فاعلم أنَّ أكثر ما أثبتوه [=الفلاسفة] لهذه العقول قد ثبت لأرواح النبي والأئمة عليهم السلام في أخبارنا المتواترة على وجه آخر، [1] فإنهم أثبتوا القدم للعقل، وقد ثبت التقدم في الخلق لأرواحهم، إما على جميع المخلوقات، أو على سائر الروحانيين في أخبار متواترة. [2] وأيضًا أثبتوا لها التوسط في الإيجاد أو الاشتراط في التأثير، وقد ثبت في الأخبار كونهم عليهم السلام علة غائية لجميع المخلوقات، وأنَّه لولاهم ما خلق الله الأفلاك وغيرها. [3] وأثبتوا لها كونها وسائط في إفاضات العلوم والمعارف على النفوس والأرواح، وقد ثبت في الأخبار أنَّ جميع العلوم والحقائق والمعارف بتوسطهم تفيض على سائر الخلق حتى الملائكة والأنبياء. والحاصل أنَّه قد ثبت بالأخبار المستفيضة أنهم: الوسائل بين الخلق وبين الحق في إفاضة جميع الرحمات والعلوم والكمالات على جميع الخلق. فكلما يكون التوسل بهم والإذعان بفضلهم أكثر كان فيضان الكمالات من الله أكثر…فعلى قياس ما قالوا؛ يمكن أن يكون المراد بالعقل نور النبي صلى الله عليه وسلم الذي انشعب منه أنوار الأئمة عليهم السلام”. ويقول التبريزي الأنصاري: “إنَّ للنبي صلى الله عليه وسلم مقامات أربعة…فالأول مقامه اللاهوتي في مرتبة الفؤاد، أي: الجهة العالية من العقل الكلي، وهو مقام: (مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل)، وإليه الإشارة في قولهم عليهم السلام: (لنا مع الله حالات هو فيها نحن ونحن هو، وهو هو ونحن نحن). ومن هذا المقام تنحدر سيول الفيوضات الإلهية، ولا ترقى إليه طيور العقولات الكلية والجزئية. والثاني مقامة الجبروتي: وهو مرتبة العقل الكلي بنفسه من حيث هو مقام الحقيقة المحمدية، ومقام أول ما خلق الله العقل، وأول ما خلق الله روحي، وأول ما خلق الله نوري أو نور نبيك يا جابر“.
وأمَّا بالنسبة إلى الصوفيَّة، فإنَّها احتضنت نظريات الأفلاطونيَّة المحدثة الفلسفيَّة وأفكار الغُنُوصيَّة، عبر المحاضن الباطنيَّة، وسَمَّت (العقل الأول) بـ(الحقيقة المحمديَّة) و(أم الكتاب)، و(القلم الأعلى)، تأثرًا بالباطنيَّة من جهةٍ، ومن جهة أخرى ابتكروا له أسماء جديدة، مثل: الإنسان الكامل، والقطب، والولي، وخاتم الأولياء.
يقول ابن عربی: “اعلم أنَّ الحقيقة المحمدية مسماة بالعقل الأول“، ويقول: “المفعول الإبداعي، الذي هو الحقيقة المحمدية عندنا [= أي الصوفيَّة]، والعقل الأول عند غيرنا [=أي فلاسفة الأفلاطونية المحدثة والباطنيَّة]، وهو القلم الأعلى الذي أبدعه الله تعالى من غير شیء… فلم يكن أقرب إليه تعالى قبولاً في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم المسماة: بالعقل، فكان سيد العالم بأسره، وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي، ومن الحقيقة الكلية. وفي الهباء وُجِدَ عينه، وعين العالم من تجليه، وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب“، فـ”الحقيقة المحمديَّة صورة لاسم الله الجامع لجميع الأسماء الإلهيَّة، الذي من الفيض على جميعها، فهو تعالى ربه. فالحقيقة المحمدية التي هي تَرُبُّ صورة العالم كلها بالرَّب الظاهر فيها، الذي هو رب الأرباب، فبظاهرها تَرُبُّ ظاهر العالم، وبباطنها تَرُبُّ باطن العالم، لأنَّه صاحب الاسم الأعظم وله الربوبية المطلقة”. ثم يسند ابن عربي إلى الحقيقة المحمدية (الإنسان الكامل) ما أسندته الباطنيَّة إلى العقل الأول، فالأسماء الحسني والصفات العلى ليست لله؛ بل هي للعقل الأول الذي هو الإنسان الكامل وهو الحقيقة المحمدية. يقول ابن عربي: “فكانت هذه الأسماء الإلهيَّة على هذا الإنسان الكامل أشد مطابقة منها على المسمى الله”، فـ”مقام أصل الوجود وسيده، ومبدأ العالم وممده، وهو سيدنا محمد“، و”إنما لخصت الكلمة المحمدية بالحكمة الفردية؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أول التعينات الذي تعين به الذات الأحديَّة قبل کل تعین، فظهر به من التعينات الغير المتناهية…فهو واحد فرد في الوجود لا نظير له، إذ لا يتعين من يساويه في المرتبة، ليس فوقه إلا الذات الأحديَّة المطلقة المتنزهة عن كل تعين وصفة واسم ورسم وحد ونعت، فله الفرديَّة مطلقاً”. ولهذا، “فإنَّ الله لما أحب أن يُعرف لم يمكن أن يعرفه إلا من هو على صورته، وما أوجد الله على صورته أحد إلا الإنسان الكامل“.
ويقول عبد الرزاق القاشاني: “فالتعين الأول هو العقل الأول المسمى أم الكتاب، والقلم الأعلى، والعين الواحدة، والنور المحمدي“. وكذلك يؤكد الفيلسوف الصوفي صدر الدين القونوي (ت 671ه) أنَّ الذي ظهر بالأسماء والصفات هو (الإنسان الكامل)، حيث يقول: “المرتبة الأربعون من مراتب الوجود هي للإنسان الكامل، وبه تمت المراتب وكمل العالم، وظهر الحق للعالم سبحانه بظهوره الأكمل على حسب أسمائه وصفاته… فالإنسان هو الحق، وهو الذات، وهو الصفات…وهو الوجود وما حواه، وهو الحق، وهو الخلق، وهو القديم، وهو الحادث. فلله در من عرف نفسه معرفتي إياها، لأنه عرف ربه معرفته لنفسه”.
ويؤكد عبد الكريم الجيلي أنَّ الصفات الإلهية السبع (الحياة، العلم، الإرادة ، القدرة، السمع، البصر، الكلام) إنما تظهر في الإنسان الكامل بتمامها؛ لأن الإنسان الكامل هو مرآة الله. ويقول (عبد الكريم الجيلي): “العقل الأول، والقلم الأعلى، نورٌ واحٌد، فنسبته إلى العبد يسمى العقل الأول، ونسبته إلى الحق يسمى القلم الأعلى، ثم إنَّ العقل الأول المنسوب إلى محمد صلى الله عليه وسلم خلق الله جبريل منه في الأزل، فكان محمد صلى الله عليه وسلم أبا لجبريل وأصلا لجميع العالم”، و”خلق الله تعالى العالم جميعه من نور محمد“، ولهذا، “اعلم أنَّ الله تعالى لما خلق النفس المحمديَّة من ذاته، وذات الحق جامعة للضدين، خلق الملائكة العالين من حيث صفات الجمال والنور والهدى من نفس محمد صلى الله عليه وسلم – كما سبق بيانه – وخلق إبليس وأتباعه من حيث صفات الجلال والظلمة والضلال من نفس محمد صلى الله عليه وسلم”، و”اعلم حفظك الله أنَّ الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود، من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين”.
ويقول عبد الرزاق الكاشاني: “الحقيقة المحمديَّة: هي الذات مع التعين الأول، فله الأسماء الحسنى كلها، وهو الاسم الأعظم”، وأنَّ “واسطة الفيض وواسطة المدد: هو الإنسان الكامل الذي هو الرابط بين الحق والخلق بمناسبته للطرفين”. ويقول ابن عربي: “اعلم أنَّ القطب الذي عليه مدار أحكام العالم، وهو مرکز دائرة الوجود من الأزل إلى الأبد واحد، باعتبار حكم الكثرة متعدد. فالنبي في كل عصر هو قطبه، وعند انقضاء نبوة التشريع بإتمام دائرتها، انتقلت القطبية إلى الأولياء مطلقاً. فلا يزال في هذه المرتبة واحد منهم، قائم في هذا المقام، ليحفظ الله تعالى به هذا الترتيب والنظام، إلى أن يظهر خاتم الأولياء، الذي هو خاتم الولاية المطلقة”.
وقد أكَّدَ علماءٌ متقدمون أنَّ هذا النظريات الفلسفيَّة والأخبار والمرويات المصنوعة، التي وُضِعَت من أجل إدخالها وتمريرها إلى البيئة الإسلاميَّة، كان المؤسس لها في الأوساط الدينيَّة: الباطنيَّة، وتلقفها غلاة الصوفيَّة، فأثَّرَت بعمق في تصوراتهم الدينيَّة وبنائهم العقدي، ووظفوا لترويجها مصطلحاتهم الخاصَّة أو المنقولة. فقد أشار ابن تيميَّة أنَّ الفلاسفة في الإسلام هم الذين تبنوا دعوى “أنَّ العقول قديمة أزليَّة”، و”أنَّ العقل الفعال هو رب كل ما تحت هذا الفلك، والعقل الأول هو رب السماوات والأرض وما بينهما”، ثم إنَّ الباطنيَّة تلقفوا هذه الدعوى، وهرع على إثرهم غلاة الصوفيَّة وفلاسفتها، وأنَّهم أدخلوا مضامين هذه الدعوى الفلسفية في أحاديث موضوعة ومرويات مصنوعة. أمَّا المؤرخ ابن خلدون، فيُشير بكلام مهم جداً إلى سياق تطور الفكر الصوفي-الفلسفي عند غلاة المتصوفة، وأنَّ ذلك يعود إلى اتصالهم وخلطتهم بالباطنيَّة، الذين يعتقدون بـ”إلهيَّة الأئمة”، ومن ثَمَّ “اختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفية القول بالقطب”، ثم يبين ابن خلدون أنَّ نسخة (القطب) الصوفيَّة هذه وما يتعلق بها هذه من ترتیب الوجود عليها، هي النسخة المُقَلَّدَة والمأخوذة عن الأصل، وهي النسخة الباطنيَّة عن الأئمة والنقباء، وأنَّ هذه العقائد مبثوثة في كتب ومذاهب الباطنيَّة.
كذلك، يؤكد الباحثون الأكاديميون المعاصرون المتخصصون في التصوُّف والباطنيَّة أنَّ نظريَّة (النور المحمدي) فكرةٌ فلسفيَّة أجنبيَّة في البيئة السُّنية، وإنَّما دخلت إليها عن طريق الباطنيَّة. ومن هؤلاء: رينولد نيكولسون وإجناتس جولدتسيهر وعبد الرحمن بدوي وأبو العلا عفيفي وطه حسين وأبو الوفا الغنيمي التفتازاني وغسان خالد، الذين أكدوا أنَّ البنية العقديَّة للصوفية فيما يتعلق بمفهوم الحقيقة المحمديَّة والإنسان الكامل والقطب، إنَّما شيدت على الفلسفة الأفلاطونية المحدثة والغنوصية والباطنية. يقول عباس محمود العقاد عن الفيلسوف أفلوطين (270م): “هو أجدر فیلسوف أن يحسب من صميم المتصوفة، أو يقال عنه بغير جدال: إنَّه إمام التصوف الذي امتزجت آراؤه بالطرق الصوفية، ولا تزال تمتزج بها إلى هذا الزمان”. ويؤكد المستشرق هانز هينرش شیدر أنَّ فلسفة ابن عربي، ذات النزعة الغنوصية، كان لها تأثيرٌ هائلٌ في تشكيل الفكر الصوفي المتأخر، وأنَّ (القطب) “يحمل تماماً نفس ملامح وصفات الإمام المستور” عند الباطنيَّة، وأنَّ “هذا القطب يمثل الوحي الإلهي في كل جيل، وإنَّ الولي الكامل هو بعينه الإنسان الكامل تمامًا، وهو الخليفة الله في الكون”. ويؤكد، كذلك، الباحث ماجد فخري تأثر الصوفيَّة بمذاهب الباطنيَّة، خاصَّة فيما يتعلق بالعلاقة بين فكرة الإمام وكونه علة الوجود ونظرية الحقيقة المحمديَّة.
ويلفت المستشرق کارل هیرش بکر الانتباه إلى أمرٍ جوهري، هو أنَّ هذه الفلسفة المشتركة بين غلاة الصوفيَّة والباطنيَّة حول الإنسان الكامل أو الحقيقة المحمديَّة، التي استمدوها من الغنوصية والأفلاطونيَّة المحدثة، قد غيَّرَت صورة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من نبي مرسل إلى عقل مؤله موجود منذ الأزل، وكان ذلك سبباً في إيجاد ما يشبه عبادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ويؤكد المستشرق کارل هیرش بکر: “أنَّه من الثابت أنَّ الغُنُوص قد أثر في إيجاد هذه الصورة التي صورتها العصور الوسطى الإسلاميَّة المتأخرة لمحمد، وكان سببًا أيضا في إيجاد ما يشبه عبادة محمد، وهذه العبادة وتلك الصورة مخالفتان لما كان عليه الإسلام الأول كل مخالفة. أمَّا أولياء الله في الإسلام ففي مقابل الأرواح القدسيَّة في الهيلينيَّة، حتى إنَّ محمدًا وهو النموذج الأعلى ينتهي بأن يصبح هو العقل الموجود منذ الأزل، وأن يكون الرحيم المخلص القدير، وعن طريق هذا المذهب انقلبت فكرة الوحي التي كانت موجودة في الإسلام الأول إلى ضدها”. أمَّا الدكتور أبو العلا عفيفي، المتخصص في التصوف وابن عربي خصوصًا، فيؤكد أنَّ القول بأزليَّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، “أو بعبارة أدق بأزليَّة (النور المحمدي)”، وهو قول ظهر بين الباطنيَّة أولاً، وأنَّ الباطنيَّة أفاضت في وصف هذا (النور المحمدي)، و”هو قول نجد له صدى في الغُنُوصيَّة“، و”عناصر مختلفة مستمدة من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة“، وأنَّ الصوفيَّة مزجت جميع تلك العناصر على طريقتها الخاصَّة، لتظهر بمظهر الأفكار المستقلة التي ضاعت معالم أصولها التي أخذت عنها. ولهذا، كما يقول المستشرق رینولد نیکولسون، المتخصص في التصوف، فإنَّ تلك العوامل الأجنبية التي أسهمت في تطوُّر عقائد الصوفيَّة، غَيَّرَت نظرتهم إلى “شخصية الرسول”، وأنَّ “الاعتقاد بأزليَّة الوجود المحمدي“، التي ظهر في عصر مبكر جداً عند الباطنيَّة، “أخذ به أهل السنة [=غلاة الصوفيَّة] من بعدهم”.



