الدين

لماذا نحب ابن تيمية؟

  • د. محمد أكرم الندوي
  • مركز الدراسات – أوكسفورد

ورد إلي سؤال من بعض إخواننا العرب: أنا أريد أن أعرف سبب عشق أهل ديوبند وسهارنفور وندوة العلماء لابن تيمية وتلقيبه بشيخ الإسلام، والشيخ الكوثري كان يعرف هذه المواقف المخزية ولكنه لم يباحثهم، أما الشيخ عبد الفتاح فموقفه فيه مجاملة مع ترك البحث أصلا لكنه كوثري أزهري لا يتفق مع ابن تيمية ومدح تكملة الرد على نونية ابن القيم للكوثري، وفي هذه التكملة تكفير وسب الكوثري لابن تيمية وابن القيم والله أعلم.

استغربت هذا السؤال استغرابا، ولم يتبين لي إلى الآن لماذا يكره ابن تيمية من يكرهه من إخواننا، وكراهية العلماء المسلمين والنيل من الأولياء الصالحين والزهاد المتقين من المحرم في هذا الدين أشد التحريم، ولم ينفرد من سمى من أهل مدارس الهند بحب ابن تيمية، بل أحبه عامة علماء الإسلام الأجلة إلى يومنا هذا، فإن كان السائل خفي عليه شيء من ذلك فإني سأكشف له هنا عن بعضه نصحا له ورجاء أن لا يقع في لحوم العلماء.

وأبدأ بما ختم سؤاله، فأقول: نعم بلغني أن شيخ كثير من شيوخنا العلامة محمد زاهد الكوثري رحمه الله كان سيء الرأي في ابن تيمية، واستغربت ذلك كما استغربت سؤال هذا السائل، ولم أحاول التنقيب عما كتبه عنه، فإن كتابات تتضمن الوقيعة في أعراض العلماء يجب أن تطوى ولا تروى، وأدعو الله عز وجل أن يغفر للعلامة الكوثري رحمه الله زلته هذه ويعفو عنه.

وكان شيخنا الإمام المحدث الفقيه عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله من العلماء العاملين المنصفين، يجل شيخ الإسلام ابن تيمية، ويحترم شيخه العلامة الكوثري، ولم يكن كوثريا، ووصفه بالكوثري تنابز بالألقاب، وقد ذكر لي مرة في أوكسفورد أنه استفاد من شيخه الكوثري، ولكن لم يقلده التقليد الأعمى، بل اختلف عنه اتباعا للدليل، ولم يكن شيخنا رحمه الله يحابي أحدا في الحق، وثناؤه على الإمام ابن تيمية عن قناعة منه أداه إليه علمه وفقهه وصلاحه.

وتلقيب الإمام ابن تيمية بشيخ الإسلام والثناء عليه ليس بدعة من علماء الهند، بل قد سبقهم إليه أئمة أعلام، وفيما يلي صفوة من أقوالهم:
قال ابن كثير في ترجمة قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري: لا يقبل من أحد هدية، ولا تأخذه في الحكم لومة لائم، وكان يقول: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن؟ وقال لبعض أصحابه: تحب الشيخ تقي الدين؟ قال: نعم. قال: والله لقد أحببت شيئا مليحا(البداية والنهاية 18/306-307).

وقال العلامة ابن عابدين: ورأيت في كتاب الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي ما نصه:… (رد المحتار على الدر المختار 6/345).

وألف الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي كتابا في الرد على من طعن في شيخ الإسلام ابن تيمية وسمى كتابه الرد الوافر على من زعم بأن من سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، وقد حوى الكتاب نقولا نفيسة بديعة من العلماء الأعلام، وأثنى العلامة بدر الدين العيني الحنفي وغيره من المحققين على هذا الكتاب.

وقال الحافظ ابن كثير: قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: … الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ القدوة، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد…وأثنى عليه وعلى فضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخُوَيِّي، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، وابن الزملكاني، وغيرهم. ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين.

وقال الحافظ أبو عبد الله بن عبدالهادي: هو الشيخ الإمام الرباني، إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصر وقريع الدهر، شيخ الإسلام، بركة الأنام، وعلامة الزمان، وترجمان القرآن، عَلَمُ الزهاد، وأوحد العُبَّاد، قامع المبتدعين، وآخر المجتهدين، تقي الدين أبوالعباس … صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها.

و قال الإمام الذهبي في معجم شيوخه: هو شيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصر، علماً، ومعرفة، وشجاعة، وذكاء، وتنويراً إلهيّاً ً، وكرماً، ونصحاً للأمَّة، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر… ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: إني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه.

وقال الحافظ عماد الدين الواسطي رحمه الله: والله، ثم والله، لم يُرَ تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية، علماً، وعملاً، وحالاً، وخلُقاً، واتِّباعاً، وكرماً، وحلْماً، وقياماً في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته، أصدق النَّاس عقداً، وأصحهم علماً وعزماً، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همةً، وأسخاهم كفّاً، وأكملهم اتباعاً لسنَّة محمد صلى الله عليه وسلّم، ما رأينا في عصرنا هذا مَن تستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة. (العقود الدرية ص 311 ).

وقال أبو البقاء السبكي: والله يا فلان ما يُبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى؛ فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به.

وقال العلامة ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد.

وقال الحافظ ابن حجر: وتفقه وتمهر وتميز وَتقدم وصنف ودرس وَأفْتى، وفَاق الأقران، وَصَارَ عجبًا فِي سرعَة الاستحضار وَقُوَّة الْجنان والتوسع فِي الْمَنْقُول والمعقول والإطالة على مَذَاهِب السّلف وَالْخلف.

وقال الحافظ جلال الدين السيوطي: ابن تيمية، الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، الفقيه، المجتهد، المفسر البارع، شيخ الإسلام، علَم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس … وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهاد، والأفراد، ألَّف ثلاثمائة مجلدة، وامتحن وأوذي مراراً. (طبقات الحفاظ ص 516، 517)

وقال الملا علي القاري: ومن طالع شرح منازل السائرين – أي مدراج السالكين لابن القيم – تبين له أنهما – أي ابن تيمية وابن القيم – كانا من أكابر أهل السنة والجماعة، ومن أولياء هذه الأمة. (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 8 / 148).

وقال الإمام ولي الله الدهلوي: إني وصلت بعد البحث والتحقيق إلى أن ابن تيمية كان عالما بكتاب الله تعالى وخبيرا بما فيه من معان وأحكام، حفظ عن ظهر قلبه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتفاسير السلف، وفقه معانيها وإشاراتها اللغوية والحكمية، وكان عالمًا للنحو واللغة، معترفًا بفضله في هذا المجال، مرجعًا للفقه الحنبلي أصوله وفروعه، متقدما في العقل والذكاء، دافع عن أهل السنة دفاعًا بليغًا قويا، لا تحكى عنه بدعة ولا فسق… إن أولئك الذين ضايقوه وسجنوه لم يبلغوا معشار ما أوتيه من العلم والفضل والنبوغ… أنا أحذر المسلمين باسم الله تعالى من أن يقعوا فيه ويقدحوه بشيء.

وقال العلامة شبلي النعماني: إن التأليف عن حياة الإمام ابن تيمية لفريضة أولى، سقط الغزالي والرازي من عيني بعد أن اطلعت على هذا الرجل.

اقرأ ايضاً: موقف ابن تيمية من التفويض في نصوص الصفات

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى