عام

كبار فلاسفة التنوير .. هل كانوا ملاحدة؟

د. عايض بن سعد الدوسري

من الملاحظات المهمة التي يجدر الانتباه إليها -كما يؤكد على ذلك بعض الباحثين الغربيين المتخصصين- أنَّ معظم الفلاسفة الراديكاليين الفرنسيين، في القرن الثامن عشر، يجدر أن لا يُصنفوا -في الحقيقة- بوصفهم ملحدين، بل بوصفهم ربوبيين، أي مؤيدين لفكرة الله الفلسفية المثالية، القائمة على العقل أو الطبيعة، لا على النظرة المسيحية الخاصة عن الله.

ومن هؤلاء: دينيس ديديرو (1713-1784)، وجان جاك روسو (1712-178)، وفولتير (1694-1778). فهؤلاء جميعًا يُصَورون بشكلٍ نمطي على أنهم ملحدين، بينما هم في الواقع ربوبيين. فمثلاً، فولتير نظر إلى الإلحاد بنفس الحماس الذي فعله مع تعاليم الكنيسة المسيحية، حيث اعتبرهما معًا “مما يثير الاشمئزاز بشكلٍ متماثل“.

ولذلك –كما يقوله بعض الباحثين الغربيين- فإنَّ الملاحدة الذين يدافعون عن الإلحاد، حين يستشهدون بأقوال فلاسفة عصر الأنوار كفولتير، يقومون باجتزاء واقتطاع عبارات من أقوالهم التي يرون أنها تؤكد الإلحاد، وتقدمهم كملحدين.

مع أنَّ فولتير يدافع عن فكرة الموجود الأعلى والأسمى، الذي يتلمسه الإنسان من خلال التأمل الفكري في العالم الطبيعي، ويرى أنَّه قد تم اختطافه وتشويه من قبل الأديان في العالم بشكل عام، ومن قبل الطوائف المسيحية المتصارعة على وجه الخصوص، كما يقول ذلك فولتير نفسه.

وهذا الموقف الواضح من فولتير يتجلى من رسالته إلى (أورانيا) سنة 1722م؛ والتي نُشرت عام 1732م، حيث قدم دفاعًا قويًا عن وجودِ كائنٍ أعلى، والذي كان يُقدم –بحسب اعتقاد فولتير- بشكل غير صحيح ومزيف من قبل الأديان الأخرى في العالم، وخصوصًا الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية وممثليها وقادتها.

كان هجوم ونقد فولتير موجهًا بشكلٍ رئيس وقوي ضد الكنيسة الكاثوليكية في عصره. وكان قتاله الذي شنه هو ضد الكهنوت الكاثوليكي ومراتبه، وضد السلوكيات والأفكار الخاصة بالكاثوليكية الفرنسية. وكان يرى أنه لم يكن من الغريب أن يوجد العديد من الملحدين في العالم، بسبب تصرفات الكنيسة البغيضة، وما “أضافته من سلسلة من الاعتقادات الفاسدة إلى الإيمان الحقيقي بالله“.

المثال الآخر هو جان مسليير (1678-1733)، حيث كان قسًا كاثوليكيًا فرنسيًا. قيل إنَّه ظل طيلة مدة أربعة عقود كاملة دون أن يُظهر أي شكوك أو عدوانية تجاه الدين، لكنه بعد موته، وجد في غرفته كتابٌ ضخمٌ قيل إنَّه يدعم فيه  الإلحاد، نُشِرَ بعد موته باسم: الوصية.

جان مسليير هذا من الشخصيات التي تُرْبَط عادة بالإلحاد كواحدٍ من أوائل الشخصيات القوية التي ناصرت الإلحاد في فرنسا. في كتابه الوصية كان هجومه منصبًا على الكنيسة وفسادها وإجرامها، وأنها مؤسسة فساد واحتيال، مليئة بالأفكار السخيفة وغير الموثوقة، على حد تعبيره.

ويواصل هجومه على الكنيسة ويصفها بأنها –كما يقول هو- تسببت في إفساد وإفقار الناس، وجعلت معيشتهم بائسة في الحياة. وأنَّ تعاليمها مليئة بالهراء الذي لا يصدقه سوى أحمق، وفوق ذلك فالمسيحية فاسدة أخلاقيًا، متدهورة سلوكيًا، ومضحكة عقديًا.

ومع ذلك لم يكن جان مسليير في الواقع ملحدًا، فمع أنه قد جعل كتابه من الغلاف إلى الغلاف في تحطيم الكنيسة، ونقض معتقداتها وممارساتها، إلا أنه لم يفعل ذلك –كما يقول بعض الباحثين الغربيين- إلا على افتراض أن المسيحية هي نِحْلَة شوهت المعرفة الحقيقية بالله، والتي هي متاحة لكل إنسان عبر الطبيعة والعقل.

ولهذا، نرى جان مسليير يدعو الله، ويقول: “أسأل الله”، ثم يتحدث عن الديني الفطري الذي وضعه الله في قلوب جميع الناس، والذي عدوه الشرس هي “النِّحْلَة المسيحية“.

والشاهد مما سبق، أنَّ توصيفات معظم الملحدين المعاصرين للشخصيات التاريخية المشهورة على أنها شخصيات ملحدة، ليس تشخصيًا حقيقيًا ولا دقيقًا، وإنما هو محاولة استكثار لسوادهم، والبحث عن شواهد تدعم إلحادهم في التاريخ والفلسفة والأدب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى