الفلسفة

ما علاقةُ وعيك بنشأة الكَون ذي الإنتروبيا المنخفضة؟

  • جونثان سيمون
  • ترجمة: جمانة السوادي
  • تحرير: حنان طه

تتذكر مارلين المستقبل، وتتنبأ بالماضي! عمر بنيامين بوتون يمضي إلى الوراء… إنها أشياء غريبة يصعب تخيلها، لكن تخيل ما هو أكثر غرابة: شخص ما شريط حياته كشريط حياتك، لكنه يمضي في الاتجاه المعاكس، صورة فصورة.  مارلين وبنيامين كلاهما كانا يمشيان ويتحدثان بشكل طبيعي. لكن بالمقابل إن سجّلت شريط حياتك وجعلته يمضي بالاتجاه المعاكس سترى شخصًا يمشي إلى الوراء (بدون أن يتعثر) ويتحدث بالمقلوب (بدون أن يتلعثم). كيف سيبدو الأمر لكائن كهذا: توأم حقيقي يعيش في زمن يسير بالمعكوس؟ هل سيشعر كما تشعر أنت حين يكون العالم من حولك يمضي بالعكس؟ هل سيحظى بأي تجارب؟ وما أهمية هذا كله؟

أعتقد أن توأمك الذي يعيش في زمن معكوس لن يحظى بأي تجربة على الإطلاق، بمعنى أنه لن يكون هناك كائن كهذا أصلًا. وبالمناسبة فإن هذا الجدل يكشف شيئًا مهما عنك أنت، وهو إما أن فهمك لقوانين الطبيعة خاطئ كُليًا، أو أن وعيك بما يدور داخل رأسك ليس عميقًا وجوهريًّا. في الواقع، إن وعيك طارئ وعارض تمامًا مثل أي شيء، بل إنه يتضمن الكون كله، ولا سيما نشأته، فهي ليست مجرد حدثٍ في الحكاية التي أوصلتك إلى هنا، بل هي جزءٌ أصيل من هويتك.

رغم غرابة الفكرة: لكن توأمك الحقيقي والمعاكس لك زمنيًّا ممكن فيزيائيًا. بمعنى أن قوانين الفيزياء -كما نفهمها عادة- لا تستبعده، والقانون المتعلق بها هو “التناظر معكوس الزمن time-reversal symmetric “، ومعناه إذا كان لديك تسجيل فيديو لنظام يتطور بمرور الوقت، فلا يهم عند أي نقطة تحدد “ابدأ” وأي نقطة “توقف”. إذا كان الفيديو يعمل باتساق مع القوانين في اتجاه ما، فإنه أيضَا سوف يعمل باتساق إذا شُغّل بالاتجاه المعاكس. لذلك فمن المنطقي أن نتساءل لم لا نلتقي بتوأمنا المعاكس لنا في الزمن في الحياة الواقعية؟[1]

الجواب طبقًا للقانون الثاني في الديناميكيا الحرارية: والذي ينصّ على أن الإنتروبيا[2] تتسع بمرور الوقت، تُمثّل الإنتروبيا مقياسًا للاضطراب في نظام معين. مثلًا لتحديد مدى الفوضى في غرفتك، فكلما كانت الغرفة فوضويةً أكثر كلما كانت الإنتروبيا أعلى. القانون الثاني ينصّ بشكلٍ أساسي أن غرفتك ستزداد فوضوية لا تنظيمًا بمرور الوقت.

تؤدي الإنتروبيا دورًا في تصور معظم أو جميع الأشكال التي يختلف بها اتجاها الزمن (الماضي للمستقبل، والمستقبل للماضي) عن بعضهما البعض. البيوت المبنية من بطاقات الورق أو أحجار الدومينو تنهار بشكل تلقائي في حين أن حزم نفس البطاقات أو جمع وتنسيق أحجار الدومينو لا يتم تلقائيا. في الصيف تذوب مكعبات الثلج، لكن الماء الدافئ لا يتحول تلقائيًا إلى مكعبات ثلجية. هذه أمثلة مختلفة لحقيقة أن الإنتروبيا تزيد كلما اتجهت بالزمن نحو المستقبل (وبناءً على ذلك، فإنتها تنخفض حين تعود بالزمن من المستقبل إلى الماضي).

الطريف أن انعدام التناسق في الإنتروبيا لا ينطبق مع قوانين الفيزياء كما اعتدنا أن نفهمها (باستثناء بعض المراوغات المتعلقة بتضاؤل الجسيمات، والتي يمكننا تعديلها حين نعكس شريط الفيديو). فإذا كان مقطع فيديو يعرض مشهدًا لانهيار بيت من الورق متسقًا مع القوانين، فإن الفيديو ذاته إذا شُغّل معكوسًا – وعرض مشهدًا لحزمة من البطاقات تتقافز تلقائيًا لتبني برجًا مستقرًا- يُعد متّسقًا أيضًا (مع تعديل التفاصيل الكمية بشكل مناسب). إذا من أين ينبع انعدام التناسق في الإنتروبيا؟

إن الإجابة تبدأ بالإحصاءات. عدد الاحتمالات لأن تكون غرفةٌ ما فوضوية أكثر بكثير من تلك الاحتمالات لأن تكون مرتبة. لنفكر بالموضوع على طريقة آنا كارنينا: لكل احتمال واحد أن يكون كل شيء في مكانه، هناك احتمالات عديدة لأن تكون بعض الأشياء في غير مكانها.

كما لاحظ لودفيغ بولتزمان وفيزيائيون آخرون لأول مرة في أواخر القرن التاسع عشر، يمكننا أن نستخدم انعدام التناسق بين النظام والفوضى لنبرهن أن جميع المسارات للأنظمة التي ليست في حالة توازن للطاقة (أي أنها لم تصل لحالة الفوضى القصوى) تتجه بشكل مباشر نحو التوازن (الفوضى القصوى) بمرور الوقت.

لكن هناك عقبة، حيث وضح يوهان جوزيف المعاصر لبولتزمان أن الاشتقاق الإحصائي محايد بما يتعلق بمُضي الزمن إلى الأمام أو إلى الوراء، وبذلك نستنتج أن جميع المسارات تقريبًا في العوالم التي تشبه عالمنا تتجه نحو التوازن في اتجاه الزمن من الماضي للمستقبل (وهذا جيد)، لكنها أيضًا طبقًا لنفس المبدأ تتجه نحو التوازن في اتجاه الزمن من المستقبل للماضي (وهذه مشكلة). الإشكال بتعبيرٍ آخر-على افتراض أن منطقنا الإحصائي صحيح- يعني أنه من المرجح أن عوالمًا كعالمنا وصلت إلى حالتها التي هي عليها الآن بأن مرت من حالة كانت فيها متوازنة الإنتروبيا ثم أخذت في الانخفاض (كأن يتكون الكون عشوائيًا من غبار) لا أنها كانت منخفضة الإنتروبيا ثم أخذت في الارتفاع (وهذا ماتشير إليه أحافيرنا وذكرياتنا ونظريات الفيزياء الفلكية).

هناك الكثير من الجدل للخروج من هذا المأزق، لكن هذا يفرض علينا بشكلٍ حتمي أن نقر بأن إنتروبيا الكون كانت منذ زمنٍ سحيق منخفضةً جدًا، وأن نأخذ هذه الفكرة على اعتبارها قانونًا لا مجرد مصادفة. (ديفيد آلبرت -والذي دافع عن هذه القضية في كتابه “الزمن والمصادفة”- أطلق على هذه الفكرة “نظرية الماضي”) وبالتأكيد فإن الجدل الإحصائي لايقتضي استحالة أن يكون عالم كعالمنا قد بدأ بإنتروبيا منخفضة، سوى أن ذلك سيكون مصادفةً هائلة. إننا بحاجة إلى “فرضية الماضي” (أو بعض الفرضيات الأخرى) لا لنبرهن فقط أن إنتروبيا الكون كانت ترتفع طوال الوقت، ولكن بدلًا من ذلك لنكون قادرين على إثبات أن ما حدث ليس مجرد سلسلة غريبة من المصادفات الهائلة.

لنستوعب الكيفية التي تعمل بها “نظرية الماضي” دعونا نتصوّر هذه المسألة بصورة كارتونية، لنفترض أنك في المرة الأولى تشاهد حزمةً من بطاقات اللعب تُشيد نفسها لتكون أساسًا لبيت مصنوع من الورق، هذه محض مصادفة هائلة يصعب تفسيرها. الآن لنفترض أننا -في المرة الثانية- نعلم بأن الأمور ستصبح أكثر غرابة: ستكمل البطاقات التراكب فوق بعضها لتكون بيتًا مكتملًا في غضون لحظاتٍ قليلة. هل المشهد الثاني يفسّر المشهد الأول؟ بالطبع لا، إن هذا يشبه قولنا: “السبب في أن البرق ضربك مرتين هو لأنه سيضربك خمس مرات خلال دقائق.” لا يمكنك أن تُفسر مصادفة بأنها جزء من مصادفة أكبر.

لكن ماذا لو كان الأمر حتميًا، بمعنى أنه محكومٌ بقانون يقيد كل الحلول الممكنة: أن حزمة البطاقات هذه ستكون -لا محالة- بيتًا مكتملًا خلال المشهد الثاني؟ إذن سيكون لدينا تفسير مبدئي (رغم غرابته) لنشاط البطاقات التلقائي خلال المشهد الأول: إن البطاقات كانت تفعل ما ينبغي لها في المشهد الأول لتصل إلى ما يفرضه عليها القانون في المشهد الثاني. “نظرية الماضي” تُقدم تفسيرًا لهذا النموذج، إن كوننا منذ الماضي السحيق كان لزامًا عليه قانونًا أن يكون في حالةٍ من الإنتروبيا المنخفضة، ويمكننا بذلك أن نفهم هذا الهبوط في الإنتروبيا عندما ننظر إلى المسارات الزمنية القادمة من المستقبل إلى الماضي، حيث أن الكون يفعل ما ينبغي عليه فعله ليمتثل للقانون. لكن هذا التفسير لا يمكن أخذه بعين الاعتبار إلا إذا كانت -حالة الإنتروبيا المنخفضة- قانونًا ينبغي للكون أن يمتثل له، وليست في حد ذاتها مصادفةً أخرى تستدعي التفسير.

باختصار، تُشير الإحصائيات إلى أن الابتعاد عن حالة التوازن ليس طبيعيًا أبدًا ولا متوقعًا في أي اتجاه زمني، لكن هذا يترك المجال مفتوحًا لأن نضع المزيد من القوانين التي تنُصّ على أن الإنتروبيا ينبغي لها أن تكون منخفضةً في أزمنةٍ ومواضع محددة (على سبيل المثال: قُبيل الانفجار العظيم). بذلك يمكن أن يكون سلوك بعض الأنظمة التي تنطوي على انخفاضٍ مستمر طبيعيًا ومتوقعًا، لكن فقط بقدر مايؤدي هذا الانخفاض في الإنتروبيا لقيام هذا النظام بما ينبغي عليه فعله ليمتثل للقانون المعنيّ.

حسنًا، ما علاقتنا بهذا؟ إن أجسادنا وأدمغتنا مليئة بالعمليات التي تمضي من حالة التوازن نحو الماضي. هذه العمليات مستقرة، لأن الوصول إلى حالة الإنتروبيا المنخفضة  في اتجاه الزمن من المستقبل للماضي هو ماينبغي على الأنظمة أن تفعله لتمتثل لقانون الإنتروبيا المنخفضة في الكون القديم. بالمقابل، فإن توأمنا المعاكس لنا في الزمن سيكون لديه العديد من العمليات التي تمضي من حالة التوازن نحو المستقبل، ولا يوجد قانون تمتثل له هذه العمليات، لذا فإن وجود توأم معاكس لنا في الزمن سيكون انحرافًا جامحًا عن مبادئنا الإحصائية.

قد تتساءل كيف يمكن أن يعلّمنا هذا أي شيء على صعيد التجربة؟ إليك الإجابة: حتى لو لم يكن الوعي في حقيقته شكلًا حسابيًا، لكن كل تحليل للوعي سواءً كان فيزيائيًا أو وظيفيًا أو ثنائيًا ينص على أنه معتمدٌ على الحساب، فالوعي ينشأ في نظامٍ ما فقط عندما يكون هذا النظام مستوعبًا لعمليات ذات هيكل حسابي. أولئك الذين يقولون أن الوعي مقتصرٌ على المكونات المادية فقط يضيفون أن الهيكل الحسابي هو جزء مما يجب أن تكون عليه هذه الحالات لتكون واعية. بينما يقول الثنائيين -القائلين بأن الوعي مادة وروح- أن العلاقة بالهيكل الحسابي هي علاقة سببية وليست مكونًا للوعي.[3]

ماهي العمليات ذات الهيكل الحسابي؟ إنها علاقة ثابتة بين أشياءٍ يمكننا أن نفكر فيها بوصفها مدخلات، الحالات الداخلية للنظام، ومخرجات. لكنها يجب أن تكون مُتّسقةً ومُطّرِدة بحيث أنك إذا أعدت العملية: نفس المدخلات، نفس الحالات الداخلية، ستحصل على نفس المخرجات، ماعدا ذلك ستكون العملية تقلبًا عشوائيًا لا هيكلًا حسابيًا.

نستنتج الآن السبب لانعدام المنطق في العمليات التي تتعارض مع تيار الإنتروبيا – كحزمة بطاقات اللعب التي تتجمع تلقائيًا لتبني بيتًا- إنها فكرة غير ممكنة على الإطلاق. ولهذا السبب يستحيل أن نصادف توأمًا معاكسًا لنا في الزمن. إنك إن حاولت أن تعكس شريط حياتك، فإنها لن يكون إلا سلسلةً خيالية ومستحيلة من المصادفات الضخمة التي تتراكم من لحظة إلى أخرى.

إن توأمك المعاكس لك في الزمن لن تكون عملياته الذهنية مُطّردة بما يكفي لتُوصف بأنها “حسابية”، وبذلك فإنها غير مؤهلة لتكون واعية. إنه لأمر مغر أن نعتقد أننا قادرون على تقييم الهيكل الحسابي بغض النظر عن تحديد أي نقطة في العملية هي الماضي الموضوعي وأي نقطة هي المستقبل الموضوعي، وهذا يعني أنه بإمكاننا الادعاء أن “حزمة البطاقات” تمثل نهاية المشهد وفي نفس الوقت فإن “البيت المبني من البطاقات” هو نهايةٌ أخرى لنفس المشهد، وادعاءنا هذا إما أنه متوقع أو مستبعدٌ تمامًا بدون تحديد أي نقطة تمثل بداية المشهد وأي نقطة تمثل النهاية. هذا الادعاء غير ممكن. يمكن أن تكون العملية التي تسقط فيها إنتروبيا النظام بشكل كبير في اتجاه زمني واحد أمرًا طبيعيًا تمامًا أو مستبعدًا تمامًا، اعتمادًا على ما إذا كان هناك قيد خاص يتمثل في انخفاض الانتروبيا في نقطة ما. ولكن وجود قيد كهذا، وأين يوضع بالنسبة للعملية المقصودة، فإن هذه المسألة ليست ذاتية، خاصة عندما يكون القانون المقصود مقيدًا بنشأة الكون قُبيل الانفجار العظيم.

الفكرة التي أقترحها هي أن الانتقالات بين الجسيمات في دماغك من لحظة لأخرى تؤدي الحسابات فقط لأنها مرتبطة بنشأة الكون عندما كان منخفض الإنتروبيا. ثبت الأشياء الشخصية ولكن غيّر العلاقة مع نشأة الكون (من خلال تشغيل العملية للخلف) وستحصل على نتيجة لا تنفذ أي حسابات على المستوى الكلي إطلاقًا. ولكن إن كانت النظرية المادية صحيحة، فإن تنفيذ الحسابات هو جزءٌ مما ينبغي فعله ليكون واعيًا. وبناءً على هذا، فإن بعض سمات نشأة الكون هي جزء أساسي من وعيك. وحتى إن كانت المادية خاطئة، فإن هذه السمات لا تزال تشكل جزءًا أساسيًا من الارتباط المادي لوعيك. يعتبر البعض أنها مسألة جدلية أن يمتد عقلك إلى البيئة المحلية. وإن كنت مُحقًا، فإن عقلك يمتد لأبعد من ذلك بكثير.


[1] تنبني هذه النظرة على الموقف من القوانين الفيزيائية؛ هل هي وصفية فقط؟ أم أن عكسها يؤدي إلى تصرف الواقع بطريقة مختلفة؟ أيا ما كانت الإجابة فإن المسألة تصورية محضة، ومع التسليم بأن ثمة عوامل كثيرة خفية لن تصل لها المفاهيم التجريبية؛ فالإمكان الفيزيائي هنا لا علاقة له بالإمكان العقلي.

[2] الإنتروبيا أو القصور الحراري (بالإنجليزية: Entropy)‏ أصل الكلمة مأخوذ عن اليونانية ومعناها «تحول». وهو مفهوم هام في التحريك الحراري، وخاصة للقانون الثاني الذي يتعامل مع العمليات الفيزيائية للأنظمة الكبيرة المكونة من جزيئات بالغة الأعداد ويبحث سلوكها كعملية تتم تلقائيا أم لا. ينص القانون الثاني للديناميكا الحرارية على مبدأ أساسي يقول: أي تغير يحدث تلقائيا في نظام فيزيائي لا بد وأن يصحبه ازدياد في مقدار «إنتروبيته». يميل أي نظام مغلق إلى التغير أو التحول تلقائيا بزيادة أنتروبيته حتى يصل إلى حالة توزيع متساو في جميع أجزائه، مثل تساوي درجة الحرارة، وتساوي الضغط، وتساوي الكثافة وغير تلك الصفات في نظام ما. وقد يحتاج النظام المعزول للوصول إلى هذا التوازن بعضا من الوقت. مثال على ذلك إلقاء قطرة من الحبر الأزرق في كوب ماء؛ نلاحظ أن قطرة الحبر تذوب وتنتشر رويدا رويدا في الماء حتي يصبح كل جزء من الماء متجانسا بما فيه من حبر وماء، فنقول أن أنتروبية النظام تزايدت (أي زادت العشوائية فيه، فلا يوجد به منطقة عالية التركيز وأخرى منخفضة التركيز، توزيع الحبر في الماء متساو). أي أن مجموع إنتروبية نقطة الحبر النقية + إنتروبية الماء النقي تكون أقل من إنتروبية النظام «حبر ذائب في ماء». وماذا عن عكس العملية ؟ أي محاولة فصل الحبر الذائب عن الماء. فهذه العملية يتبعها خفض لأنتروبيا النظام، وكما نعرف هذا لا يسير وحده طبيعيا؛ فلم نرى في الطبيعة أن يتجمع الحبر ثانيا ويحتل جزءا منفصلا في كوب الماء. ولكننا بأداء شغل يمكن فصلهما ثانيا عن بعض. مثل تسخين المخلوط وتقطيره مثلا. معنى ذلك أن خفض الإنتروبيا لا يتم إلا باستخدام طاقة خارجية، ألا وهي التسخين والتقطير. وهذا مثلا ما نستعمله في تحلية المياه لفصل الملح عن ماء البحر وإنتاج ماء عذبا. ومثال أخر طبيعي إذا وقع كوب زجاجي من أعلى المنضدة على الأرض فإنه يتحطم تماما، أي تكون انتروبيتة الكوب قد زادت. فإذا إردنا إعادة الكوب إلى أصله السليم ثانيا – وهذا لا يحدث ذاتيا في الطبيعة – فإننا لا بد وأن نزاول شغل على النظام ؛ بمعنى أننا نجمع قطع الزجاج المنكسر، ثم صهره في فرن ثم صب الزجاج المنصهر في قالب من جديد، فنحصل على الكوب ثانيا سليم. من هنا اتخذت صفة الإنتروبيا لنظام في الطبيعة أهميتها. فهي تحدد اتجاه سير عملية ما طبيعيا.

[3] – هذا لغو طبعا، لأن الأنتروبيا أصلا ليست مؤثرا أنطولوجيا وإنما تصوير تحليلي وصفي، فلا معنى أو حقيقة عقلية متصورة لشيء اسمه “عكس اتجاه الأنتروبيا” من الأصل ولأن السببية بطبيعة الحال ضرورة عقلية.

المصدر
psycheمصدر الصورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى