عام

لماذا يتجادل البشر؟

  • انجيل بينيلوس
  • ترجمة: رنا بنت أمين محمود
  • تحرير: خلود الرميح

كأستاذ فلسفة، فإن أصعب ما يمكن سماعه هو أن يتخلى الناس عن الجدال. ومع ذلك من الشائع أن يقول الناس أن الجدال فى المجتمع أمر غير مجد .. فعندما يتعلق الأمر بالمسائل السياسية، فلا يوجد الكثير مما يمكننا فعله لتغير عقول الأشخاص الذين يختلفون معنا فى الرأى أو حتى وجود أمل فى الوصول إلى خطاب مثمر، وأفضل ما يمكننا فعله هو الصمت أو المناورة بهم فى الساحة السياسية.

فمن المؤكد أنه أصبح من الأسهل تجاهل بعضنا البعض. ففى الوقت الحاضر هناك ٤٠٪ من الناخبين المسجلين ليس لديهم صديق واحد مقرب يدعم مرشح حزب رئيسى مختلف. فأصبحت المناقشات مع من نختلف معهم غير محتملة.فقد صرح ٧٠٪ من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الآن  أن التحدث عن السياسة مع أشخاص يختلفون معهم أصبح أمرًا مرهقا ومحبطا ، لذلك فقد سئم الأمريكيون من محاولة إقناع بعضهم البعض من خلال الوسائل العقلانية.

قد يُنظر إلى الحجة على أنها مسعى عدائى يخلق التوتر والإهانة ويؤدى إلى تعميق الانقسام، وهذا المعنى مفهوم ولكنه مؤسف وهو يختلف فى بعض الأحيان عن كيفية فهم الحجج فى السياقات القانونية أو الأكاديمية فعلى سبيل المثال عندما يقدم المحامى مرافعة أمام القاضى، فهو لا يحاول فقط الجدال من أجل الجدال، ولكنه يقدم ببساطة الأسباب والحقائق لدعم القضية من الناحية الأخلاقية. ومن الأفضل التفكير فى الحجج بهذه الطريقة.

فمن المفارقات أنه عندما نتوقف عن الاندماج والتواصل، نخلق رسوماً كاريكاتورية سخيفة عن المعارضين وننسخ آراء عنهم، فهذا الوصف الفج لأخواننا الأمريكيين يعززها بعض السياسيين والشخصيات الإعلامية الذين يستغلونهم لمحاولة تقسيمنا لتحقيق مكاسب شخصية. قد يكون من المفاجئ أن نسمع أن معظم الجمهوريين يريدون أن تخضع الشرطة لتدريب مكثف على التحيز العنصري، وقد يكون من المدهش أن نسمع أن معظم الديمقراطيين لا يؤيدون تخفيض التمويل لوكالات إنفاذ القانون. والواقع أن لدينا القليل من القواسم المشتركة.

انقساماتنا تضر بنا، وكما قال القاضي ‘أنتونين سكاليا’ ذات مرة: “الديمقراطية تتطلب إقناع بعضنا بعضاً”. أعتقد أنه محق بشأن الطبيعة الأساسية للإقناع. قد لا يكون الخطر الأكبر على ديمقراطيتنا هو أن يصوت جارك للمرشح الآخر، بل حقيقة أنك لم تعد تدعوه لتناول القهوة لتتجنب نقاشاته المزعجة.

لكن هل الحجج تعمل حقًا؟ هل يمكننا حقًا إقناع الآخرين من خلال توضيح الأسباب والحقائق؟ يعتقد بعض الناس أن الجدال يمكن أن يأتي بنتائج عكسية، مما يجعل المعارضين يتعمقون أكثر في مواقفهم.

تم التحقيق في هذه المشكلة علميًا، ولكن ليس هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن هذه ظاهرة حقيقية. ومع ذلك، نحن نعلم أنه من الصعب جدًا على الأشخاص تغيير رأيهم بشأن الموضوعات المشحونة سياسياً. فإنه من المؤلم حرفيًا سماع الحجج الجيدة والبيانات التي تتحدى المعتقدات الراسخة. و من الأسهل بكثير، التشكيك في هذه الاعتبارات وتجاهلها من الناحية العاطفية.

لذا نعم، من الصعب إقناع الآخرين بالحجج. وماذا في ذلك؟ فالكثير من الأشياء في الحياة صعبة. في هذه الحالة، الأمر يستحق العناء. فلقد توصل علماء النفس الاجتماعي أن الناس يقومون بتغير رأيهم من خلال تحليل دقيق للحجج، على عكس بعض الأسباب المحيطية (مثل ما إذا كان الشخص الذي يقدم الحجة يتمتع بكاريزما أوشخصية جذابة)، فإن مواقفهم المشكَّلة حديثًا تكون أكثر قوة واستمرارية.

لذلك هناك سبب للاعتقاد بأن الحجج الجيدة يمكن أن تؤثر في مواقع التواصل الإجتماعي ، ففي السنوات القليلة الماضية كان الباحثون يدرسون منتدى Reddit’s Change My View  في محاولة لمعرفة المزيد حول كيفية إقناع البشر لبعضهم البعض ، في هذا الموقع يناقش المستخدمون موضوعات ساخنة من الإجهاض إلى حقوق السلاح، ويُطلب منهم الإبلاغ عندما يجدون حجة مقنعة. ففي إحدى الدراسات الخوارزمية الخاصة ب طور زاكاري هورن وجون هانتر برينيسكي لتحديد جودة أكثر من 100000 تعليق. وجدوا أن التعليقات التي تستشهد بالحقائق والأدلة كانت أكثر عرضة لتغيير آراء الناس. قد يكون هذا مفاجئًا لبعض الذين يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة أرض قاحلة للخطاب المثمر.

بالطبع التوقعات بحاجة إلى التخفيف حتى لو قدمت حجة مفككة، فإن الشخص الذي تتحدث معه قد لا يدرك ذلك فالتعلم عملية تدريجية ،  يجب أن تتناسب الحقائق مع بعضها البعض وذلك لأنه عندما يفكر الشخص في القضية في المستقبل وتكون الظروف مناسبة، سوف يتذكر حجتك وسوف تحركه.و هذا قد يستغرق أسابيع أو شهور أو حتى سنوات.

كما مررنا جميعًا بلحظات صمت عفوية وقد تحدث هذه اللحظات في الوقت الذي لاتتوقعه ، بالإضافة إلى ذلك وبعيدًا عن تعزيز الانقسامات، يمكن أن يكون الجدل تعبيرًا عن الاحترام إذا كان جارك يأخذ الوقت الكافي لتوضيح الأسباب الكامنة وراء آرائه، فهو يعاملك كعامل عقلاني يستحق وقتك وطاقتك .

في المقابل، فإن افتراض أن الخصم لن يستمع إلى العقل أو يفهم الأدلة المقدمة يمكن أن يكون مهينًا للإنسانية. إنه موقف يتم تطبيقه بشكل أكثر ملاءمة على الحيوانات التي لديها قدرة قليلة على تحليل الحقائق. فوفقًا لتقليد قديم في الفلسفة يعود إلى أرسطو، فإن الاستجابة للعقل هي عنصر أساسي في تصورنا لذاتنا كأشخاص. لا ينبغي علينا أن نتسرع في افتراض أن الآخرين يفتقرون إلى هذه القدرة حتى إذا كان هذا بشكل مؤقت. فعلى الرغم من الشائعات التي تشير إلى عكس ذلك لا تزال الحجج تعمل حيث لا ينبغي علينا أن نتخلى عنها. فإذا تعاملنا مع الآخرين بتواضع وعقل متفتح، سوف ندفع ببلادنا إلى الأمام ونساهم في الحفاظ على ديمقراطيتنا وازدهارها.

اقرأ ايضًا: صِدامُ الرأسماليّات

المصدر
medium

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى