الدين

الإعراض عن سبيل المؤمنين

ينزع المرء بطبعه للانتساب لأسلافه والافتخار بأجداده، وإن لم يكونوا على قدر من الدين والهُدى، فيجره ذلك للفخر بأموالهم أو أحسابهم أو سلطانهم، وأشد ما كان ذلك في الجاهلية، حيث يجتمع العرب في عكاظ وذي المجاز يتبارون بقصائدهم في ذكر المآثر والأمجاد، في أشهر الحج التى يجتمع فيها الناس من كل فج عميق، فهي محفل سنوي لتلك المناسبة التي تلهج فيها الألسنة بذكر الآباء أكثر مما تنطق بذكر الله، فعن أنس رضي الله عنه قال: كانوا يذكرون آباءهم في الحج، فيقول بعضهم: كان أبي يطعم الطعام، ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف! ويقول بعضهم: كان أبي جزَّ نواصي بني فلان!، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ [البقرة:200]، فجاء الإسلام مهذبًا لهذه النزعة، محاربًا لعبية الجاهلية والتعزي بعزائها والافتخار بأحسابها، ولكن لتمكّنها من النفوس وتملكها من القلوب، أخبر أن فيها من البقايا الباقية مع بقاء الأمة فقال ﷺ: ” أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن ” فأولهما: ” الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب “[1]، وأبدل المسلم بها الانتساب للمسلمين والتولي لهم على أساس من الإيمان والتقوى، فكان سيد ولد آدم إمامًا لهم في ذلك وقدوة للعالمين، فقال جهارًا غير سر: ” ألا إن آل أبي، يعني فلانا، ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين”[2]

ولا أصلح ممن أثنى عليهم رب العالمين، فهم خير القرون من خير أمة أخرجت للناس، وهم صحب خير المرسلين، ومضرب المثل للعالمين في التوراة والإنجيل والقرآن، ثم التابعين لهم بإحسان، فقال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة:100]، فهم: المتّبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية[3]، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحشر:10]، فما أشرف ذلك من نسب للمسلم! وما أعزه من انتماء!، ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون:8].

فالظن بمن جاء بعدهم أن يحفظوا لتلك الأجيال فضلهم، ويعظّموا شأنهم، فينطلقوا على إثرهم ويستمروا على آثارهم في إقامة الدين وبلاغه لمن وراءهم، لكنّ الحاصل أنه خلفَ من بعدهم خلفٌ لم يحفظوا لهم هذا السبق ولم يثبتوا لهم ذلك الفضل، فوقعوا فيهم وأسقطوا ما حملوه من سنة وهدى، كطائفة الخوارج وأمة الرفض، لذا استنكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذلك بعدما عمّرت ورأت من هؤلاء من يقع في صحب رسول الله ﷺ، فقالت لعروة بين الزبير: يا ابن أختي ” أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم “[4]، وذك خلاف ما دأبت عليه الأمم مع أسلافها من تعظيم أصحاب الأنبياء وحواريي الرسل، كما روي عن عامر الشعبي ت 103ه أنه قال: ” تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالت: أصحاب موسى عليه السلام، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: حواري عيسى عليه السلام، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ، أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم “[5]

ولا يخفى على مسلم ما في التعرض للسلف الكرام بالسب، أو الانتقاص من الفساد العريض على الدين، والأثر الخطير على جماعة المسلمين، فأمة بلا سلف معظّم، أمة مبتوتة ما لها من قرار، ولا يرجى منها ثمار، كيف وقد قطعت عن نفسها روافد الغذاء وسدت سبل  النماء؟!، فحق عليها البلاء، فقد روى في ذلك عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: “إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء” وذكرمنها: ” ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا ومسخًا “[6].

وليس موضع حديثنا الانتقاص من السلف بلسان المقال، وإنما حديثنا حول الانتقاص من منزلتهم التي تبوّءوها في الإسلام بلسان الحال، بالإعراض عن آثارهم بالتعلم وهديهم بالاقتداء، وتلك علامة التعظيم، فمن عرف قدرهم تحرّى آثارهم، وجمع أقوالهم واتبع سننهم، أما من استغنى بأقوال من هو دونهم في الفضل والفهم ممن جاء بعدهم من أهل العلم فقد افتأت عليهم، ومن استغنى بأقوال المتكلمين والفلاسفة ومن لا خلاق لهم فقد أزرى بهم.

وأي انتقاص للسلف بعد ذلك!، وهم القرون المزكاة في شريعة سيد المرسلين ﷺ، حين قال: ” خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم “[7]، فهم الصحابة الذين اصطفاهم الله لينالوا شرف مشاهدة التنزيل، وتعلّم الدين غضًا من رسول الله بحضور جبريل، ثم التابعون الأولون الذين عاشوا بين أظهر الصحابة وتأدبوا على أيديهم، وأخذوا العلم من شفاههم، ثم تابعي التابعين الذين أدركوا التابعين ونقلوا عنهم العلم، رضوان الله عليهم أجمعين، فهم كما يقول الخطابي ت 388ه: ” الصدر الأول، والنمط الأفضل، ورثة علم السنة والحافظون لها على من بعدهم من الأمة، ثم لم يزل أول منهم يلقيه إلى آخر، ويتلقاه خالف عن سالف، ليكون دين الله بهم محروسًا عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين “[8].

وليس في ذلك تعديل لكل من عاصر تلك الأزمنة، إذ العدالة وصف شرعي يلحق من تأهل لها ممن فاز بالصحبة، ثم من تأهل لها من الأتباع وأتباع الأتباع على تفاوت المراتب واختلاف الطبقات، فليس المقصود بالسلف حقبةً زمانيةً بمن عاش فيها من صالح وطالح من غير قيد، وإنما السلف هم جيل الصحابة وتلامذتهم وتلامذة تلاميذهم، وليس في القرون بعد هؤلاء مثلهم، حيث يعود الدين غريبًا كما بدأ، يقول السفاريني ت 1188ه: ” المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلف عن سلف، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجبرية والجهمية والمعتزلة والكرامية، ونحو هؤلاء “[9].

ويقول ابن حجر ت 852ه في التقدير الزماني لتلك الأجيال الثلاثة المتعاقبة: ” فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان والله أعلم، واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله؛ من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر قوله ﷺ ثم يفشو الكذب ظهورا بينا، حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات، والله المستعان “[10]، يقصد بذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ – بعد أن عيّن خير القرون من هذه الأمة في الحديث الأخير – : ” ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن “[11].

فالعلم بعدهم في انتقاص، وعرى الإسلام في انتقاض، كما جاء بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ: ” اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم “[12]، وليس الشر المقصود في ذلك بالمعيشة، وإنما هو شرٌ في أمر الدين، لذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مفسرًا لأصل هذا الشر ومبدأ هذا النقص: ” لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول: أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاءكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم “[13]، فذهاب العلماء لزمه اندثار ما حملوه من العلم وذهابه من أيدي الناس، إذ لم يكن لهم خلوف يحملون العلم من بعدِهم لمن بعدَهم، وذلك حين أعرض الخلوف عن علم السُلُوف، واكتفوا بالآراء ونتائج العقول، فضلوا وأضلوا، إلا طائفة باقية ظاهرة بهذا العلم الذي حملوه عن السلف في كل خلف، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.

وهذا الإعراض هو أصل الخروج عن جماعة المسلمين ومنشأ الزيغ عن سبيل المؤمنين، إذ لزم منه الجهل بــ:

(1)- إجماعات السلف الثابتة ومن ثم الخروج عنها، مما يستوجب به المخالف الوعيد، إذ خرج بذلك عن سبيل المؤمنين، والله تعالى أوعدهم بقوله: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾ [النساء:115]، قال ابن كثير ت 774: ” وقوله: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، – أي: ومن يشاقق الرسول – ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم ﷺ “[14]، فالخروج عن النص كالخروج عن الإجماع الثابت سواءً بسواء، يقول السمعاني ت 489ه معللًا: ” فقد جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور في الوعيد “، إذ إنه لا يصح الجمع بين شيئين في الوعيد إلا وأن يكون كل واحد منهما يستحق عليه الوعيد، ثم قال: ” وإذا قبح غير سبيل المؤمنين وجب تجنبه، وليس يمكن تجنبه إلا باتباع سبيلهم؛ لأنه لا واسطة بين اتباع سبيلهم واتباع غير سبيلهم “[15]، بل كانت هذه الآية أقوى ما استُدل به على حجية الإجماع، وحرمة الخروج عنه، يقول الواحدي ت 468ه في الآية: ” قال العلماء: هذه الآية من أقوى الحجج على صحة الإجماع، واحتج به الشافعي رحمه الله، وكان قد سئل عن دليل من كتاب الله على صحة الإجماع، فتلا هذه الآية “[16]، وأكد الجصاص ت 370ه ذلك المعنى المستنبط من الآية فقال: ” وقرن اتباع غير سبيل المؤمنين إلى مباينة الرسول فيما ذكر له من الوعيد، فدل على صحة إجماع الأمة، لإلحاقه الوعيد بمن اتبع غير سبيلهم “[17].

وذلك الوعيد لا يختص بنوع من المسائل دون الأخرى، فمتى ثبت الإجماع وجب الاتباع، ” وإذا ثبت أن السبيل معرّفٌ، – أي: بالإضافة – اقتضى كلُ سبيل هو سبيل المؤمنين، وإذا ترك ذلك استحق الوعيد “[18]، وكذلك لا يختص بعصر دون عصر، ” فإن قوله عز وجل: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء:115] لا يختص بعصر الصحابة رضي الله عنهم لأن التابعين من المؤمنين، وكذلك أهل كل عصر، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ [البقرة:143] وقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران:110] وقول النبي ﷺ: ” لا تجتمع أمتي على الضلالة ليس لشيء من هذا اختصاص بعصر دون عصر “[19]، فإجماعات القرون الفاضلة واجبة الاتباع أصولًا كانت أو فروعًا، والخارج عنها مفارق لسبيل المؤمنين مستحق للوعيد.

ويرصد ابن تيمية ت 728ه أثر هذا الإعراض عند كثير من المتأخرين، حيث جهلوا إجماعات السلف على كثرتها وخاصة في أصول الدين، وإمكان التحقق منها، فيقول: ” وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم – يقصد السلف – وسلوك سبيلهم، ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف، فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من الإجماع وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف ألبتة أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها، فتارة يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين؛ طائفة أو طائفتين أو ثلاث وتارة عرفوا أقوال بعض السلف، والأول كثير في مسائل أصول الدين وفروعه، كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك، يحكون إجماعًا ونزاعًا ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك ألبتة؛ بل قد يكون قول السلف خارجًا عن أقوالهم كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله وأفعاله وصفاته؛ مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك، وهم إذا ذكروا إجماع المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الإجماع؛ فإنه لو أمكن العلم بإجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به؛ لعدم علمهم بأقوال السلف، فكيف إذا كان المسلمون يتعذر القطع بإجماعهم في مسائل النزاع بخلاف السلف؛ فإنه يمكن العلم بإجماعهم كثيرًا “[20].

(2)- أوجه خلافهم حيث استقرت؛ فالخروج عنها بإحداث قول جديد لم يُطرح خروجٌ عن الإجماع، وصورة المسألة كما يقول الخطيب البغدادي ت 463ه: ” وهذا بمثابة ما لو اختلفت الصحابة في مسألة على قولين، وانقرض العصر عليه، فإنه لا يجوز للتابعين إحداث قول ثالث، لأن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواهما، كما أن إجماعهم على قول إجماع على إبطال كل قول سواه، فكما لم يجز إحداث قول ثان فيما أجمعوا فيه على قول لم يجز إحداث قول ثالث فيما أجمعوا فيه على قولين “[21]، بل يتخير من أقوالهم ولا يخرج عنها، ودليل ذلك ما قاله السمعاني ت 489ه: ” أنه قد ثبت أن الحق لا يخرج عن الإجماع، فلو جاز إحداث قول ثالث لم يعتقدوه لخرج الحق عن أقوالهم، لأنا إنما جوزنا ذلك فيجوز أن يكون الحق في القول الثالث، وفي هذا إبطال الإجماع “[22].

وهذا يستلزم من الناظر الإحاطة بأقوالهم والعناية بأوجه خلافهم، حتى لا يقع في خرق الإجماع بإحداث ما لم يقل به الأولون، لأن الخلاف المستقر صورة للإجماع، كما يقول الجصاص ت 370ه: ” وذلك لأنهم حين اختلفوا في المسألة على هذه الوجوه، فقد أجمعوا: على أن ما عداها خطأ، سواء كانوا مصيبين في اختلافهم، أو بعضهم مصيبا، وبعضهم مخطئا، كما لو أجمعوا على قول واحد، كان ذلك إجماعًا منهم، بأن ما عداه خطأ، وإن كان إجماعهم عليه من طريق الاجتهاد، فالإلزام صحيح على ما ذكرنا لمن قال: إن الحق في واحد، ولمن قال: إن كل مجتهد مصيب “[23].

ثم إن الخروج بقول ثالثٍ يتضمن الطعن في أفهام السلف، إذ ذهلوا عن الحق مع وفرتهم ومرور الأيام حتى جاء اللاحقون فأدركوه، بل تضمن الطعن في الرسالة إذ تصرمت العقود وهي خليّة من الوجه الصواب يعمل فيها بخلاف الحق حتى جاء اللاحقون فأدركوه، وفي ذلك خفاء الدين وعدم ظهوره، والمنع من القول الثالث لا يعني العصمة من الوقوع في الخطأ، فلا يستحيل ذلك على البعض، ” إنما المحال: الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا تقوم به طائفة، ولهذا: يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فريقين، فتخطئ فرقة في مسألة، وتصيب فيها الأخرى، وتخطئ في المسألة الأخرى، وتصيب فيها المخطئة الأولى “[24].

(3)- أقوال الصحابة، وهي حجة عند الأكثرين على اختلاف بينهم في إطلاق ذلك وتقييده، ” بل عامة الأئمة المجتهدين يصرحون بأنه ليس لنا أن نخرج عن أقاويل الصحابة “[25]، وقد استدل الإمام مالك ت 179ه بقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة:100]، على استحقاق متبعهم الرضوان، ” وإذا كان رضوانه إنما هو في اتّباعهم، واتباع رضوانه واجب، كان اتباعهم واجبًا “[26]، كما ذكر ذلك ابن القيم ت 751ه وناقش الاعتراضات على هذا الاستدلال بما يفيد اتّباعهم مطلقًا، فقال: ” فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن؛ فمن اتَّبع جماعتَهم إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صَدَق عليه أنه اتَّبع السابقين، أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال: “اتبع السابقين” لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة، وبهذا يظهر الجواب عن اتّباعهم إذا اختلفوا؛ فإن اتباعهم هناك قبول بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من تلك الأقوال لمن أدَّى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضًا، أما إذا قال الرجل قولًا ولم يخالفه غيره، فلا يُعلم أن السابقين سوَّغوا خلاف ذلك القول “[27]

وعلى التسليم بعدم حجيته، فمن كان مرضيًا عنه كيف لا يُقتدى بفعله ويُتبع في قوله؟! فهم أقرب لإصابة الحق وذلك من موجبات اتباعهم، لأنهم كما يقول العلائي ت 761ه: “حضروا التنزيل وفهموا كلام الرسول الله ﷺ، واطلعوا على قرائن القضايا وما خرج عليه الكلام من الأسباب والمحامل التي لا تدرك إلا بالحضور، وخصهم الله تعالى بالفهم الثاقب وحدة القرائح، وحسن التصرف لما جعل الله فيهم من الخشية والزهد والورع إلى غير ذلك من المناقب الجليلة، فهم أعرف بالتأويل وأعلم بالمقاصد فيغلب على الظن مصادفة أقوالهم وأفعالهم الصواب، أو القرب منه والبعد عن الخطأ، هذا ما لا ريب فيه فيتعين المصير إلى أقوالهم “[28]

فلا يقاس رأي غيرهم برأيهم، إذ ذلك من أفسد القياس، فضلًا عن أن تقدّم على أرائهم، بل الواجب تقديمها والترجيح بها، لذا يقول الشافعي ت 204ه في الصحابة رضوان الله عليهم: ” هم أدَّوْا إلينا سنن رسول الله، ﷺ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله، ﷺ، عامًّا وخاصًّا، وعَزْماً وإرشاداً، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمرٍ استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أَحْمَدُ وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا، والله أعلم. “[29].

وتجدُ الراسخين في العلم أكثرَ الناس حرصًا على متابعة الصحابة في أقوالهم، بل إن ذلك علامة على كمال الفهم، فقد كان دأبُ التابعين الرجوع إلى أقوال الصحابي فيما ليس فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع، وسبيلٌ لمن تبعهم بإحسان من أئمة الدين وأعلامه، يقول ابن تيمة ت 728ه: “وكل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل عقول الناس، واعتبر ذلك بأتباعهم، فإن كنت تشك في ذكاء مثل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد وإبراهيم الحربي وعبد الملك بن حبيب الأندلسي والبخاري ومسلم وأبي داود وعثمان بن سعد الدارمي، بل ومثل أبي العباس بن سريج وأبي جعفر الطحاوي وأبي القاسم الخرقي وإسماعيل بن إسحاق القاضي وغيرهم من أمثالهم، فإن شككت في ذلك فأنت مفرط في الجهل أو مكابر، فانظر خضوع هؤلاء للصحابة وتعظيمهم لعقلهم وعملهم، حتى إنه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف لواحد من الصحابة إلا أن يكون قد خالفه صاحب آخر”[30]

ثم إنك تجد في أقوال الصحابة ما هو في حكم المرفوع – مما ناقشه العلماء في علوم الحديث – كقولهم: ” كنا نفعل كذا أو كنا نقول كذ “، أو قولهم: “أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا “، أو قولهم: ” من السنة كذا “، وأسباب نزول الآيات التي يرويها الصحابي فمن المسندات[31]، أو إخبارهم عن الأمور الماضية: من بدء الخلق، وأخبار الأنبياء، أو الآتية: كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكذا إخبارهم عما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص مما لا مجال للاجتهاد فيه، ومنها ما له حكم الرفع من أفعالهم، مما لا مجال للاجتهاد فيه، ومنها ما له حكم الرفع على جهة التقرير إن كان بحضرة النبي ﷺ  ولا يذكر إنكاره لذلك[32]، وغير ذلك من الآثار التي عليها مسحة النبوة مما تعلموه فاستنبطوا به وقاسوا عليه وطبقوه، أو حفظوه فنقلوه ولم يرفعوه.

(4)- أقوال التابعين وتابعيهم، على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم في العلم، وما يترتب على الإعراض عنها من مخالفة اجتهادهم وآرائهم، وهي أقرب لإصابة الحق وأولى بالأخذ بها من آراء كثير من المتأخرين وفتاويهم، فقربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول ﷺ، ففتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين، وهلم جرا، “وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب “[33]، لذا وجب تحرّي كتب المتقدمين من أهل العلم؛ فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين كما يقول الشاطبي ت 790ه: ” فهو أمر مشاهدٌ في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما يبلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري؛ فأعمال المتقدمين -في إصلاح دنياهم ودينهم- على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أقعد، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم، وأقوالهم، وحكاياتهم؛ أبصر العجب في هذا المعنى”[34].

وذلك الترتيب فيه حفظٌ لفضل السابقين والتماسٌ للحق في مظانّه، واعتبارٌ لاجتهاد القرون الخيّرة، بمتابعته أو البناء عليه، وقد روى الخطيب البغدادي ت 463ه عن أبي حاتم الرازي ت 277ه أنه قال: “العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ناسخ غير منسوخ، وما صحت الأخبار عن رسول الله ﷺ مما لا معارض له، وما جاء عن الألباء من الصحابة ما اتفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين، فإذا لم يوجد عن التابعين، فعن أئمة الهدى من أتباعهم مثل: – فعدد جملة من الأئمة – ” قلت – أي البغدادي -: قصد أبو حاتم إلى تسمية هؤلاء لأنهم كانوا المشهورين من أئمة أهل الأثر في أعصارهم، ولهم نظراء كثيرون من أهل كل عصر أولو نظر واجتهاد”[35].

بل ذكر ابن رجب ت 795ه – بعد أهمية جمع كلامهم، وضبطه – ضرورة تنقيته وتمييزه عما اختلط به من كلام المتأخرين المخالف لتقريراتهم، وخاصة مع بُعدُ العهد بكلام السلف وانتشار كلام المتأخرين، “فيتعين ضبط كلام السلف من الأئمة، وجمعه، وكتابته، والرجوع إليه، ليتميز بذلك ما هو مأثور عنهم، مما أحدث بعدهم، مما هو مخالف لهم”[36].

ولا تجد بعد ذلك الفضل والعلم معرضًا عن آثارهم إلا رجلًا من اثنين، جاهل بالسلف أو متبعٌ لهوى:

فأما الأول: فلجهله بمراتب السلف ومنزلتهم في العلم، يستوي عنده تقديم اللاحق وتأخير السابق، وقد كانوا أحق بالتقديم لما ذكرنا من موجبات، أو يقرر خلاف أقوالهم غفلة عن وجود كلام لهم في بعض المسائل، واستغناءً بما قرره أهل زمانه وأفتى به شيوخ عصره، وهذا ما رصده أبو شامة ت 665ه في رسالته الداعية للرد إلى الأمر الأول أمر الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ناقدًا فيها إعراض كثير من المتأخرين عن أقوال السلف، فيقول: ” ذِكرُ معرفة المقلدين بمراتب أئمتهم وجهلهم بمراتب السلف الصالح: ومن العجب أن كثيرًا منهم إذا ورد على مذهبهم أثرٌ عن بعض أكابر الصحابة يقول مبادرًا بلا حياء ولا حشمة: مذهب الشافعي الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة، ويرد قول أبي بكر وعمر ولا يرد قول أبي إسحاق والغزالي، ومع هذا يرون مصنفات أبي إسحاق وغيره مشحونة بتخطئة المزني وغيره من الأكابر في ما خالفوا فيه مذهبهم فلا تراهم ينكرون شيئًا من هذا، فإن اتفق أنهم سمعوا أحدا يقول أخطأ الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا انزعجوا وغضبوا، ويرون أنه ارتكب كبيرًا من الإثم؛ فإن كان الأمر كما ذكروا فالأمر الذي ارتكبه أبو إسحاق أعظم، فما بالهم لا ينكرون ذلك ولا يغضبون منه!، لولا قلة معرفتهم وكثرة جهلهم بمراتب السلف “[37]

ثم هذا الغافل يغتر بتطويل الكلام وتشقيقه عند المتأخرين، وتسويد الصفحات والكتب، فيظن ذلك علامة على حيازة علمٍ أجلّ من علم الأولين، وفهم أدق من فهم السلف، وليس بين ذلك تلازم، بل كما قال حماد بن زيد: قلت لأيوب السختياني: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟ فقال الكلام اليوم أكثر، والعلم فيما تقدم أكثر[38]، يقول ابن رجب ت 795ه موضحًا خطأ هذا الربط بين كثرة الكلام وكثرة العلم: ” وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا! كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين والتابعون أعلم منهم.

فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز به بينه وبين الباطل ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد، وقد كان النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً ولهذا ورد النهي عن كثرة الكلام والتوسع في القيل والقال “[39]

فالسلف أحق بهذا النور وأوفق لذلك الفرقان، وسكوتهم عن كثرة الكلام والخصام واقتصارهم في البيان على مقدار الحاجة ليس عياً ولا جهلا وإنما عن ورع وخشية للَّه واشتغال عما لا ينفع بما ينفع، لذا يقول ابن تيمية ت 728ه: ” وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة: من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وأضله الله على علم”[40]

وقد كان ” أهل العلم النافع على ضد هذا، يسيؤون الظن بأنفسهم ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها، وما أحسن قول أبي حنيفة ت 150ه وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل، فقال: واللَه ما نحن بأهل أن نذكرهم، فكيف نفضل بينهم؟! وكان ابن المبارك ت 181ه إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد:

لا تُعرِض بِذِكرِنا مَع ذِكرِهِم … لَيسَ الصَحيحُ إِذا مَشى كَالمُقعَدِ “[41]

أو كما روي عن أبو عمرو بن العلاء ت 154ه أنه قال: ” ما نحن فيمن مضى إلا كبقلٍ في أصول نخل طوال “[42]، فقارن هؤلاء بمن يتقحم الفتوى ويجترئ على القول بغير علم، ثم ينسب السلف إلى الجهل وضعف الفهم وابتغاء السلامة، ويرفع عليهم الخلف ويثني عليهم بالتحقيق والتدقيق، كما ذاعت بين بعض المتأخرين مقالة: طريقة السلف أسلمُ وطريقة الخلف أعلم أو أحكم، وأي علم أو حكمة في غير السلامة؟!، لذا يقول ابن الوزير ت 840ه: ” وقد قال العلماء رضي الله عنهم: إن طريقة السلف أسلمُ وطريقة الخلف أعلم، والأفضلُ للمسلم الاقتداءُ بالسلف، فإنَّهم كانوا على طريقةٍ قد رآهم عَليها رسولُ الله ﷺ وأقرَّهم عليها، وواللهِ ما يَعْدِلُ السلامة شيء، فنسأل اللهَ السلامة، ولا شكَّ أن عنايَتَهم بعدَ تحصيل ما لا بُدَّ منه من العلم إنما كانت بالجهاد، وافتقادِ العامة، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظةِ على أورادهم في التهجد، وقيامِ الليل، ومناقشةِ النفوس وتهذيبها، وذلك أفضلُ مما كان عليه كثيرٌ من المحدثين والفقهاء من الإخلال بكثيرٍ من هذه الفضائل الجليلة، والنعوتِ الجميلة التي وردت نصوصُ الآيات القرآنية في وصف المؤمنين بذكرها، ولم يشتغِل السلفُ الصالحون بغيرها، والذي كانوا عليه أولى مِن الإخلال به بسبب الاشتغال بجمع العلم الزائد على الكفاية “[43]

وأما الثاني: فلابتغاء الفتنة والخروج عن سنن الأولين وجماعة المسلمين، فهو عاِلمٌ بمقالة السلف متغافل عنها، مغترٍ بعقله مستحسن لهواه، لا يعظم السلف ولا ينظر في آثارهم نظر المستبصر، بل نظر المؤوّل والمغيّر، يقدّم فهمه على فهم من شاهد التنزيل وتلقى العلم من النبي ﷺ أو أصحابه، يناطح الجبال قائلا هم رجال ونحن رجال، وهذا شأن أهل البدع الذين يشابهون المشركين في قولهم: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف:11]، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعلٍ وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها[44]، تعظيمًا للسلف وحفظًا لمنزلتهم، ” وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ابتداعها، أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع! فهذا باطل قطعا “[45]، إذ لو انتحلوا طريقتهم لما خالفوا هديهم وشقوا عصا الجماعة، فمثل هؤلاء يؤخذ على أيديهم ويحذر منهم.

تنبيه: ليس في الدعوة لطريقة السلف غلق لباب الاجتهاد والنظر في النوازل التي تستجد في أمور المسلمين، بل هي دعوة لإعمال أصول السلف في فهم النصوص والاستفادة من هديهم في توجيهها، وعدم الخروج عما قرروه من إجماع أو مخالفة ما استقر من خلاف، والمخالفة تعني: نفي ما أثبتوه، أو إثبات ما نفوه[46]، لذا يقول الشاطبي ت 790ه مفرقًا بين الاجتهاد بالرأي واتباع الهدي: ” ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي لا يمكن أن يكون المقصود بها ذم الاجتهاد على الأصول في نازلة لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع، ممن يعرف الأشباه والنظائر، ويفهم معاني الأحكام فيقيس قياس تشبيه أو تعليل، قياسا لم يعارضه ما هو أولى منه، فإن هذا ليس فيه تحليل الحرام ولا العكس، وإنما القياس الهادم للإسلام ما عارض الكتاب والسنة، أو ما كان عليه سلف الأمة، أو معانيها المعتبرة “[47].

وقد عد ابن العربي ت 543ه الرجوع قبل الفتوى إلى أقوالهم من مراتب الاستدلال في النازلة تنزل بالمجتهد، فيجب النظر في اجتهادهم، ففيه هداية إن شاء الله، فقال: ”  إن كان مجتهدًا فعليه أربعة فروض؛ الفرض الأول: أن يطلبها في كتاب الله عز وجل، فإن لم يجدها فعليه أن يطلبها في سنة رسول الله ﷺ، فإن لم يجدها فعليه أن يطلبها في مسائل الصحابة وقضايا التابعين إجماعًا واختلافًا، ففي ذلك أمور هدى وما ضل من اقتفى أثارهم واقتدى، فإن لم يجدها عندهم متفقًا عليها أو لم يجدها أصلاً فعليه فيما اختلفوا فيه، وفيما لم يسمعوه أن يردوه إلى أصل من هذه الأصول الثلاثة المتقدمة إما بتعليل وإما بشبه وإما بدليل “[48].

وإن واقع المسلمين اليوم ليشهد على ضرورة العودة للأمر الأول، أمر سلف هذه الأمة الذين جاء الوحي بالثناء عليهم وتزكيتهم، فإن من ضل طريقهُ حكَم العقلُ بعودته إلى حيث تاه عن ركب السائرين وفارق جماعة الناجين، فيقص آثارهم ويستقيم على دربهم حتى يدرك عزتهم ويبلغ شأوهم في العلو والتمكين، كما جاءت وصية حذيفة رضي الله عنه لقراء زمانه وهم طلبة العلم وحملة الدين: ” يا معشر القراء استقيموا، فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينا وشمالا، لقد ضللتم ضلالا بعيدًا “[49]، فهذا سبيل العقلاء الذين يبتغون الإصلاح على بصيرة، واختصار الأعمار التي تهدر في اتباع سنن اليهود والنصارى وفارس والروم، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.


[1] صحيح مسلم: 29 – (934)، مسند أحمد: 22903

[2] صحيح مسلم: 366 – (215)، مسند أحمد: 17804

[3] انظر تفسير الآية لابن كثير [الحشر:10]

[4] صحيح مسلم: 15 – (3022)

[5] تفسير البغوي للآية  [الحشر:10]

[6] سنن الترمذي: 2210

[7] صحيح البخاري: 3650، صحيح مسلم: 214 – (2535)، مسند أحمد: 19820

[8] غريب الحديث ص1/47

[9] لوامع الأنهار البهية ص1/20

[10] فتح الباري ص7/6

[11] صحيح البخاري: 3650

[12] صحيح البخاري: 7068، سنن الترمذي: 2206، مسند أحمد: 12162

[13] جامع بيان العلم وفضله: 2007

[14] ابن كثير في تفسير الآية [النساء:115]

[15] انظر قواطع الأدلة ص1/464-465

[16] البسيط في تفسير الآية [النساء:115]

[17] أحكام القرآن للآية [النساء:115]

[18] قواطع الأدلة ص1/466

[19] قواطع الأدلة ص1/485

[20] مجموع الفتاوى ص13/26

[21] الفقيه والمتفقه ص1/435

[22] قواطع الأدلة ص1/488

[23] الفصول في الأصول ص3/330

[24] روضة الناظر لابن قدامة ص432

[25] منهاج السنة لابن تيمية ص3/406

[26] إعلام الموقعين ص5/566

[27] إعلام الموقعين ص5/562

[28] إجمال الإصابة في أقوال الصحابة ص64

[29] مناقب الشافعي ص1/442

[30] درء التعارض ص 5/72

[31] انظر مقدمة ابن الصلاح ص47-50

[32] انظر نزهة النظر لابن حجر ص235

[33] انظر إعلام الموقعين ص5/544

[34] الموافقات ص1/149

[35] الفقيه والمتفقه ص1/433

[36] شرح علل الترمذي ص1/346

[37] مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول ص71

[38] انظر الفوائد لابن القيم ص104

[39] بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص5

[40] مجموع الفتاوى ص4/158

[41] بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص9

[42] انظر بيان أوهام الجمع والتفريق ص1/13

[43] العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ص2/422

[44] انظر تفسير ابن كثير للأية [الأحقاف:11]

[45] مجموع الفتاوى ص4/156

[46] انظر روضة الناظر لابن قدامة ص432

[47] الاعتصام ص3/243

[48] انظر المحصول ص135

[49] صحيح البخاري: 7282

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى