عام

نهاية العقلانية الشاملة

  • يوشاي بنكلر
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: إيثار الجاسر

أكبر سؤال أطرحه على نفسي هو: كيف بدأنا التَّفكير بطريقة منهجيَّة حول المشاركة الإنسانيَّة، وحول العلاقة بين المصالح والأخلاقيَّات، والمجتمع البشري؟

حسب ما أظنُّ: فنحن شهدنا نهاية حقبة، وكانت اللَّحظة الرَّئيسة لتلك النَّهاية هو اعتراف آلان جرينسبان (Alan Greenspan) أمام مجلس النُّواب وقوله: “توقعاتي حول (المصلحة الشَّخصيَّة) كانت خاطئة، وقد اعتمدت عليها أربعين عامًا وكنت أرفع من شأنها، ومع ذلك فهي خاطئة”.

لأولئك، من هم مثلي – من يعملون على الإنترنت لسنوات- قد أصبح جليًّا أنَّه لا يمكنك الوعي بوجود شيء معقَّد يحدث أكبر من الأيديولجيَّة المسيطرة فيما يقارب الأربعين عامًا الماضية، ولن تصادف أحدًا يعي ذلك، سواء في الأنظمة مفتوحة المصدر أو في ويكيبيديا أو في جميع تلك المصادر الغنيَّة بالثَّقافة التي ينشئها النَّاس ويتبادلونها، والأنظمة القيِّمة هي التي ينشئها النَّاس. لكن تستطيع أن تعي ذلك إذا لم تنظر إلى تلك المصادر؛ لأنَّ النِّظام الصِّناعي جعل تفكيرنا مشروطًا بها.

قضيت وقتًا طويلًا في التِّسعينيات وبعد الألفيَّة لأفهم كيف أنَّ هذه الظَّواهر على الشَّبكة ليست عابرة!؟ ولماذا هي حقيقة.

لكن أعتقد أنَّه خلال عمليَّة الفهم تلك، كان عليَّ العودة إلى الوراء لأسأل: هل كنَّا حقًّا غارقين في أنفسنا على العكس من الأشخاص الذين آثروا غيرهم، تمامًا كما في حكايات ستانوفيتش، والمضحِّين بأنفسهم من أجل المجتمع؟

كلا الأمرين خطأ. لكن السُّؤال هنا، كيف علينا أن نبدأ في إنشاء مجموعة قصص جديدة ستمكِّننا من فهمهما؟ وهذه القصص نسبيًّا سهلة. كيف نبني تحليلًا فعليًّا مرنًا ويسمح لنا بتحويل ما نعرفه كلنا بشكلٍ ما، فبعضنا يعدُّ أنانيًّا والآخر لا، وبعضنا يزداد أنانيَّةً في بعض الأوقات، والآخر يكون أقلَّ أنانيَّة أحيانًا؛ وينطبق الأمر كذلك على العلاقات المختلفة. نحنُ جميعًا لا يلائمنا قالب النَّموذج الاقتصادي للعقليَّة الأنانيَّة، لكن في نفس الوقت لسنا قدِّيسين، فالقدِّيسة تيريزا لن تكون قدِّيسةً إذا صار الجميع مثلها.

إذن، فإنَّ اللُّغز الذي أحاول حله الآن هو: كيف ننتقل من كوننا ندرك شيئا ما بديهيًّا وهناك حكمة شعبيَّة سائدة مؤيِّدة له ثمَّ يتحوَّل إلى شيء قد لا يكون في المستقبل القريب ذا أهميَّة وتأثير في الاقتصاد السَّائد. بالمناسبة هذا الحال ليس كما هو عليه الآن، فالاقتصاديَّات السَّائدة حتمًا تتمتَّع بالمكانة العليا التي حصلت عليها منذ سنوات قليلة، وبالرغم من ذلك علينا أن نكون قادرين على بناء نظام جديد بنفس الطَّريقة التي نفكر بها عند بناء أنظمة مؤسسيَّة متمحورة حول المكافآت، كتلك الخيارات التي تربط حوافز الموظَّفين بالعمل، وتصوراتنا عن العلوم السِّياسيَّة التي أغرقت بالكامل بمحاولة فهم: كيف تجري السِّياسة؟ إنَّها تعتمد على ما يريده عامَّة المصوِّتين وما يريده غالب أعضاء مجلس الشُّيوخ، هذا كلُّ ما في الأمر.

لدينا الكثير من التَّحليلات المعقَّدة التي تحاول -وبدقة كبيرة- أن تتنبأ بالأنظمة الموجودة وتصفها من حيث افتراض العقلانيَّة الشَّاملة، والافتراض الفرعي بأنَّ ما تحاول هذه العقلانيَّة القيام به هو تعظيم المردود العائد إلى الذَّات. وحتَّى الآن نحن نعيش في عالمٍ لا نرى فيه ذلك الشَّيء.

ومن هذا ينشأ سؤال جيِّد: كيف نقلِّل الفجوة بين مانعرفه ونعدُّه يقينًا في علاقاتنا الاجتماعيَّة، وبين ما يمكن أن نبنيَه بواسطة تلك العلاقات؟

إنَّ المجالات التي يعمل فيها النَّاس من فترة طويلة متعدِّدة ومختلفة. وفي كثير من الحالات، كان يُنظر إلى القيام أنَّه أمر هامشيٌّ خلال فترة صعود نجم العقلانيَّة الأنانيَّة.

في الحقيقة نحن نتحدَّث عن الفترة من حوالي عام 1950م حتَّى الآن تقريبًا؛ ففي مجالات مثل الاقتصاد والعلوم السِّياسيَّة والقانون وعلم الأحياء التَّطوري ستجد أهميَّة نسبيَّة للتَّفسيرات التي تشرح تصرُّفات الأفراد في سبيل تحقيق أقصى قدر ممكن من العائدات، حيث تفترض تلك التَّفسيرات بأنَّ الأفراد يسعون إلى العائد المادِّي الذي يحقِّق المصلحة الذَّاتيَّة.

تقوم نظريَّة الألعاب وتصميم الآليَّات على أنَّ تصرُّفات النَّاس تنبع من طبع الدَّهاء والمكر لتحقيق المصلحة الذَّاتيَّة. فالعلم السِّياسي يضع تطبيقات مستندة إلى النَّابخين وأعضاء مجلس الشُّيوخ وأعضاء الكونغرس المهتمِّين بمصالحهم الشَّخصيَّة، فكلُّ واحد منها يحاول فهم ما هي مصالح الآخرين. هل سيتم انتخابي مرة أخرى؟ هل سيتم ترقيتي لمنصب معيَّن؟ وفي كلِّ مرة يتمُّ بناء الأنظمة على مدار فكرة تفاعل الأفراد، ومحاولتهم تحقيق أقصى مردود شخصي.

على سبيل المثال في علم الأحياء التَّطوري: سترى أنَّ هنالك بروزًا للطُّرق المعقَّدة جدًّا التي تشرح السُّلوك الذي يبدو كأنَّه “إيثار” فقط من ناحية تجعله يرجع إلى الفائدة الفرديَّة للكائن الحيِّ؛ لأنَّ المعاملة بالمثل تصبح مهمَّةً جدًّا. وهو ما رأيناه مرَّة أخرى في جميع تلك التَّخصُّصات المختلفة؛ ففي الثَّمانينات، وتحديدًا في بعض المجالات مثل سوسيولوجيا المنظَّمات، وحتَّى التِّسعينيات، إذا كنت تتحدَّث عن علم الأحياء التَّطوري وعن تزايد احتماليَّة الانتخاب متعدِّد المستويَّات وانتخاب المجموعة حيث لا يختزل كل ذلك في خيارات الأفراد، سترى أنَّ العناصر تعمل على مستوى المجموعة أيضًا.

بالتَّأكيد في سياق العلوم السِّياسيَّة وظهور بعض دراسات الموارد وأنظمة الملكيَّة المشتركة والإجراءات الجماعيَّة تعدُّ تلك الصُّور تطبيقًا للعمل الجماعي النَّاجح.

في علم الاقتصاد، نرى أعمالًا جوهريَّة في علم الاقتصاد التَّجريبي، مثل : مجموعة إرنست فير (Ernst Fehr’s) في زيورخ وسام بولز (Sam Bowles) وهيرب جينتيس (Herb Gintis)، وقد بدأوا في إجراء التَّجارِب التي تظهر أنَّ النَّاس يحيدون عن العقلانيَّة الأنانيَّة. وأنَّهم يتصرَّفون بشكلٍ منهجيٍّ ومتنبأ به، وبشكلٍ تعاونيٍّ أكثر مما كان يتنبأ به التَّأثير النَّظريّ لنَّظريَّة اللُّعبة.

لدينا خبراء اقتصاديُّون مثل رونالد بينابو (Roland Benabou) ، وجان تريول (Jean Tirole) ، وماثيو رابن (Matthew Rabin)، قد بدأوا -من النَّاحية النَّظريَّة- في تقديم نماذج متطوِّرة جدًّا تحاول أن تأخذ في الاعتبار العديد من الدَّوافع المختلفة، مثل إدراك أنَّ الصُّورة الذَّاتيَّة وكونك بخير هي انعكاس للعالم.

(على سبيل المثال: هناك دراسة جميلة، قبل سنتين أو ثلاث سنوات حول أصحاب المهارات المعرفيَّة لبرونو فري (Bruno Frey) ومارجيت اوسترلوه (Margit Osterloh)، حول مفهوم ما الطَّبيعي وما الأخلاقي ، ومفهوم ما المفضل اجتماعيًّا).

سترى أنَّ الاقتصاد في التَّسعينيَّات وبداية الألفيَّة قد أولى اهتمامًا متزايدًا للجهود التي تحاول بناء نماذج متطوِّرة أكثر تحوي دوافع متعدِّدة، بحيث تدخل الدَّوافع الإيجابيَّة الدَّاخليَّة للأفراد.

في سوسيولوجيا التَّنظيم وعلوم الإدارة، عندما تنظر إلى نظام إنتاج تويوتا، فقد كانت اللَّحظة الكبيرة لها: عندما جاءت إلى الولايات المتَّحدة لأوَّل مرَّة في الثَّمانينات وأنشأت أوَّل مصنع لها (NUMMI) في المصنع التَّابع لشركة جينرال موتورز (GM) الموجود في فيرمونت.

كلُّ الرِّوايات التي كانت تقول بأنَّ: “الثَّقافة اليابانيَّة ليست لنا؛ لأنَّها مختلفة عنَّا تمامًا” قد تغيَّرت!

فأحد أسوأ مصانع (GM) أداءً أُغلِق عام 1980م، ثمَّ أُفتُتِح بعد عامين تحت إدارة تويوتا، بنفس الموظَّفين وتحت قيادة موحَّدة، وبعد أعوام قليلة أصبح أعلى المصانع إنتاجيَّة في الولايات المتَّحدة.

من يدري ماهو الوضع الآن، ولكن حسب أرقام العام الماضي، فهو يعدُّ واحدًا من أعلى ثلاثة مصانع إنتاجيَّة في الولايات المتَّحدة. نفس النَّاس، والصِّناعة، ببنية تنظيميَّة مختلفة جدًّا يقلُّ اعتمادها على التَّسلسل الهرمي، وبشكل أقلّ في تحديد ما يحتاج أن يقوم به كلُّ أحد بدقَّة، وبتركيز أكبر على عمل الفريق، ودعم المعايير التي تلتزم بالإبداع لتعزيزه؛ وما تزال مع ذلك محدودة جدًّا وهي: صناعة السيارات.

نحن لا نتحدث عن الصِّناعات ذات التَّقنيات العالية، ولكن هناك اختلاف كبير في التَّوجيه باعتبار تشكيل الدوافع والعلاقات بين العاملين، وبين العاملين والإدارة.

فقد انتقلنا من وجود 70 مهندس عمليات في الميدان؛ ليخبروا كلَّ موظف ما يفعله بدقَّة إلى عدم وجود مهندس واحد، وعوضًا عن ذلك؛ أصبح هناك فريق مستقل بشكل كبير مخصَّص لدراسة كيفيَّة فعله للأشياء.

أنتج ذلك اتِّجاهًا جديدًا، ففي سوسيولوجيا التَّنظيم وعلم الإدارة، نرى أنَّ النَّاس بدأت تتمهَّل وأصبحوا أقلَّ حدَّة وتسرُّعًا، فأصبحوا يقولون “ربما علينا ألّا نركِّز تفكيرنا على تهرُّب العاملين من مهامِّهم أو تغيُّبهم، أو مراقبتهم بشكل شديد وحازم ووضع العلاوات بناءً على ذلك، أو كيفيَّة رصد حد التهرُّب، لأنَّنا بذلك نفترض أنَّ كلَّ شخص من الإدارة العليا حتَّى آخر موظف، سيحاول التَّنصل من مهامِّه وبذلك علينا إعداد الحوافز بشكل صحيح”.

في خلال العشرين سنة الماضية من التَّسعينات فصاعدًا ، شهدت تلك التَّخصصات بعض النَّماذج والتَّجارِب المختلفة، وبعض الدِّراسات الميدانيَّة الرَّصديَّة ، قد أظهرت:

1- أنَّ النَّاس على نحو منهجي لا يتصرفون بناءً على العقلانيَّة الأنانيَّة في ظلِّ الظُّروف المحكمة.

2- عندما تضع نظامًا مبنيًّا على عدَّة افتراضات، فإنَّك تحصل على سلوكيَّات مختلفة؛ مما يجعلك تحصل على نتائج أفضل.

على سبيل المثال: هناك دراسة جميلة منذ عامين أو ثلاثة حول أصحاب المهارات المعرفيَّة. فالعمل المعرفي أحد أصعب الأشياء في تحرِّ الدَّقة. فكيف تسأل شخصًا ما مدى إبداعك في السَّاعة الحادية عشرة صباحًا؟” وهكذا فإنَّ الأماكن التَّقليديَّة التي تمتلك عقودًا دقيقة لمراقبة ما تفعله وما لا تفعله بدقَّة؛ حينها يصبح من الصَّعب جدًا العمل فيها.

فقد قاموا بدراسات رصديَّة، وبنوا تطبيقات ودراسات رصديَّة أخرى. من ناحية فإنَّ ما يحدث عند مشاركة المعرفة مع الفريق، يخلق حوافز صريحة، ويراقبها، وعندما تشارك أكثر تحصل على حوافز أكثر. من ناحيَّة أخرى فإنَّك تعزِّز روح الفريق بشكل أكبر، مما يجعل ذلك الشَّيء الصَّحيح لفعله كأحد أعضاء الفريق وينشئ علاقات اجتماعيَّة أكبر داخل الفريق.

ما وجدوه هو: أن وضع دينامكيَّة اجتماعيَّة تكون هي دينامكيَّة الفريق، وما هو مفهوم على أنَّه الشَّيء الصَّحيح فعله، يحقِّق معرفة داخليَّة متدفِّقة أكثر من وضع الجهود لخلق الحوافز. لذلك فإنَّ الأمر له نتائج حقيقيَّة.

بينما نتحدَّث هنا، فإنَّ شركة (GM) تترنَّح في مهبِّ الرِّيح. وأحد الأشياء التي من المهم أخذها بعين الاعتبار، هو كون (GM) والعديد من مكوناتها الهيكليَّة ما هي إلّا تطبيق يتمثَّل بشكل شديد بالعقلانيَّة الأنانيَّة. إذا نظرنا إلى كلِّ من البنية المتعلِّقة بالعمَّال العاديِّين، والبنية المتعلِّقة بسلسلة التَّوريد وبنية الإدارة التَّنفيذيَّة، فكلُّ هذه الأبعاد الثَّلاثة تستند إلى تلك النظريَّات المؤسسيَّة التي تفترض وقوع التهرُّب ما لم يكن هناك حوافز بشكل صحيح. على مستوى العمَّال العاديِّين، تجد الكثير من هندسة العمليات والكثير من المراقبة، والكثير من المواصفات التَّدقيقيَّة للإجراءات. فعليك بشكل أساسي أن تحدِّد الإجراءات، وأن توفِّر المراقبة، وأن تضع حوافز للإجراءات النَّاجحة، وأن تعاقب على غيرها، عليك أن تضع مدراء أعلى للمدراء الموجودين، حتَّى تصل إلى أعلى مدير.

هذا أحد المستويات على المستوى الدَّاخلي؛ ويعتبر هذا أحد الأنظمة الهرميَّة الأكثر تحكُّمًا ومراقبة.

قد بدأ هذا في أواخر الثَّمانينيَّات ولكن وصل إلى ذروته في عام 1990م. لدينا هذا الابتكار المتعلِّق بنظريَّة الوكالة من قبل جينسن (Jensen) ومورفي (Murphy). النَّظريَّة تفترض بأنَّ الجميع يريد التَّهرُّب، لذلك عندما تريد أن تراقبهم فإنَّك تضع شخصًا فوقهم ولكن من يراقب المراقب؟ مراقب فوقه… وهكذا، وعندما تصل إلى كبار التَّنفيذيِّين، ماذا تفعل؟ لا يمكنك مراقبتهم، فطريق المراقبة يمتدُّ حتَّى يصل إلى تلك النُّقطة. الجواب: أنَّ عليك وضع حوافز للشَّخص الذي بالقمَّة حتَّى يستمر مع الشَّركة، فبهذه الطَّريقة فإنَّه لن يرغب في التَّهرُّب؛ لأنَّ الشَّركة إذا جنت دولارًا فهو يحصل على 10 سنتات و هكذا. والنَّتيجة ظهور برامج أجور ومكافآت المدراء التَّنفيذيِّين في التِّسعينيَّات. وإذا نظرنا إلى الولايات المتَّحدة بالقرب من عام 1980م فإنَّ المدير التَّنفيذي كان يجني تقريبًا ضعف ما يجنيه نظراؤه الأوروبِّيُّون، ونظراؤه اليابانيُّون كانوا يجنون أقلَّ منه بطريقة تتراوح من 30 إلى 50 ضعف.

بعد خمسة عشر عامًا، تضاعفت تلك الأرقام لتتراوح بين 200 إلى 500 مرَّة في جميع المجالات.

تصل إلى نقطة ما في الألفيَّة لتجد المدير التَّنفيذي لـ(GM) يجني مالًا أكثر من أعلى 21 مدير تنفيذي لشركة هوندا مجتمعين! وهذا ما تضمنه النَّظريَّة. فنحن بحاجة إلى دعم الحوافز بشكل صحيح؛ لأنَّه بخلاف ذلك، سوف يتهرَّب الشَّخص الموجود في القمَّة.

وفي حقيقة الأمر، إنَّنا لم ندعمها بشكل صحيح، ففي السَّنوات الخمسة أو الستَّة الماضية -حتَّى جينسن ومورفي أنفسهم في دراسات لاحقة- أصبحوا متمهِّلين للغاية بشأن شدَّة اعتقادهم بأنَّ النَّظريَّة تعمل بشكلٍ صحيح، فقد أصبح هناك المزيد من الاحتيال. على سبيل المثال: نسبة كبيرة من الإقرارت الضَّريبيَّة للشَّركة والمشكوك فيها، صارت مرتبطة بمكافآت وأجور المدراء التَّنفيذيِّين؛ ولأنَّك تبحث عن إصلاحات سريعة، فأنت تجذب النَّاس خصوصًا من تحفِّزه تلك العوائد المرتفعة ثمَّ تكافئهم بطرق تسمح لهم بسحب العوائد بسرعة. فلا تحصل على ما أردته في الأساس؛ لأنَّك لم توفَّق في مواءمة الحوافز بشكل صحيح. أما الجانب الثَّالث بخصوص علاقات المورِّدين، فعلى مدار السَّنوات العشرين الماضية، كان هناك القليل من التَّقارب بين علاقة الشَّركة اليابانيَّة والشَّركة الأمريكيَّة بالمورِّدين. ثم أصبحت الشَّركة اليابانيَّة أقلَّ ارتباطا بهم مما كانت عليه في نظام (keiretsus) ، بينما الشَّركة الأمريكيَّة أصبحت ترتبط بعقود طويلة الأجل. ولكن، مرة أخرى إذا نظرنا للدِّراسات المرتبطة بهذه الصِّناعة، فإنَّ الثَّلاثة الكبار على حافَّة الانهيار بطرق مختلفة. فسيصلون إلى نقطة معيَّنة في المفاوضات، ثم فجأة سيطلبون تخفيضًا بمقدار 5%، أو سيضعون خطَّة للابتكار ويعطونها أيّ منافس للمورِّد ليصبح هناك مزايدات تنافسيَّة، وهذا هو ما سيكسر الثِّقة.

الشَّركات اليابانيَّة لاتفعل ذلك، ونفس المورِّدين الأمريكيين يعملون مع الشَّركات المصنَّعة في أمريكا لإنتاج مستويات مختلفة من التَّقنيات والكفاءة، بفضل من كانوا يتعاملون معه.

وفي كلِّ هذه الطَّبقات تجد شركة ما -ولأسباب كثيرة- أنَّ ذلك يعدُّ صحيحًا بشكلٍ عامٍّ في ديترويت، ولكن في (GM) تعدُّ هذه حالة خاصة. فالنَّظريَّة تفرض وضع عدد من الممارسات حول مراقبة النَّاس الذين يعدُّون في أسفل الهرم، ومنح الحوافز لمن هم في الأعلى، ودائما ما يحاولون التَّأكد من إعداد العلاقات ليستخرجوا كلَّ شيء، ألا يعدُّ ذلك نجاحًا كبيرًا؟

قد كنت أبحث عن التَّداعيات الاجتماعيَّة للإنترنت والمجتمعات الشَّبكيَّة منذ بداية التِّسعينات. وقبل ذلك، كنت أبحث في مسائل الملكيَّة وإصلاح الأراضي في القرن التَّاسع عشر في الولايات المتَّحدة في “قانون المسكن”، وقد أدهشني هذا الأمر بأنَّه متطابق؛ لأنَّ كان حول كيفيَّة تشكيل القواعد الأساسيَّة للسَّيطرة على الموارد الإنتاجيَّة الأساسيَّة لاقتصادنا، كوسيلة لهيكلة الاقتصاد والمجتمع. وعن طريق الخطأ عثرت على بدايات الأسئلة القانونيَّة حول ما يتعلق بالإنترنت وفهمت فجأة أنَّني كنت أتطلع إلى نقطة قرار محوريَّة قبل مائة وخمسين عامًا، ولكن في الواقع نحن في نقطة قرار رئيسة الآن أيضًا.

هذه هي الموارد الأساسيَّة التي ستقرِّر من يملك القوى الاقتصاديَّة، ومن يملك القوى الاجتماعيَّة، ومن لديه السُّلطة السِّياسيَّة، وما هي الطُّرق التَّنظيميَّة لها.

نقطة القرار هنا: الأمر سيان، سواء كان لدينا بشكل جوهريٍّ قدرة توزيعيَّة لخلق المعرفة، والمعلومات والثَّقافة، ونسهم في تشكيلها أو أنَّنا نستنسخ قليلًا فقط بنية صناعيَّة مختلفة لإنتاج المعلومات والمعرفة. لذا في أواخر القرن السَّابق وطوال هذا القرن، فإننا نتَّبع بشكل كبير نموذج صناعي، يعدُّ بدرجة كبيرة نسبيًّا رأسمالي تعاقدي، وهرمي من ناحية العلاقات داخل الشَّركة. سواء كانت شركات المحاسبة الخمس الكبرى، أو كانت شركة (IBM) القديمة، أو شركة (AT&T)، أو أستوديوهات أفلام هوليوود المستندة إلى حدٍّ كبير على بيع المعلومات والثَّقافة كسلع، مع صناعة مركَّزة نسبيًّا وعدد قليل من الأطراف الفاعلين المتحكِّمين نوجد عددًا محدودًا نسبيًّا من المبدعين.

ويوجد فيها فصل فارق بين المستهلكين والمنتجين، فالمستهلكون يشاهدون الثَّقافة فقط ويعدُّون نسبيًّا غير فاعلين.

أين نحن الآن، نحن نعلم أنَّنا في أكثر المجتمعات نفاذِّيَّة ومرونة، وأكثر البيئات الثَّقافيَّة نفاذِّيَّة؛ مما يجعل الاختلافات بين المنتجين والمستهلكين أكثر ضبابيَّة. وهو ما جعل هذه الفئة من المستخدمين تتمحور في كلِّ ما نقوم به.

لذلك عندما نتحدَّث عن الصُّحف، علينا أن نفكِّر بشأن المستخدمين الذين يتواصلون مع مؤسَّسة تجاريَّة مثل (TPM)، أو المستخدمين الذين يجتمعون مع بعضهم ويكونون أحزابًا للضَّغط بمطالبهم الحزبيَّة مثل (DailyKos)و(Townhall)، أو المستخدمين الذي ينشرون المقاطع على (YouTube)، أو كتَّاب المقالات على (Wikipedia).

فجأة أصبح لدينا قدرة عمليَّة لا مركزيَّة على التَّصرُّف بشكل جوهري، وماذا يفعل الناس؟ إنهم يتصرَّفون.

فهم يستغلون الكثير من وقتهم، خصوصًا الوقت الذي يقضونه في مشاهدتهم السَّلبيَّة لتلك السِّلع الجاهزة للتَّسلية، وفي الأنشطة تعدُّ أنشطةً اجتماعيَّة، وإبداعيَّة، وتعبيريَّة على نطاق واسع للغاية.

هذا يحرِّك كلَّ معلوماتنا ومعرفتنا وصنعتنا الثَّقافيَّة إلى ما بين ربع وثلثي الطَّريق المعاكس؛ لأنَّه بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الحكومة ستواصل تمويل بعض العلوم والفنون، وهكذا أيضًا ستقوم المنظَّمات التِّجاريَّة بنفس الشَّيء. وسيكون البيع الفردي في الأسواق كذلك، ولكن الإنتاج الاجتماعي سيكون قوَّة رئيسة. مما يعيد دعم بعض الصِّناعات بشكل أكبر، وبعضها بشكل أقلّ.

على سبيل المثال، في الصَّنعة الموسيقيَّة الآن، فإنَّنا نجد صناعة التَّسجيلات في عراك مستمر، ولكنَّنا أصبحنا نرى الفنانين يخرجون ولديهم علاقات مباشرة مع معجبيهم.

في الأفلام مثلًا، تجد اختلافًا كبيرًا في التَّفضيلات والأذواق التي يمكن ذكرها، بعضها ببساطة بسبب ظاهرة “القصَّة الطَّويلة long tale” التي تقدَّم من قبل (Netflix/Amazon). وحتى جميع تصنيفات الأفلام الوثائقيَّة المتخصِّصة، التي لم توجد فقط إلَّا بسبب الدَّعم الحكومي أو الأعمال الخيريَّة، الآن يوجد لها سوق عرض صغيرة تجدها عبر نتفلكس أو أمازون.

ولكن معظمها يكون عن طريق أناس يحكون الواقع بوسائل بسيطة ورخيصة نسبيًّا وتنشئ القليل من المقتطفات الممتعة. واستجابة لذلك، فإنَّنا نقوم بتغيير تفضيلاتنا، ومن المثير للاهتمام أنَّنا في نفس الوقت ننظر للحياة بعشر رؤى مختلفة ومثيرة وغير مألوفة، أكثر مما نشهده حينما نشاهد أي مسلسل تلفزيوني فاشل آخر.

لكن الفكرة الرَّئيسة هنا: إلى أيِّ هذه العوالم نذهب؟، وهل نحن نختار هذا الشَّيء عبر قانون؟

فحروب حقوق النَّشر والطبع ما هي إلا حالة تقليديَّة لمحاولة وضع التّكنولوجيا والبيئة القانونيَّة بطريقة تمنع هذا الشَّيء من حدوث شيء آخر، ثمَّ تسهِّل له ذلك.

فالحالات التي تكون فيها إدارة الحقوق الرَّقميَّة (digital rights management) تجرم مخالفة أو نشر أشياء تتجاوز إدارة الحقوق الرَّقميَّة، فهذا يعدُّ مكانًا تجد فيه القانون يلعب لعبة مطاردة ضد التّكنولوجيا التي لم يرد أن تكون هناك، أو التي لم تحصل بأي طريقة كانت.

من المثير للاهتمام ماسيحدث مع كيندل (Kindle)، أليس كذلك؟ فبمجرد استطاعتك تحميل ما تريده لكي تستعمله، يصبح الموضوع أكثر غموضًا.

 فهناك صيغ كثيرة من الصَّعب قراءتها، وأرى الآن تطبيق كيندل على جهاز الآيفون، وصراحة لم أر مدى جودته، هل هو جيد حقًّا لكي يحلَّ محلَّ الكتب؟ فالكتاب يُعدُّ تقنية جيدة حقًّا، وجودته هي سبب وجوده منذ فترة طويلة، فتجاوزه لا يعدُّ أمرًا سهلًا.

يعدُّ كتاب جوي ايتو (joi ito) الجديد مشروعًا مشوقًا جدًّا. فهو في الأساس مصوِّر هاوٍ يتحوَّل لناشر كتب فيه مجموعة من الحكم، لذا ما الذي سيكون نادرًا في هذه البيئة الرَّقميَّة؟ الشَّيء الذي سيكون نادرًا هو الأصالة، والاتِّصال الحقيقي مع شيء ماديٍّ له قيمة أثريَّة فريدة من نوعها. بعض الكتب التي لها قيمة إنتاجيَّة عالية. لا أعلم بكم يبيعها، لكنَّها تكون حسب الطلب ثلاثة أو أربعة أرقام للواحدة. وبعضها يكون ذا طبعة محدودة، ولكن أقل. والصور تكون مجَّانيَّة. لمحاولة خلق تلك الحالة التي تجعلك ترى الأشياء التي لا مثيل لها مع أنَّ المادَّة لها مثيل. ومن الأشياء التي لا مثيل لها هو العلاقات الإنسانيَّة، فمنها تأتي المحادثات ومنها تأتي الخدمات ومنها نتعلَّم، ومنها يأتي الأداء الحيُّ لدى الأشخاص الموسيقيِّين.

في بعض الحالات، يكون المشهد مساويًا لأداء نجم الرُّوك، فهو ليس كلُّه متمحورًا حول العلاقة الإنسانيَّة، بل هو يتعلَّق بالتَّجرِبة الفريدة، وهو إلى حدٍّ ما في المنتصف بين التَّواصل الإنساني والقطع الأثريَّة.

المصدر
edge

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى