تقارير ودراسات

تشريح الأرق

الارتباطات النفسية والعصبية لاضطرابات النوم

  • د. سامون أحمد*
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: مصطفى حامد أحمد

مفاهيم أساسية

ما هو الأرق؟

الأرق هو أكثر اضطرابات النوم شيوعًا، حيث يعاني منه نصف البالغين في العالم على شكل نوبات متفرقة. أما الأرق المزمن -وإن كان أقل انتشارًا- فإنه يؤثر على ما يقارب 10 إلى 15 في المائة من البالغين.

على الرغم من شيوع هذا النوع من اضطرابات النوم، إلا أن الآليات العصبية الحيوية المسببة للأرق ليست مفهومة تمامًا؛ فالأبحاث تشير إلى الضغوط النفسية تؤدي دورًا كبيرًا وتساهم في اضطرابات النوم، ويشاركها في ذلك اضطرابات القلق والمزاج كونها من أكثر الاضطرابات المشتركة المسببة للأرق. يبدو هذا منطقيًّا، فالاستثارة العاطفية – سواء كانت بسبب القلق أو بسبب الأفكار المتداخلة- تجعل من الصعب الاسترخاء، وتثبط قدرة المرء إما على بدء النوم وإما العودة له بعد استيقاظه.

وهذا المنطق يشير إلى أن الباحثين قد يصلون إلى فهم أفضل للأرق عن طريق دراسة الآليات الأساسية لكيفية استجابة أجسامنا للضغوط.

الجهاز الحوفي (limbic system)

هناك عدة أجزاء في الدماغ مسؤولة عن الاستجابة للضغوط والتعامل معها تسمى بالجهاز الحوفي (limbic system). جميع الحيوانات لديها بعض التشابه في الجهاز الحوفي، مما يسمح لها بالاستجابة بسرعة للتهديدات الملحوظة. فعندما يتعرف الدماغ على مصدر تهديد، يبدأ الجهاز الحوفي بالعمل لإعداد الجسد إما للهروب من التهديد وإما مواجهته، وتسمى ردة الفعل هذه بـ (ردة فعل الكر والفر fight-or-flight response)

تعد ردة الفعل هذه أمر ضروريًّا للنجاة فهو يمنح الحيوانات – بما فيهم الإنسان- زيادة في النواقل العصبية، مما يجعل هناك فرصًا أفضل للهروب أو مواجهة الخطر. أي شخص قد جرَّب الفزع وشعر بنبضات قلبه وهي تُسابِقُ بعضَها، سيعرف مدى قوة هذه الاستجابة. ومع ذلك، فإن نفس الجهاز يفرز نفس الاستجابة عند البشر الذين يعيشون في البيئات الحديثة، وترتفع النواقل العصبية ولو لسبب أقل خطورة. وبالتالي، فإن اقتراب موعد نهائي أو اجتماع مستقبلي محتمل قد يؤدي إلى نفس الآلية الفيزيولوجية الحيوية، حتى ولو كانت هذه المواقف لا تشكل خطرًا على وجودنا.

تشريح الجهاز الحوفي

يتكون الجهاز الحوفي من مكونين أساسيين: اللوزة (amygdala) والحُصين (hippocampus). اللوزة الدماغية تستجيب للمحفزات عن طريق توليد استجابات عاطفية، خصوصًا الخوف والعدائية، ومثلها العواطف الإيجابية عندما يحس الجسم بالإثارة والبهجة. أما الحُصين فإنه مسؤول عن إنتاج وتعزيز الذاكرة.

يتواصل الجهاز الحوفي كذلك مع عدة أجزاء أخرى من الدماغ. على وجه الخصوص: الوطاء/تحت المهاد (hypothalamus)، فهو يؤدي دورًا مُهِمًّا في الجهاز الحوفي مع أن له وظائف أخرى متعددة. فيمكن اعتباره مركز التحكم بالجسم؛ لأنه ينظم أغلب الجهاز العصبي اللإرادي (ANS)، المسؤول عن وظائف الجسم الحيوية التي لانفكر بها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن هذه الوظائف تتضمن: التنفس، ضغط الدم، حرارة الجسم، معدل نبضات القلب.

تحفيز الجهاز الحوفي

عندما ندرك وجود خطر، فإن اللوزة الدماغية ترسل إشارات استغاثة إلى الوطاء، والذي بدوره يرسل نواقل كيميائية إلى الغدة الكظرية لإفراز هرمون الأدرينالين في الدم. هذه الزيادة في الأدرينالين تنشط الجهاز العصبي السمبثاوي (SNS) -الذي يعتبر أحد أجزاء الجهاز العصبي اللإرادي (ANS)-، مما ينشط التغيرات الفسيولوجية في الجسم التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى مواجهة التهديد أو الهروب إلى بر الأمان. على سبيل المثال، أثناء دخول الأدرينالين عبر الجسم، فإنه يوسع مجرى الهواء في الرئتين لزيادة الأكسجين في الجسم، ويؤدي إلى زيادة معدل ضربات القلب لدفع المزيد من الدم الغني بالأكسجين إلى العضلات، ويطلق إنزيمات تحول الدهون المخزنة في أجسامنا إلى جلوكوز، مما يمنحنا المزيد من الطاقة. حتى البصر والسمع يصبحان أفضل.

إذا لم يبتعد التهديد فورًا، فيمكن للجسم أن يحافظ على حالة فرط الوعي هذه عن طريق تنشيط ما يعرف بمحور (HPA) المتكون من ثلاث أجزاء: الوطاء (hypothalamus) والغدة النخامية (pituitary) والغدة الكظرية (adrenal). تبدأ سلسلة الاستجابات الهرمونية عندما يفرز الوطاء الهرمون المحفز لإفراز الكورتيكوتروبين (CRH) والأرجينين فاسوبريسين (AVP)، مما يحفز الغدة النخامية لإفراز هرمون قشر الكظر (ACTH). أما الهرمون الأخير (ACTH) فهو يجعل الغدة الكظرية تفرز الكورتيزول الذي يجعل الجسم في حالة من اليقظة، ولهذا السبب؛ يطلق على الكورتيزول أحيانًا اسم “هرمون الإجهاد”.

بمجرد ما ينتهي التهديد، فإن القسم آخر من الجهاز العصبي اللاإرادي، وهو الجهاز العصبي الباراسمبثاوي (PNS) يعيد أجسامنا إلى حالة الاسترخاء. هذا الجهاز الباراسمبثاوي (PNS) ليس مسؤولًا فقط عن إخراج أجسامنا من حالة من اليقظة الشديدة، بل من وظائفه تنظيم النشاط الجنسي واللعاب والهضم والتبول والتغوط. بشكل عام، يعتبر الجهاز العصبي السمبثاوي (SNS) للكر والفر والباراسمبثاوي (PNS) للتغذية والتناسل.

دور الحُصين في الجهاز الحوفي

معظم الذكريات لا تكون مجرد مجموعة من التصورات فقط، بل تتضمن الشعور الذي أحسسنا به عندما نشأت الذكرى؛ لأن اللوزة الدماغية والحُصين يعملان بتناسق ليُضَمِّنا الذكريات بالمشاعر. من جانب قد يجعلنا هذا نشارك في الأنشطة المرتبطة بمشاعر إيجابية. ومن جانب آخر، فهو يجعلنا نتجنب الأنشطة المرتبطة بعواطف سلبية، ويجعلنا متأهبين بشكل أفضل لسيناريو الكرِّ والفرِّ.

فإذا صادف وجودنا في وضع خطير ثم هربنا، فقد نكون مُرتَبِطِين ليس بتجنب الوضع نفسه، بل بتجنُّب الأنشطة أو المحفزات المتعلقة به؛ فهذا الخوف مستند على الذاكرة لا الغريزة. وإذا أردنا وضع مثال واضح على ذلك: فالشخص الذي كاد أن يغرق في البحر وهو في عمر صغيرة، قد يجعله ذلك يخاف ليس من المحيط بل من أي شيء به ماء.

هذه العلاقة بين الذاكرة والمشاعر وإن كانت ربما تقود المرء إلى أنواع مختلفة من الرهاب التي قد تصعب حياته، لكنها جزء لا يتجزأ من غريزة البقاء. ومن دونها، لن نكون قادرين على تذكر التهديدات المحتملة أوالأنشطة الخطيرة. فالشخص الذي لايخاف فالغالب لن يكون حيًّا لفترة طويلة.

النظام الحوفي والنوم

من الجيد أن العديد منا لم يعد في حاجة إلى أن يعيش في يقظة مستمرة ليتجنب الحيوانات المفترسة والمخاطر المحتملة، لكننا ما زلنا مبرمجين على الاستعداد لرد الفعل عندما يظهر أي تهديد. بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد منا يواجه أوقات صعبة إذا لم يتمكن من تسكين منبهات القلق في أذهاننا، مما يعني أن معدلات الإجهاد تبقى مرتفعة عندما نحاول تهدئة أنفسنا للنوم.

قد يكون هذا أمرًا طبيعيًّا نسبيًّا، ومن المؤسف حصوله. في أغلب الحالات عندما يزول سبب القلق، فيمكن للمرء معاودة نومه بشكل طبيعي. أما بالنسبة لمن يعانون من الأرق، فإن ضغوطهم ناشئة من قلة النوم، ورغبتهم الشديدة بالنوم قد تكون عامل ضغط في حد ذاتها. أي بعبارة أخرى، يؤدي تعود الشخص على النوم بسهولة إلى التوتر عند عدم ذلك، مما يجعله يدور في حلقة مفرغة. ووفقًا لنموذج قد اقترح لأول مرة من قبل كاليس (Kales) وآخرون في عام 1976، قد يرتبط الخوف لدى المريض بعدم قدرته على النوم، مما يبقيه في حالة يقظة شديدة عندما يحاول النوم؛ وذلك يجعل عدم قدرته على النوم نبوءة محققة لذاتها.

وقد أثبتت البحوث الإضافية هذا النموذج. فهناك دراسة ألمانية عام 2014 نشرت في مجلة (Sleep in) لاحظت أن المصابين بالأرق يستجيبون للمحفزات المتعلقة به بزيادة في نشاط اللوزة الدماغية وارتباطها مع المشاعر السلبية. مرة أخرى، هذا يشير إلى أن الخوف من الأرق، هو مايثير المحفزات المتعلقة به، وذلك يجعله السبب الجذري للأرق نفسه.

بالنسبة للأطباء، فإن مولفي الدراسة يقترحون أن خيارات العلاج يجب أن تتضمن إستراتيجيات تراعي المشاعر السلبية المرتبطة بالأرق والنوم. وهذا يشمل تدريبات الاسترخاء (تقنيات التنفس، التأمل، التخيل الموجه،.. إلخ)، وكذلك العلاج السلوكي المعرفي (CBT) في الحالات الأصعب.

في النهاية، قد لايكون الهدف هو معالجة مريض الأرق فقط، ولكنَّ معالجة خوفه منه وإزالة المشاعر السلبية المتربطة بالنوم كذلك.

اقرأ ايضاً: كيف يؤثر الحرمان من النوم سلباً على إنتاج بروتينات الدماغ الأساسية


  • د. سامون أحمد: أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة نيويورك. رئيس وحدة الطب النفسي للمرضى المقيمين في مركز مستشفى بلفيو (Bellevue Hospital Center). مؤسس المركز التكاملي للتعافي في نيويورك.
المصدر
PsychologyToday

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى