الدين

الفوائد المنتخبة من أحاديث الصيام من صحيح البخاري

(الجزء الأول)

  • انتقاها: مضحي بن عبيد الشمري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه فوائد مقتبسة من شروح السنة، رتبتها على أحاديث الصوم من صحيح الإمام البخاري -مع حذف المكرر-، وقد انتقيتها قديمًا لنفسي، ثم زدتُ عليه شيئًا يسيرًا، وحذفتُ منها ما لا أرى مناسبته، ليُنتَفَعَ بها، ويُستفادَ منها، وقد كان من منهجي فيها: عزو الفائدة لأول قائلٍ لها حسب المستطاع، إذ من المعلوم أن الشراح ينقل بعضهم من بعض، ثم إني قد حافظت على نصِّ قائل الفائدة دون تصرف إلا ما أضعه بين معقوفتين من باب الإيضاح. هذا وأسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

 

الحديث الأول

عَن أَبي هريرةَ رضيَ الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – “قالَ الله تعالى: لكلِّ عَملٍ كَفَّارَةٌ، وكلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلا الصِّيامَ؛ فَإنَّهُ لي، وَأَنا أَجْزي بهِ، والحسنةُ بِعشرِ أَمْثالِها، يَدَعُ طعامه وشرابه وشَهوتَهُ من أَجلي، والصيامُ جُنَّةٌ، وإذا كانَ يَوْمُ صَومِ أَحَدِكُمْ؛ فَلا يَرْفُثْ، ولا يَجهل، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فَلْيَقلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، [مرَّتَينِ]، والذي نَفْسُ محَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندَ الله من ريحِ المِسْكِ، للصَّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُما؛ إذا أَفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِح بِصَومِهِ”.

فيه فوائد:

  1. قَالَ أَبُو عبيد: بَلغنِي عَن سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنه فسر قَوْله: “كل عملِ ابْنِ آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ” قَالَ: لِأَن الصَّوْمَ هُوَ الصَبر، يصبر الْإِنْسَانُ عَن الْمطعم وَالْمشْرَب وَالنِّكَاح، ثُمَّ قَرَأَ: (إنَّمَا يُوفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ). (غريب الحديث لأبي عبيد 1/326).
  2. قوله: “كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له” معناه: أن لنفسِهِ منه حظًّا، وفيه مدخلًا، وذلك لاطلاعِ الناس عليه، فهو يتعجلُ بمكانِهِ ثوابًا من الناس، ويحوزُ حظًّا من الدنيا، وجاهًا وتعظيمًا ونحو ذلك من الأمور، وقوله: (الصوم لي)، أي خالصٌ لي، لا يطلعُ عليه أحد.. وقد قيل معناه: أن الاستغناءَ عن الطعامِ صفةٌ لله تبارك وتعالى، فإنه يُطْعِمُ ولا يَطْعَم، كأنه قال: إن الصائمَ إنما يتقربُ إليَّ بأمرٍ هو متعلقٌ بصفةٍ من صفاتي، وهذا على معنى تشبيهِ الشيءِ في بعض معانيه (الخطابي – أعلام الحديث 2/946). وقيل غيرُه، وقال تاج الدين السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى 6/12) في ترجمة أبي الخير الطالقاني: “لَهُ مُصَنف سَمَّاهُ حظائر الْقُدس.. نقل فِيهِ فِي معنى قَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يحكيه عَن ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) خَمْسَةً وَخمسين قولًا”. انتهى. وقد أطال ابنُ دقيق العيد -أيضًا- في الكلام على ذلك في شرح الإلمام، ورجَّحَ الوجهَ القائلَ بأن الأعمالَ قد كُشفت لبني آدمَ مقاديرُ ثوابِها وتضعيفِها، إلا الصيام، فإن اللهَ يثيبُ عليه بغير تقدير.
  3. ذكر ابنُ حجرٍ رحمه الله الوجهَ الأول في ظهور الإخلاص في الصيام أكثرَ من غيره من الأعمال، ثم قال: مَعْنَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِم “لَا رِيَاءَ فِي الصَّوْمِ” أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ بِالْقَوْلِ؛ كَمَنْ يَصُومُ ثُمَّ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ صَائِمٌ، فَقَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، فَدُخُولُ الرِّيَاءِ فِي الصَّوْمِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلْحَاقَ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ بِالصَّوْمِ؛ فَقَالَ أَن الذّكر بِلَا إِلَه إلا اللَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ الرِّيَاءُ؛ لِأَنَّهُ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْفَمِ، فَيُمْكِنُ الذَّاكِرُ أَنْ يَقُولَهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَلَا يَشْعُرُونَ مِنْهُ بِذَلِكَ. (الفتح 4/108).
  4. قَوْلُهُ تَعَالَى: “وَأَنَا أَجْزِي بِهِ” بَيَانٌ لِعِظَمِ فَضْلِهِ، وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِ؛ لِأَنَّ الْكَرِيمَ إِذَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْجَزَاءَ= اقْتَضَى عِظَمَ قَدْرِ الْجَزَاءِ، وَسَعَةَ الْعَطَاءِ. (النووي – شرح مسلم 8/29).
  5. قوله صلى الله عليه وسلم: “الصيام جُنَّة”، قال ابن عبد البر: “الجُنة” الوقايةُ والسّترُ عن النار، وحسبك بهذا فضلًا للصائم. (التمهيد 19/54).
  6. لمّا كان الصيامُ إمساكًا عن الشهوات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “حُفَّت النار بالشهوات”= كان الإمساكُ عنها جُنَّةً كما حُفَّتْ به. (أبو بكر بن العربي – عارضة الأحوذي 3/294).
  7. قال ابن رجب: الصبرُ ثلاثةُ أنواع: صبرٌ على طاعةِ الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدارِ الله المؤلمة، وتجتمعُ الثلاثةُ في الصوم؛ فإنَّ فيه صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرٌ على ما يحصُلُ للصائم فيه من ألمِ الجوعِ والعطشِ وضعفِ النفسِ والبدنِ. (لطائف المعارف ص: 150).
  8. قوله: “وإذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفُثْ، ولا يجهل”. قال الداودي: تخصيصُهُ في هذا الحديث ألا يَرْفُثَ ولا يجهل -وذلك لا يحلُّ في غيرِ الصيام- =إنما هو تأكيدٌ لحرمةِ الصومِ عن الرَّفَثِ والجهل، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون: 1، 2]، والخشوعُ في الصلاةِ أوكدُ منه في غيرِها، وقال في الأشهرِ الحُرُم: (فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة: 36]، فأكدَ حُرْمَةَ الأشهرِ الحُرُم، وجعل الظُّلْمَ فيها آكدَ من غيرها. (نقله ابن بطال في شرحه للصحيح 4/24).
  9. فيه إيماءٌ وإشارةٌ إلى أن الرَّفَثَ والصخبَ [في الصوم] يُخرِجُهُ عن كونه جُنَّةً من النار. (ابن دقيق العيد – شرح الإلمام 3/204).
  10. قَوْلُهُ: “فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امرؤٌ صَائِمٌ” قال ابن عبد البر: فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقُولُ لِلَّذِي يُرِيدُ مُشَاتَمَتَهُ وَمُقَاتَلَتَهُ “إِنِّي صَائِمٌ” وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ مُجَاوَبَتِكَ، لِأَنِّي أَصُونُ صَوْمِي عَنِ الْخَنَا وَالزُّورِ مِنَ الْقَوْلِ، بِهَذَا أُمِرْتُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَانْتَصَرْتُ لِنَفْسِي بِمِثْلِ مَا قُلْتَ لِي. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الصَّائِمَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ إِنِّي صَائِمٌ يَا نَفْسِي فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكِ بِالْمُشَاتَمَةِ. (التمهيد 19/56).
  11. فائدة تَكرارِ قوله “إني صائم”: تأكيدُ المعنى في النفس، وتقريبُ النفس إلى الامتناع ممَّا ينافي الصوم، وقد وردَ الشرعُ بالتَّكرارِ بالأذكار، وفائدته – والله أعلم -: أن الوساوسَ والغفلاتِ كثيرةُ الطروقِ للقلوب، والمقصودُ بالذكرِ الحضورُ ومُواطأةُ القلب للسان، فإذا كَثُرت أعدادُ الذكر= رُجيَ أنه يحصلَ هذا المقصود، ولو مرةً واحدة، فتحصلُ الثمرةُ، والثوابُ الموعود. (ابن دقيق العيد – شرح الإلمام 3/213).
  12. قال ابن دقيق العيد: اختلف الفقهاءُ في أنه يقولُ ذلك جهرًا، أو لا، على أقوال: ثالثُها: الفرقُ بين الصومِ الواجبِ والنفل، ففي الواجبِ يَجْهَرُ به؛ لعدمِ الخوفِ من وقوعِ الرياء، وفي النفل: يُسِرُّ؛ أي: في نفسه؛ للخوف من ذلك، وهذا التعليل يناسبُ الصومَ المشتركَ في وجوبه بين الناس، وأما الصوم الذي يختصُّ به بعضُ الناس؛ كالمنذور، فلا تناسبه فائدةُ الجهرِ به. (شرح الإلمام 3/234).
  13. فَائِدَةُ قَوْلِهِ “إِنِّي صَائِمٌ”: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَصَرَّ دَفَعَهُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ؛ كَالصَّائِلِ، هَذَا فِيمَنْ يَرُومُ مُقَاتَلَتَهُ حَقِيقَةً، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ “قَاتَلَهُ”: شَاتَمَهُ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُعَامِلُهُ بِمِثْلِ عَمَلِهِ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ “إِنِّي صَائِمٌ”. (ابن حجر – الفتح 4/105).
  14. فيه دليلٌ على جوازِ أن يُظْهِرَ العاملُ شيئًا من عمله ليستَجِنَّ بِهِ من شَرّ. (ابن هبيرة – الإفصاح 6/88).
  15. قوله: “والذي نفس محمد بيده” فيه الحلفُ من غيرِ استحلاف، لتوكيدِ الأمرِ وبيانِ أهميته.
  16. قوله: “لخُلُوفُ فم الصائمِ أطيب عند الله من ريح المسك” فيه إشارةٌ إلى أنَّ المِسْكَ أطيبُ الطِّيبِ، كذلك الصومُ أفضلُ العبادات. (أبو بكر بن العربي – المسالك 4/241)، ثم قال: فإن قيل: فهل يكون أفضل من الصّلاة بهذا المعنى؟ قلنا: إنَّ العبادةَ على ضربين: متعدِّية، ولَازِمَةٌ، فالصومُ أفضلُ اللازمة؛ لأنّه منها. فإن قيل: والصّلاةُ لازمةٌ، فهل هي أفضلُ منها؟ قلنا: لا أفضل من الصَّلاةِ، وإنّما يكونُ فضلُ الصَّوم بَعْدَها.
  17. قال برهان الدين ابنُ مفلح: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ وَصَفَ دَمَ الشَّهِيدِ بِرِيحِ الْمِسْكِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَخُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ بِأَنَّهُ أَطْيَبُ مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ؟ قُلْتُ: الدَّمُ نَجِسٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ طَاهِرًا، بِخِلَافِ الْخُلُوفِ. (المبدع 1/79). وأجاب القَسْطَلَّاني بجواب آخر؛ فقال: لأن الصومَ أحدُ أركانِ الإسلام المشارِ إليها بقوله عليه الصلاة والسلام: “بني الإسلام على خمس”، وبأن الجهادَ فرضُ كفاية، والصومُ فرضُ عين، وفرضُ العينِ أفضلُ من فرضِ الكفاية. (إرشاد الساري 3/347).
  18. قال ابن الملقن: المسكُ أطيبُ الطيب.. لأنه لو كان طيبٌ فوقَ المسك لضُرِب به المثل في الطيب عنده تعالى. (التوضيح 28/166). قلت: وقد جاء في صحيح مسلم من حديثِ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: ” بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ حُرْمِهِ؟ قَالَتْ: بِأَطْيَبِ الطِّيبِ “، تعني المسك، وجاء في وصف الجنةِ أن ترابَها المسك، قال ابنُ هبيرة: “وناهيك بدارٍ يكون أعزُّ شيءٍ في الدنيا هو فيها مكانَ التراب! (الإفصاح 2/178).
  19. قال ابن القيم: من المعلومِ أن أطيبَ ما عندَ الناسِ من الرائحة: رائحةُ المسك، فَمَثَّلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الخُلُوفَ عندَ الله تعالى بطيبِ رائحةِ المسكِ عندنا وأعظم، ونسبةُ استطابةِ ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبةِ سائرِ صفاتِهِ وأفعالِهِ إليه؛ فإنها استطابةٌ لا تماثلُ استطابةَ المخلوقين، كما أن رضاه وغضبَهُ وفرحَه وكراهتَه وحبَّه وبغضَه لا تماثلُ ما لِلْمخلوقِ من ذلك. (الوابل الصيب ص: 29).
  20. قوله: “للصائم فرحتان”: أما فرحَتُهُ عند لقاءِ ربهِ فَبَيِّنَة؛ لما يراهُ من الثوابِ وحُسْنِ الجزاء.. وأما عند إفطارِهِ فلتمامِ عبادتِه، وسلامتِهَا من الفساد، وما يرجوه من ثوابِهَا، وقد يكونُ معناه: لِمَا طُبعت النفسُ عليه من الفرحِ بإباحةِ لذةِ الأكلِ وما مُنِعَ منه الصائم، ولحاجته إلى ذهابِ ألمِ الجوعِ عنه، وهو ظاهرٌ في بعض الروايات أنه إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ. (القاضي عياض – إكمال المعلم 4/112).

 

الحديث الثاني

عن سهلٍ رضيَ الله عنهُ عنِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – قالَ: “في الجنَّةِ ثمانيةُ أَبوابٍ، وإنَّ في الجنةِ بابًا يقال لَه: الرَّيَّانُ، يدخُلُ منهُ الصَّائمونَ يومَ القيامَةِ، لا يدخُلُ منهُ أحَدٌ غَيرُهُمْ، يقالُ: أَينَ الصائمونَ؟ فيقومونَ، لا يدخُلُ منهُ أَحدٌ غَيرُهُمْ، فإذا دخلوا أُغلِقَ، فَلم يدخُلْ مِنْهُ أَحدٌ”.

فيه فوائد:

  1. الريان هو الكثير الرِّيّ، واكتفي بِذِكْرِ الرِّيِّ عن الشِّبَعِ؛ لأنه يدل عليه، من حيثُ إنه يستلزِمُه. (القرطبي – المفهم 3/216). وقال ابنُ حجر: أَوْ لِكَوْنِهِ -يعني العطش- أَشَقَّ عَلَى الصَّائِمِ مِنَ الْجُوعِ. (الفتح 4/111).
  2. قال المهلب: إنما أفردَ الصائمينَ بهذا البابِ ليسارعوا إلى الرِّيِّ من عطشِ الصيام في الدنيا؛ إكرامًا لهم واختصاصًا، وليكونَ دخولُهُمْ في الجنةِ هَيِّنًا غيرَ مُتَزَاحَمٍ عليهم عندَ أبوابِهَا. (نقله ابن بطال في شرحه 4/15).
  3. قَوْلُهُ “إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا”، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنيرِ: إِنَّمَا قَالَ “فِي الْجَنَّةِ” وَلَمْ يَقُلْ “لِلْجَنَّةِ” لِيُشْعِرَ بِأَنَّ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مِنَ النَّعِيمِ وَالرَّاحَةِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّشَوُّقِ إِلَيْهِ. (نقله ابن حجرٍ في الفتح 4/111). قلتُ: فائدة: إذا قال ابنُ حجرٍ في الفتح: “الزينُ ابنُ المنير”، أو سماه فقال: “علي”= فهو ابنُ المنيرِ الصغير: عليُّ بنُ محمدِ بنِ منصور”، وإذا أطلق فقال: “ابنُ المنير”؛ فهو الكبير: “أحمدُ بنُ محمدِ بنِ منصور”، وهو صاحب المتواري، بخلافِ العينيِّ رحمه الله، فإنه لا يذكرُ ما يتميزُ به أحدُهُما عن الآخر.
  4. قال الحافظ العراقي: وَقد اسْتشْكلَ بَعضُهُم الْجمعَ بَين حَدِيثِ بَابِ الريانِ، وَبَين الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي أخرجه مُسلم من حَدِيث عمرَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَو يُسْبِغُ الْوُضُوء، ثمَّ يَقُول: أشهدُ أَن لَا إلهَ إلاَّ الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إلاَّ فتحت لَهُ أَبْوَابُ الْجنَّةِ الثَّمَانِية، يدْخلُ من أَيِّهَا شَاءَ) . قَالُوا: فقد أخبرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يدْخلُ من أَيِّهَا شَاءَ، وَقد لَا يكونُ فَاعلُ هَذَا الْفِعْلِ من أهلِ الصّيام، بِأَن لَا يبلغَ وَقتَ الصّيام الْوَاجِب، أَو لَا يتَطَوَّعَ بالصيام، وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه يُصْرَفُ عَن أَن يَشَاءَ بَابَ الصّيام، فَلَا يَشَاءُ الدُّخُولَ مِنْهُ، وَيدخلُ من أَي بَابٍ شَاءَ غيرَ الصّيام، فَيكونُ قد دخلَ من الْبَاب الَّذِي شاءه. وَالثَّانِي: أَن حَدِيثَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد اخْتلفت أَلْفَاظُهُ، فَعِنْدَ التِّرْمِذِيّ: (فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ من الْجنَّة، يدْخلُ من أَيهَا شَاءَ) ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة تدل على أَن أَبْوَابَ الْجنَّةِ أَكثرَ من ثَمَانِيَة، وَقد لَا يكونُ بَابُ الصّيامِ من هَذِه الثَّمَانِية، وَلَا تعَارضَ حِينَئِذٍ. (نقله العيني في عمدة القاري 10/263).

 

الحديث الثالث

عَنْ أَبي هُريرةَ رضيَ الله عنهُ أَنَّ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قالَ: “مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شيءٍ مِنَ الأَشْياءِ في سَبيلِ الله؛  دعاهُ خَزَنَةُ الجنَّةِ مِنْ أَبوابِ الجنَّةِ، كلُّ خَزَنةِ بابٍ: يا عَبدَ الله! هَلُمَّ هذا خَيرٌ، فَمنْ كانَ منْ أَهْلِ الصَّلاةِ دعِيَ مِنْ باب الصَّلاةِ، وَمَنْ كانَ منْ أَهْلِ الجِهادِ دُعيَ مِنْ بابِ الجهادِ، ومنْ كانَ منْ أَهْلِ الصِّيامِ، دُعيَ مِنْ بابِ الصِّيام وبابِ الرَّيانِ، ومنْ كانَ منْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعيَ منْ بابِ الصَّدقةِ”.

فقالَ أبو بَكرٍ رضيَ الله عَنْهُ: بأَبي أَنْتَ وأُمي يا رسولَ الله! ما عَلى مَنْ دُعيَ مِنْ تِلكَ الأَبوابِ مِنْ ضَرورةٍ، ذاكَ الذي لا تَوى عليه، فَهلْ يُدعى أَحَدٌ مِنْ تِلكَ الأَبوابِ كلِّها يا رسولَ الله؟ فقال- صلى الله عليه وسلم -: “نَعم، وأَرجو أَنْ تكونَ منهم يا أبا بكر”.

فيه فوائد:

  1. قَوْلُهُ: “مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ” مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَنْ أَنْفَقَ شَيْئَيْنِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، نَحْوَ دِرْهَمَيْنِ، أَوْ دِينَارَيْنِ، أَوْ فَرَسَيْنِ، أَوْ قَمِيصَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَمَشَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَطْوَتَيْنِ، أَوْ صَامَ يَوْمَيْنِ، وَنَحْو ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: أَقَلَّ التَّكْرَارِ، وَأَقَلَّ وُجُوهِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقَلُّ الْجَمْعِ. (ابن عبد البر – التمهيد 7/185).
  2. فيه أن أعمالَ البرِّ كلَّها يجوزُ أن يقالَ فيها “في سبيل الله” ولا يُخَصُّ بذلك الجهادُ وحده. (ابن بطال في شرحه 4/18).
  3. قوله: “فمن كان من باب كذا دعي من باب كذا”، المراد: من كان الغالب عليه في عمله وطاعته ونوافِلهِ الصلاة والصيام، وإلا فكل مسلم يصلي ويصوم ويتصدق. (القاضي عياض – إكمال المعلم 3/555).
  4. قال ابن بطال: فإن قال قائل: إن النفقةَ إنما تسوغُ في باب الجهاد وباب الصدقة، فكيف تكونُ في باب الصلاة والصيام؟ قلتُ: العربُ تسمي ما يبذُلُهُ الإنسانُ من النفس نفقة، فيقولُ أحدهم فيما تَعَلَّمَ من العلمِ أو صنعةٍ من سائرِ الأعمال: أنفقتُ في هذا عمري، وبذلتُ فيه نفسي، قال المهلب: فتكون النفقةُ على هذا الوجه في باب الصلاة والصيام: من الجسم، بإتعابه له. (شرح ابن بطال 4/15).
  5. فِيهِ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ لَا تُفْتَحُ فِي الْأَغْلَبِ لِلْإِنْسَانِ الواحد في جميعها، وَأَنَّ مَنْ فُتِحَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُرِمَ غيرَهَا في الأغلب، وأنه قد تُفتحُ في جميعِهَا لِلْقَلِيلِ مِنَ النَّاسِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَلِيلِ. (ابن عبد البر – التمهيد 7/185). ثم قال ابن عبد البر: وَمِمَّا يُشْبِهُ مَا ذَكَرْنَا مَا جَاوَبَ بِهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعُمَرِيَّ الْعَابِدَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيَّ الْعَابِدَ كَتَبَ إِلَى مَالِكٍ يَحُضُّهُ إِلَى الِانْفِرَادِ وَالْعَمَلِ، وَيَرْغَبُ بِهِ عَنِ الِاجْتِمَاعِ إِلَيْهِ فِي الْعِلْمِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَسَّمَ الْأَعْمَالَ كَمَا قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ، فَرُبَّ رَجُلٍ فُتِحَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي الصَّوْمِ، وَآخَرُ فُتِحَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي الصِّيَامِ، وَآخَرُ فُتِحَ لَهُ فِي الْجِهَادِ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَنَشْرُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَقَدْ رَضِيتُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ لِي فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا أَظُنُّ مَا أَنَا فِيهِ بِدُونِ مَا أَنْتَ فِيهِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ كِلَانَا عَلَى خَيْرٍ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَرْضَى بِمَا قُسِمَ لَهُ وَالسَّلَامُ.
  6. جاءَ الإكرامُ بكثرة مواضعِ الإذن، وابتدارِ البوابين إلى الاستدعاء، واغتباطِ كلٍّ منهم بأن يكون قائمًا بوظيفة الإكرام، على عادة شيعةِ الملوكِ في الدنيا إذا فهموا نَفْسَ المَلِكِ في إكرامِ بعض خاصته. (الدماميني – مصابيح الجامع 4/322).
  7. فِيهِ أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ، وَنُسِبَ إِلَيْهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ “فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ” يُرِيدُ مَنْ أَكْثَرَ مِنْهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الْجِهَادِ وَمِنَ الصِّيَامِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَنُسِبَ إِلَيْهِ: دُعِيَ مِنْ بَابِهِ ذَلِكَ. (ابن عبد البر – التمهيد 7/185).
  8. قال المهلب: قولُ أبى بكر: “ما عَلى مَنْ دُعيَ مِنْ تِلكَ الأَبوابِ مِنْ ضَرورة”، يريدُ أنه من لم يكن إلا من أهلِ خَصْلَةٍ واحدةٍ من هذه الخصال، ودعي من باب تلك الخَصْلَة، فإنه لا ضرورةَ عليه، لأن الغايةَ المطلوبةَ دخولُ الجنة. (نقله عنه ابن بطال في شرحه 4/18).
  9. قوله: “وأرجو أن تكونَ منهم يا أبا بكر” فِيهِ جَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ إذا لم يَخَفْ عليه فتنة، بإعجابٍ وَغَيْرِهِ. (النووي – شرح مسلم 7/117).
  10. فيه فضيلةٌ عظيمةٌ للإنفاق، ولهذا افتتحَ به وختم به. (الكرماني – الكواكب الدراري 9/82).

 

الحديث الرابع

عَنْ أَبي هُريرةَ رضيَ الله عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: “إذَا دَخَلَ شهرُ رَمَضانُ فُتِّحَتْ أَبوابُ الجنة، وَغُلِّقتْ أَبوابُ جَهَنَّمْ، وَسُلسِلَتِ الشَّياطينُ”.

فيه فوائد:

  1. لرمضانَ أسماءٌ كثيرة، منها ما هو صحيحٌ ومنها ما لا يصح، قال ابنُ الملقنِ في ترجمة أبي الخير الطالقاني: له “حظائرُ القُدُس” عدَّ فيه لرمضانَ أربعةً وستين اسمًا، نقلتُها عنه في لغات المنهاج فراجعها منه. انتهى (العقد المذهب ص141). قلتُ: واسم كتابِ ابنِ الملقنِ هذا: “الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماءِ والأماكنِ واللغات”، وهو مخطوط له عدةُ نُسخ.
  2. في بعض روايات الصحيحين: “إذا جاء رمضان” وفِيهِ دَلِيلٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ= أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: “رَمَضَانُ”، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ؛ بِلَا كَرَاهَةٍ. (النووي – شرح مسلم 7/187).
  3. جاء في بعض الروايات عند البخاري: “فُتِّحَتْ أبوابُ السماء” قال ابن بطال: وهذا حجةٌ في أن الجنةَ في السماء. (شرح ابن بطال 4/20).
  4. قال ابن العربي: قوله: “فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ” فيه دليل على أنّ أبوابَها مُغلقة، وقوله: “غُلِّقَت أَبوَابُ النَّارِ” دليل على أنّها مفتحة، وقد غلطَ في ذلك بعض المُعْتَدِينَ على كتاب الله تعالى، فقال: إنّ قوله تعالى: (إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) دليلٌ على أنّ أبوابَهَا مُفَتَّحَةٌ أَبَدًا، إذ لم يجعله جوابَ الخبر، وقوله في النّار: (إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) دليلٌ على أنّها مُغَلَّقة، فقلب الحقيقة، وتكلّم في كتاب الله برَأْيِهِ! (المسالك 4/245).
  5. قال أبو العباسِ القرطبي: إن قيل: نرى الشرورَ والمعاصي تقعُ في رمضانَ كثيرًا؛ فلو كانت الشياطينُ مصفدةً لما وقع شرٌ؟ فالجواب من أوجه: أحدها: إنما تُغَلُّ [الشياطينُ] عن الصائمين الصومَ الذي حُوفظ على شروطه، ورُوعيت آدابه، أما ما لم يُحَافَظْ عليه= فلا يُغَلُّ عن فاعله الشيطان. والثاني: أنا لو سلمنا أنها صُفِّدت عن كلِّ صائم، لكن لا يلزم من تصفيد جميعِ الشياطينِ ألا يقع شر؛ لأن لوقوعِ الشرِّ أسبابًا أُخَرَ غيرَ الشياطين، وهي: النفوسُ الخبيثة، والعاداتُ الرَّكيكة، والشياطينُ الإنسية. والثالث: أن يكون هذا الإخبارُ عن غالبِ الشياطين، والمردةُ منهم، وأما من ليس من المردة فقد لا يُصَفَّد، والمقصودُ: تقليلُ الشرور، وهذا موجودٌ في شهرِ رمضان؛ لأن وقوعَ الشرورِ والفواحشِ فيه قليلٌ بالنسبةِ إلى غيره من الشهور. (المفهم 3/136).
  6. قال ابن هبيرة: أما كونُ الشياطينِ تُسَلْسَلُ؛ فهذا الحديث يقتضي ألا يبقى شيطانٌ إلا سُلْسِلَ، وإنما أخبرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذا ليُعْلِمَنَا أن في غيرِ رمضان قد كان للعصاة كالعذر [وليس بعذر].. فإذا سلسل في شهر رمضان انقطع عُذْرُ من يحتجُّ بإبليس وتسويلِه، وقيل له: إن المعصيةَ منكَ وحدَكَ الآن؛ فاستُفِيدَ من هذا القول: شدةُ التحذير من المعاصي في رمضان. (الإفصاح 6/265).
  7. فيه إثباتُ وجودِ الجنةِ والنارِ الآن، وعليه أهل السنة.

 

الحديث الخامس

عَنِ ابنِ عُمرَ رضيَ الله عَنهما عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – أنَّهُ قالَ: “إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيةٌ؛ لا نكتُبُ ولا نَحْسُبُ، الشَّهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا” -يعني ثلاثين-، ثم قال: “وهكذا، وهكذا، وهكذا” وخنس الإبهام في الثالثة -يعني تِسعًا وَعِشريْنَ، يقول: مَرةً ثَلاثينَ، ومرةً تسعًا وعشرين.

وقال: “لا تَصومُوا حَتى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِروا حَتَّى تَرَوا الهلال، إذا رأيتموه فصوموا،، وإذا رأيتموه فأفطروا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ”.

فيه فوائد:

  1. قوله: “إنا أمة أمية” الأُمِّيَّةُ هي التي على أصلِ ولاداتِ أمهاتِهَا، لم تَتَعَلَّمْ الكتابَ، فهي على ما وُلِدَتْ عليه. (المازَري – المعلم 2/44).
  2. قوله – صلى الله عليه وسلم -: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)؛ أي: لم نُكَلَّفْ في تَعَرُّفِ مواقيتِ صومِنا ولا عباداتِنا ما نحتاجُ فيه إلى معرفةِ حسابٍ ولا كتابة، وإنما رُبِطَتْ عباداتُنا بأعلامٍ واضحة، وأمورٍ ظاهرة، يستوي في معرفةِ ذلك الحُسَّابُ وغيرُهُم. (القرطبي – المفهم 3/139).
  3. قال ابن تيمية في كلام له طويل عن حكم العمل بالحساب: فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْعَمَلَ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ الصَّوْمِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعِدَّةِ أَوْ الْإِيلَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْهِلَالِ بِخَبَرِ الْحَاسِبِ أَنَّهُ يُرَى أَوْ لَا يُرَى= لَا يَجُوزُ، وَالنُّصُوصُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَقَدّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ أَصْلًا وَلَا خِلَافٌ حَدِيثٌ؛ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ الحادثين بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ زَعَمَ أَنَّهُ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ جَازَ لِلْحَاسِبِ أَنْ يَعْمَلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِالْحِسَابِ، فَإِنْ كَانَ الْحِسَابُ دَلَّ عَلَى الرُّؤْيَةِ صَامَ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِالْإِغْمَامِ وَمُخْتَصًّا بِالْحَاسِبِ فَهُوَ شَاذٌّ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ ذَلِكَ فِي الصَّحْوِ أَوْ تَعْلِيقُ عُمُومِ الْحُكْمِ الْعَامِّ بِهِ فَمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ! (مجموع الفتاوى 25/133).
  4. فيه مستندٌ لمن رأى الحكمَ بالإشارةِ، وإعمال دلالة الإيماء؛ كمن قال امرأتي طالق وأشار بأصابعه الثلاث، فإنه يلزمه ثلاثُ تطليقاتٍ على الظاهر من الحال. (الخطابي – معالم السنن 2/93).
  5. فيه حجةٌ أيضاً لصحةِ طلاقِ الأبكمِ وإقرارِه وشهادته. (القاضي عياض – إكمال المعلم 4/14).
  6. فيه تقريبُ الأمورِ بالتمثيل. (القاضي عياض – إكمال المعلم 4/15).
  7. قال ولي الدين العراقي: قوله: “لا تصوموا حتى تروا الهلال” فِيهِ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، أَيْ إذَا لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَوْ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ “لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ” لَحَصَّلَتْ الْغَرَضَ وَدَلَّتْ عَلَى مَنْعِ الصَّوْمِ فِي كُلِّ صُورَةٍ لَمْ يُرَ فِيهَا الْهِلَالُ؛ لَكِنَّهُ زَادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ “فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ”، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي لِلتَّأْكِيدِ أَوْرَثَتْ عِنْدَ الْمُخَالِفِ شُبْهَةً بِحَسَبِ تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ “فَاقْدُرُوا لَهُ” فَالْجُمْهُورُ قَالُوا مَعْنَاهُ: اقدُرُوا لَهُ تَمَامَ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَيْ: اُنْظُرُوا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَاحْسُبُوا تَمَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ قَدَرْتُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ أَقْدُرُهُ بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَقَدَّرْته بِالتَّشْدِيدِ وَأَقْدَرْته بِهَمْزَةِ أَوَّلِهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مِنْ التَّقْدِيرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: 23] . وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ: “فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ”، وَفِي رِوَايَةٍ: “فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ”، وَفِي رِوَايَةٍ: “فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ”، وَهِيَ كُلُّهَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَالرِّوَايَاتُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْحَدِيثُ إذَا جُمِعَتْ طُرُقُهُ تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا “صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ”، ورَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ “فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا”، وَلَيْسَ ذَلِكَ اضْطِرَابًا فِي الْخَبَرِ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صُورَةَ الْغَمِّ عَلَيْنَا بَعْدَ قَوْلِهِ: “لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ” فَعَادَ إلَى الصُّورَتَيْنِ مَعًا؛ أَيْ: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فِي صَوْمِكُمْ أَوْ فِطْرِكُمْ، فَذَكَرَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصُّورَةُ الْأُخْرَى، وَأَتَى فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِعِبَارَةٍ مُتَنَاوِلَةٍ لَهُمَا فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ “فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ”. انتهى النقل من كلامِ العراقي، وقد أطال وأجاد في بحث المسألة في (طرح التثريب 4/107)، فليرجع إليه.
  8. قَوْلُهُ: “لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ” لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ رُؤْيَةُ جَمِيعِ النَّاسِ، بِحَيْثُ يَحْتَاجُ كُلُّ فَرْدٍ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ إلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ: رُؤْيَةُ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ الْعَدَدُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ، وَهُوَ عَدْلَانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) [البقرة: 282] ، وَقَوْلُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – لِلْمُدَّعِي: “شَاهِدَاك”، إلَّا أَنَّ هِلَالَ رَمَضَانَ يُكْتَفَى فِي ثُبُوتِهِ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (ولي الدين العراقي – طرح التثريب 4/115)، قال الترمذي: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الصِّيَامِ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ إِسْحَاقُ: لاَ يُصَامُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ العِلْمِ فِي الإِفْطَارِ أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ فِيهِ إِلاَّ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ.(جامع الترمذي 2/67).

 

الحديث السادس

عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: “من قام ليلةَ الْقدرِ إيماناً واحتساباً؛ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبهِ، ومن صامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه”.

فيه فوائد:

  1. فيه فضلُ قيام رمضان، وظاهره يبيح فيه الجماعة والانفراد؛ لأن ذلك كله فعل خير، وقد ندب الله إلى فعل الخير. (ابن عبد البر – التمهيد 7/105).
  2. فيه استحباب صلاة التراويح جماعة. (ابن هبيرة – الإفصاح 6/187).
  3. فيه دليل على أن ما أمر به عمرُ وفعلَهُ من قيامِ رمضان= قد كان سبق من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الترغيبُ والحضُّ، فصار ذلك من سننه. (ابن عبد البر – التمهيد 7/105).
  4. قوله: “إيمانًا” يريدُ: تصديقًا بفرضه، وبالثواب من الله تعالى على صيامه وقيامه، وقوله: “احتسابًا”، يريد بذلك: يحتسب الثواب على الله، وينوي بصيامه وجهَ الله. (ابن بطال – شرحه 4/21).
  5. قوله: “إيمانًا واحتسابًا” فيه دليل على أن الأعمال الصالحة إنما يقع بها غفران الذنوب وتكفير السيئات مع صدق النيات، يَدُلُّكَ على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات”، وقوله لسعد: “لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت فيها”، ومحال أن يزكو من الأعمال شيء لا يُراد به الله. (ابن عبد البر – التمهيد 7/105).
  6. قوله: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا” [فيه حجة لمن قال] أنه لا يجزئ صوم رمضان إلا بنية من الليل، كما ذهب إليه الجمهور.. والنية إنما ينبغي أن تكون متقدمة قبل العمل. (ابن بطال – شرحه 4/21).
  7. قوله: (غُفر له ما تقدم من ذنبه) قولٌ عامٌّ يُرجى لمن فعل ما ذكره في الحديث أن يغفر له جميع الذنوب: صغيرها وكبيرها؛ لأنه لم يستثن ذنبًا دون ذنب. (ابن بطال – شرحه 4/150). قلت: وفي دخول الكبائر في المغفرة هاهنا خلاف مشهور.
  8. قال ولي الدين العراقي: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ قِيَامُ جَمِيعِ لَيْلِهِ، بَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقِيَامٍ يَسِيرٍ مِنْ اللَّيْلِ؛ كَمَا فِي مُطْلَقِ التَّهَجُّدِ، وَبِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَرَاءَ الْإِمَامِ كَالْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ، وَبِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ. (طرح التثريب 4/161).

هذا وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اقرأ ايضًا: الجزء الثاني من الفوائد المنتخبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى