عام

موجزٌ دينيٌّ عن عيد الهالوين Halloween

د. عائض بن سعد الدوسري

أصبح عيد الهالوين في العصر الحاضر من الاحتفالات الكبيرة والمنتشرة في الغرب، وتحول من احتفال يقوم به الأطفال متنكرين بالأزياء والأصباغ والأقنعة، يطرقون الأبواب ويزورون بيوت الجيران طلبًا للحلوى، إلى احتفالاتٍ كبيرةٍ وصاخبةٍ يقوم بها الكبار في حفالاتٍ تنكريَّة، وبألبسة غريبة ومتنوعة. وفي نهاية القرن العشرين أصبح عيد الهالوين ليلة احتفاليَّة كبيرة للبالغين خصوصًا، وكما يشير الباحث الأكاديمي نيكولاس روجرز فقد صارت تلك الليلة تعتبر الأهم بعد ليلة رأس السنة الجديدة، وأنَّ ما يقدر بنحو 65 في المائة من البالغين الأمريكيين يشاركون في الاحتفال بعيد الهالوين.

وبحسب التقارير الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكيَّة والعالم في عام 1997م، ونقلاً عن إحصائيات الاتحاد الوطني لتجارة التجزئة، فإنَّ ما تم إنفاقه في عيد الهالوين في تلك السنة ما يقرب من 1.5 مليار دولار على الأزياء، و3 مليارات دولار أخرى على إكسسوارات الحفلات. ويؤكد الباحث نيكولاس روجرز أنَّ حجم الأموال التي تم إنفاقها في عيد الهالوين قد تضاعفت في العقد الماضي، مما يجعلها ثاني ثروة بيع بالتجزئة بعد الكريسماس!

ويعود أصل الاحتفال بعيد الهالوين إلى الديانات الوثنيَّة، ويشير كثيرٌ من الباحثين إلى أنَّ الهالوين عيد وثني، على الرغم من أن الكلمة كما يزعم أصلها مسيحية، فعيد الهالوين حرفياً مشتق من (All Hallows’ Eve, or All Saints’ Eve)، عيد جميع القديسين. وعيد يوم القديسين هذا هو يوم مقدس عند الكاثوليك، يتم فيها التزام بحضور القُدَّاس، ويجب الامتناع فيه عن الأعمال التي من شأنها أن تمنع عبادة الله، أو الفرح الخاص بيوم الرب. ويحتفل به الروم الكاثوليك، والكنيسة الأسقفية الأمريكية، وبعض الطوائف البروتستانتية الأخرى.

وتشير الباحثة ليزا مورتون إلى أنَّ هذا اليوم لم يتم تأسيسه بالكامل داخل المسيحيَّة حتى تم تكريس معبد البانثيون (Pantheon) في روما للديانة المسيحية على يد البابا بونيفاس الرابع في 13 مايو 609م، حيث كان البانثيون معبدًا رومانيًّا وثنيًا، وأعطى للكنيسة من قبل الإمبراطور الروماني فوكاس، وتم تكريسها لمريم العذراء وجميع الشهداء تحت اسم: (Santa Maria Rotunda).

وهكذا فقد تم احتضان هذا العيد، الذي أصوله وثنية، من قبل الكنيسة الكاثوليكية، فتم الاحتفال به أولاً في يوم 13 مايو، إلى أن كرَّس البابا غريغوريوس الثالث (741م) معبدًا صغيرًا لـ(جميع القديسين) في كاتدرائية القديس بطرس في الأول من نوفمبر، ثم أمر البابا غريغوريوس الرابع (844م) بالاحتفال به عالميًا. ويحسن الانتباه إلى أنَّ التاريخ الأصلي ليوم (جميع القديسين) الذي كان يوم 13 مايو، هو الليلة الأخيرة للاحتفال الروماني المعروف (Lemuria Festival) الذي كان يستمر لثلاثة أيام، وهو عيد معروف عند الرومان القدماء، حيث فيه يقومون بممارسة طقوس طرد أشباح الموتى الشريرة الساكنة في منازلهم، وكانوا في ذلك اليوم يصنعون الكعكة من السنابل الأولى للقمح في ذلك الموسم.

ويؤكد العديد من مؤرخي الكنيسة الكاثوليكيَّة أن تاريخ هذا العيد قد تم نقله إلى تاريخ من يوم 13 مايو إلى الأول من  نوفمبر –بزعمهم- من أجل إطعام الحجاج الذين يسافرون إلى روما للاحتفال، لكن معظم المؤرخين يعتقدون أنه تم تغيير التاريخ لمساعدة المنصرين في تحول واحتواء احتفالات الشعوب الوثنية بهذا اليوم لجعله يومًا مسيحيًا، ومن ثَمَّ تحويلهم وجذبهم لاعتناق الديانة المسيحيَّة. ومما يؤكد صحة كلام المؤرخين، رسالة مشهورة من البابا غريغوري الأول إلى أحد المنصرين كان في طريقه إلى إنجلترا بتاريخ 601م، حيث ناقشه أولاً في فكرة التوفيق بين الوثنية والديانة الكاثوليكيَّة (Syncretism)، وحثه فيها على بذل الجهود من أجل استقطاب الممارسات الوثنية بدلاً من القضاء عليها بقوة.

ويتزامن عيد الهالوين أيضًا مع يوم جميع الأرواح (All Souls’ Day)، الذي يكون في الثاني من نوفمبر، وقد خُصِّصَ هذا اليوم في التقويم المسيحي لتكريم القديسين وأرواح الموتى المعروفين والمجهولين، وكان يومًا مخصصًا في القرون الماضية للصلاة من أجل تلك النفوس في مرحلة المطهر (Purgatory) في المسيحيَّة (للتقريب قد تقابل حياة البرزخ). وبما أنَّ الأرواح محوريَّة في عيد الهالوين، ويرتبط هذا العيد بشكل عام ما هو خارق للطبيعة، فغالبًا ما يؤكد هذا على أن لهذا العيد جذوره الوثنية القوية، التي لم يتم القضاء عليها أبدًا من خلال محاولة التنصير اللاحقة لهذا العيد، كما هو حال رأس السنة وعبد الميلاد.

وقد اكتشف بعض الفلكلوريين الغربيين أصول عيد الهالوين في العيد الروماني في بومونا (Pomona)، إلهة الفواكه والبذور، وفي عيد الموتى المسمى (Parentalia). ويربط هذا العيد عادة بمهرجان (Celtic festival)، الذي يعني نهاية الصيف. ويذكر الباحث جون أرنوت ماك كولوتش، أحد أشهر العلماء والباحثين في الفولكلور الاسكتلندي والمتخصص في دين السلتيين القدماء، أنَّ عيد الهالوين في جوهره مهرجان رعوي وزراعي قديم، أصبح يُنظر إليه مع الوقت على أنه يقدم المساعدة لقوى النمو في صراعها مع قوى الخراب والفساد والدمار والظلمة. وكانت الشعوب الوثنيَّة البدائية في تلك العصور تعتقد بأن قوى الظلام والانحلال كانت تجول في الخارج، متدفقة من السد والتلال القديمة أو العربات في الريف. ومن أجل درء هذه الأرواح، فإن هذه الشعوب أقامت نيرانًا ضخمة، واستدعوا مساعدة الآلهة من خلال التضحية بالحيوانات وأحيانًا بالبشر.

ويؤكد كثيرٌ من الباحثين الغربيين المختصين بأصول وجذور الأعياد والاحتفالات على أنَّ تلك الأعياد الوثنيَّة في بدائيتها الأولية وتوارثها الدائم هي الأصل للظواهر والملامح البارزة في عيد الهالوين، خصوصًا ارتباطها بالفأل والتشاؤم، وبالنذور والكفَّارات، وبمظاهر العالم الآخر. وأكَّد الفلكلوريون من أمثال جاك سانتينو أن ازدهار جذور عيد الهالوين جاء من التقاليد السلتية الأيرلندية-الاسكتلندية، كمهرجان حصاد، وطقوس إحياء ذكرى الموتى وسؤالهم العون والحاجة، الذي انعكس في الاحتفالات الأمريكية الحديثة المتمثلة في لبس القناع وسؤال الحاجة (masked solicitation rituals).

ويشير نيكولاس روجرز إلى أنَّ بعض الممارسات الوثنية المرتبطة بآلهة الشعوب الوثنية وطقوسهم الإلهية قد اختفت منذ فترة طويلة، إلا أن صَدَاهَا لا يزال مستقرًا في عيد الهالوين، بارتباطه بالعالم السفلي، الذي لا يزال يكرر تلك الممارسات في فوانيس القرعة المضيئة (jack-o’-lantern)،  والأزياء الغولية (The Ghoulish Garb). وفي السنوات الأخيرة، قام الوثنيون الجدد، ممثلين في الوثنية الحديثة (Modern Paganism) وحركات العصر الجديد (New Age movements)، بتنشيط الصفات الروحيَّة الخارقة للطبيعة لعيد الهالوين، وأنَّ له صفة علاجيَّة تساعد الناس في لمس العالم الآخر، وعدم الخوف من عالم الأموات.

ويذكر الباحث الأكاديمي جاك كوجيلماس، أستاذ الأنثروبولوجيا ومدير مركز الدراسات اليهودية في جامعة فلوريد، أن عيد الهالوين هو واحد من أربعة أيام سبت سوداء يلتقي فيها السحرة لعبادة الشيطان. وقد شجب الإنجيليون المسيحيون هذا العيد بوصفه ينتمي إلى (عبادة الشيطان) وتمجيد الشر، وقد أكَّد ذلك القس بات روبرتسون، مؤسس التحالف المسيحي، في عام 1982م، ولهذا حَثَّ الإنجيليون المسيحيون مجالس المدارس على حظر احتفالات عيد الهالوين بسبب إيحاءاته الوثنية والشيطانية.

وبجوار هذا الجدل الديني الوثني حول هذا العيد وأصل وممارساته الوثنية والخرافية والشيطانيَّة، إلا أنه، كما يذكر الباحث نيكولاس روجرز، كان هناك رجال الأعمال أدركوا الإقبال الكبير على هذا العيد الوثني من قبل الأطفال والبالغين، فوجدوها فرصة ذهبية لكسب الأموال وإدرار الأرباح، مستفيدين من طلبات هذه الليلة الاحتفالية، بعيدًا عن الاكتراث بأصل هذا العيد الديني أو الوثني، إذ الغاية هي الربح بأيِّ وسيلة ممكنة. وقد قادت الرأسمالية وصناعة السينما الاحتفال والترويج لثقافة هذا العيد، مستدعية الطقوس والشعائر الوثنية القديمة، فصار العيد شائعًا وطبيعيًا في العقود الماضية القريبة، بل لم يعد عيدًا أو حتفالاً غربيًا، بل انتشرت ثقافته في أنحاء العالم، من خلال الأفلام والدعايات والمبيعات لملابسه وديكوراته. وتؤكد ليزا مورتون، مؤلفة وكاتبة أمريكية في مجال الرعب، أنَّ مثل تلك الاحتفالات يحصد منها رجال الأعمال والشركات المليارات من الدولارات، وأصبحت مظاهر وملابس عيد الهالوين متاحة على نطاق واسع من خلال مواقع الإنترنت، وأنَّ قيمة مقتنيات الاحتفالات القديمة قد ارتفعت بشكل حاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى