عام

الإلحاد العملي (اللادينيَّة أو الدنيويَّة)!

د. عائض بن سعد الدوسري

في شهر نوفمبر من عام 1948م، نشر الباحث والمحقق الصحفي الأمريكي لينكولن بارنت مقالاً بعنوان: (الله والشعب الأمريكي: بماذا يؤمن الأمريكيون؟ وما مدى قوة معتقداتهم؟ وهل يعيشون حسب إيمانهم؟). وقد تضمن المقال نتائج أحد الاستفتاءات الكبيرة للشعب الأمريكي حول موضوع (الدِّين والتدين)، وكان من ضمن الأسئلة التي طُرِحَت على هؤلاء: ما مدى إيمانك بوجود الله؟ فكانت الإجابة: بأنَّ 95% من هؤلاء يؤمنون بالله. ثم تلاه سؤالٌ آخر، وهو: ما مدى اعتبارك الدِّين مؤديًّا إلى إقامة حياة جيدة وفاضلة؟ فجاء الجواب: بأنَّ 25% من هؤلاء فقط يعتبرون أنَّ الدِّين أحد العناصر التي يضعونها في اعتبارهم في هذا الصدد.

وهذا يعني أنَّ ما نسبته 70% من هؤلاء الذين يقولون إنَّهم يؤمنون بالله، لا يوجد لهذا الإيمان أثر أو اعتبار في حياتهم، أو أنَّهم لا يقيمون حياتهم على مقتضيات الإيمان بالله! وقد عَلَّق أحد الباحثين والمحللين على هذه الأرقام، بقوله إنَّها تشير إلى أنَّ النَّاس لا يربطون بشكلٍ مباشرٍ حياتهم ولا سلوكهم بالإيمان بالله.

وفي بحثٍ آخر قدَّمه ويل هيربيرج في سنة 1983م، واستعان فيه بعدة استفتاءات، وَجَدَ أنَّ ما نسبته (97% وفقاً لاستفتاءٍ، و96% وفقاً لمسحٍ آخر، و 95% وفقاً لاستفتاءٍ ثالث) من الأمريكيين يؤمنون بالله، وهي نسبة عالية جدًا إذا ما قُورِنَت بنسب الإيمان بالله في القارة العجوز أوروبا. ويشير ويل هيربيرج استنادًا إلى ما سماه “وفقًا لمصدرٍ موثوقٍ”، إلى أنَّ 73% من أفراد العينة يؤمنون بـ(الحياة الآخرة)، وبأنَّ الله هو الحاكم في ذلك اليوم، ومع ذلك، فإنَّ 5% فقط منهم لديهم خوف حقيقي واقعي من ذلك اليوم، ناهيك عن عدم توقعهم الحقيقي والجاد في أنَّهم سوف يذهبون إلى الجحيم. ويذكر ويل هيربيرج استفتاءً آخر، جاء من ضمن نتائجه أنَّ 80% قالوا إنَّهم يؤمن بـ(الحياة بعد الموت)، لكنَّهم اعترفوا بأن الشيء الحقيقي الذي يتعاطونه معه” بجديَّة أكثر، “لم يكن الحياة بعد الموت، التي قالوا إنَّهم يؤمنون بها، وإنَّما محاولة العيش قدر الإمكان براحة أكبر في هذه الحياة الدنيا”.

ويطرح الفيلسوف البريطاني والتر تيرينس ستيس سؤالاً في ضوء أمثال هذه النتائج التي تعكس نظريًّا نسبًا عالية تدعي الإيمان، ونسبًا منخفضة في جانب ارتباط ذلك الإيمان بالسلوك في الحياة العمليَّة الواقعيَّة، حيث يقول: “لماذا نجدهم من ناحية يؤيدون الإيمان التقليدي في وجود الله، ونراهم من ناحية أخرى أنَّه لا علاقة لهذا الإيمان بالأحداث الفعليَّة التي تقع في حياتهم اليوميَّة؟“. ويعزو السبب إلى الانفكاك بين ما يعتقد هؤلاء نظريًا وبين ما يلمسون أثره في حياتهم الواقعيَّة، فأصبح هناك عدم ارتباط بين المستوى النظري وبين المستوى الواقعي لحياتهم، وأنَّهم أكثر تعلقًا بالأسباب الطبيعية وتأثيرها بالمقارنة مع تعلقهم الحقيقي بتأثير الله. يقول والتر تيرينس ستيس: “لا شك أنَّ 95% من النَّاس يقولون إنَّهم يؤمنون بالله، لكن ذلك ليس دليلاً على إيمانهم بالدِّين، فمثل هذا الإيمان بالله هو مجرد تجريد عقلي، لا يؤثر في سلوك النَّاس، أو أنَّه صيغة تقليديَّة لفظيَّة عقيمة اعتاد النَّاس على ترديدها”.

وهكذا، فإنَّه في مثل تلك المجتمعات الغربيَّة، ومع مثل تلك الأرقام العالية في الاعتقادات النظريَّة والأرقام المنخفضة في ارتباط السلوك بذلك الاعتقاد، فإنَّ آخر ما يلتفت إليه هو الشعارات المُعْلَنَة، أو بقايا التقاليد التي يتمتم بها الإنسان وبقيت عالقة على لسانه، لكنها لا تمتلك رصيدًا حقيقيًّا من الإيمان الفعلي الذي ينعكس على أرض الواقع، وأنَّ ما يبدو ظاهرًا وجليًا على الألسنة يكون غامضًا ومختفيًا في الحقيقة، ويحتاج إلى وقتٍ كافٍ لإدراكه في الواقع، أو كما يقول المثل الإنجليزي: “الشيطان يكمن في تفاصيل“.

إنَّ هذا الانفصال الحاد والانفصام العميق بين إيمان الفرد أو المجتمعات على المستوى النظري وبين الحياة الواقعيَّة على المستوى العملي السلوكي، يكشف عن عدة حقائق:

الأولى: الضعف الشديد والخطير في الإيمان الاعتقادي في القلب، وتزلزل القناعة العقليَّة به، وأنَّه لم يعد إلا شعارًا ولوحة رمزيَّة تكاد أن تقع، ومقولة تلاك بالألسن ولا حقيقة لها في القلب أو في الواقع.

الثانية: أنَّ البراغماتيَّة قد ضَرَبَت بجرانها في المجتمعات الغربيَّة، وترسخت أخلاقياتها في أعماق سلوكياتهم، فصارت المنفعة والمصلحة العاجلة الدنيويَّة هي الغاية والهدف في هذه الحياة، حتى الإيمان الدِّيني نفسه صار ضحية لمبادئ البراغماتيَّة، فبقي منه في القلوب والواقع ما يُحَقِّقُ المنفعة العاجلة للفرد واللذة، وكأنَّ الدِّين أصبح مجرد قطعة أثريَّة عتيقة في متحف أكبر ضمن قطعٍ أخرى، متحف يجتمع فيه: الروحانيات بأشكالها، وخرافات الطاقة الكونيَّة، ودغدغات البرمجة العصبيَّة، وأوهام الحريَّة النفسيَّة، التي صارت وظيفتها كلها منفعة الإنسان العاجلة، ولذته الحاضرة، ذلك الإنسان المرعوب الخائف القلق في هذه الحياة، والذي يريد من تلك الخرافات أن تُسَكِّنَ روحه، وتُطمئن نفسه، وتطرد مخاوفه ورعبه وقلقه وبؤسه ويأسه، بعد أن فَقَدَ الإيمان الحقيقي بالله، ذلك الإيمان الذي يُحَقِّقُ له الاطمئنان القلبي الحقيقي والسكينة الروحيَّة الحَقَّة.

الثالثة: تلك الأرقام والاستفتاءات السابقة، تكشف بوضوح للباحث كيف وَجَدَ الإلحاد الجديد الطريق أمامه سهلاً في المجتمعات الغربيَّة، وكيف انقلبت النسب رأسًا على عقب في تلك المجتمعات وبين أولئك الأفراد. لقد وَجَدَ الإلحاد الجديد نفوسًا هَشَّة، وأرواحًا محطمة، وعقولاً متشَكِّكَة زائغة، وقلوبًا متعلقة بالدنيا، مشغولة بالمصالح العاجلة الحاضرة الآنيَّة، فكان سهلاً عليه استقطاب كثيرٍ منها، والاستحواذ عليها، وهدم ما بقي من رسوم دينيَّة بالية متهالكة بقيت لديهم.

إنَّ (اللادينيَّة) الواقعيَّة أو (الدنيويَّة) نتجت عن الانفصال بين الإيمان والعمل، فضعف الإيمان وتعطل العمل بالدِّين، فكانت تلك (اللادينيَّة) إعلانًا عن الانسلاخ من الدِّين على مستوى السلوك والواقع، وإن بقي في بقايا تلافيف القلب إيمان أو مزاعم إيمان، يمكن أن تُكْشَف وتُهَز عند أول اصطدام بمنافع دنيويَّة أو مصائب في الحياة. وهذا نوع من (اللادينيَّة) السلوكيَّة في المجتمعات الغرب؛ يُشَجِّعه الإلحاد ويُنميه، ويستشهد به أيضًا على ضعف أثر الدِّين في حياة النَّاس، فهذا (اللادينيَّة السلوكيَّة) هي الأرض الخصبة للإلحاد، وبقدر تمددها في المجتمعات وبين الأفراد يتمدد الإلحاد بسهولة، فالحياة (اللادينيَّة) هي الحياة التي يزدهر فيها الإلحاد، لأنَّ الذي بقي في الحياة (اللادينيَّة) مجرد بقايا إيمان في القلب أو توهم ذلك، ستُهْدَمُ تلقائيًّا مع مرور الأيام.

والإلحاد الأحمر يختلف عن (الإلحاد العملي)، فالأول قد جَعَلَ هدفه الرئيس في الحياة هو نشر الإلحاد ومهاجمة وجود الله وتحطيم الأديان، كما تمثله الشيوعيَّة الحمراء، ويمثله في هذا العصر الحديث دعاة (الإلحاد الجديد)، من أمثال: ريتشارد دوكينز، وسام هاريس، وكريستوفر هيتشنز، وهو إلحادٌ واضحٌ وصادمٌ ومُتصادم ووقحٌ. وهذا النوع من الإلحاد الفَجّ غالبًا ما يخفق في تحقيق مهمته كما يريدها بطريقة مباشرة، لتنافره مع عامة النَّاس واستفزازهم لهم، وإن كان صوته الأكثر ارتفاعًا وصخبًا. أما النوع الآخر من الإلحاد، (الإلحاد العملي)، وهو إلحادٌ مستترٌ -ولعله أشد خطورة- لأنَّه لا يظهر التصادم مع المعتقدات صراحة، فالمعتقدات القلبيَّة لا تعنيه كثيرًا بالدرجة الأولى، ولهذا فالنَّاس قد لا تنفر منه، وهو يركز على معيشة النَّاس العمليَّة في هذه الحياة الدنيا، ويشغلهم بها، ويجعل أهدافهم وغاياتهم هي المصالح والمنافع العاجلة، فيغرقهم فيها، وينغمسون في تلك الدوامة مبتعدين –دون شعورٍ- عن إيمانه بالله الذي في قلوبهم، إلى درجة تصبح معظم الأشياء -الغايات والوسائل- مجرد وسائل لوسيلة دنيويَّة أخرى، وهكذا تنتهي حياة الإنسان غرقًا في تتبع الوسائل، التي سيكتشف أنَّها تتسلسل إلى ما لا نهاية، دون تحقيق الغاية التي كان يطمح إليها ويريدها.

وفي هذا النوع من (الإلحاد العملي) أو (اللادينيَّة)،كما يقول كوستي بندلي: فإنَّ “وجود الله بحد ذاته أمر لا يهمه كثيراً”، فما الذي يهمه إذن؟ الذي يهمه في الواقع هو عزل الله عن الحياة، وذلك من خلال “نفي علاقة الله بالإنسان، تلك العلاقة التي تجعل للإنسان مرجعاً وغاية غير ذاته”، فهذا النوع من الإلحاد “هو رفض الله أكثر مما هو نفيٌ لوجوده”. وهذا الإلحاد “لم يرفض الله باسم الإنسان إلا ليستعيض عنه بأصنام تسحق الإنسان”، وكما يقول الفيلسوف الملحد لودفيغ فويرباخ صراحة: “إنَّ نقطة التحول الكبرى في التاريخ؛ ستكون اللحظة التي سَيَعِي فيها الإنسانُ أنَّ الإله الوحيد هو الإنسان نفسه: الإنسان هو إله الإنسان”.

فـ(اللادينيَّة) أو الإنسانيَّة أو الدنيويَّة في تجلياتها العليا هي إبعاد الإنسان عند الله وإبعاد الله عند الإنسان، وعزل الخلق عن الإيمان أو عزل حياتهم عن الإيمان، وذلك من خلال تقديس الدنيا وعبادة الإنسان، أو بالأحرى عبادة الشيطان وشهواته تحت عناوين وشعارات لافتات جميلة وبراقة، تمنح السيادة كلها للإنسان وتسلبها عن الله، فالإنسان هو النموذج الذي لا يعلوه أي نموذج آخر، وكما يقول كارل ماركس: “الإنسان هو للإنسان الكائن الأسمى”.

وهذا النوع من الإلحاد البراغماتي أو الناعم، الذي يفرح بها الإلحاد الصلب كثيرًا، سواء المعلن أو المضمر، يرى أنَّ الإيمان بالله عبوديَّة، وأنَّ واجب الإنسان عمليًّا أن يتمرد ويتحرر سلوكيًّا وواقعيًّا وأخلاقيًّا من أي سلطة تحد من شهواته ورغباته، فلا سيد للإنسان إلا نفسه، كما يقول كارل ماركس: “أي كائن كان لا يعتبر نفسه مستقلاً إلا إذا كان سيداً لنفسه، ولا يكون سَيِّد نفسه إلا إذا كان مديناً لذاته بوجوده”. وإذا وُجِدَتْ لحظة يعترف فيها إنسانٌ بنعمة وفضل ربه، فهذا الإنسان عبد ذليل خانع بحسب كارل ماركس، فالإلحاد عنده إن كان هو “إنكار الله”، فإنَّ المهم هو أنَّ يكون هذا الإنكار “يؤكد وجود الإنسان”. وهذا ما يُركِّز عليه الإلحاد الذرائعي الناعم، الذي لا يهمه بالدرجة الأولى إعلان إنكار الله، بل فصل علاقة الإنسان بربه عمليًّا، ولهذا فهو يزرع في قلب الإنسان حلاوة التمرد على الله، ويصف ذلك بالبطولة وتحقيق الحرية، وعدم قبول الخنوع والخضوع والعبودية.

إنَّ هذا (الإلحاد الذرائعي) يرفع شعارًا مُعلنًا، وهو: الإنسان أولاً، أو الدنيا أولاً وآخرًا، ويزعم أنَّه إنَّما جاء انتصارًا للإنسان وتحريرًا لفكره من الخضوع والعبوديَّة، وأنَّه أعاد إلى الإنسان قواه وفضائله التي كان الدِّين قد سلبها منه، ويعزو تدمير الإنسان في الدنيا عبر التاريخ إلى الدِّين، والإلحاد –بشقيه الصلب والناعم- يزعم أنَّه هو الذي حرَّر وعي الإنسان من الخرافة، وجعله مركز الوجود وأساسه وهدفه وغايته، ولا شيء وراء ذلك. وقد حرصت هذه (اللادينيَّة) على تعميق وترسيخ هذه المفاهيم التي ترتكز على الإنسان بدل مركزية الله، والإنسانية بدل الدِّين. فالإنسانية هي أعلى قيمة تميز الإنسان، والدِّين حاول أن يسلب الإنسان إنسانيته وفضائله وخصاله. وهكذا نفخت (اللادينيَّة) في هذه المصطلحات لتكون متداولة على ألسنة الكافة دون وعي عميق منهم بمدلولاتها الحقيقيَّة. وقد وجد مثل هذا الخطاب له أرضًا خصبة في نفوس الشباب والمراهقين، الذين يجدون فيه استجابة لرغباتهم، وتحقيقًا لغرائزهم، وتكريسًا لأنانيتهم التي يسمونها تحقيقًا للذات والشخصية، لينتهوا إلى عبودية أنفسهم أو عبوديتهم لإنسان آخر. ولهذا يقول كوستي بندلي أنَّ كارل ماركس عندما تحدث عن العملاق الأسطوري بروميثيوس الذي بعد أن قيده الإله الخرافي زفس على صخرة عقاباً له، استمر في تحديه للآلهة، فتحدث عنه كارل ماركس بحماسٍ شديدٍ, وكتب موحداً بين نفسه وبين بطله الخرافي هذا بِنَفَسٍ طفوليٍّ تمرديٍّ لا يخفى على القارئ، فقال: “إنني أفضل أن أكون مقيداً بهذه الصخرة على أن أكون خادماً [للإله]”.

ولهذا كان من المتوقع أنَّ يكون الهدف الرئيس لهذا النوع من (الإلحاد الذرائعي) التوجه صوب الحياة العمليَّة ليعزلها عن الله، ويعزل الإنسان عن خالقه، يعزله في أخلاقه وسلوكه وفكره عن الله، فيجعل حياة الإنسان معركة للمصالح، ومستنقعًا للشهوات والغواية، وساحة واسعة من التنافس الأناني، وقَفْرًا من الإيمان، حياة جافة تالفة، فيها تعطش الأرواح، حتى تصبح أسمى تجليات الحياة في نظره متمثله في الانتحار وقتل النفس. فهذه الحياة التي تخلقها (اللادينيِّة) ستولد عطشًا في الروح، وفراغًا في القلب بافتقاده الإيمان، وستخلف وراءها داخل نفس الإنسان صراعًا تسودها الأفكار السوداء، ومرارة وحرماناً، ولهثاً وراء الحقيقة، وجلدًا للذات في صمت مطبق، تضيق في مثل تلك الحالة ملابس الإنسان على جسده، وتضيق عليه نفسه من شدة الألم والحسرة التي يعجز عن تفسيرها، إن تلك الحالة التي يعجز أن يعبر عنها ذلك الإنسان، هي الضنك الذي يسببه معيشة الإنسان بعيداً عن ربه في الحياة الدنيا. وكما يقول الفيلسوف الملحد فريدريك نيتشه: “الناس أعوزتهم الغاية من الوجود، كما أعوزهم الجواب عن سؤالهم لأنفسهم: لماذا يحيون ويوجدون؟ إن أكثر القيم علواً وارتفاعاً فقدت قيمتها، ولم تعد تمارس فعاليتها، وقوتها البناءة المحببة، فحياة الدِّين تخسر وتترك وراءها الغدران والمستنقعات، كل شيء يمهد الطريق الآن للبربرية القادمة”. وقد وصف المؤرخ الإنجليزي الشهير  أرنولد توينبي الخدعة التي انزلقت إليها الإنسانية، حينما أغراها بريق المادة والشهوات فجعلتها ضحية لها، “فجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم، وذلك ببيعها مصابيح جديدة لهم، مقابل مصابيح قديمة، لقد أغوتهم فباعوها أرواحهم”، وأخذوا بديلاً عنها حياة مغرية لها بريق لكنها مادية مقفرة، “فكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري الذي سببته تلك الصفقة؛ إقفراراً روحيًّا، وصفه أفلاطون يوماً بأنه مجتمع الخنازير“. ولهذا، كان من الطبيعي أن يُنتج (الإلحاد الذرائعي) أو (اللادينيَّة) حياة مليئة بالأنانيَّة، وجمود المشاعر، وتَصَحُّر الإيمان.

وأما دعوى (الإلحاد الذرائعي) أنَّ عزل الإيمان بالله ضروري لحياة أفضل بالنسبة إلى الإنسان، وأنَّ تحرره من عبودية الربِّ ضروريَّة لتحقيق حريته هو، فهي دعوى زائفة، بل هي في الحقيقة تحقق على أرض الواقع عكس ذلك تمامًا، ففصل الإنسان عن الله هو فصل له عن الحياة الحقيقيَّة، وتمرده على ربه هو عبوديَّة ذليله لشهواته أو لشهوات غيره من البشر، ومآل دعوة (الإلحاد الذرائعي) ليس فقط دمار الدِّين في حياة الإنسان، بل أيضًا دمار الحياة نفسها، حيث سيصبح الإنسان وحشًا مفترسًا يقتل ويدمر، لا غاية له ولا هدف ولا معنى له في الحياة. يقول  الأديب البريطاني جورج برنارد شو: “كنتُ أعرف دائماً أنَّ الحضارة تحتاج إلى دين، وأن حياتها أو موتها يتوقف على ذلك، فالحضارة تسقط إذا فقدت دينها، وتنتعش إذا هي تمسكت به، إنَّ الحضارة تسقط في اللحظة التي تكون فيها قوة الإنسان أشد وأكبر من قوة الدين”.

فـ(الإلحاد الذرائعي) الذي يبكي وينعي ‘الإنسانيته’ التي سلبتها السماء من الإنسان، يُقَدِّم دعوى زائفة وكاذبة، ويظهر ذلك جليًا من خلال مآلات (اللادينيَّة) الواقعيَّة، ومن خلال التقريرات النظريَّة للإلحاد المادي والدارويني والفرويدي، الذي لا يرى في هذا الإنسان الذي يقدسه إلا حيوانًا، والإنسانية هذه مجرد حيوانية، وحينما يموت فليس أكثر من كلبٍ يموت، كما يقول ذلك صراحة الملحد ديفيد ميلز. والإنسان وفق رؤية الداروينية، هو مخلوق بلا غاية ولا هدف ولا أخلاق ولا معنى ولا إرادة حرَّة للبشريَّة، ولا قيم، ولا دين ولا إيمان، كما يقول الملحد الدارويني وليَم بروفاين. ولهذا، يُصَرِّحُ ستيفانوس جيرولانوس بأنَّ الإلحاد المعاصر ضَيَّعَ مفهوم الإنسانية، لأنَّه “منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الخمسينيات من القرن العشرين، فإنَّ ثورة فلسفية وفكرية خلقت نوعًا جديدًا من الإلحاد، وهدمت قيمة الإنسانية، وبدلت معنى (الإنسان) بحيث يتعذر التعرف عليه واقعيًا”.

إنَّ الإلحاد الذي لم يحقق ما يطمح إليه على مستوى معركته في ساحة الاعتقاد القلبي الإيماني بالله تعالى، قد يُحَقِّق ذلك –إلى درجة كبيرة- من خلال (الإلحاد الذرائعي الناعم) أو (اللادينيَّة) أو (الإنسانيَّة) في معركته التي خاضها على مستوى حياة الإنسان وسلوكه وأخلاقياته، وتعليقه بالمصالح والمنافع العاجلة الدنيويَّة وحسب، وجعلها هي الغاية من عيشه وحياته، فإشغاله بذلك –كما يعتقد- سيكون كفيلاً بعزله عن الله وإشغاله عن إيمانه. إنَّ الإلحاد الصلب فشل واقعيًا في مرافعته عن الإنسان والإنسانيَّة، وفي تقديم نفسه منقذًا ومُخلصًا للإنسان والإنسانيَّة، حَطَّمَ الإنسان وأهلكه، وانحط به إلى درك الغابة والحيوانيَّة والشقاء، وضيعه في مهالك الردى، وتركه شقيًا وحيدًا بلا ملجأ. وكذلك (اللادينيَّة) فشلت في تقديم نفسها المنقذ والمُخلِّص لدنيا الإنسان من هيمنة الدَّين، وفي إظهار نفسها الحريصة على منافعه ومصالحه الحقيقيَّة، وكانت الحقيقة أنَّها دمرت دنيا الإنسان من خلال تدميرها لروحه وسعادته وغاياته الحقيقيَّة، وحولته إلى مجرد سلعة أو إلى عبدٍ لنفسه وشهواته أو إلى عبدٍ لغيره ولشهوات الآخرين، وجعلته يعيش في دنيا الضنك بأعمق معانيه، ويمشي في حياته مُكِبًّا على وجهه من غير دليل ولا هدى ولا رشاد، ضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الدنيا بما رحبت، حتى اقتنع أنَّ خير ما في الدنيا هو الخَلاص من الدنيا نفسها!

اقرأ ايضًا: نظاما التفكير الديني والعلماني في الاضطراب النفسي: ثنائي القطب نموذجًا

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى