عام

بين قلق التفكير، وطمأنينة التغافل

  • بهاء المقداد
  • تحرير: أروى الشاهين

“النَّقد عدوُّ التَّأقلمِ، عدوُّ الاسترواحِ لما هو قائم، وخروجٌ عن أَسْرِ العادة، وحربٌ على كلِّ من يقولُ {…إنَّا وجدْنا آباءَنا على أمّة…}”.[١]

هذه العبارةُ قالَها الشيخُ إبراهيمُ العسعس -حفظه الله- في كتابِه (رَصْدُ الظَّواهر) في سياقِ كلامِهِ عن أهميّةِ النَّقد، فإنَّ أهميّتَهُ -على ما يرى- تنبعُ من كونِهِ البدايةَ للتغيير، وكونِ رفضِهِ خضوعًا “للتصوُّراتِ الكاذبةِ، والتَّاريخِ المزيَّفِ، والواقعِ المزوَّر”، وفي مقاله (معالمُ على طريق النَّقد) زيادةٌ لمن أراد.[٢]

كنتُ كثيرًا ما أَسألُ عن معاني الأمثالِ الشَّعبيةِ التي يتداولُها النَّاسُ للتعبيرِ عن ثقافتِهم، والطَّريفُ أنّني لم أكُنْ أجدُ جوابًا في كثيرٍ من الأحيان، أو أجدُ المسؤولَ يفكِّرُ في معنى ما يقولُ للتوِّ عندما استثرتُ عقلَه.

لا بدَّ أنَّكَ في يومٍ من الأيامِ سُئِلتَ عن معنى جملةٍ، أو كلمةٍ، أو غيرهما، وعندما أجبتَ فرحتَ بشدَّةٍ؛ لأنَّكَ لم تفهَمْها هكذا من قبل.

كثيرًا ما نمرِّرُ العبارات على أفواهِنا دونَ أن نفهمَ معناها الحقيقيَّ؛ لأنَّ التَّفكير صعبٌ، ولأنَّنا اعتدْنا الكسلَ العقليّ.

قالتْ أختي مرةً: العقلُ زينةٌ، أليس كذلك؟

فقلتُ لها: لا أوافقُ على هذه الجملةِ، مع انتشارِها الكبيرِ -وكانت المرةَ الأولى التي أفكِّرُ فيها بمعنى هذه الجملةِ-؛ فالعقلُ هو الأساسُ الذي يكون به الإنسانُ إنسانًا -كما يرى الأصفهانيُّ-، والزينةُ تقال -في الغالبِ- لما هو زيادةٌ وتحسينيٌّ، ويمكنُ الاستغناءُ عنه، والعقلُ ليسَ كذلك.

فمتى أصبحَ العقلُ زينةً؟

أصبحَ كذلك -في ظنِّي- عندما فقدَ قيمتَه الحقيقيّةَ في المجتمعاتِ المتخلِّفةِ، وعندما أصبحَ التَّفكير جريمةً يحاسبُ عليها القانون.

فما الذي يحصلُ عندما يصلُ الأمرُ إلى هذا الحدِّ يا نزار؟

“حين يصيرُ الحرفُ في مدينةٍ

حشيشةً يمنعُها القانونْ

ويصبحُ التَّفكير كالبغاءِ، واللواطِ والأفيونْ

جريمةً يطالُها القانونْ

حينَ يصيرُ النّاسُ في مدينةٍ ضفادعًا مفقوءةَ العيونْ

فلا يثورون ولا يشكونْ

ولا يغنّون ولا يبكونْ

ولا يموتون ولا يحيْونْ

تحترقُ الغاباتُ والأطفالُ والأزهارْ

تحترقُ الثمارْ

ويصبحُ الإنسانُ في موطنِه أذلَّ من صرصارْ” [٣]

وجدتُ صعوبةً بالغةً في تعاملي مع الشِّعرِ في البداية، وكنتُ لا أفهمُ كثيرًا من معانيه – مع وضوحِ السياقِ أحيانًا- وكنتُ أحفظُه دونَ فَهْمِه، أو أنظرُ في بعضِ الشُّروحاتِ التي تقرِّبُ المعنى؛ لأنَّ التَّفكير صعبٌ، ولأنَّني اعتدتُ الكسلَ العقلي.

وعندما كنتُ أُسألُ عن معنى بيتٍ، أو عندما أشرحُ لأحدٍ بيتًا؛ ينشرحُ صدري معه، وأسعدُ سعادةً كبيرةً؛ لأنَّني كنتُ أستصعبُ معناه، أو أجدُ فيه شيئًا من الغموضِ، والآن فهمتُه وللهِ الحمد، وللسائلِ الشُّكر.

كنتُ في بيئةٍ متديّنةٍ تديُّنًا تقليديًّا، وكنتُ لا أوافقُهم في طريقةِ تفكيرِهم، ولا في كثيرٍ من مسالكهم، وعندما خرجتُ من هذه البيئة، وبدأتُ عمليةَ التَّفكيرِ والنَّبشِ باحثًا عن إكمالِ التَّصوراتِ عن النفسِ، والحياةِ، والناسِ على ضوء الشريعة؛ عانيتُ معاناةً شديدةً، ودخلتُ في أزماتٍ نفسيَّةٍ متتاليةٍ، وكنتُ أشبِّهُ آلامَ تلكَ المرحلةِ -وما زالتْ مستمرَّةً- بآلامِ الولادةِ، مع أنَّني لم أجرِّبْها (:

ولكنَّها ولادةُ وعيٍ، وهي ولاداتٌ روحيَّةٌ عديدة لم أحصِها، فالإنسانُ يولدُ في الحياةِ عددًا من الولاداتِ الروحيةِ – على ما يرى الشيخُ العسعس-.

عندما نقرأُ القرآنَ نجدُ صعوبةً كبيرةً في التَّركيزِ مع الألفاظِ للوصولِ إلى ما وراءَها من معاني؛ لأنّنا سلَّمنا بقصرِ عقولِنا عن فهمِه، ولأنّ التَّفكير صعبٌ، وقد اعتدْنا الكسلَ العقليَّ.

يقولُ محمَّد عبدالباري عن صعوبةِ التَّفكير:

“إنّ الحقيقةَ كالصَّحراءِ قاسيةٌ

ليستْ تحادِثُني حتى ترى عَرَقِي”

ولكنَّه في المقابلِ يقولُ عن حلاوةِ الفهمِ:

“شكرًا لبوابةٍ في القلبِ تدخلُنِي

غارَ السؤالِ لألقى ما النبيُّ لَقِي

.

.

تقولُ لي جبَّةُ الحلّاجِ يا ولدي

رأى المحبُّ جلالَ اللهِ حينَ شَقِي”

ويقولُ عن كَبَدِ المحاولة:

“تقولُ لي آخرُ الآياتِ في صُحُفِي

ما بينَ ضوءين تحلو ظلمةُ النّفقِ”

يسمِّي الدكتور عبدالرحمن ذاكر -زاده الله من فضله- إحدى محاضراتِه بـ (نفق التَّفكير: بين طمأنينة الإلحاد وقلق الإيمان).[٤] فطرفا النَّفقِ هنا: الحسُّ والعقلُ، والرِّحلةُ في النفقِ هي انتقالٌ من بهيميّةِ الحسِّ إلى إنسانيّةِ العقل.

أما الطُّمأنينةُ فهي استراحةٌ من التَّفكير، والقلقُ هو التَّفكير والبحثُ الحثيث، ومن بعد ذلك العقلُ والربطُ وتكوينُ الرُّؤيةِ الكاملة، وهذا العنوانُ -في نظري- نسبيٌّ لا يعبرُ عن حالةٍ عامة.

وللدكتور محاضراتٌ حولَ آليةِ التَّفكير والعقل.

ونستطيعُ أن نقولَ بما يعبِّر عن بعضِ المجتمعاتِ ويكونُ أقربَ إلى حالِها واهتماماتِها: (نفق التَّفكير: بين طمأنينة الانفلات وقلق الالتزام)، (بين طمأنينة اللعب وقلق الدراسة)، (بين طمأنينة الاتباع الأعمى وقلق البحث العميق) …

فهل ترضى المجتمعاتُ بالنُّقاد والمفكِّرين؟

والجوابُ هو:

أنَّ المجتمعاتِ -في الغالبِ- ترفضُ النَّقد، وتحاربُ من يثيرُ الأسئلةَ، وتنظرُ إليه على أنَّه مخرِّبٌ، ومفرّقٌ للجماعات، ومهدّدٌ لاستقرارِ البلدِ والنفوس.

وغالبًا ما يسمَّى هذا الكائنُ الغريبُ -على سبيلِ الذمّ- متفلسفًا، سفيهًا، كثيرَ الكلام، وغالبًا ما يُرمقُ بنظرةِ شزْرٍ وازدراء.

في حلْقةٍ من حلقاتِ (مرايا) تحتَ عنوانِ (سقراطون إلى الأمام) كان النّاسُ يمشون إلى الوراءِ، ولكنَّ شابًا فكَّرَ قليلاً، ورأى أنَّ هناكَ فكرةً أخرى أكثرَ جدوى في المشيِ، فاخترع فكرة المشي إلى الأمام؛ ولكنَّ المختارَ صاحَ فيه مستنكرًا: إلى الأمامِ يا صالح مثل الدواب! إلى الأمام؟

ومن ثمّ خيّروه بين البقاءِ مع المحافظةِ على العاداتِ، أو الخروجِ من البلدةِ، فاختار الخروج.

عندما جاءَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- برسالةِ الإسلامِ سفّهوه، واتّهموه بالجنون، وحاربوه وأصحابه -مع علمهم بصدقه من قبل-؛ ولكنْ كانت القضيةُ الكبرى هي: كيف نخرج على ما ورثناه عن الآباء والأجداد؟ {…إنا وجدنا آباءنا على أمة..}.

فالاطمئنانُ إلى العادةِ والموروثِ أسهلُ من إعادة النَّظر فيما تقرّر، ونبشِه، وغربلتِه، و”الأصنام لا حدود لها” كما يقول الشيخ العسعس.[٥]

وهكذا جميعُ الأنبياءِ؛ نوحٌ، وصالحٌ، وشعيبٌ، وهودٌ، وغيرهم -عليهم السلام- … قوبلوا بهذا الأسلوب نفسه.

{قالوا أجئتنا لنعبدَ اللهَ وحدَهُ ونذرَ ما كانَ يعبدُ آباؤنا…}، {…أخرجوهم من قريتِكُم إنَّهُم أناسٌ يتطهَّرون}، {…لنخرجنَّكَ يا شعيبُ والذين آمنوا معكَ من قريتِنَا أو لتعودُنَّ في ملَّتِنَا …}.

“امشِ جنبَ الحائطِ وقل: يا ربّ السّتر”.

لماذا لا أمشي في الطريقِ المخصّصةِ للمشي، وأقولُ يا ربِّ السّتر؟

لماذا بجانبِ الحائطِ حصرًا؟ ألا تخشى سقوطَ الحائطِ على رأسي؟ ما هذا الاستخفافُ بأرواحِ البشرِ يا أجدادَنا الأفاضل؟ نحنُ بحاجةٍ إلى مراجعةِ أمثالِنا حتى لا تدمّرنا في لحظةِ غفلة.

يقرِّرُ الشيخ العسعس أنّ ثقافةَ المجتمعِ المحلِّيةَ تكرِّس الصمت، وتحاربُ النَّقد من أمثالِها الشعبية.

ولكم أن تتأمّلوا فيما تبقّى منها، وتنبشوها، وتجمعوا ما يدعو إلى ذلك، أو ترجعوا إلى الكتابِ نفسِه. (:

لماذا لا نحبُّ النَّقد والتَّفكير إذن؟

لأنَّ النَّقد والتَّفكير يريدانِ منكَ أن تظلَّ في حالةِ يقظةٍ دائمة، تفكِّرُ، وتستنتجُ، وتربطُ، وتستفهم.

فأنتَ مع التَّفكير والنَّقد في حالةِ تغييرٍ وتطويرٍ دائمتين، وبما أنَّ التَّفكير صعبٌ، ويهدِّد استقرارَ نفوسِنا، وبما أنَّنا اعتدْنا الكسلَ العقليَّ؛ فإنَّنا غالبًا ما نميلُ إلى طمأنينة الصمتِ والتغافل، وعدم مواجهة قلقِ النَّقد والتَّفكير.


[١] رصد الظواهر للشيخ إبراهيم العسعس(ص٣٥)

[٢] المقال في المصدر السابق (ص٣٤-٤٢)

[٣] الأعمال السياسية الكاملة لنزار قباني (ص١٠٣-١٠٤)

[٤] https://youtu.be/eUhMmXCQQSY

[٥] رصد الظواهر(ص٣٩)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى