الدين

المستشرقون وحصانة المدينة من الطاعون

  • إبراهيم بن الطيب داود
  • تحرير: ريم الطيار

«على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال.» [رسول الله ﷺ، متفق عليه]

«قدمت المدينة في خلافة عمر، وهم يموتون موتا ذريعا.»
[أبو الأسود الدؤلي (ت:69هـ)، صحيح البخاري]

« كل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا.» [ابن الملقن (ت:804هـ)]

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

لعل أمر حصانة المدينة من الطاعون أصبح حديث مجالس كثير من الناس بعد تسجيل حالات من مرض كوفيد-19 الذي يسببه فيروس كورونا المستجد بالمدينة، فبدأ طلبة العلم بالبيان ورفع الإشكال، وتوضيح اللبس للمسلمين حول العالم، فاطلعت -قبل يوم- على مقالٍ باللغة الانجليزية لكل من: ناظر خان، ومنتصر زمان، منشورا في موقع مؤسسة يقين الأمريكية، وهو بعنوان: «الوعد النبوي للشهداء والمدينة: هل الكوفيد-19 طاعون؟» [1]

ومما جاء فيه: «إنه علامة على الحفظ الإلهي حيث لا يوجد أي سرد تاريخي عن إصابة المدينة بالطاعون في القرن التاسع عشر، الرحالة الأوروبيون تعجبوا كيف أن الطاعون لم يصل قط إلى المدينة!

والمستشرق السويسري يوهان لودفيك بركهارت (ت:1817) لاحظ سنة 1815 انتشار طاعون في الحجاز، ورغم أنه وصل مكة، فالمدينة بقيت سالمة.”[2]

أحال الكاتبان إلى مصدر لهذه المشاهدة، وهو ورقة علمية بعنوان: «الطاعون والوباء: مفاهيم الطاعون والوباء في الإسلام المبكر.» لكونراد لاورنس [3]

هذه الورقة أشارت إلى اللبس الحاصل لمن يطلع على التراث الإسلامي، ولبعض الكتاب القدماء حول معاني كل من الوباء والطاعون، وبعد نقلها للعديد من الفقرات -عن لغويين، وفقهاء، ومحدثين، ومؤرخين- الموضحة لمعاني اللفظتين عبر مختلف عصور الإسلام، فمنهم من يجعل اللفظين مترادفين حينا، ومنهم من يفرق حينا آخر، ومنهم من يجعل بينهما عموما وخصوصا؛ “فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونا”، فانتهى الكاتب إلى أن اللفظين مستعملان منذ عصور الإسلام الأولى، إلا أن هناك التباسا في معناهما، وأن حل الإشكال والالتباس حولهما قد يكمن في فحص ظاهرتين تاريخيتين [4]، أولاهما -وهي بيت القصيد-: أن هناك كتّابا يخبروننا عن دخول أوبئة عديدة إلى مكة والمدينة، وأولئك الكتاب أنفسهم يؤكدون على عصمة المدينة ومكة -أو المدينة فقط- من الطاعون، كالجاحظ (ت:255هـ)، وابن قتيبة (ت:276هـ)، والأصمعي (ت:216هـ)، والثعالبي (ت: 429هـ) الذي أكد عدم دخول الطاعون للحرمين إلى وقته[5]، والسمهودي (ت: 911هـ) كذلك الذي أكد دخول أوبئة إلى مكة والمدينة، إلا أن المدينة إلى وقته بقيت معصومة من الطاعون كما وعد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث.

سجل كونراد استغرابه -أو استنكاره- قائلا: «هذه المناعة مشكلة حقا، علينا أولا أن نتوقع العكس للأعداد الهائلة من الحجاج المجتمعة سنويا في المدينتين المقدستين، فمن الصعب التصديق أنه لمئات السنين لا يوجد طاعون وقع في مكان آخر، ووصل إلى مكة أو المدينة.»[6]

كما أكد أن المصادر الغربية المتأخرة تشهد له بذلك من المستشرقين الذين زاروا الحجاز، والمدينة، ومكة، ونقلوا أخبار الطواعين المتأخرة، فقال: «نفس النسق تمت ملاحظته عن طريق العديد من رحالة القرن التاسع عشر، يوهان لودفيك بركهارت كان بينبع، ميناء المدينة على البحر الأحمر عندما انتشر الطاعون سنة 1881، وكتب أن المرض وصل مكة، والساكنة كانت مندهشة، فلا أحد يتذكر أن وباء الطاعون حل بمدينتهم، وأما المدينة فبقيت إلى ذلك الوقت سالمة، وبعد خمسين سنة من ذلك ريتشارد فرانسيس برتون Richard Francis Burton أعاد تأكيد ملاحظة بركهارت، وسجل “ومايزال مفخرة للمدينة، أن الطاعون لم يعبر حدودها”.» [7]

وهذان المستشرقان من الذين ادعوا الإسلام، ودخلوا الحجاز، والأراضي المقدسة، فالأخير ريتشارد فرانسيس برتون (ت:1980م) قال عنه محمد أبو المحاسن عصفور: « كما زار “سير ريتشارد بيرتون” بلاد الحجاز متنكرًا باسم الحاج عبد الله في منتصف القرن 19. » [8]

أما يوهان لودفيك بركهارت، فيقول عنه عبد العزيز صالح : « كما مهدت رحلة نيبور للدراسات الحديثة في الجنوب العربي، مهدت رحلة السويسري لودفيج بوركهارت  J.L.Burckhardt  السبيل لدراسات الأجزاء الشمالية الغربية من شبه الجزيرة، وقد أشهر إسلامه وتسمى إبراهيم بن عبد الله، وخرج من القاهرة إلى جدة في عام 1814، وزار مكة والطائف، وتتبع الطريق الساحلي، وربما دخل الحجر، ووصل المدينة عام 1815، ثم عاد إلى ينبع، ومنها إلى القاهرة، وحاول أن يكون دقيقًا فى تسجيل ما شاهده فى رحلته وما نشره عنها. ولم يكن بوركهات آثاريًا، ولكنه فتح الطريق أمام المهتمين بالآثار.» [9]

وبالرجوع إلى كتاب بوركهارت الذي أحال عليه كونراد لاورنس، الموسوم بـ “رحلات  في شبه الجزيرة العربية” [10] بنسخته الانجليزية، نسجل العديد من الملاحظات المهمة، ولطيفة عن حال الناس مع ذلك الوباء، ومدى تشابهها مع أيامنا هذه [11] :

– الذي اعتقده بركهارت أن المسلمين يعتقدون أن الحجاز كلها محفوظة من الطاعون، إما أنه وجد من يعتقد ذلك من سكان ينبع، أو أن ذلك ما فهمه منهم: « وما إن أتيت على ذكر كلمة الطاعون حتى بادروني بالاستعاذة! وراحوا يسألوني عما إذا كنت جاهلا بالحقيقة التي مفادها أن الله (سبحانه وتعالى) قد أبعد ذلك المرض عن أراضي الحجاز المقدسة؟» [12]

– كان السكان الذين خالطهم يدركون أنه ليس كل وباء طاعونا: « في الوقت الذي كانت تموت فيه حوالى خمس عشرة نفس يوميا، لم يصدق أهل ينبع أن المرض كان هو وباء الطاعون، وذلك على الرغم من ظهور أعراض صفراء على أجساد الموتى. » [13]

– حاله النفسية في متابعة أعداد المصابين والموتى كحالنا اليوم: «وجدتني أتعايش مع فكرة الطاعون، ورحت أقارن الأعداد الصغيرة التي تموت كل يوم بإجمالى العدد المتبقي من السكان» [14]

– محاولة السلطات تغيير الحقائق: «انتبه محافظ ينبع ـ من باب الحرص ـ إلى أهمية عدم نشر الأرقام الحقيقية لعدد الوفيات، لكن الدعاء المهيب: لا إله إلا الله، الذى يدل على مرور جنازة أحد المسلمين، كان يتناهى إلى الأسماع من كل مكان، ومن كل حي من أحياء بلدة ينبع، وأنا بنفسي أحصيت اثنين وأربعين دعاء من هذا القبيل في يوم واحد فقط.” [15]

– بعض المتربصين اليوم من دعاة الإسلاموفوبيا، أنكروا أن المسلمين قد فهموا من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، دعوة إلى الوقاية، والحجر الصحي، وزعموا أن المسلمين إنما يسلمون أنفسهم للقدر؛ وهذا خلاف ما سجله بركهارت: « يشيع بين الأوروبيين بل وبين المسيحيين الشرقيين أيضا، اعتقاد مفاده أن دين محمد -صلى الله عليه وسلم- يمنع اتخاذ الإجراءات الاحتياطية ضد الطاعون، لكن ذلك اعتقاد خاطئ! هذا الدين يحرم على أتباعه الهروب من المرض إذا ما دخل مدينة، أو بلدا من البلدان، لكن هذا الدين يحذر أتباعه أيضا من دخول أي مكان ينتشر فيه وباء الطاعون…

ومع ذلك فإن الدين الإسلامي يحبذ إجراءات الحجر الصحي، ويوصي بها، وذلك من باب منع استيراد المرض، أو نقله إلى الغرباء.»

بل أنه لاحظ أن ترك الأسباب إنما وقع من النصارى: «بعض المسيحيين الشرقيين الذين يأخذون بالمعايير التركية، ويتأثرون بمفاهيم القضاء والقدر، يعتقدون أيضا أن مسألة اتخاذهم للإجراءات الوقائية الخاصة بسلامتهم أمر تافه وسطحي.» [16]

– يرى بركهارت أن عدم الحجر الصحي هناك كان سببه تفريط الأتراك في الدين، على عكس المغاربة المتدينين الذين طبقوا حجرا قويا: « معروف أن دول البربر، أشد الدول تمسكا بالدين قد تبنت ذلك النظام واتبعته، وترتب على ذلك تنفيذ قوانين الحجر الصحي تنفيذا صارما في الموانئ التابعة لهذه الدول، على النحو الذي تطبق فيه هذه القوانين في الموانئ الأوروبية، وبخاصة على الشواطئ الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. » [17]

– وصفه لحال كثرة الموتى، وجناية من لم يلتزموا الحجر الصحي: « كان الخراب والدمار الناتجين عن الطاعون يرثى لهما فى جدة أكثر منهما في ينبع؛ كان متوسط الوفيات بسبب الطاعون في جدة يقدر بحوالى مائتين وخمسين شخصا يوميا، وترتب على ذلك هروب أعداد كبيرة من سكان جدة إلى مكة؛ ظنا منهم أنهم سيكونون في مأمن من الطاعون عند ما يقيمون في هذه المدينة المقدسة، لكنهم كانوا يحملون المرض معهم عند ما انتقلوا إلى تلك المدينة، كما توفي بعض السكان المكيين أيضا.” [18]

– شهادته بأن الطاعون لم يصل المدينة: «خلت المدينة المنورة من الطاعون، وحدث الشيء نفسه فى الأرض الواقعة بين ينبع وجدة.” [19]

كما وصف العديد من الخرافات والشركيات التي نعلم جميعا أنها كانت منتشرة هناك في ذلك الوقت، هذا ورفع الله عنا الوباء والبلاء، وحفظ بلاد المسلمين من كل سوء، والحمد لله رب العالمين.


الهوامش:

[1] The Prophetic Promises for Martyrs and Medina: Is COVID-19 a Plague?

[2] It is a sign of divine providence that there exists no historical account of Medina being afflicted by the plague. In the 19th century, European travelers marveled at how plagues never reached Medina. The Swiss Orientalist Johann Burckhardt (d. 1817 CE) observed that in 1815 CE a plague broke out in the Hijaz. Although it spread to Mecca, the Prophet’s city remained untouched

[3] Tāʿūn and Wabāʾ Conceptions of Plague and Pestilence in Early Islam, Lawrence I. Conrad

[4] المرجع السابق 284

[5] المرجع السابق 286

[6] Such immunity is problematic. Indeed, we should at first expect the opposite, for with multitudes of pilgrims annually converging on the Holy Cities, it is hard to believe that for hundreds of years no Taun occurring elsewhere ever spread to Mecca or Medina. P.286

[7] The same pattern was noticed by a number of nineteenth century travelers. J. L. Burckhardt was at Yanbu’, Medina’s port on the Red Sea, when plague broke out there in I881. He writes that when the disease spread to Mecca, the populace was astounded, for no one could recall a plague epidemic ever infecting their city. Medina, meanwhile, remained untouched.untouched.  P.287

[8] معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم، ص:248

[9] تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة. ص:19

[10] Travels in Arabia, London 1829

[11] عندما عزمت على ترجمة المقاطع التي انتقيتها من الكتاب الانجليزي، اكتشفت أن الكتاب مترجم إلى العربية، ترجمة صبري محمد حسن، ونشره المركز القومي للترجمة بعنوان: “ترحال في جزيرة العرب”

[12] المصدر السابق (2/198)

[13] المصدر السابق (2/199)

[14] المصدر السابق (2/201)

[15] المصدر السابق (2/202)

[16] المصدر السابق (2/203)

[17] المصدر السابق (2/204)

[18] المصدر السابق (2/207)

[19] المصدر السابق (2/207)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى