العلم

هل الأنثروبولوجيا علم؟

  • كريس هيرست
  • ترجمة: سارة الرمضان
  • تحرير: عبد الرحمن البريدي

هل تُعدَّ الأنثروبولوجيا علمًا أم هي من الإنسانيات؟ هذا نقاش قد طال أمده في الأوساط الأنثروبولوجية تاركًا وراءه مجموعة من الإجابات المعقدة. وهذا – بشكل جزئي- لأن (الأنثروبولوجيا) مصطلح شامل يغطي أربع تخصصات فرعية أساسية (الأنثروبولوجيا الثقافية، والأنثروبولوجيا الطبيعية، وعلم الآثار، واللغويات) ولأن العلم مصطلح ثري جدًّا، فإننا نضطر إلى تحديده عن طريق أضداده؛ فإن دراسةً ما لا تعد علمًا ما لم تحاول حل فرضية قابلة للاختبار، أو هكذا يُقال.

الأفكار الرئيسية: هل الأنثروبولوجيا علم؟

  • (الأنثروبولوجيا) مصطلح شامل يتضمن أربعة مجالات: اللغويات، وعلم الآثار، والأنثروبولوجيا الطبيعية، والأنثروبولوجيا الثقافية.
  • تتضمن أساليب البحث الحديثة فرضيات قابلة للاختبار بنحو أكثر شيوعًا مما كانت عليه في الماضي.
  • لا تزال جميع أشكال التخصص تشتمل على جوانب لاستقصاءات غير قابلة للاختبار.
  • تقف الأنثروبولوجيا اليوم في مفترق طرق بين العلم والإنسانيات.

لماذا نشأ النقاش؟

في عام 2010، ظهر النقاش الأنثروبولوجيا إلى الوجود (كما هو موضح في كل من مدونة Gawker وصحيفة نيويورك تايمز) بسبب تغيير كلمة في بيان الغرض من الخطط طويلة الأجل للمجتمع الأنثروبولوجي الرائد في الولايات المتحدة: الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا.

وجاء في نص البيان في عام 2009 ما يلي:

“ينبغي أن يكون الغرض من الرابطة هو النهوض بالأنثروبولوجيا، حيث إنها العلم الذي يقوم بدراسة البشرية من جميع جوانبها”. (خطة الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا طويلة الأجل، 13 فبراير 2009)

وفي عام 2010، تغيرت الجملة جزئيًّا إلى:

“ينبغي أن يكون الغرض من الرابطة هو تعزيز إدراك الجمهور للبشرية من جميع جوانبها” (خطة الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا طويلة الأجل، 10 ديسمبر 2010)

وعلق مسؤولو الرابطة بأنهم قاموا بتعديل الصياغة “لمعالجة الطبيعة المتغيرة للمهنة ومتطلبات عضوية الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا (AAA)…” واستبدال كلمة “علم” بـ”كلمة أكثر دقة (وشمولية) تخص مجالات البحث”.

وبسبب اهتمام وسائل الإعلام إلى حدٍّ ما، استجابت الرابطة للتغييرات، وبحلول نهاية عام 2011، أعادت (AAA) كلمة “علم” وأضافت الإسهاب التالي الذي لا يزال قائمًا في بيان الخطط بعيدة الأجل الحالية:

“تكمن قوة الأنثروبولوجيا في موقعها المتميز في صلب العلوم والإنسانيات، ومنظورها العالمي، واهتمامها بالماضي والحاضر، والتزامها بالبحث والممارسة”. (خطة AAA طويلة الأجل، 14 أكتوبر 2011)

تعريف العلم والإنسانيات

في عام 2010، كان النقاش حول الأنثروبولوجيا هو الصورة الأكثر وضوحًا لوجود فجوة ثقافية بين العلماء حول سياسة تدريس هذا المجال، وعلى ما يبدو فقد كان هناك انقسام حاد غير ملموس بين الإنسانيات والعلم.

عادةً ما يقال إن لاختلاف الرئيسي هو أن الإنسانيات -كما يقول قاموس أكسفورد الإنجليزي- ترتكز على تفسير النصوص وأفعال البشر وفهم ذلك، بدلًا من اعتماد الأساليب التجريبية أو الكمية. وعلى النقيض من ذلك، تتعامل العلوم مع الحقائق المثبتة -التي يتم تصنيفها بصورة منهجية- تبعًا لقوانين عامة، تلك التي أوصلنا إليها المنهجُ العلمي واعتمادُنا فرضيات قابلة للدحض. وغالبًا ما تقوم أساليب البحث اليوم بتطبيق كلا الأمرين، حيث إنها تُدخِل أساليب تحليلية إلى ما كان ذات يوم جزءًا من الإنسانيات البحتة، كما تضمن الجوانب السلوكية للإنسان في بحثها ضمن ما كان ذات يوم علمًا بحتًا.

التسلسل الهرمي للعلوم

سلك الفيلسوف الفرنسي ومؤرخ العلوم أوغست كونت (1798-1857) هذا الطريق باقتراح أنه من الممكن فرز التخصصات العلمية المختلفة بشكل منهجي في التسلسل الهرمي للعلوم (HoS) من حيث درجة تعقيدها وعموميتها في موضوع دراستها.

وقد رتب كونت العلوم ترتيبًا تنازليًّا حسب درجة التعقيد، كما تم قياسها على مستويات مختلفة حسب قربها وبعدها من الفلسفة التجريبية:

  1. الفيزياء الفلكية (مثل علم الفلك).
  2. الفيزياء الأرضية (الفيزياء والكيمياء).
  3. الفيزياء العضوية (علم الأحياء).
  4. الفيزياء الاجتماعية (علم الاجتماع).

ويبدو أن الباحثين في القرن الحادي والعشرين يتفقون على الأقل على وجود مصطلح “تسلسل هرمي للعلوم”، وأن البحث العلمي ينقسم إلى ثلاث فئات رئيسية:

  • علم الفيزياء.
  • علم الأحياء.
  • علم الاجتماع.

وتعتمد هذه الفئات على “صلابة” البحث؛ أي درجة اعتماد أسئلة البحث على البيانات والنظريات، لا على العوامل غير المعرفية.

التسلسل الهرمي للعلوم في الوقت الحاضر

حاول العديد من العلماء معرفة كيفية فصل الفئات وما إذا كان هناك تعريف لمصطلح “العلم” الذي يستبعد دراسة التاريخ -مثلًا- من كونها علمًا.

لكننا هنا بإزاء مفارقة غريبة ومضحكة؛ لأنه بغض النظر عن مدى تجريبية دراسة ما في مثل هذه الفئات، فإن النتائج لا تكون مبنية إلا على آراء بعض الناس، أو بعبارة أخرى: فإنه لا يوجد تسلسل هرمي معين للعلم، ولا قاعدة رياضية أساسية تقوم بترتيب المجالات العلمية ضمن مجموعات كبيرة غير مؤطَّرة ثقافيًّا.

لقد أعطى الإحصائي دانييل فانيلي الأمر فرصة في عام 2010، عندما درس عينة كبيرة من الأبحاث المنشورة في فئات (HoS) الثلاثة، بحثًا عن الوثائق التي أعلنت عن قيامها باختبار فرضية ما وحققت نتيجة إيجابية. وكانت تتحدث نظريته عن احتمالية أن تعلن الوثيقة عن نتيجة إيجابية -أي تثبت صحة فرضية ما- اعتمادًا على:

  • ما إذا كانت الفرضية التي تم اختبارها صحيحة أم خاطئة.
  • الصرامة المنطقية/المنهجية التي ترتبط بها تنبؤات تجريبية ومختبَرة.
  • القوة الإحصائية للكشف عن النموذج المُتوقَّع.

وما وجده هو أن المجالات التي تندرج ضمن علم الاجتماع كانت بالفعل أكثر احتمالًا -من الناحية الإحصائية- لعثورها على نتيجة إيجابية، ولكنها مسألة نسبية، بدلًا من كونها نقطة فاصلة محددَّة بشكل واضح.

هل الأنثروبولوجيا علم؟

في عالمنا الحالي، تعد مجالات البحث -الأنثروبولوجيا بالتأكيد ومجالات أخرى محتملة أيضًا- متعددة التخصصات وفي قمة الدقة والتداخل، بحيث تصبح مقاومةً للانقسام إلى فئات معينة. ويمكن تعريف كل شكل من أشكال الأنثروبولوجيا على أنه علم أو مجال من مجالات العلوم الإنسانية؛ فعلم اللغويات يهتم باللغة وبُنيتها، والأنثروبولوجيا الثقافية تدرس المجتمع البشري والثقافة وتطورها، والأنثروبولوجيا الفيزيائية تدرس الإنسان كنوع بيولوجي، وعلم الآثار يتعامل مع بقايا الماضي وآثاره.

تَعبُر جميع هذه المجالات وتناقش الجوانب الثقافية التي قد تكون فرضيات غير قابلة للإثبات، فتتضمن الأسئلةُ الموجَّهة كيفية استخدام البشر للغة والدوافع الكامنة وراء أفعالهم، وكيف يتكيفون على التغيرات المناخية والتطورية.

الاستنتاج الذي لا مناص منه هو أن الأنثروبولوجيا، بوصفها مجالًا بحثيًّا، وربما بنفس مستوى صرامة أي مجال آخر، تقف في مفترق الطرق بين الإنسانيات والعلوم، فأحيانًا تميل إلى أحدهما، وأحيانًا تجنح إلى الآخر، وأحيانًا -وربما في أفضل الأوقات- تكون خليطًا من الاثنين معًا. وإذا كانت تسميةٌ ما ستمنعك من إجراء بحث، فلا تستخدمها.

اقرأ ايضاً: المنهج العلمي وعصور ما قبل التاريخ


المصادر

المصدر
thoughtco

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى