الفلسفة

الحياد الزمني: إلى أي مدى يجب أن نقدر الماضي والحاضر والمستقبل؟

  • بول بلوم
  • ترجمة: يسرى اللحياني

تتراوح مدة التجربة المحسوسة ما بين ثانيتين وثلاث ثوانٍ، وهي المدة التي يستغرقها تقريبًا (بول مكارتني) ليغني كلمات أغنية “Hey Jude”، كما يشير عالم النفس (مارك ويتمان). كل شيء قبل هذه المدة ينتمي إلى الذاكرة، وما يلي ذلك ليس سوى قراءة للمستقبل.

إنها حقيقة غريبة بالكاد يمكن فهمها؛ أن حياتنا تُعاش من خلال هذه النافذة الصغيرة المتحركة التي غالبًا ما يسعى ممارسو تأمل اليقظة إلى إراحة وعيهم بداخلها.

قد يواجه بقيتنا شيئًا مشابهًا خلال لحظات معينة من الحاضر، ربما أثناء تسلق الصخور، أو ارتجال الموسيقى، أو ممارسة الحب؛ حيث يمكن لبعض المنبهات أن تمنع المرء عن إشاحة نظره بعيدًا، ولا تمكنه من التفكير في أي شيء آخر.

في عام 1971 ساعد كتاب “كن هنا الآن” للزعيم الروحي (رام داس) في إدخال اليوغا إلى الغرب. غالبًا ما يكون ذهننا شاردًا في مكان آخر؛ ففي عام 2010 نشر عالما النفس (ماثيو كيلينجسورث) و(دانيال جيلبرت) دراسة استخدموا فيها تطبيق بالآيفون لسؤال المتطوعين في أوقات عشوائية على مدار اليوم عما كانوا يفعلونه وماذا كانوا يفكرون وعن مدى سعادتهم. وجد الباحثون أنه في حوالي نصف عيناتهم كانت أذهان الناس تتشتت وغالبًا ما تتذكر الماضي أو تفكر في المستقبل. كانت هذه الفترات في المتوسط ​​أقل متعة من تلك التي يقضونها في الوقت الحالي. غالبًا ما ترتبط أفكار المستقبل بالقلق والرهبة ويمكن تلوين أفكار الماضي بشعور الندم والإحراج والخزي.

مع ذلك لا يزال السفر عبر الزمن عقليًا ضروريًا؛ ففي إحدى أساطير إيسوب يعاقب النمل جندبًا لأنه لم يجمع طعامًا لفصل الشتاء…أما الجندب الذي أغرقته اللحظة الراهنة فيقول: “كنت مشغولًا جدًا بالغناء لدرجة أنه لم يكن لدي الوقت لفعل شيء آخر”. من المهم إيجاد توازن مناسب بين التواجد في اللحظة الراهنة وبين الخروج منها. نعرف جميعًا أشخاصًا يعيشون كثيرًا في الماضي أو يقلقون كثيرًا بشأن المستقبل، لكن في نهاية حياتهم غالبًا ما يندم الناس على فشلهم في التصرف الناجم عن مخاوف غير واقعية بشأن العواقب. أما غير المبالين بالمستقبل أو المستهترين بالماضي فيصبحون حمقى، ومجازفين، أو مغفلين. يجب على أي شخص عامل أن يعيش إلى حد ما بعيدًا عن اللحظة؛ كما قد نعتقد أيضًا أنه من الصواب أن يُزاح وعينا إلى أوقات أخرى، هذا التنقل الداخلي هو جزء من حياة غنية ذات مغزى.

على مستوى الجماعات أيضًا نحن نكافح لتحقيق التوازن؛ وهناك شكوى شائعة أننا كمجتمعات نركز بشكل كبير على الحاضر والمستقبل القريب. في عام 2019 في خطاب أمام الأمم المتحدة حول تغير المناخ انتقدت الناشطة الشابة (غريتا ثونبرج) تقاعس صانعي السياسات بقولها: “بدأ الشباب في فهم خيانتكم؛ عيون جميع الأجيال القادمة عليكم”.

ولكن إذا كان تقاعسهم عن العمل خيانة فمن الأرجح أنها ليست خبيثة، كل ما في الأمر أن ملذاتنا ومآزقنا الحالية تشغل تفكيرنا أكثر من مصائر أحفادنا. وهناك أيضًا من يقلق من أننا متحيزون جدًا للمستقبل. هذا رد الفعل النموذجي على البرامج طويلة المدى مثل برنامج Apollo لجون إف كينيدي أو برنامج Elon Musk’s SpaceX زاعمين أن الأموال ستُنفق بشكل أفضل على أولئك الذين يحتاجون إليها في الوقت الحالي. يشتكي آخرون من أننا نركز أكثر من اللازم على الماضي أو على إعادة البناء العاطفي له. الماضي والحاضر والمستقبل، التاريخ، هذا العام، العقود القادمة. كيف يجب أن نوازن بينهم في أذهاننا؟

تفكر (ميغان سوليفان) الفيلسوفة بجامعة نوتردام في هذه الأسئلة في كتابها “تحيزات الوقت: نظرية التخطيط العقلاني والمثابرة الشخصية”. تهتم (سوليفان) بشكل أساسي بكيفية ارتباطنا بالوقت كأفراد وتعتقد أن الكثيرين منا يفعلون ذلك بشكل سيء لأننا “منحازون للوقت” -لدينا تفضيلات غير مبررة حول وقت وقوع الأحداث-. ربما يكون لديك “تحيز قريب”: تأكل الفشار بينما يوشك الفيلم على البدء على الرغم من أنك ستستمتع به أكثر إذا انتظرت. ربما لديك “تحيز مستقبلي”: أنت مستاء من مهمة غير سارة عليك القيام بها غدًا على الرغم من أنك بالكاد منزعج من ذكرى أداء مهمة غير سارة بالأمس. أو ربما يكون لديك “انحياز هيكلي” مفضلاً أن يكون لخبراتك شكل زمني معين: مثل التخطيط لعطلتك بحيث يأتي الجزء الأفضل في النهاية.

بالنسبة (لسوليفان) كل هذه التحيزات الزمنية خاطئة؛ إنها تدافع عن الحياد الزمني، وهي عادة ذهنية تمنح الماضي والحاضر والمستقبل وزناً متساوياً. توصلت إلى حججها بشأن الحياد الزمني من خلال تحديد العديد من مبادئ اتخاذ القرار العقلاني. وفقًا لمبدأ النجاح كتبت (سوليفان) أن الشخص العقلاني يفضل أن “تمضي حياته إلى الأمام قدر الإمكان” و وفقًا لمبدأ عدم التعسف، فإن تفضيلات الشخص العقلاني “غير حساسة للاختلافات التعسفية”. تجادل (سوليفان) بأن الالتزام بالعقلانية سيجعلنا أكثر حيادية من حيث الوقت وسيساعدنا الحياد الزمني على التفكير بشكل أفضل في المشكلات اليومية مثل أفضل السبل لرعاية الوالدين المسنين والادخار للتقاعد.

ربما يكون أكبر خطأ في التعامل مع الزمن هو “التحيز القريب”، أي الاهتمام كثيرًا بما سيحدث، وصب القليل جدًا من الاهتمام على المستقبل. لكن هناك حالات يمكن أن يكون فيها هذا النوع من التحيز القريب منطقيًا:

إذا عرض عليك شخص ما الاختيار بين هدية بقيمة ألف دولار اليوم، وأخرى خلال سنة من الآن فسيكون لديك ما يبرر أخذ المال الآن لأسباب عدة. (يمكنك وضعه في البنك والحصول على فائدة، هناك احتمال أن تموت في العام المقبل، يمكن لمانح الهدية أن يغير رأيه) ومع ذلك في كثير من الأحيان، كما يقول الاقتصاديون نحن نبخس بشدة قيمة ما سيأتي. هذا التحيز القريب يؤثر في قراراتنا اليومية. فنحن نميل إلى التحلي بالهدوء والعقلانية عند التخطيط للمستقبل البعيد، لكننا نفقد السيطرة عندما تقترب الإغراءات في الوقت الحاضر. في مقال بعنوان “The Intimate Contest for Self-Command” من عام 1980 وصف الاقتصادي (توماس سي شيلينغ) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد المستهلك الذي يفترض أنه عقلاني بأنه شخص “يجلس ملتصقًا بالتلفاز وهو يعلم مسبقًا بأنه سيستيقظ باكرًا في الغد غير مستعد لذلك الاجتماع الصباحي الذي تعتمد عليه كثير من حياته المهنية”.

نحن نكافح للتغلب على هذا التحيز القريب لنكون مثل أوليسيس الذي جعل بحارته يربطونه بالسارية حتى يتمكن من سماع أغنية الحوريات دون أن يتبعهم في البحر. يشتري أخصائيو الحميات الطعام بكميات صغيرة، ومن يشربون الخمر بكثرة يسلمون مفاتيح سياراتهم لأصدقائهم. يمكنك محاولة التفاوض مع نفسك: سآكل ما أريد ولكن يجب أن التزم بنظام الكيتو، سآكل ما أريد ولكن فقط بين الظهر والساعة الثامنة مساءً، سوف آكل ما أريد ولكن فقط في اليوم المفتوح. يمكنني قضاء الوقت على Twitter لكن يجب أن أعمل أولًا على هذه المقالة لمدة ثلاثين دقيقة أخرى.

تجادل (سوليفان) بأنه إذا كان التحيز القريب غير منطقي كذلك يكون التحيز المستقبلي. تضيف، تخيل أنك تدربت على الترياثلون لعدة أشهر الآن حان يوم السباق. الطقس جيد، أنت بصحة جيدة، لكنك لا ترغب في المشاركة. لنفترض أنك متأكد تمامًا من أنك إذا لم تشارك فلن تندم على قرارك في المستقبل. هل يجب أن تتسابق رغم أنك لا ترغب بذلك؟

تقول (سوليفان) أنه يجب عليك التفكير في الأمر يمكنك تبرير هذا الاختيار بطريقة موجهة نحو المستقبل: ربما إذا بقيت في المنزل سترى نفسك على أنك من النوع الذي يشرع بعمل الخطط ثم يتخلى عنها وهذا سوف يثنيك عن وضع المزيد من الخطط. لكن هناك اعتبار آخر وهو أنه ليس لديك سبب لأخذ أهدافك الحالية بجدية أكبر من أهدافك السابقة. تكتب (سوليفان): “مجرد حقيقة أن التخطيط تم في الماضي ليس سببًا لتجاهله الآن”. يكشف تجاهل هذه الخطط عن رغبة غير عقلانية في استبعاد ما حدث في الماضي لمجرد أنه ماضٍ. لماذا يجب أن نكون متحيزين للمستقبل على حساب الماضي؟

تشارك (سوليفان) مثالاً ابتكره الفيلسوف (ديريك بارفيت) افترض أنك بحاجة إلى جراحة إنه إجراء غير سار ويجب أن تكون مستيقظًا من أجل التعاون مع الجراح. بعد ذلك سيتم إعطاؤك دواء يمحو التجربة من ذاكرتك. في اليوم المحدد تستيقظ في سرير المستشفى مرتبكًا وتسأل الممرضة عن الجراحة. تقول أن هناك مريضان في الجناح أحدهما خضع للعملية بالفعل والآخر سيجريها قريبًا وتضيف أن العملية التي أجريت بالفعل على غير العادة استغرقت وقتًا أطول مما كان متوقعًا. إنها غير متأكدة من المريض الذي أنت عليه وعليها أن تفحص الأمر. يقول (بارفيت) إنك ستشعر بارتياح كبير إذا عادت الممرضة وأخبرتك أنك أجريت العملية بالفعل. وهذا يعني أنك ستسلم عن طيب خاطر لنفسك في الماضي إجراء طويل ومؤلِم لتجنب إجراء أقصر بكثير قادم.

هناك منطق تطوري وراء هذا النوع من التحيز. وكما قال (كاسبار هير) الفيلسوف في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا “ليس من قبيل المصادفة أننا منحازون للمستقبل فيما يتعلق بالألم لقد تم اختيار هذه الميزة الخاصة بنا عن طريق التطور “. بشكل عام كتب (هير) أنه من المرجح أن الحيوانات التي ركزت انتباهها على المستقبل عاشت لفترة أطول وتكاثرت أكثر. “والطريقة الفعالة من الناحية المعرفية لتركيز الاهتمام العملي للمخلوق على المستقبل هي جعل الكائن يهتم كثيرًا بآلامه المستقبلية وليس على الإطلاق بآلام الماضي وهو نمط من القلق يؤدي بطبيعة الحال إلى تفضيل كون الألم بالماضي وليس بالمستقبل “.

ومع ذلك، ففي الحياة الحديثة يمكن أن يكون لتحيزنا المستقبلي عواقب وخيمة. تأمل في دراسة أجراها عالم النفس (يوجين كاروسو) وزملاؤه. طلب الباحثون من الناس تخيل أنهم وافقوا على قضاء خمس ساعات في إدخال البيانات في جهاز الكمبيوتر ثم تحديد المبلغ الذي اعتقدوا أنه كان يجب دفعه مقابل العمل. عندما تخيلوا أنهم قاموا بإدخال البيانات قبل شهر طلبوا متوسط ​​اثنين وستين دولارًا. لكن إذا تخيلوا القيام بذلك لمدة شهر في المستقبل فإنهم يريدون متوسط ​​مائة وخمسة وعشرين. في دراسة أخرى طلب (كاروزو) وزملاؤه من المشاركين قراءة نسختين من قصة عن امرأة أصيبت بجروح خطيرة على يد سائق مخمور. في إحدى الروايات وقع الحادث قبل ستة أشهر، في الآخر لقد حدث هذا للتو. مع ثبات كل شيء آخر منح الناس المرأة تعويضات أكثر بكثير عندما كانت الإصابة أحدث.

هذه ليست تأثيرات صغيرة وكما لاحظ علماء النفس لها صلة عملية. وأضافوا: “قد يكون من الحكمة أن يطلب ضحايا الحوادث تعويضات قبل أن يتعافوا من إصاباتهم”. وبالمثل”قد يكون من الحكمة أن يحدد الموظفون قيمة تجاوز أهداف أدائهم قبل أن يتجاوزوها” تفاوض على مكافأتك قبل أن تفعل شيئًا ذا قيمة لمؤسستك لأنك لو فعلت بعد أن تنتهي فإنه سيكون ذا تقدير أقل عند الأشخاص المتحيزين للمستقبل.

تمامًا كما هو الحال مع التحيز القريب نتغلب بسهولة على التحيز المستقبلي عندما نفكر في أشخاص آخرين غير أنفسنا. يعطي (هير) لمسة خاصة به لتجربة بارفيت الفكرية ويطلب منك أن تفترض أنك استيقظت مترنحًا غير متأكد مما إذا كنت قد أجريت عملية أسنان مؤلمة أمس أو من المقرر أن تجري عملية جراحية أقل إيلامًا إلى حد ما بعد ظهر ذلك اليوم. ربما تفضل أن تكون العملية قد انتهت، بذلك أنت تختار ألمًا أكبر في الماضي على ألم أقل في المستقبل. لكن لنفترض أن ابنتك هي من تواجه هذه البدائل، وهي في معتكف رهباني بعيد ولن تكون على اتصال بها لمدة شهرين آخرين. هل تفضل أن تكون قد خضعت لعملية جراحية أكثر إيلامًا أمس أو عملية أقل إيلامًا في وقت لاحق اليوم؟ بالنسبة إلى (هير) وبالنسبة لي أيضًا فإن التحيز المستقبلي يختفي.

من اللافت للنظر أن الماضي له وزن ليس فقط لأنه يؤثر على المستقبل ولكن لأن له قيمته الجوهرية الخاصة به. في كتابه “الإنسان والبحث عن المعنى” يصف الطبيب النفسي والناجي من الهولوكوست فيكتور فرانكل إلقاء خطاب في معسكر اعتقال عندما كانت الأمور في حالة من التدهور. كان يتم تجويع السجناء وكان فرانكل قلقًا من أن يقتل البعض أنفسهم. تحدث معهم عن الحاضر (قد يكون أسوأ) وعن المستقبل (قد يكون أفضل) لكنه بعد ذلك نظر إلى الحياة في وقت لاحق:
ذكر الماضي بكل مباهجه ونوره المشرق حتى في ظلمة الحاضر ..ليس فقط تجاربنا ولكن كل ما فعلناه مهما كانت الأفكار العظيمة التي قد تكون لدينا وكل ما عانينا منه لم نفقد كل هذا على الرغم من أنه مضى أوجدناه. أن (تكون) هو أيضًا نوعًا من الوجود، وربما النوع الأضمن.

من الممكن اتخاذ موقف أكثر حيادية من حيث التوقيت من موقف (سوليفان) بما يطلق عليه الفلاسفة “الاستمرارية”. وهو افتراض أن حياة الفرد تمتد من خلال الوقت مع الماضي والحاضر والمستقبل. قد يبدو هذا واضحًا جدًا بحيث لا داعي لذكره لكنه غير مقبول عالميًا.

كان (بارفيت) واحدًا من العديد من الفلاسفة الذين جادلوا في أن الهوية الشخصية الدائمة خرافة. لقد جادل بأننا نرى أنفسنا ذوات فردية تتحرك عبر الزمان والمكان لكن هذا مجرد وهم ومن الأفضل فهم كل شخص على أنه سلسلة من الأفراد المتميزين متداخلين ومترابطين بطرق جسدية ونفسية مختلفة. كما كتبت لاريسا ماكفاركوهار (Larissa MacFarquhar) في كتابها Profile of Parfit: وجد (بارفيت) نفسه هذا الرأي متحررًا. وقال إنه من خلال رؤيته لنفسه المستقبلية كشخص آخر: أصبح أقل اهتمامًا ببقية حياته، وأكثر اهتمامًا بحياة الآخرين.

غالبًا ما يوصف هذا الرفض للهوية الشخصية بأنه من قبيل الوهم وقد استشهدت به الفيلسوفة (إميلي توماس) كمثال على “الميتافيزيقيا غير المعقولة إلى حد بعيد”. ولكن هناك بعض الأدلة من علم النفس وعلم الأعصاب على أننا في الواقع نفكر في أنفسنا في المستقبل البعيد كأشخاص مختلفين. لقد وجدت الدراسات أنه عندما نتخيل حدثًا في المستقبل القريب فإننا نميل إلى رؤيته من منظور الشخص الأول ولكن عند تخيل حدث في المستقبل البعيد فنحن نميل إلى رؤيته بمنظور الشخص الثالث. عند اتخاذ قرارات بشأن الحياة في الوقت الحالي غالبًا ما نطبق معايير مختلفة لأنفسنا عن تلك التي نطبقها على الآخرين ولكن عندما نتخذ قرارات تخصنا في المستقبل فإننا نستخدم نفس المعايير. لقد ثبت أن التفكير في أنفسنا في المستقبل يشبه تفكير الشخص الثالث على المستوى العصبي. كلاهما يستنبط نمطًا من تنشيط الدماغ يختلف عن ذلك الذي نشأ عندما نفكر في أنفسنا في الوقت الحاضر.

بالنسبة لي ، تبدو وجهة نظر بارفيت غير طبيعية. إذا علمت أنني مصابة بمرض عضال وسأموت بشكل مؤلم في غضون بضع سنوات فإن ردة فعلي على الأخبار ستكون مختلفة نوعياً عن تلك التي كنت سأسمعها عن شخص آخر، شخص عزيز. (سوليفان) من جانبها تلاحظ أن بعض الطرق التي نرى أنفسنا بها كأبوين أو رياضيين تشير إلى أننا كائنات ممتدة في الزمن. من الصعب فهم العلاقات والمشاريع طويلة الأمد إذا كان الشخص في الحقيقة عدة أفراد غير مرتبطين ينتشرون عبر الزمن. ومع ذلك فقد رأينا أن بعض المشاعر الغريزية حول أهمية الوقت الآن مقابل لاحقًا، الماضي مقابل المستقبل، قد لا تنجو من التفكير. ربما سيتعين علينا التخلي عن مفهومنا المنطقي عن الهوية الشخصية أيضًا.

في عام 1992 تعاون (بارفيت) مع الخبير الاقتصادي (تايلر كوين) للقول في فصل من كتابه أن حكوماتنا حريصة جدًا على استبعاد ثروات الناس في المستقبل. (بارفيت وكوين) اقترحا أنه حتى التحيز الصغير لصالح الحاضر على المستقبل يمكن أن يكون له عواقب وخيمة بمرور الوقت.

لنفترض أن سياسيًا يفسر أن الحياة الواحدة الآن تساوي 1.01 حياة بعد عام من الآن وبالتالي يتبنى سياسات تفضل مائة شخص الآن أكثر من مائة شخص في العام المقبل. لا يبدو أن هذا مهم لكن “معدل الخصم” البالغ واحد في المائة سنويًا يعني أننا نفضل إنقاذ حياة واحدة الآن على حساب مليون شخص في حوالي أربعة عشر مائة عام. بمعدل خصم يبلغ ١٠ في المائة فإن الحياة الآن تساوي مليونًا في غضون قرن ونصف فقط. على الرغم من عدم وجود أي شخص في السلطة يفكر بهذه الشروط بالضبط إلا أن العديد من قراراتنا تفضل الحاضر على المستقبل.

في كتاب صدر عام 2018 بعنوان “المرفقات العنيدة” توسع (كوين) في الفكرة متسائلاً كيف يمكننا محاربة التحيز القريب على المستوى المجتمعي وتعزيز مصالح الناس في المستقبل بشكل أفضل. يكتب أن هناك “مجموعة متنوعة من القيم ذات الصلة” التي قد نرغب في أخذها في الاعتبار عند إعادة التوازن الزمني لدينا “بما في ذلك رفاهية الإنسان، العدالة، المساواة، الجمال، والقمم الفنية للإنجاز البشري، ونوعية الرحمة “. يخلص (كوين) إلى أن أفضل طريقة لمضاعفة كل هذه الأشياء للمستقبل هي زيادة النمو الاقتصادي. (إنه لا يودع فقط إلى G.D.P. بل يضاف في مقاييس مختلفة من وقت الفراغ، والإنتاج المنزلي، والمرافق البيئية.)

يخبرنا (كوين) أن الشيء المتعلق بالنمو الاقتصادي هو أنه يمتلك القدرة على النهوض بكل شيء يقدره الناس. يكتب: “تتمتع المجتمعات الأكثر ثراءً بمستويات معيشية أفضل وأدوية أفضل وتوفر قدرًا أكبر من الاستقلالية الشخصية وإشباعًا أكبر ومزيدًا من مصادر المتعة”. ويقر بأنه في العقود الأخيرة ازداد عدم المساواة داخل الدول الأكثر ثراءً لكنه يشير أيضًا إلى أنه نتيجة للنمو الاقتصادي العالمي “كان تاريخ العالم الحديث وقتًا غير عادي من حيث المساواة”: على العموم أصبحت البلدان أكثر مساواة. فيما يتعلق بالسعادة يوضح (كوين) أن هناك أدلة كثيرة تدعم وجهة النظر المنطقية القائلة بأن مواطني الدول الغنية أسعد من مواطني الدول الفقيرة وأن الأفراد الأكثر ثراءً هم أسعد من الأفقر داخل الدول الغنية. يكتب (كوين) أن البيانات تقلل في الواقع من قوة التأثير لأن العديد من الدراسات تفوتها زيادة السعادة التي تأتي من سنوات أخرى على الأرض: “الباحثون لا يستطلعون آراء الموتى”.

(كوين) متعاطف مع مدرسة الفكر المعروفة باسم الإيثار الفعال والتي تنص على أنه يجب علينا استخدام البيانات والبحث لمعرفة كيفية القيام بأكبر قدر من الخير لأكبر عدد من الناس. لكنه يخشى أن تكون هذه الأنواع من المؤثرين أكثر عرضة للتفكير في أعظم خير للناس الآن. قد يرى المؤثر الفعال أنه بدلاً من إنفاق المال على بعض الترف لنفسك يجب أن تستخدمه لمساعدة الفقراء.

لكن بالنسبة (لكوين) فإن هذا النوع من النصائح موجه للغاية نحو الحاضر. حتى دفعة صغيرة في معدل النمو لها تداعيات هائلة لسنوات قادمة. يكتب: “تتمثل أقوى التزاماتنا في المساهمة في النمو الاقتصادي المستدام، ودعم الانتشار العام للحضارة، بدلاً من الانخراط في إعادة توزيع خيري ضخم بالمعنى الضيق.” بشكل عام يعتقد (كوين) أن صانعي السياسة يجب أن يكونوا أكثر توجهاً نحو المستقبل. ويقترح علينا تخصيص موارد أقل لتحسين حياة كبار السن وتكريس المزيد من الموارد في المقابل للشباب والذين لم يولدوا بعد. قد يرفض معظم السياسيين هذا الاقتراح ولكن عندما يفعلون العكس فهم يقومون بالاختيار أيضًا.

 في رأيي (كوين) يتجاهل مشكلة تقليص العوائد. افترض أن ازدهارنا يتضاعف مائة ضعف ستكون الحياة أفضل، لكن هل ستزداد سعادتنا أيضًا بنفس الضعف؟ بعد نقطة معينة قد يكون من المنطقي تقليل القلق بشأن النمو. ربما يكون أكثرنا حظًا قريبًا من تلك النقطة الآن لكن قد يكون من الصعب الحكم على هذه الأشياء. ربما ظن الملوك البابليون أنهم كانوا يعيشون أفضل حياة ممكنة ولم يدركوا أنه في المستقبل حتى المتعلمين العاديين سيكونون أكثر حكمة وراحة، يعيشون لفترة أطول، يأكلون بشكل أفضل ويسافرون أكثر.

سواء وافق المرء على أطروحة (كوين) أم لا فمن الواضح أن هناك أسبابًا وجيهة لاعتماد الحياد الزمني على المستوى المجتمعي. من غير الواضح أن علينا التزامًا بأن نكون محايدين بشكل صارم كأفراد. إذا استطعنا الانغماس في تحيزاتنا الزمنية دون ارتكاب أخطاء فظيعة في الحكم فلماذا لا نفعل ذلك؟ لماذا لا نوزع ملذاتنا وآلامنا بشكل غير متساو طوال حياتنا إذا كنا نعتقد أن القيام بذلك سيسهم في “المضي قدمًا في الحياة قدر الإمكان”؟ بالنسبة لكثير من الناس كما كتب (سينيكا) “الأشياء التي كان من الصعب تحملها حلوة التذكر”. نقوم بأنشطة نعرف أنها صعبة أو غير سارة لأننا نراها جزءً من حياة طيبة ونرغب في إعادة التفكير فيها في المستقبل. نرتب هدايانا لتزويد مستقبلنا بالأنواع الصحيحة من الماضي. إذا كان هذا التحيز الحميد يشجعنا على مواجهة أشياء صعبة أليس من الحكمة الانغماس في هذا التحيز؟

يعتقد الكثير من الناس أن الحياة الجيدة قد تكون حياة مرتبة بطريقة معينة. يجد علماء النفس أن الناس يميلون إلى تفضيل فكرة الحياة الرائعة التي تنتهي فجأة على فكرة حياة رائعة بنفس القدر تتضمن بعض السنوات الإضافية الممتعة “تأثير جيمس دين”. هناك أيضًا مناشدة للبدء بالأسوأ ثم رؤية الأشياء تتحسن.

(أندي دوفرسن) بطل فيلم “الخلاص من شاوشانك” المأخوذ عن رواية لستيفن كينغ أدين بارتكاب جريمة قتل مزدوجة لكنه أصر على براءته. يقضي ثمانية وعشرين عامًا في السجن قبل أن يسرق ملايين الدولارات من مأموره الفاسد ويهرب ثم يعيش بقية حياته على أحد الشواطئ المكسيكية. إنها حكاية مبهجة وقوية ولكن إذا قام أحدهم بقلب الأحداث: جنة ساحلية ثم سجن وحشي – فسيكون الاستمتاع أمرًا مستحيلًا. الانتقال من من الفَقر المُدقِع إلى الثَّراء يتفوق على العكس حتى لو كان الخير والشر في توازن دقيق. ربما هذا ما تسميه (سوليفان) بالانحياز البنيوي – ولكن بدون بنية، لا توجد قصة، ومن الجيد امتلاك القصص.

صحيح أن التفكير المتحيز للوقت يمكن أن يضللنا. تخيل أنك تستمع إلى سيمفونية لمدة تسعين دقيقة ممتعة وبعد ذلك في النهاية ينفجر الهاتف الخلوي لشخص ما ليصيح بصوت عالٍ ويضحك خانقًا. قد تقول إن هذه الثلاثين ثانية المروعة أفسدت التجربة على الرغم من أن التسعة والتسعين في المائة الأولى منها كانت رائعة وتعتقد أنه إذا كان الهاتف قد رن في البداية لكانت المشكلة أقل. لكن هل التعطيل في النهاية أسوأ حقًا من انقطاع العرض؟ تُظهر حجج (سوليفان) أنه يجب علينا محاولة إعادة النظر في تلك الأنواع من الحدس وأنه يجب علينا بشكل عام أن نكون حذرين من الأماكن الغريبة التي يمكن أن تقودنا إليها. في سلسلة كلاسيكية من الدراسات عرض (دانيال كانيمان) وزملاؤه المتطوعين تجربتين مختلفتين ستين ثانية من الألم المعتدل وستين ثانية من الألم المعتدل تليها ثلاثون ثانية من الألم الخفيف. عندما سألوا الناس عن التجربة التي يفضلون تكرارها اختار معظمهم التجربة الثانية لمجرد أنها انتهت بشكل أفضل. لا يوجد الكثير مما يمكن قوله بشأن اختيار المزيد من الألم لمجرد أن التجربة تنتهي بالطريقة الصحيحة.

ومع ذلك فإن التخلي عن كل تحيزاتنا الزمنية أمر يتطلب الكثير. نحن على ما يبدو مؤلفون لتفضيل اللحظة الآنية وتجاهل المستقبل البعيد جذريًا وإعطاء وزن خاص لكيفية انتهاء التجارب. يمكننا التحرك في اتجاه الحياد الزمني، نقوم بمحاربة بعض التحيزات الزمنية تمامًا كما نقاوم تحيزاتنا وتفضيلاتنا الأخرى غير المعقولة. قد يجعلنا هذا أكثر عقلانية، وأكثر لطفًا مع الآخرين، وفي بعض الأحيان، أكثر سعادة.

المصدر
newyorker

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى