تقارير ودراسات

كيف سيعيد التغير المناخي تشكيل أمريكا؟

سيُهجّرُ الملايين، لكن إلى أين سيذهبون؟

  • إبراهام لوستجارتن
  • ترجمة: يارا عمار
  • تحرير: مريم بنت عمر بازرعة

لقد حاصر أغسطسُ كاليفورنيا بحرارة غير مشهودة منذ أجيال. أدى اندفاع التيار بقوة في أجهزة المكيف إلى تعطيل الشبكة الكهربائية للولاية، تاركًا السكان يعملون عن بُعد باستخدام الضوء الخافت لهواتفهم المحمولة وهم محطمون بالفعل بسبب فيروس كورونا. وبحلول منتصف الشهر، سجلت الولاية أعلى درجة حرارة قيست على وجه الأرض ـ130 درجة بوادي الموت Death Valley- كما نشبت عاصفة مصحوبة ببرق صدّع كبد السماء. ومن سانتا كروز إلى بحيرة تاهو، تفجرت آلاف الصواعق الكهربائية في مراعٍ وغاباتٍ ذابلة، بعضها مجوّف بسبب تفشي الخنافس التي قادها المناخ إليها، وبعضها الآخر بسبب مرور أسوأ خمسة أعوام من الجفاف على الإطلاق، ونتيجة لذلك سرعان ما اشتعلت النيران بكاليفورنيا.

وعلى مدى الأسبوعين التاليين، اشتعل 900 حريق بالولاية مما تسبب في إحراق ستة أضعاف المساحة التي دُمرت بسبب حرائق الغابات عام  2019مجتمعة، وأُجبر 100,000 شخص على ترك منازلهم، وأيضًا اشتعلت ثلاثة من أكبر الحرائق في التاريخ حول خليج سان فرانسيسكو، وآخر على بُعد 12 ميلًا فقط من منزلي. شاهدتُ أعمدة الدخان الشاهقة تتصاعد من التلال البعيدة في جميع الاتجاهات، وطائرات الإطفاء الجوي تقطع السماء جيئة وذهابًا. لقد أمضيتُ تلك الأسابيع –كالعديد من سكان كاليفورنيا- قلقًا بشأن ما قد يحدث، وأتساءل؛ كم سيكون من الوقت قبل أن تجتاح ألسنة اللهب البالغ ارتفاعها 60 قدمًا التل العشبي في طريقها نحو منزلي؟ كما أفكر فيما ستقوم به أسرتي للهرب.

لكن كان لدي أيضًا سؤال منذ أمد طويل بشأن ما سيحدث عقب انتهاء موسم الحرائق غير المسبوق؛ هل حان الوقت أخيرًا للتوجه نحو الأفضل؟

لدي وجهة نظر مختلفة بشأن هذا الأمر، فقد كنت أدرس على مدى عامين كيفية تأثير تغير المناخ على الهجرة العالمية. وكان إحساسي أن من بين جميع العواقب الوخيمة الناجمة عن ارتفاع درجة حرارة الكوكب –تغير المناظر الطبيعية، الأوبئة، الانقراضات الجماعية- تعتبرالحركة المحتملة من مئات الملايين من “لاجئي المناخ” هي الأكثر أهمية. لقد سافرتُ إلى أربع دول لأشهد كيف يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى إبعاد لاجئي المناخ من أكثر مناطق العالم فقرًا وارتفاعًا في درجة الحرارة. وأيضًا ساهمتُ في إنشاء محاكاة حاسوبية هائلة؛ لتحليل كيف يمكن تغيير التركيبة السكانية العالمية، والآن أعملُ على مشروع لتنظيم بيانات الهجرة بالولايات المتحدة.

لذلك واجهتُ حرائق الأسابيع الماضية وأنا واعٍ للأمر نوعًا ما. كانت فترة الصيف في السنوات الأخيرة مليئة بالخوف في كاليفورنيا؛ بسبب اقتراب حرائق الغابات المتفاقمة باستمرار. لكن الأمر مختلف هذا العام؛ فقد أصبح اليأس من هذا النمط واضحًا الآن، وقد قضت الجائحة على الكثير من الأمريكيين بالفعل، ولم يعدُّ الانتقال من الاحتمالات البعيدة. إن قوة التغير المناخي تأتي على الأخضر واليابس في كل مظاهر الحياة الطبيعية.  وفجأة كان عليّ أن أطرح على نفسي السؤال الذي طرحته على الآخرين: هل حان الوقت للتحرك؟

إنني بعيد كل البعد عن مواجهة مثل هذه الأسئلة. لقد شهد هذا الصيف المزيد من الحرائق والعواصف وارتفاعًا في درجة الحرارة وساهم كل هذا في جعل الحياة لا تطاق بشكل متزايد عبر نطاق أكبر من البلاد. إن الجفاف يهدد المحاصيل الغذائية في جميع أنحاء الغرب بانتظام، بينما تغمر الفيضانات المدمرة المدن والحقول من داكوتا إلى ماريلاند، وتنهار السدود في ميتشيغان ويرتفع منسوب المياه في البحيرات العظمى، ويؤدي ارتفاع مستوى البحار وزيادة الأعاصير العنيفة إلى جعل آلاف الأميال من الشواطئ الأمريكية غير صالحة للسكن تقريبًا. وضرب إعصار لورا ساحل لويزيانا برياح سرعتها 150 ميلًا في الساعة أثناء احتراق كاليفورنيا؛ مما أودى بحياة 25 شخصًا على الأقل، وكانت هذه العاصفة الثانية عشرة لعام 2020 ، إنه رقم قياسي آخر. وفي الوقت ذاته، عانت فينيكس من ارتفاع درجة الحرارة إلى 110 درجة لمدة 53 يومًا، أي بزيادة 20 يوما عن الرقم المسجل سابقا.

لقد تجنب الأمريكيون مواجهة هذه التغيرات بأنفسهم على مدى أعوام. إن القرارات التي نتخذها بشأن مكان معيشتنا لم تشوه بسبب السياسات التي تقلل من مخاطر المناخ فحسب، بل أيضًا بسبب الإعانات والحوافز الكثيرة التي تهدف إلى تحدي الطبيعة. سيحاول العديد من شعوب الدول النامية تفادي أخطار الاحتباس الحراري بالسعي إلى البحث عن درجة حرارة أقل والمزيد من الماء العذب والأمان. لكن على النقيض من ذلك، ينجذب شعب الولايات المتحدة إلى الأخطار البيئية؛ فشيّدوا على طول السواحل من نيوجيرسي إلى فلوريدا، واستقروا في صحاري الجنوب الغربي الخالية من الغيوم.

أردتُ أن أعلم ما إذا كان الأمر قد بدأ في التغيير. هل من الممكن أن يستيقظ الأمريكيون من غفلتهم ويدركوا أن المناخ على وشك تغيير مجرى حياتهم؟ وإن كان الأمر كذلك –لو قامت حركة نقل محلي واسعة قريبًا- هل من الممكن أن نحدد المكان الذي سنذهب إليه؟ للإجابة على هذه الأسئلة أجريتُ مقابلات مع أكثر من أربعة عشر خبيرًا؛ اقتصاديين، علماء ديموغرافيا، علماء مناخ، مديرين تنفيذيين للتأمين، مهندسين معماريين، مخططين حضريين. وحددتُ مناطق الخطر التي تقترب من الأمريكيين خلال الثلاثين عامًا المقبلة. جمع المخطط لأول مرة بيانات حصرية للمناخ من Rhodium Group –شركة مستقلة لتحليل البيانات- وتوقعات باحثي دائرة الغابات بالولايات المتحدة وآخرين لحرائق الغابات، وبيانات عن تغير المناخ بأمريكا، وهو تطور لبحث نشرته لأول مرة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم الربيع الماضي.

ما وجدته هو أن الأمة على أعتاب تحول كبير؛ فمن الراجح أن يعاني 162 مليون شخص -واحد من كل اثنين تقريبًا- من جميع أنحاء الولايات المتحدة من انخفاض في جودة الوسط البيئي، أي ارتفاع في درجة الحرارة وقلة المياه. وقد تكون هذه التغيرات شديدة على 93 مليونًا بشكل خاص. وتشير التحليلات أنه إذا زادت انبعاثات الكربون إلى مستويات قصوى بحلول عام 2070، فقد يجد ما لا يقل عن أربعة ملايين أمريكي أنفسهم يعيشون على الهامش بأماكن بعيدة عن المكانة المثالية والمناسبة للحياة الآدمية بالتأكيد. ترتفع تكلفة مقاومة الواقع المناخي الجديد، وقد اعترف مسؤولو فلوريدا بأن حماية بعض الطرق المواجهة للبحر لن تكون في متناول اليد، كما يتطلب برنامج التأمين الفيدرالي ضد الفيضانات استخدام بعض مدفوعاته لأول مرة لتجنب التهديدات المناخية في جميع أنحاء البلاد، وسيثبت قريبًا أن الحفاظ على الحالة الراهنة مكلف للغاية.

ثم ماذا؟ تشير إحدى الدراسات الهامة المنشورة في مجلة رابطة خبراء البيئة والموارد 2018 أن واحدًا من كل 12 أمريكي من النصف الجنوبي من البلاد سيتجه نحو كاليفورنيا أوالجبل الغربي أوالشمال الغربي خلال الخمسة والأربعين عامًا القادمة بسبب التأثيرات المناخية وحدها. وقد يؤدي مثل هذا التحول في عدد السكان إلى زيادة معدل الفقر واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. إن هذا الانتقال السريع -وربما الفوضوي- للمدن غير المجهزة لتحمل هذا العبء، سيضع قدرتها على توفير الخدمات الأساسية على المحك، وسيضخّم عدم المساواة القائمة بالفعل، كما سيقضي على الرخاء، وسيوجه ضربات اقتصادية للمناطق الساحلية والريفية والجنوبية، قد يجعل المجتمعات بأكملها على حافة الانهيار. وقد بدأت هذه العملية بالفعل في ريف لويزيانا وجورجيا الساحلية حيث يواجه ذوو الدخل المنخفض ومجتمعاتُ السود والسكانُ الأصليون تغيراتٍ بيئية علاوة على تدهور الحالة الصحية والفقر المدقع. يشير خبراء الهجرة العالمية إلى أن التنقل ذاته غالبًا ما يمثل انعكاسًا للثروة النسبية، ومع انتقال بعضهم سيتخلف الكثير عن الركب، أولئك هم مَن ستحاصرهم المخاطر؛ لأن الدولة والمجتمع من حولهم سيكفّون عن تقديم المزيد من الدعم لهم.

ثمة مؤشرات على أن الرسالة آخذة في الانتشار. فقد أصبح نصف الأمريكيين الآن يصنفون قضية المناخ على أنها أولوية سياسة عليا –وقد كانت نسبتهم الثلث تقريبًا عام 2016 – ويصف ثلاثة من كل أربعة التغير المناخي بكونه “أزمة” أو”مشكلة رئيسة”، كما وضع الحزب الديموقراطي بولاية أيوا –حيث غمرت الفيضانات عشرات الآلاف من فدادين الأراضي الزراعية عام 2019 – المناخ في المرتبة الثانية بعد مشكلة الرعاية الصحية. وبيّن استطلاع أجراه باحثون بجامعتي ييل وجورج ماسون أن آراء الجمهوريين تتغير: فقد أصبح الثلث منهم يعتقد أن التغير المناخي ينبغي أن يُعلن حالة طوارئ وطنية.

بعد ترك واضعي السياسات أمريكا بلا استعداد لما هو آت، فهم يواجهون الآن اختيارات قاسية بشأن المجتمعات التي يجب إنقاذها –بتكاليف باهظة غالبًا- وأيّها سيُضحّى به. يكاد يكون من المحتّم أن تؤدي قراراتهم إلى زيادة انقسام الأمة بترك أولئك الأسوأ حالًا يديرون أمورهم بأنفسهم في كابوس المستقبل، ولن تنتظر هذه الاضطرابات حدوث أسوأ التغيرات البيئية؛ فالموجة تبدأ مع بداية تغير الإدراك الفردي للمخاطر، وعندما يتجاوز التهديد البيئي البشر الأقل حظًا فيُهزّ الأمن المادي والمالي نطاقًا أوسع من السكان الأكثر ثراءً، إنها تبدأ عندما تصبح أماكن مثل ضواحي كاليفورنيا غير آمنة، لقد بدأت بالفعل.

لنبدأ ببعض الأساسيات؛ سيصبح الجو حارًا في جميع أنحاء البلاد، وقد تصير بوفالو خلال عقود مثل تيمبي وأريزونا، وستصل متوسط درجة حرارة تيمبي نفسها في الصيف إلى  100 درجة بحلول نهاية هذا القرن. ستجعل الرطوبة الشديدة الصيف لايُطاق بشكل متزايد من نيو أورلينزإلى شمال ويسكونسن، محوّلة مع ذلك موجات الحرارة التي يمكن النجاة منها إلى تهديدات صحية خطيرة. بالإضافة إلى ذلك سيكون هناك نقص في الماء العذب، ليس في الغرب فقط، بل أيضًا في الأماكن التي تذبل فيها حقول القطن بسبب الجفاف كفلوريدا وجورجيا وألاباما. وبحلول عام 2040  سيكون النقص الشديد في المياه في كل مكان تقريبًا غرب ميسوري، وفقًا لتوقعات الحكومة الفيدرالية. إن حوض ممفيس ساندز للمياه الجوفية –وهو مصدر رئيسي لنهر المسيسبي وتينيسي وأركنساس ولويزيانا- به نقص بالفعل بسبب ملء مئات الملايين من الجالونات يوميًا- وقد يحدث نقص شديد في خزان أوغالالا الجوفي -الذي يوفر ما يقرب من ثلث مياه الري الجوفية بالبلاد- في نهاية هذا القرن.

قد يكون من الصعب أن نرى التحديات بوضوح بسبب وجود العديد من العوامل، فمن المحتمل أن يواجه ما لا يقل عن 28  مليون أمريكي حرائق هائلة مثل التي نراها في كاليفورنيا الآن، والتي قد تحدث في أماكن أخرى مثل تكساس وفلوريدا وجورجيا. وفي الوقت نفسه سيواجه 100 مليون أمريكي –غالبًا في حوض نهر المسيسبي من لويزيانا إلى ويسكونسن- رطوبة عالية لدرجة أنها قد تتسبب في إصابة الشخص بضربة شمس في حالة العمل بالخارج أوأثناء ممارسة الرياضة المدرسية، وأيضًا سُتُدمر المحاصيل الزراعية من تكساس إلى ألاباما وعلى طول الطريق شمالًا من أوكلاهوما وكانساس وحتى نبراسكا.

إن التحديات واسعة الانتشار ومتداخلة لدرجة أن الأمريكيين الذين يسعون للفرار من أحدها قد يواجهون آخر. أنا أعيش على قمة تل على ارتفاع 400 قدم فوق مستوى سطح البحر، ولن يتأثر منزلي أبدًا بارتفاع منسوب المياه، لكن إذا تحققت التوقعات الأكثر تطرّفًا بارتفاع مستوى سطح البحر من ثمانية إلى عشرة أقدام بحلول نهاية هذا القرن، فسيتحرك الخط الساحلي لخليج سان فرانسيسكو ثلاثة أميال تجاه منزلي؛ أي سيشمل حوالي 166 ميلًا مربعًا من الأرض، بما فيها مدرسة ثانوية ومستشفى مقاطعة جديد ومتجر البقالة الذي أشتري منه. سيلزم رفع الطريق المؤدي إلى سان فرانسيسكو والشرق، وأيضًا سيتطلب الأمر إنشاء جسر جديد ليصل بين مجتمع بوينت ريتشموند ومدينة بيركلي، وستُهجّر المجتمعات الآسيوية واللاتينية التي تعيش بالمناطق المنخفضة الأكثر ضعفًا أولًا. يذكر عالم الاجتماع بجامعة ولاية فلوريدا الذي نشر بعض النماذج الأولى لهجرة الأمريكيين بسبب المناخ في مجلة Nature Climate Change عام 2017  أن معدل الخسائر بالنهاية سيكون كبيرًا للغاية؛ سيغادر شخص من كل ثلاثة تقريبًا من مقاطعة مارين، وتشير نماذج أن نحو 700,000  شخص قد يهجرون منطقة باي الفسيحة بسبب ارتفاع مستوى البحر فقط.

ومن ولاية ماين إلى كاليفورنيا الشمالية، سيؤدي ارتفاع مستوى البحار والأنهار إلى التهام الشواطئ وغمْر البنية التحتية الجوفية للمجتمعات الساحلية، مما يجعل من الحياة المستقرة هناك أمرًا مستحيلًا، وستُعزل المناطق الساحلية المرتفعة عن الطرق والمرافق ومنافذ النجاة. وحتى بالمناطق الداخلية البعيدة ستتسرب المياه المالحة إلى إمدادات مياه الشرب الجوفية، وستتغير ثمانية من عشرين منطقة حضرية بشكل جذري –بما فيها ميامي ونيويورك وبوسطن- مما سيؤثر على حوالي 50  مليون شخص بشكل غير مباشر. تخيل جدران خرسانية هائلة تفصل بين وحدات فورت لودرديل السكنية والواجهة البحرية الخالية من الشواطئ، أوعشرات الجسور الجديدة التي تربط بين جزر فلادلفيا. ليس بوسع كل المدن أن تنفق 100  مليار دولار على جدار بحري كما ستفعل نيويورك على الأرجح. ماذا عن الجزر الحاجزة؟ والمناطق الريفية الموجودة على طول الساحل بدون أساس ضريبي قوي؟ من المحتمل ألّا يمكن إنقاذهم على المدى البعيد.

إجمالًا، تتوقع هاور أن يضطر 13 مليون أمريكي إلى الانتقال من السواحل المغمورة بالماء، أضف إليهم الذين يواجهون حرائق الغابات والمخاطر الأخرى، فقد يصل عدد الأمريكيين الذين سينتقلون –بالرغم من صعوبة التنبؤ به بدقة- إلى أكثر من ذلك بعشرات الملايين بسهولة. ستكون الهجرة بسبب المناخ -13 مليون مهاجر- أكبر هجرة في تاريخ أمريكا الشمالية. لقد تغير كل شيء نعرفه عن أمريكا تقريبًا من مصير الحركة العمالية إلى شكل المدن وصوت الموسيقى بسبب الهجرة الكبرى –هجرة ستة ملايين أمريكي أسود من الجنوب من عام 1916 إلي عام 1970-  فماذا سيحدث إذًا عند هجرة ضعف هذا العدد الهائل؟ ما الذي قد يتغير؟

لم يتكيف الأمريكيون على الاستجابة لتهديدات المناخ الجغرافي مثل بقية شعوب العالم. فمن الطبيعي أن يغادر الغواتيماليون القرويون أو مزارعو الكفاف بكينيا إلى مكان أكثر استقرارًا عند مواجهة الجفاف أوالحرارة المحرقة، حتى التغيرات الطفيفة –كجفاف بئر مثلًا- قد تكون مسألة حياة أوموت، فعند انعدام المال لحل المشكلة، تكون الهجرة عادة حل بسيط للبقاء على قيد الحياة.

وفي المقابل، الأمريكيون أكثر ثراءً وأقل عُرضة للصدمات المناخية، إنهم بعيدون عن مصادر الطعام والشراب التي يعتمدون عليها، وهم جزء من ثقافة ترى أنه يمكن معالجة أي مشكلة بالمال، فقد تضاعف عدد سكان ولاية نيفادا بالرغم من انخفاض متوسط تدفق نهر كولورادو–مصدر مياه عذبة لأربعين مليون أمريكي غربي والعمود الفقري لزراعة الخضروات وتربية الماشية- خلال معظم الثلاثة والثلاثين عامًا الماضية.  وفي الوقت ذاته، هاجر 1.5 مليون شخص إلى فينيكس منطقة العاصمة بالرغم من اعتمادها على نفس النهر(تصل درجة الحرارة هناك إلى 115 درجة). ومنذ أن دّمر إعصار أندرو فلوريدا عام 1992 –حتى مع تحول هذه الولاية إلى مثال عالمي لخطر ارتفاع مستوى البحر- هاجر أكثر من خمسة ملايين شخص إلى شواطئها؛ مما أدى إلى ازدهار تاريخي في التشييد والعقارات.

هناك أنماط مماثلة واضحة في جميع أنحاء البلاد. تبين بيانات التعداد اتجاه تحرك الأمريكيين: نحو الحرارة، نحوالشواطئ، نحو الجفاف، بغض النظر عن المؤشرات التي تدل على زيادة العواصف والفيضانات والكوارث الأخرى.

لقد جرّأ الأمريكيين الشعورُ بأن المال والتكنولوجيا يمكنهما التغلّب على الطبيعة. لكن عندما يفشلان في ذلك، فإن تعويض الركود الاقتصادي يقع على عاتق السياسات والإعانات الحكومية لا محالة. وبفضل القنوات المدعومة فيدراليًا أصبحت تكاليف المياه في جزء من جنوب غرب الصحراء أقل منها في فلادلفيا. لقد دفع البرنامج الوطني الفيدرالي للتأمين ضد الفيضانات لإعادة بناء المنازل التي دُمرت بسبب الفيضانات ست مرات في البقعة ذاتها، وأيضًا منعت المساعدات الزراعية الفيدرالية الإعانات عن المزارعين الذين يتجهون إلى المحاصيل المقاومة للجفاف، بينما دُفعت لآخرين لإعادة زراعة نفس المحاصيل التي فشلت.

يستفيد المزارعون ومصنعو البذور ومطّورو العقارات وعدد قليل من مالكي المنازل –على الأقل مؤقتًا- لكن الفجوة تزداد بين ما قد يدمره المناخ وما يستطيع المال إصلاحه.

ربما لم تُثبت أيٌّ من قوى السوق أنها أكثر تأثيرًا –وأكثر تضليلًا- من نظام التأمين على الممتلكات، فقد جعلت السياسات السريعة والمتاحة في متناول اليد شراءَ أواستبدال المنازل أمرًا جذابًا حتى عندما تكون معرّضة لخطر الكوارث؛ مما أدى بشكل منهجي إلى حجب حقيقة التهديد المناخي وخداع الكثير من الأمريكيين بإيهامهم بأن قراراتهم أكثر أمانًا من الوضع الحالي. يكمن جزء من المشكلة في أن معظم السياسات تنظر إلى اثني عشر شهرًا فقط من المستقبل، متجاهلة الجوانب طويلة المدى، حتى عندما تؤثر إتاحة التأمين على التنمية وتدفع الناس لاتخاذ قرارات طويلة المدى.

عندما حاولت شركات التأمين أن تلغي سياساتها أوترفع الأسعار لتقلل من الالتزامات المتعلقة بالمناخ، أجبرتهم الهيئات التنظيمية الحكومية على توفير تغطية ميسورة التكلفة على أية حال، وكان هذا بمثابة دعم لتكاليف تأمين مثل هذه السياسة المحفوفة بالمخاطر، وفي بعض الحالات كانوا يقدمون هذا الدعم بأنفسهم. لقد برّر المطورون والسياسيون المحليون هذه اللوائح -يطلق عليها الإيصال العادل لمتطلبات التأمين- بأنها كقوارب النجاة الاقتصادية، “الملاذ الأخير” للمناطق المعرضة لعرقلة النمو الاقتصادي بسبب تهديدات التغير المناخي. وفي حين أنها تحمي بعض المجتمعات الراسخة والضعيفة، تلبّي القوانين أيضًا متطلبات أصحاب المنازل الأكثر ثراءً الذين مازالوا يرغبون في شراء التأمين.

لقد وضعت ما لا يقلّ عن ثلاثين ولاية –من بينها  لويزيانا وماساتشوستس وكارولاينا الشمالية وتكساس- ما يُسمى بالخطط العادلة Fair Plans، وهي اليوم بمثابة دعامة للسوق في المناطق التي تواجه أعلى المخاطر بسبب الكوارث الناجمة عن المناخ، بما فيها الفيضانات الساحلية والأعاصير وحرائق الغابات.

ورغم أننا في عصر التغير المناخي، إلا أن مثل هذه السياسات بمثابة لعبة الصَدَفة Shell game تهدف إلى استمرار النمو حتى عندما تشير الدلائل الواضحة والبحث العلمي إلى وجوب توقفه.

هذا ما حدث في فلوريدا. حوّل إعصار أندرو أجزاءً من المدن إلى مكب للنفايات، مما كلف شركات التأمين ما يقرب من 16 مليار دولار من المدفوعات. ورفضت العديد من شركات التأمين التي تدرك احتمالية حدوث ذلك مرة أخرى تجديد سياساتها وتركت الدولة. لذلك أنشأت الهيئة التشريعية بفلوريدا شركة تديرها الدولة لتأمين الممتلكات بنفسها ولمنع الهجرة الجماعية والانهيار الاقتصادي من خلال التظاهر بعدم وجود تهديدات مناخية.

ونتيجة لذلك، تحمل دافعو الضرائب بفلوريدا التزامات تقدر بحوالي 511 مليار دولار عام  2012–أكثر من سبعة أضعاف الميزانية الإجمالية للولاية- حيث تجاوزت قيمة الممتلكات الساحلية 2.8 ترليون دولار، ثم ظهر إعصار آخر يهدد بإفلاس الولاية، ومن ذلك الحين خفضت فلوريدا –التي خاضت الكثير من المخاطر-  من خطة التأمين الذاتي، لكن التنمية الناتجة عنها لاتزال قائمة.

اتصلتُ بجيسي كينان في أكتوبر الماضي بعد ظهر يوم شديد الحرارة والسماء مليئة بدخان ناجم عن حرائق الغابات، وهو متخصص في التخطيط الحضري وتغيّر المناخ ثم بكلية الدراسات العليا للتصميم بجامعة هارفارد، ويقدم المشورة للجنة تداول السلع الآجلة الفيدرالية بشأن مخاطر تغير المناخ على السوق، وحاليا أستاذ مساعد في قسم العقارات بكلية الهندسة المعمارية بجامعة تولين، وقد استُضيف العام الماضي ليذكر توقعاته للأماكن التي قد يُهاجر إليها. يرى كينان أنه ينبغي أن تستعد دولوت ومينيسوتا على سبيل المثال لازدهار عقاري آت؛ حيث سينتقل مهاجرو المناخ إلى الشمال، لكنه كان مترددًا بشأن الأماكن التي سينتقل منها هؤلاء المهاجرون، كجميع العلماء الذين تحدثت إليهم.

عندما اجتاحت الحرائق السابقة كاليفورنيا في الخريف الماضي، أخذ مستثمرو الأسهم الخاصة والمصرفيون في مهاتفته، كل يبحث عن مصير الولاية. يشير اهتمامهم إلى تزايد التوتر لدى المستثمرين بشأن المخاطر التي تتفشى في أهم أسواق العقارات. أخبرني كينان أنها علامة مبكرة على أن الزخم على وشك تغيير اتجاهاته، وأضاف: “فور أن يبدأ هذا الاتجاه في التغير، فمن الراجح أن يتغير بسرعة كبيرة”

لقد بدأ التصحيح –احترام قوة الطبيعة المدمرة بالإضافة إلى رفض الأمريكيين المفاجئ لرغبتهم في التنمية بطريقة متهورة- منذ عامين عندما تسببت الزيادة الهائلة في الكوارث في معاينة صادمة لكيفية تغيير أزمة المناخ للقواعد.

اندلع حريق في التاسع من أكتوبر عام 2017 في حي كوفي بارك بسانتاروزا-كاليفورنيا، تقريبًا في ساحة منزلي. احترق أكثر من 1800مبنى على بعد  35ميلًا من موقعي على الأقل، وتراكم الرماد على النوافذ كالثلج المتساقط.

لم يكن ينبغي أن يقع حريق توبس –كما يطلق عليه- لأن كوفي بارك محاطة بمبان خرسانية ومراكز تجارية وليس بنباتات، وقد صنفتها شركات التأمين باعتبارها “منعدمة الخطر أساسًا” وفقًا لما ذكره كيفن فان لير الذي كان يعمل وقتها مصممًا بشركة Risk Management Solution التابعة للتأمين العالمي، والآن يعمل بنفس الوظيفة لدى( Cape Analytics).

لكن فان لير-الذي أمضى سبعة أعوام في البحث بين الحطام الذي خلفته الكوارث ليفهم كيف يمكن أن تتوقع شركات التأمين وتسعّر مخاطر حدوثها مرة أخرى- قد بدأ في رؤية حرائق أخرى “مستحيلة”، وذكر أن “أجراس الإنذار قد بدأت في الانطلاق” بالنسبة لشركات التأمين عقب الإعصار الناري الذي عصف بشمال كندا عام 2016، والعاصفة النارية التي اجتاحت جاتلينبرج بولاية تينيسي.

لقد غيّر فان لير الطريقة التي سيصمّم بها مخاطر الحريق إلى الأبد بسبب ما رآه أثناء سيره عبر كوفي بارك لمدة أسبوع عقب حريق توبس. عادة ما تشتعل النيران على امتداد الأرض آكلة 50% من المباني، لكن في سانتاروزا تدمر أكثر من 90%، “كان الدمار شاملًا” كما قال. استنتج لير أن الحريق اشتعل عبر مظلة الغابة، فتولدت رياح تبلغ سرعتها 70 ميلًا في الساعة، مما أدى إلى نشوب عاصفة من الجمر فاحترقت المنازل البسيطة في كوفي بارك تلقائيًا بسبب الإشعاع الحراري بمعدل فدان في الثانية الواحدة. لم يكن ليقع هذا الأمر أبدًا إن لم تزدد رياح كاليفورنيا شراسة وجفافًا كل عام، بالإضافة إلى الحرارة المرتفعة بسبب المناخ والتطور المستمر. وقال لير:”من الصعب أن تتوقع شيئًا لم تره من قبل”.

بالنسبة لي أتت الصحوة للمخاطر المناخية الوشيكة مع الانقطاع المتكرر للتيار الكهربي في كاليفورنيا الخريف الماضي –وهو محاولة استباقية لتجنب خطر إشعال الأسلاك الحية- الذي بيّن لي تعارض كل من منظوراتي الافتراضية بشأن مخاطر المناخ مع اختيارات حياتي الخاصة. فقدنا كل الطعام الموجود بالثلاجة بعد الانقطاع الأول، وعندما انقطع التيار ست مرات أُخر في ثلاثة أسابيع، توقفنا عن محاولة الاحتفاظ به. اشتعلت الحرائق الصغيرة حولنا وأُصبنا بنوبات السعال بسبب الدخان الكثيف، ثم حزمتُ حقيبة السفر والفأس بالسيارة استعدادًا للرحيل. كانت بداية الشعور “بالجديد غير الطبيعي” كما قال الحاكم السابق جيري براون.

لم يكن الأمر مفاجئًا إذن أن تبدأ شركات التأمين بكاليفورنيا في التخلي عن سياساتها برؤيتها أرباح 26 عامًا تذهب هباءً خلال 24 شهرًا، أو أن يوقف مفوّضو التأمين عمليات إلغاء التأمين كمحاولة لإبطاء التدهور الاقتصادي في الولايات المتحدة في عام 2020. قدمت السلطة التشريعية في فبراير مشروع قانون يُلزم كاليفورنيا –على حد تعبير أحد أفراد منظمة الدفاع عن المستهلك- “باتباع خط فلوريدا” ببقاء التأمين متاحًا بشرط إلزام مالكي المنازل بحماية ممتلكاتهم من الحرائق. وفي الوقت نفسه زادت المشاركات في خطة كاليفورنيا “العادلة” للحرائق الكارثية بمعدل 180% من عام 2015 ، وأُعيد إنشاء المنازل في سانتاروزا في ذات المناطق المعرضة لحرائق الغابات التي ثبت أنها مميتة عام  2017. تشير هذه الممارسات إلى نوع خاص من الإهمال، حيث تتوقع دراسة جديدة زيادة الحرائق في أيام الطقس الشديدة بنسبة  20% بحلول عام 2035.

إنها فقط مسألة وقت قبل أن يبدأ مالكو المنازل في إدراك عدم استدامة هذا النهج. يمكن أن تضرب صدمة السوق حيًا بأكمله مثل الأمراض المعدية عندما تكون مدفوعة بنوع من الصحوة الثقافية للمخاطرة التي لاحظها كينان، مع الخوف وانتشار الشكوك وخفض قيمة العملة. وقد حدث ذلك أثناء أزمة الرهن العقاري.

يطلق كينان على ممارسة فرض شروط تعسفية على الإقراض “التخطيط الأزرق bluelining” وكانت الكثير من الأحياء التي تمارس معها البنوك هذه السياسة هي نفسها التي تعرضت لممارسة “الخط الأحمر” العنصرية[1] في الماضي. أصدر محللو بيانات المناخ بمنظمة First Street مخططات تبين أن 70% من مباني الولايات المتحدة أكثر عرضة لمخاطر الفيضانات من ذي قبل، وكانت معظم المخاطر التي قُلِّل من شأنها في الأحياء ذات الدخل المنخفض.

لا يُستثمرُ في سبيل منع الفيضانات بهذه الأحياء إلا قليلًا. ومن جهة أخرى، استفاد حي ماي باي إيريا من الاستثمار المستمر في الجهود المبذولة لحمايته من كوارث التغيرات المناخية. لقد وصلتني تساؤلات متعلقة بإمكانية العيش هنا، وكانت شهادة على اعتقاد كينان بأن ظاهرة البلولاينينج ستؤثر في النهاية على الأغلبية العظمى من أصحاب الأسهم من الطبقة المتوسطة أيضًا، مع تأثيرات واسعة النطاق على الاقتصاد العام تبدأ من أكبر ولايات الدولة.

هناك نوع جديد من الديون الخطيرة –قروض الرهن العقاري المتعثرة بسبب المناخ- قد تمثل تهديدًا للنظام المالي بالفعل. تبين بيانات الإقراض التي حللها كينان وجاكوب برادت شريكه في دراسة نُشرت في مجلة يونيوClimate Change أن البنوك الصغيرة تقدم القروض بشكل متحرر للمنازل المهددة بيئيًا، لكن سرعان ما تنقلهم إلى داعمي الرهن العقاري الفيدرالي، وأيضا توقفوا في الوقت ذاته عن إقراض أصحاب الممتلكات الراقية التي تستحق الكثير من الحكومة لقبولها، وهو ما يشير إلى أن البنوك تنقل الالتزامات المناخية عن عمد إلى دافعي الضرائب باعتبارها أصولًا عالقة.

بمجرد أن تبدأ قيم المنازل في الهبوط، سيكون من السهل أن يرى خبراء الاقتصاد كيف ستخرج مجتمعات بأكملها عن السيطرة. فالقاعدة الضريبية تنخفض، وتتعثر أنظمة المدارس والخدمات المدنية؛ مما يدفع المزيد من الناس إلى المغادرة. إن ارتفاع تكاليف التأمين وتصور المخاطر يُجبر وكالات التصنيف الائتماني على خفض تصنيف المدن؛ مما يزيد من صعوبة إصدار السندات وإيقاف التسريبات المالية الناشئة. وتواصل البنوك المحلية في الوقت ذاته تحويل ديون الرهن العقاري إلى أوراق مالية، وتتخلص من التزاماتها الخاصة.

لكن كينان لديه وجهة نظر أعمق؛ فهو يرى أن كل العقبات الهيكلية التي أدت إلى استجابة الأمريكيين غير العقلانية لمخاطر المناخ تصل الآن إلى نهايتها المنطقية. لن يؤدي الانهيار الاقتصادي الناجم عن الوباء إلا إلى زيادة نقاط الضعف وتعجيل عملية الانتقال وتدمير أي مجال للحماية المالية التي أبقت الناس في أماكنهم. وحتى الآن، كانت آليات السوق تعمل بشكل أساسي على إضفاء الطابع الاجتماعي على عواقب التنمية عالية المخاطر؛ لكن مع ارتفاع التكاليف وتوقف شركات التأمين وتخلي المصرفيين عن استثماراتهم وإهدار الإعانات الزراعية وهلم جرا، فإن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الأفراد.

والآن قد تبدأ الهجرة الحقيقية.

عندما كنتُ أتحدث مع كينان العام الماضي، نظرتُ من خلال نافذة المطبخ إلى التلال في الحدائق بُنيّة اللون بسبب مرور شهور من الجفاف الناتج عن حرارة الصيف. كانت هذه المنطقة بالتحديد التي صنفتها شركة باسيفك للغاز والكهرباء ثلاث مرات باعتبارها عرضة للخطر؛ فكان لا بد من قطع التيار الكهربي لتجنب الحرائق. وفي كل الدراسات التي اطلعتُ عليها كان هناك لوم على زيادة تعرض سكان كاليفورنيا لمخاطر المناخ بعيشهم في مثل هذه المناطق. ذكرت ذلك لكينان ثم أعقبته بسؤالي: “هل عليّ أن أبيع منزلي وأشتري..”

قاطعني قائلًا: “نعم”

لم تكن هذه أولى الكوارث المناخية التي يتعرض لها الأمريكيون. فقد بدأت عاصفة ترابية ضخمة Dust Bowl عقب توسيع الحكومة الفيدرالية لقانون مراسيم الحيازة الزراعية؛ لتقدم المزيد من الأراضي للمواطنين الراغبين في العمل في التربة الهامشية للسهول الكبرى. تلقى الملايين الدعوة واستبدلوا بعشب عشب البراري المحاصيل التي تستهلك قدرًا كبيرًا من الماء مثل الذرة والقمح والقطن، ثم حدث الجفاف المتوقع. انخفضت إنتاجية المحاصيل الزراعية إلى %60 من عام 1929 إلى 1934 في كل من تكساس وأوكلاهوما وكانساس وميسوري، تاركة المزارعين معدمين، وتُرِك سطح التربة القاحلة للرياح ودرجات الحرارة المرتفعة. وأدت العواصف الترابية الناتجة عن ذلك إلى دفن منازل بأكملها –فقد كان بعضها أطول من ناطحات السحاب- ثم ازداد انتشارها بأقصى الشمال حتى واشنطن. وقد دفعت الكارثة 2.5 مليون شخص إلى الهجرة –إلى الغرب غالبًا- حيث كان الوافدون الجدد –لم يأتوا من أوكلاهوما فقط، ولكن من تكساس وأركنساس وميسوري أيضًا- يمثلون مصدر قلق للمجتمعات ويتنافسون على الوظائف. حاولت كولورادو إغلاق حدودها بسبب لاجئي المناخ، ووُجِّهوا في كاليفورنيا إلى الأكواخ المزرية. ولم تستعدْ بعض المدن قوتها إلا بعد استقرار المهاجرين ومرور أعوام كافية للحصول على حياة كريمة.

لن ترجع الأماكن التي خلّفها المهاجرون كما كانت أبدًا. ما زالت المدن التي أصابتها هذه العاصفة بعد ثمانية أعوام تشهد نموًا اقتصاديًا أبطأ، ومعدل دخل فردي أقل مقارنة بباقي المدن. ويعدّ الناجون منها وأطفالهم أقل الناس احتمالّا للذهاب إلى الجامعة وأكثرهم عرضة للفقر. فقد تسبب التغير المناخي في فقرهم وما زالوا يعانون منه منذ ذلك الحين.

من المحتمل أن تحدث عاصفة ترابية أخرى كبيرة الحجم. توفر ولايات السهول الكبرى الآن ما يقرب من نصف محصول القمح والذرة الرفيعة والماشية وجزء كبير من الذرة، يصدرها المزارعون ومربو الماشية إلى أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا. كما ستنخفض إنتاجية المحاصيل بشكل كبير مع كل ارتفاع في درجة الحرارة. وقد أثبت باحثون من جامعة شيكاغو ومعهد جودارد لدراسات الفضاء التابعة لوكالة ناسا أن عائدات محاصيل فترة العاصفة الترابية ستكون هي المعيار بحلول عام 2050، حتى مع تزايد الطلب على المياه الشحيحة بنسبة تصل إلى %20. وأيضا قد يؤدي جفاف شديد آخر إلى خسائر شبه كلية في المحاصيل، أي ما هو أسوأ من عاصفة ترابية، وسيُدمرُ الاقتصاد العام. ذكر الباحثون أن “التهجير هو أحد الخيارات” في هذه المرحلة.

إن التوقعات غير دقيقة بطبيعتها، لكن التغيرات التدريجية التي تطرأ على الأراضي الزراعية بأمريكا –بالإضافة إلى الارتفاع الدائم في درجة الحرارة والحرائق والفيضانات- تشير إلى أننا نشهد بالفعل إعادة تشكيل أبطأ لعاصفة ترابية لن يقتصر تدميرها على المحاصيل فقط. وفي عام 2017، قام سليمان شيانغ –خبير اقتصادي مناخي بجامعة كاليفورنيا، بيركلي- بتحليل تأثير التغيرات المناخية على الاقتصاد مثل ارتفاع معدل الوفيات وارتفاع تكاليف الطاقة. تبين أن أفقر المقاطعات في الولايات المتحدة –معظمها في نطاق الجنوب والجنوب الغربي- ستواجه في بعض الحالات الشديدة أضرارًا تعادل أكثر من ثلث نتاجها المحلي الإجمالي. كما يحذر التقييم الوطني للمناخ لعام 2018 من احتمالية انخفاض الاقتصاد الأمريكي عمومًا بنسبة %10.

إن هذا النوع من الخسائر عادة ما يدفع الناس إلى التوجه نحو المدن، ويتوقع الباحثون استمرار هذه الموجة حتى بعد انتهاء جائحة كوفيد 19. كانت نسبة القاطنين بالمدن عام 1950 أقل من %65 من الأمريكيين، وبحلول عام 2050، ستصبح نسبة القاطنين خارجها %10 فقط؛ بسبب التغير المناخي. تذكر هاور أن عدد الذين قد تستقبلهم كل من أتلانتا وأولاندو وهيوستن وأوستن أكثر من ربع مليون مقيم جديد بحلول عام 2100 بسبب ارتفاع مستوى البحر فقط. ما يعني أن هذه المدن –وليس الأماكن الفارغة- سيكون لها الأثر الأكبر في إعادة تشكيل الولايات المتحدة. ويحذر البنك الدولي من أن التحضرالمناخي السريع يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة والمنافسة على الخدمات وتفاقم نسبة الفقر.

ماذا سيحدث إذًا لأتلانتا –منطقة حضرية يسكنها 5.8 مليون شخص قد تفقد إمدادات المياه الجوفية حتى الجفاف، والتي تبين البيانات أيضًا أنها ستواجه زيادة في حرائق الغابات الناتجة عن الحرارة؟ ترى هاور أن مئات الآلاف من لاجئي المناخ سينتقلون إليها بحلول عام 2100؛ مما سيؤدي إلى التضخم السكاني وتآكل البنية التحتية. تعاني أتلانتا –حيث ساهم سوء النقل وأنظمة المياه في حصول البنية التحتية على درجة C+ العام الماضي- من تفاوت في الدخل أكبر من أي مدينة أمريكية كبيرة أخرى؛ مما يجعلها معرضة للصراع الاجتماعي. حيث يعادل دخل واحدة من كل عشرة أسر أقل من 10,000 دولار سنويًا، ويتزايد الفقر المدقع في ضواحيها حتى مع ازدياد وسط المدينة ثراءً.

لقد بدأت أتلانتا في تعزيز دفاعاتها ضد التغير المناخي، لكن ذلك لم يُسفر إلا عن زيادة الانقسامات في بعض الحالات. عندما حولت المدينة مقلع صخور قديم إلى مستودع –جزء من حزام أخضر أكبر لتوسيع الحدائق وتنقية الهواء والحماية من الجفاف- عمل المشروع أيضًا على تعزيز النمو السريع، ودفع مجتمعات السود الأكثر فقرًا إلى الضواحي الفقيرة. يذكر ناتاكي أوسبورن جيلكس رئيس تحالف مستجمعات المياه في غرب أتلانتا أن أتلانتا لم “تتصدَ بشكل كامل” لهذه التحديات، ما يعني أنه “قد تُدفعُ المدينة إلى ما لا يمكن التحكم فيه” مع تزايد أعداد الناس وارتفاع درجات الحرارة.

وكذلك الحال مع كل من فلادلفيا وشيكاغو وواشنطن وبوسطن والمدن الأخرى ذات الأنظمة المهملة منذ فترة طويلة وتعرضت للضغط فجأة للتوسع في ظل الظروف المتغايرة.

بمجرد أن تتقبل حقيقة أن تغير المناخ يجعل أجزاءً كبيرة من المدن لا تصلح للسكنى، سيصبح تصورك للمستقبل هكذا؛ سيصبح النصف الأدنى من البلاد وعرًا وخطيرًا وحارًا بمرور الوقت، ما يقرب من عُشر الأشخاص الذين يعيشون في الجنوب والجنوب الغربي –من كارولينا الجنوبية إلى ألابانا وتكساس وجنوب كاليفورنيا- سيقررون الانتقال إلى الشمال بحثًا عن اقتصاد أفضل وبيئة أكثر اعتدالًا، وسيكون أولئك المتخلفون هم الفقراء وكبار السن.

ستؤدي الحرارة وحدها في هذه الأماكن إلى وفاة ما يقرب من 80 حالة إضافية عن كل 100,000 شخص-بينما تؤدي أزمة المواد الأفيونية على سبيل المقارنة إلى 15 حالة وفاة إضافية لكل 100,000 شخص. وفي الوقت ذاته سيضطر أكثر المتضررين إلى دفع %20 إضافية من تكاليف الطاقة، وستنتج محاصيلهم نصف كمية الغذاء وقد لا تنتج شيئًا على الإطلاق في بعض الحالات. ستعمل هذه الأعباء الجماعية على خفض الدخل الإقليمي بنسبة تصل إلى %10 -أحد أكبر التحولات في الثروة في تاريخ أمريكا- بينما سيستفيد الذين يعيشون في أقصى الشمال من هذا التغير وسيشهدون زيادة في ثرواتهم.

إن ملايين الأشخاص الذين سينتقلون إلى الشمال سيتجهون إلى مدن الشمال الشرقي والشمال الغربي خاصة، والتي ستشهد نموًا في الزيادة السكانية بنسبة %10 وفقًا لأحد النماذج. وستصبح الأماكن الباردة مثل مينيسوتا وميتشيغان وفيرمونت أكثر اعتدالًا وأكثر خضرة وجاذبية، وستزدهر مناطق شاسعة، كما يتوقع بحث هسيانغ أن المقاطعات الجنوبية ستشهد تدهورًا في عُشر اقتصادها، يتوقع أيضًا أن تستمتع مناطق أخرى مثل داكوتا الشمالية ومينيسوتا بتوسع مماثل، وستشهد مدن مثل ديترويت وروتشستر وبافالو وميلووكي نهضة بسبب قوة بنيتها التحتية وإمدادات المياه والاستخدام الجيد للطرق السريعة، سيصبح من الممكن يومًا ما أن يمتد خط سكك حديدية عالي السرعة عبر داكوتاس وأيداهو بلدة صناعة النبيذ والخبز على طول الحدود الكندية، إلى مدينة سياتل الكبرى التي تكاد تندمج مع فانكوفر من جهة الشمال.

كنت أجلس مع زوجي في الساحة الخلفية بعد ظهر أحد أيام هذا الصيف نتحدث عن الآثار المترتبة على هذا المستقبل الأمريكي الذي يلوح بالأفق. كانت الحقائق واضحة ومنذرة بشكل كبير، ومع ذلك هناك الكثيرمن الأمور المعنوية –حب الطبيعة، وتيرة الحياة المزدحمة، تكاليف الانتقال الباهظة- التي تآمرت لمنعنا من المغادرة. لا أحد يريد أن يهاجر من منزله حتى مع اقتراب خطر محتم، إنهم يهاجرون عندما لا يكون أمامهم خيار آخر.


[1] Redlining: الخط الأحمر مصطلح معناه ممارسة الحرمان أو زيادة التكلفة في الخدمات كالتأمين والتوظيف والحصول على الرعاية الصحية، وحتى التسوق للمقيمين في مناطق لها غالبية عرقية محددة. المصطلح صيغ في أواخر ستينيات القرن الماضي من قبل جون ماكنايت، وهو عالم وناشط اجتماعي من جامعة نورث وسترن. أما على الخرائط، تم تحديد المناطق الأحدث -تلك التي تعتبر مرغوبة لأغراض الإقراض- باللون الأخضر والمعروفة باسم “الرتبة أ”، أما الأحياء الأخرى “من الرتبة B”، الموضحة باللون الأزرق، فهي في رتبة أقل، كما بين الكاتب. -المترجمة.

المصدر
nytimes

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى