العلم

التضليل باسم العلم

هل تؤمن بأن العلم التجريبي قادر على الإجابة على كل شيء؟

  • نشر: salvomag
  • ترجمة: محمد عبد الرحمن
  • تحرير: إبراهيم عبدالله البابطين

يجيب عالم الأحياء التطورية أستن هيوز بـ: “افتح عينيك”

ضع في اعتبارك من البداية أن الدكتور أستن هيوز Austin Hughes هو عالم أحياء تطورية، وأستاذٌ متميز للعلوم البيولوجية في جامعة ساوث كارولينا. لذا فإنه يؤمن بشدة بأن التطور هو الآلية المناسبة المفسرة للتنوع البيولوجي على كوكب الأرض. وبناءً على ذلك فهو مناهض لنظرية التصميم الذكي، والذي يصفها بـ ” النظرية الساذجة بيولوجيًا”.

وبسبب دراسته في جامعة جورج تاون ثم هارفارد؛ فقد تتعارض خلفيته الفلسفية لفكرة أن العلم التجريبي بمفرده يمكنه تفسير حقائق العالم. وعلى كل حال، فلن تجد خصمًا للنزعة العلموية المعاصرة أكثر علمًا وبلاغةً وحماسة منه.

 

متى أدركت أن العلموية أصبحت تمثل مشكلة للمجتمع العلمي؟

أظنني أدركت ذلك في بداية دراستي لبرنامج الدراسات العليا في الفلسفة بجامعة هارفارد؛ حينئذ اصطدمت بالوضعية المنطقية للمرة الأولى، ولابد أن أعترف أنها في البداية كانت جذابة للغاية، حيث كان من الشيق التحدث حول العلم وفلسفته.

في الواقع كنت متحفزًا لدراسة العلوم لأن الجميع بهارفارد كانوا يتحدثون عنها دائمًا، كما لو كانت الشيء الوحيد الذي له أهمية حقيقية. لذلك رغبت في العمل في مجال جدير بالاهتمام مثل هذا، لذا قررت أن أصبح عالمًا.

 

ما الذي غيّر موقفك تجاه العلموية؟

حسنًا، عندما ذهبت إلى الجامعة للمرة الأولى، وبدأت في أخذ كافة مقرراتي الجامعية – في جورج تاون كان الفلسفة تخصصي – والتي لم يسبق لي الالتحاق بها قط، شعرت بأن الوسط الخاص بالعلوم كان أكثر تسامحًا من المجالات الأكاديمية الأخرى.

فعلى سبيل المثال، لا يبدو أن أساتذتي كانوا يحكمون على الناس بناء على معتقداتهم الدينية كما كان يفعل الأساتذة في هارفارد. ومع ذلك أدركت في نهاية المطاف أن أقراني في المجتمع العلمي لم يكونوا أكثر تسامحًا مما كان عليه أساتذة الفلسفة؛ لأن كل ما في الأمر أنهم افترضوا أنه لا يوجد من يقبل الدين في مجتمعهم العلمي، حيث وجدوا أن الفكرة سخيفة جدًا لدرجة تجعلها بأنها غير ذات أهمية بشكل كامل.

وقتها وجدت أن النزعة العلموية ذات أفق ضيق جدًا، ومع الوقت أدركت أنها أيضا غير متسامحة.

 

هل تعتقد أن وضع المجتمع العلمي كان دائمًا هكذا؟

لا، فبالرغم من أن معظم أساتذتي ملحدون، إلا أنهم يعتقدون أنه يوجد أنواعٌ محددة من الأسئلة لم يكن العلم مؤهلاً لمعالجتها.

وأتذكر كتابًا من منتصف السبعينيات لبيتر مدور – عالم الأحياء البريطاني الفائز بجائزة نوبل للطب – والذي اعترف فيه بأن هناك بعض الاستشكالات المحددة لا يستطيع العلم التجريبي التعامل معها. حتى أن مدور ذكر أنه لا يجد في جسده [من الناحية المادية] ما يدعم وجود نوع من الميتافيزيقا، لكنه احترم الذين قالوا عكس ذلك.

كان هذا النوع من وجهات النظر شائعًا بين العلماء من أساتذتي، ولكن تختلف الأمور الآن.

 

كيف ذلك؟

حسنًا، قد ظهر الآن كُتاب ومحاورون حققوا شهرة مهنية من الترويج للنزعة العلموية كأمثال ريتشارد دوكينز، حيث يصرحون علانية بأن كل شيء ممكنٌ بالعلم التجريبي، وأنه لا توجد معرفة خارج العلم التجريبي، وأن العلم دحض فكرة وجود إله.

واليوم هناك بيئة خصبة تساعد على انتشار من يطالبون بفرض سلطة العلم، ورفض أي شيء لا يفسره العلم، ولا يمكن تجريبه. عندما يتعلق الأمر بالفلسفة واللاهوت على سبيل المثال، فإن دوكنز لا يحسن إلا ارتكاب الأخطاء طوال الوقت، لأنه لا يحسن الكلام في هذه الأمور.

 

ما النظريات أو الأفكار العلمية الحالية التي تعد مثالاً لسمات العلموية؟

العلم الحقيقي لا يساوي العلموية. تتخذ العلموية من العلم غطاءً، وتدعي سلطة لا تملكها. مثال ذلك: أولئك العلماء الذين يؤكدون أن التطور يدحض وجود الإله، أو الذين يدّعون أننا في عالم عشوائي لا غاية له؛ وهناك أيضًا هؤلاء الفيزيائيون الذين يصرون على أن الكون نشأ من تلقاء نفسه، أو من خلال ما يطلقون عليه علم النفس التطوري.

هذه الآراء مثال على رواية القصص الخيالية التي ليس لها دليل على الإطلاق، إنها فقط تكهنات لن تكون أبدًا قابلة للاختبار. وفي رأيي تنتمي هذه الادعاءات للعلوم الزائفة؛ فكل شيء مشابه تمامًا لما حدث في بداية القرن الماضي، عندما تدخلت بعض العلوم الزائفة -مثل علم تحسين النسل/اليوجينيا- في الأخلاق والسياسة الاجتماعية والتي كانت تُعد سلفًا مناطق خارج حدود العلم التجريبي.

 

 كيف تبرر العلموية دخولها للمساحات التي تفسرها الفلسفة بشكل طبيعي؟

ما يقولونه هو: ” لم تفسر الفلسفة أي شيء، إنها مجرد هراء أو دين”. إنهم لا يدركون أنهم غير قادرين حقًا على الإجابة على التساؤلات الكبرى، مثل: نظريات الأكوان المتعددة. هذه الادعاءات في الأساس مجرد طريقة لإنكار فكرة أن الكون له خالق، حيث يقول هؤلاء العلماء: ” لم يُخلق الكون، فقط هناك الكثير والكثير من الأكوان المتوازية الأخرى، وأن وجودنا في الكون الملائم للحياة محض صدفة”.

لكن هذا لا يحل المشكلة الميتافيزيقية، أليس كذلك؟ من أين أتت كل هذه الأكوان؟ من وضع قواعد كل كون؟ من وضع القواعد التي تُنشأ من خلالها الأكوان الجديدة؟

 

 ماذا عن حقل الإبستمولوجيا؟ 

لا أعرف ما إذا كنت قد قرأت كتاب ” ” Where the Conflict Really Lies للفيلسوف ألفين بلانتينغا -Alvin Plantinga- حيث يؤكد فيه أننا إذا كنا نؤمن بالعلموية ومبادئها حرفيًا، فليس هناك سبب يجعلنا نؤمن بحقيقة أي شيء علمي.

بعبارة أخرى، إذا كان كل شيء مجرد منتج عشوائي لقوى عشوائية، فلا يوجد سبب يجعلنا نصدق بأنه بطريقة أو بأخرى يمكننا اكتشاف أي شيء وفهمه، لنؤمن بصحة نظريتنا.

هذه حقًا نقطة ضعف النزعة العلموية؛ لأنه حين نقر بقبول نظرية علمية على أخرى، فإننا بذلك نخرج تمامًا من مساحة العلم التجريبي لأننا هنا اتبعنا المنطق الفلسفي.

ودائمًا ما نقرر إذا كنا نؤمن بصحة الدليل، وعما إذا كان الدليل حقًا يحسم بين نظريتين متباينتين. لذا يكاد من المستحيل تخيل وجود العلم إذا لم يكن هناك معرفة سوى بالعلم التجريبي.

 

ما الفرق بين نظرية المَاهَوية والنظرية المؤسسية للعلوم؟

تقرر النظريات الماهوية Essentialist theories أن شيئًا ما ينتمي للعلم التجريبي فقط عندما يملك السمات الأساسية والمميزة له. بعبارة أخرى، توضح تلك النظريات الفرق والتمييز بين العلم التجريبي والفلسفة، بالإضافة إلى الدور الضروري لكل منهما.

ومن الناحية الأخرى، تقرر النظريات المؤسسية بأن العلم هو فقط ما يقرّه العلم التجريبي. حيث كانت تبرر هذه النظريات الآراء العرقية لألمانيا النازية، والتي كانت في الأساس مجرد علوم زائفة قائمة على بعض الأنثروبولوجيا التي أُسيء فهمها.

وينطبق الشيء نفسه على الحملة الليسينكووية Lysenkoism في روسيا، حيث الذي يقرر ما هو علم هو العلم التجريبي، لذا فمن الصعب تحديد لماذا بعض الأمور لا تنتمي للعلم.

وسيقول فلاسفة العلم في كثير من الأحيان أن العلم يصحح ذاته؛ أي أن الأفكار الخاطئة سيتم دحضها في النهاية. هذا إلى حد ما صحيح، لكن العوامل السياسية هي التي هزمت العلوم الزائفة النازية والسوفيتية، وليس طبيعة التصحيح الذاتي للعلم.

 

لماذا تعد قابلية الدحض معيارًا جيدًا لما يجب على العلم التجريبي أن يدرسه؟

ما يروقني في ذلك حقا – بالرغم من أنه ليس معيارًا مثاليًا تمامًا – أنه يتطابق نوعًا ما مع ما يقوم فعليًا به العلماء حيث إنهم لا يحاولون التحقق من صحة الأشياء، بل يحاولون إثبات خطأ فرضياتهم. وإذ لم يتمكنوا من إثبات خطأ فرضياتهم، فإنهم يقبلونها مبدئيًا.

وطور الفيلسوف كارل بوبر Karl Popper هذا المفهوم جزئيًا؛ ردًا على الوضعية المنطقية، لكنني أعتقد أيضًا أنه فعل ذلك ردًا على العلم النازي الزائف.

وإن أحد خصائص العلوم الزائفة هي قدرتها على إنتاج فرضيات قد تبدو أنها تنتمي للعلوم، لكن لا يمكن اختبارها بأي حال من الأحوال، مثل: ” لقد تطور البشر إلى الوضع الصحيح بسبب …” واملأ الفراغ بأي شيء.

أعتقد أيضًا أنه علينا ممارسة الضغط على علماء الأحياء، بقولنا لهم: ” انتظروا لحظة، أعطونا فرضيات قابلة للاختبار”، وأظن أن هذا من الممكن تطبيقه على علم الأحياء التطوري.

 

ما التبعات الناتجة عن استمرار النزعة العلموية على المدى الطويل؟

سيضر ذلك مصداقية العلم؛ لنفترض أن أحد العلماء صرح علانيةً بأن العلم دحض فكرة وجود الإله، فلن يفهم الناس في الشارع أنه لا يتحدث حقيقةً عن رأي العلم، بل إنه يعبر عن رأيه الديني أو الميتافيزيقي مستغلًا مكانته كعالم.

وإنه من السخرية أن يرفض بعضهم الدين بسبب هذا الادعاء، والكثير منهم سيرفضون العلم.

وقد اعتاد ريتشارد دوكينز أن يكون لديه في أوكسفورد مكانًا مخصصا للجمهور لتبسيط العلوم، أما الآن فإنه يتكلم فقط عن الدين، وهذا يضر بفهم الجمهور وتقديرهم للعلم.

 

هل هذا هو التأثير السلبي الوحيد الممكن؟

لا، فالعلموية تقوض العلم. وعلى عكس الليبراليين الذين يدَّعون أن كل الخطب أو المحاضرات نوع من التلاعب بالجمهور فإن علماء الوسط الأكاديمي الآن – على الأقل الكثير منهم- مغرورون جدًا حيث إنهم لا يؤمنون إلا بالحقائق العلمية.

وعندما تبدأ في تقويض مصادر الحقائق والتي منبعها التفكير الفلسفي، فسيشرع العلماء في الإيمان بعدم وجود حقائق في العلم. ولقد لاحظت هذا بالتأثير بالفعل على النهج العلمي إلى حد مثير للقلق.

وذات مرة قال لي أحد زملائي: ” أتدري أنه من غير المهم حقًا إذا كانت حقيقة أم لا ما دامت ستحدث ضجة علمية في مجلات كـ Nature” وScience “، فرددت عليه بـ: “لا، لا، لا”. ولأني أعلم أنه ليس من الأشخاص المهتمين بالتفكير الفلسفي، فكان ردي عليهم كما قلت دون جدال معه أو محاججته لأني أعلم أنها قد تؤذيه على المدى الطويل.

 

إذن لقد طعنا في نزاهة العلم، فماذا بعد؟

أعتقد بشدة أنه من الممكن أن تهدم العلوم نفسها، وستنهار الحضارات ثم تختفي. وبالرغم أن هناك اعتقاد متجذر لدينا بأن العلم في حالة تقدم دائمة، ولكن ما من طريقة للتأكد من حدوث ذلك بالفعل. ويعتبر العلم ظاهرة فريدة حقًا، حيث ظهرت لمرة واحدة في تاريخ أوروبا المسيحية، وإذا تم تقييد ركائزه الفلسفية، فمن الممكن جدًا أن تختفي تلك الظاهرة. وهناك أيضًا خطر إساءة استخدام العلم كأداة للاستبداد السياسي، حيث ادعى النظامان الأكثر استبدادية في التاريخ – الاتحاد السوفيتي والنازية – أنهما يعتمدان على الحقائق العلمية. كما تم الترويج للماركسية/اللينينية على أنها اشتراكية علمية، بينما ادعى هتلر أن الاشتراكية الوطنية هي في الحقيقة علم الأحياء التطبيقي. لذلك من الممكن حدوث ذلك مرة أخرى.

 

هل يمكن إبطال النزوع نحو العلموية، وإذا كان ممكنًا، فكيف؟

نعم، يمكن إبطالها، فقط عندما يتم إحياء بعض الدراسات التي هُجرت من قبل مؤيدي العلموية. وقد لاحظت حدوث ذلك الآن في الفلسفة.

وعندما كنت طالبًا للدراسات العليا، كانت تهيمن المدرسة الوضعية المنطقية بشكل كامل على أقسام الفلسفة في العالم الناطق بالإنجليزية، ولا أظن أن الأمر كذلك الآن، حيث يوجد المزيد من التنوع.

حتى التوماويون Thomists يشغلون مكانًا هنا وفي أقسام الفلسفة في جميع الجامعات هنا وهناك، وهذا لم يكن يحدث قبل أربعين عامًا. وأعتقد أن هذه علامة إيجابية، حيث بدأت العلوم الإنسانية أخيرًا استعادة مساحاتها من أنصار العلموية.

 

ماذا الذي يمكن فعله أيضًا؟

من الأمور الهامة جدًا هو تعليم ونشر العلوم؛ فإن الأمريكيين لا يفهمون العلوم بشكل عام، يتم تضليلهم بسهولة من قِبل أشخاص يحتكرون الحديث باسم العلم، ويتكلمون بأشياء لا علاقة لها بالعلوم. ولكن تطوير تعليم العلوم ليس من الأمور السهلة، خاصة عندما تؤمن المؤسسة التعليمية بالعلموية.

وعلى أي حال، أظن أن التركيز على التفكير النقدي ودراسة كيفية عمل العلوم سيقطع شوطًا طويلًا نحو إضعاف ادعاءات العلموية، بعكس تدريس العلوم كمجرد مجموعة من المعارف.

وفكر في بعض ما قرأته في ملحق يوم الأحد مثل: “أظهرت دراسة جديدة أن النساء أكثر عرضة من الرجال للقيام بكذا وكذا”، وفي حالة إدراك القرّاء لمفهوم عملية التزوير فقط، فسيحرصون على التفكير في صحة ما يقرؤونه، وتلك ستصبح بداية رائعة لفضح حقيقة العلموية.

اقرأ ايضاً: الكذب بواسطة العلم: دليل الى فضح الخرافة

المصدر
salvomag

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى