عائض بن سعد الدوسري
يعتبر الفيلسوف اليوناني أرسطو علامة فارقة في تاريخ تطور الفكر الفلسفي في اليونان، وأيضًا كان رافدًا رئيسًا في تغيير الفكر الديني داخل الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، على يد الاتجاه الذي يسمى العقلاني: الفلسفي أو الكلامي.
كان مفهوم الإله لدى أرسطو، الذي نشأ في بيئة وثنية تعظم الأصنام وتؤمن بتعدد الآلهة، مفهومًا مغايرًا للإله فيما يسمى بالأديان السماوية، ووجد الاتجاه العقلاني في تلك الأديان ضالته وما يرفع عنه حرج ظواهر النصوص في القراءات الفلسفيَّة المستوحاة من مفهوم أرسطو في الإله. وكان من المتوقع أن يجد التيار الرئيس المؤمن بالنصوص وحقائقها في تلك الأديان مفهوم الإله لدى أرسطو متضادًا مع النص ظاهرًا وحقيقة، وكانوا -كما يقول فيورباخ– عدائين بصورة خاصة تجاه آلهة الفلسفة الوثنيَّة، وعلى وجه الخصوص وقبل كل شيء الإله الخاص بالمدرسة الأرسطوية، التي سلبت عن الإله حقيقة الألوهيَّة والربوبيَّة.
كان يوهان موزهايم (1755م) مؤرخًا وعالماً لاهوتيًّا ألمانيًا، عمل في التدريس الجامعي والكتابة والتأليف في مجال اللاهوت والتاريخ الكنسي بعدة لغات منها اللاتينية والألمانية، وتوفي عن عمر 62 سنة. له نقد مهم لفلسفة أرسطو ومفهوم الإله لديه. جاء نقد يوهان موزهايملمفهوم أرسطو في الإله في سياق عام للرد على الإلحاد، وكأن يوهان موزهايم يرى أن حقيقة مفهوم أرسطو للإله هو مفهوم إلحادي، أو إن شئت قلت تعطيلي حقيقي للإله، بصفاته وعلاقته بالعالم، كما عرفته به نصوص الأديان التي تُسمى سماوية: اليهوديَّة والمسيحيَّة.
ويمكن إجمال نقد يوهان موزهايم لمفهوم إله أرسطو على النحو الآتي:
أولاً: يرى يوهان موزهايم أن إله أرسطو ليس مستحقًا لأي نوع من أنواع العبادة، وذلك لأن هذا الإله لا يمكن اعتباره نافعًا أو ضارًا بالنسبة لمخلوقاته. فإله أرسطو -بحسب يوهانموزهايم– إله عاطل خامل، وكل طاقته ونشاطه يتمثل فحسب في الوجود الأبدي والتأمل أو التخمين.
ثانيًا: يعتقد يوهان موزهايم أنَّ أرسطو يساوي بين إلهه وبين العالم في الوجود وكيفيته، فأرسطو يعتقد أن العالم -الأرض والسماء- يجب أن تكون واجبة الوجود وأبدية مثل الإله، ولهذا اعتبر أن السماء ثابتة لا تتغير مثل إلهه.
ثالثًا: وبما أنَّ هذه الإله ثابت لا يتغير ولا يفعل شيئًا أصلاً، فإنه في حقيقته إله ليس حرًا في إرادته، فهو محكومٌ عليه وليس بحاكم، بل هو كائن مشلول عاجز، وأنه عند التحقيق ليس له وجود حقيقي، بل مجرد فكرة عقلية محضة، موجودة في ذهن أرسطو فقط.
رابعًا: وإذا كان هذا الإله الأرسطي يفتقد إلى الإرادة الحرة، فإنه -بحسب يوهان موزهايم– لا جدوى من التضرع إليه، ففاقد الشيء لا يعطيه.
خامسًا: ومما يؤكد النقطة السابقة، أنه إذا كان العالم قديمًا ويتحرك وفقًا لقانون أبدي ولا يمكن تعديل مساره بأي طريقة، فيقول يوهان موزهايم: “فأنا لا أرى أي مساعدة يمكن أن نتوقعها من هذا الإله”.
سادسًا: ثم يؤكد يوهان موزهايم أن أرسطو في الحقيقة لم يعترف بوجود الإله إلا بالكلام، لكنه في الواقع ألغى وجوده. يقول يوهان موزهايم: “ما حاجتنا إلى إله يعيش فقط لنفسه، وذاته لا تتكون إلا من الفكر فقط! فكيف يمكن للإنسان أن يأمل في الراحة والحماية من مثل هذا الإله؟”.
إن هذا النقد الذي يقدمه يوهان موزهايم،كعالم لاهوت مسيحي، قد قدم مثله من قبل ومن بعد في اليهودية والمسيحية، ولكن النقد الأكثر تعاليًا وصفاءً ومحورية جاء من علماء الإسلام، وكان قيمة النقد وصفائه تبعًا لصفاء النبع الذي يغرف منه ذلك العالم، ومدى قربه من روح النص القرآني والحديث الشريف. لقد كان مفهوم إله أرسطو محل نقد واضح من قبل علماء وفقهاء المسلمين في شكله ومضمونه لمصادمته لروح الدين، ومع ذلك، فإنه في الواقع قد تسرب، بل وسيطر على كثير من تراث الاتجاهات العقليَّة الفلسفيَّة والكلاميَّة في الوسط الإسلامي، فكان مفهوم إله أرسطو شعارًا للتنزيه الإلهي لدى أولئك!
وقد أشار أبو البركات البغدادي، ومن بعده ابن تيميَّة، إلى خلل رئيس في مفهوم الفلاسفة القدماء لمصطلح (الإله)، وأنَّ معناه “إضافي بالقياس إلى من هو إله له”، وأنه يصدق على كثيرين، فالمتعلم يسمي معلمه إلهًا، ومن يقتدي بشخصٍ ما يسميه إلهًا له. ويشير ابن تيميَّةإلى أنَّ هذا المفهوم الفلسفي القديم شرٌّ من مفهوم الإله عند مشركي العرب، لأنهم لم يفهموا الإله بأنه من يقتدى به، بل على معنى التعبد والخضوع له ومحبته، فقد كان المشركون العربيتعبدون لله خوفًا وطمعًا، مع اتخاذهم الوسطاء تقربًا وتزلفًا إلى الله، وليس على ما يفهمه الفلاسفة القدماء من كلمة إله. ومن هنا تفهم لماذا الفلاسفة القدماء، ومن جاء بعدهم من الفلاسفة في الإسلام الذين يحاكونهم، عرَّفوا الفلسفة بأنها: (التشبه بالإله)، فالتأله تشبه وتقليد ومحاكاة يكون بتعلم الفلسفة الإلهية التي هي أشرف العلوم لديهم، ولهذا جعلها ابن سينا العلم الأعلى والأصل، أما العلوم الطبيعية فجعلها العلوم السفلى أو التوابع!
وحقيقة اعتقاد الفلاسفة القدماء في الإله، وخصوصًا أرسطو، كما يشير إلى ذلك ابن تيميَّة، أنه ليس رب للعالمين، ولا خالق للعالم، ولا رب للناس الذي يحبونه ويرجونه ويخشونه، فحقيقة إله أرسطو أنه شيءٌ معطل أو فكرة متخيلة لا اتصال له بالناس، ولا أثر له، ولا يتوجه إليه، وقد وصف بعضهم إله أرسطو بأنه شخص منطو على نفسه قد اعتزل العالم في برجه العاجي!
ولهذا، ينبه ابن تيميَّة إلى مسألة مهمة، تتعلق بنقل المفاهيم حين نقل الكلمات الأجنبية وترجمتها من لغة إلى لغة، وهي أن كلمة (الإله) لها معناها الواضح في القرآن الكريم وفي اللغة العربية، وأنه لما نقلت الكلمة اليونانية إلى اللغة العربية صار في إطلاقها بمعناها المعروف تلبيس. يقول ابن تيميَّة: “ثم لما كان مقصود القوم التشبه به، فهم في الحقيقة لا يعبدونه ولا يستعينونه، فهم خارجون عن دين المرسلين القائلين إياك نعبد وإياك نستعين…ثم من العجب أن القوم يدعون التوحيد، ويبالغون في نفي التشبيه، حتى نفوا الصفات، وهم يدعون أن أحدهم يجعل نفسه شبيها لله…[و]التشبيه الذي أثبتوه شرك صريح في الإلهيَّة التي هي مختصة بالله”.
ويؤكد ابن تيميَّة أن المفاهيم الجليلة المرتبطة بالمفهوم الصحيح للإله، مثل: عبادة الله وحده، ونفي الشرك عنه، والرجاء والمحبة والخوف، لا مكانة لها عند الفلاسفة، بل يؤكد ابن تيميَّة أنَّ الفلاسفة يسوغون الإشراك بالله، ودعوة الكواكب وعبادة الأصنام، بل قدماء الفلاسفة صرحوا بأنه لا تعارض بين التنزيه وعبادة الصنم!
فالرب الذي يعتقد به الفلاسفة القدماء لا يفعل شيئًا بقدرته أو مشيئته، ولا يعلم الكليات عند بعضهم أو الجزئيات عند بعض المتأخرين، ولا يقدر أن يغير شيئًا في العالم. يقول ابن تيميَّةعن أولئك الفلاسفة: “يقولون إن الله لا يعلم دعاءنا، ولا يسمع نداءنا، والله عندهم لا يقدر على تغيير شيء من العالم ولا يفعل بمشيئته”.
وإذا كان يوهان موزهايم يقول إن أرسطو يثبت الإله بمجرد الكلمات لكنه يبطله واقعًا، فإن ابن تيميَّة يبين أنه حتى في تلك الكلمات فإن مفهوم الإله عنده ليس واضحًا ولا كافيًا، يقول ابن تيميَّة: “أرسطو واتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود ولا شيء من الأحكام التي لواجب الوجود، وإنما يذكرون العلة الأولى، ويثبتونه من حيث هو علة غائية للحركة الفلكية، يتحرك الفلك للتشبه به”. ويقول ابن تيميَّة: “ادعوا أنَّ ذلك المعشوق [الذي يسمونه لاحقًا إلهًا] الذي هو العلة الغائية، لا يجوز أن يكون متحركًا ولا له حركة أصلاً، ومن هنا قالوا بقدم العالم إذ كان حدوث المحدثات يقتضي حركة يحدث بها، فمنعوا حدوث الحوادث عن المعشوق الذي سموه المحرك الأول لئلا يكون فيه تغير، وحدوث الحوادث عن علة لا تغير فيها ممتنع بصريح العقل، وكلامهم في ذلك في غاية التناقض، وهذا منتهى نظر القوم وعلمهم وحكمهم”.
إنَّ مفهوم الإله عند أرسطو، وعند أفلاطون قبله، وعند أفلوطين بعده، تسرب إلى الأوساط الدينيَّة الجدليَّة، تحت شغف الدفاع والمناظرة، واكتسب شرفًا تحت عنوان عريض هو (التنزيه)، وكانوا فيه بين مقارب ومباعد، وهو مفهوم ليس شرعيًّا، وإنما مفهوم فلسفي يعطل الإله عن حقيقته التي أوجبها له الشرع.
ولا يكاد يخالف إلا مكابر في أنَّ تلك المفاهيم ليست إسلاميَّة أصيلة، ولا تنطق بروح نصوص الكتاب والسنة، بل هي أجنبية وافدة، ثم بعد التشبع بها زُعِمَ أنها حسنة في العقل، ثم قيل إنها موافقة للشرع ولا تخالفه، ثم جعلت أصلاً يحاكم به الشرع، فكانت هي المحكم وظاهر النص هو المتشابه، ثم انتهى بهم المطاف أن حكموا بكفر من خالفها وتمسك بحقيقة النصوص القرآنيَّة والنبويَّة، وسموهم حشويَّة مجسمة!
يقول سعد الدين التفتازاني: “لما نُقلت الفلسفة إلى العربية وخاض فيها الإسلاميون، حاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة، فخلطوا بالكلام كثيراً من الفلسفة، ليتحققوا مقاصدها فيتمكنوا من إبطالها وهلم جراً إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيات والإلهيات وخاضوا في الرياضيات حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة، لولا اشتماله على السمعيات وهذا كلام المتأخرين”.
ويقول الهروي حفيد التفتازاني: ”اعلم أن تلك المبادئ [=الفلسفية] ليست مخالفة للشرع أو العقل، لكنها مما استخرجها الفلاسفة أولاً، ودونها في علومهم التي بعض مسائلها لا تطابق الشرع، وإن لم يقصدوا المخالفة، ثم تبعهم المتكلمون. ودعوى أن المتكلمين استخرجوها من عند أنفسهم بلا أخذ مكابرة”.
وأخيرًا، يقول الفيلسوف بيير سيلفان ماريشال: “تَمِيلُ الأَفْكَارُ الَّتِي يُكَوِّنُهَا أَرِسْطُو عَنِ الأُلُوهِيَّةِ بصورةٍ غَيْرِ مُبَاشِرةٍ إِلَى الإِطَاحَةِ بِهَا، وَتَدْمِيرِهَا”.



