العلم

كيف يمكن للانضباط الذاتي أن يُضعِف تذكُّرَك

  • تأليف : ديفيد نيلد – David Nield
  • ترجمة : ليلى بنت إبراهيم العصيلي
  • تحرير : نادية بنت خالد بن محمد

إنَّ للجسدِ البشري مواردَ محدودة، ويعكُف الباحثون على محاولةِ استكشاف كيفية اقتسام أعضاء الجسد لهذه الموارد، وكيف يُمكِن أنْ تُستنزَف أو تُعوَّض، وقد توصَّل باحثان مؤخرًا إلى وجود ارتباطٍ بين المناطق المسؤولة عن الانضباط الذاتي في الدماغ، وتلك المسؤولة عن التذكُّر، وبصيغةٍ أخرى يمكن القول: إنَّ تركيز الإنسان على ضبطِ نفسه عن الإقدام على فعلٍ ما يُضعِف تذكُّرَه لما يَحدث حوله في تلك اللحظة!

وقد طلب الباحثان Yu-ChainChiu و Tobias Egner -من جامعة Duke University في الولايات المتحدة- من مجموعةٍ من المتطوِّعين تذكُّر سلسلة من صور الوجوه التي عُرِضَت عليهم، مع إجراء اختبار ضبط الاستجابة لمجموعة منهم دون الأخرى في أثناء التجربة، وقد توصَّلوا إلى أنَّ محاولةَ التركيز في اختبار ضبط الاستجابة كان لها أثرٌ سلبي في تذكُّر الوجوه التي شاهدها المتطوِّعون، ثم أُعيدَت التجربة ذاتها مع مجموعةٍ أخرى مجددًا بمساعدة جهاز مراقبة لعمل الدماغ هذه المرة.

اكتشف الباحثان مع إعادة التجربة باستخدام الجهاز أنَّ هناك منطقةً محدَّدَة في الدماغ تُدعَى ventrolateral prefrontal cortex تقع في الفص الجبهي الأمامي، كانت تنشط دوريًّا في أثناء اختبار ضبط الاستجابة، وتنبَّأ الباحثان من خلالِ مراقبتِها بمستوى تذكُّر المتطوِّع لاحقًا، وتوصَّلا إلى أنَّ الانضباطَ الذاتي والذاكرة يتنافسان على ذات الموارد في الدماغ، ممَّا يُمكِن معه القول: إنَّ التركيز على كبح الاستجابة تجاه المثيرات قد يُضعِف التذكُّر.

وقد خَلُصَ الباحثان في بحثهما المنشور في مجلة علم الأعصاب The Journal of Neuroscience إلى أنَّ “حاجةُ الإنسان لكبحِ نفسِه عند رؤية مثيرٍ ما تَصرِفُ انتباهَ الدماغ عن تخزينِ المعلومات من حوله؛ وبالتالي تُضعِف مساحة الذاكرة لصالح التركيز على الإشارات التي ينبغي أنْ ينتبه ويستجيب لها” وأضافا أيضًا أنَّ “هذه النتائج تُسلِّط الضوء على العلاقة بين عملية ضبط الاستجابة للمثيرات، والمجال المعرفي للإدراك والانتباه والذاكرة”.

واستخدم الباحثان في هذه التجربة اختبار ضبط انتباه تقليدي وهو ما يُدعَى بـ Go/No-Go task؛ إذ تُعرَض على المستجيب صورٌ متوالية ويُطلَب منه ضغط زرٍ معيَّن عند مشاهدة صور بصفة معيَّنة، مما يتطلَّب منه تركيزًا وانتباهًا وضبطًا لنفسه كي لا يضغط الزر عند ظهور صورة لا تحمل هذه الصفة، وفي هذه التجربة عُرِضَت سلسلة من وجوه الرجال والنساء بترتيبٍ عشوائي وطُلِبَ من المتطوِّعين ضغطُ الزر حين تظهر صور الرجال فقط، ويَقتضي الأمر بأنَّ من ينجحوا في الامتناع عن ضغط الزر عند ظهور صورة امرأة يكون انضباطهم الذاتي أعلى (أو كبح استجابتهم كما يُسمِّيه علماء الأعصاب) ولم يُخبَر المتطوِّعون بأنهم سيُختبَرون لاحقًا في مدى قدرتهم على تذكُّر تلك الوجوه.

وقد أظهرت أجهزة مراقبة الدماغ أنَّ كبح الاستجابة عند ظهور الصور غير المطلوبة ولَّد أنماطَ نشاطٍ مركَّبة في الجدار الأمامي للفص الأيمن للدماغ، وهذه المناطق التي أُشغِلَت بالتركيز كان نشاطها يُنبِّئ الباحثين بضَعْفِ تذكُّر أولئك المتطوِّعين لتلك الوجوه لاحقًا، وهذا ما حصل فعلًا!

ويُقِرُّ الباحثان أنَّ نظريتهما ليست مؤكَّدة حاليًا لكنها جديرة بالتأمُّل، خاصةً لو أَثبتت دراساتٌ لاحِقَة هذه العلاقة، وهذا يَبعث الأمل لإمكانية علاج من يعانون من مشكلاتٍ صحية تتعلَّق بالانضباط مثل قصورِ الانتباه وفَرْطِ الحركة، أو بعض أنواع الإدمان.

ومن التطبيقات الحياتية -التي طرحها الباحثان لهذه النظرية- الموقفُ الذي يضطرُّ فيه سائق السيارة لكبحِ رغبته في المضيّ قُدُمًا في طريقٍ ما بسبب اعتراضِ سيارةٍ أخرى لطريقه فجأة؛ فإنَّ تركيزَه على الانضباط في تلك اللحظة ربما يُفقِدُه القدرة على تذكُّرِ تفاصيل تلك السيارة لاحقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى