الفلسفة

هل عاد الإمام الغزالي عن علم الكلام وذمّه؟

معتصم الهقاص

مقدمة

لقد اضطربت الأقوال وتشاكست حول موقف الإمام أبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥) من علم الكلام. فهناك من يقول إنه تراجع عنه وذمّه، وهناك من يقول إنه بقي عليه ومدحه. فأردت لهذه المقالة أن تكون كاشفةً عن رأي الإمام الغزالي من علم الكلام، والتي ادّعي فيها أن رأيه كان واحدًا، وبقي ثابتًا، منذ أوائل كتبه، حتى لقي الله سبحانه. وهذا الرأي هو القبول للكلام، لا الذم، وأنه كالدواء، يأخذه من يحتاج إليه.

إنني في هذه المقالة لا أعِدُ بأن آتي بشيء لم أُسبق إليه، أو أن أقول قولا فات الأوائل، أو أن أكشف أمرًا خفي عن الباحثين. ولكني قرأت كتاب الشيخ سعيد فودة موقف الإمام الغزالي من علم الكلام، فرأيت أنّ ما فيه يكاد يتطابق مع ما أعتقده، فاستفدت من الكتاب فائدة كبيرة، ولا أظن الكلام الذي ستقرأه سيخرج عما في ذلك الكتاب. ولأن لي نفسًا لا تشبع وتطلب المزيد، فقد عمدتُ إلى المظان الأصلية، كتب الإمام الأساسية، فنظرت بها ونقلت منها نصوصا تشهد بصحة ما ذهبت إليه. ثم دعتني نفسي لتحرير هذه المقالة، لأني رأيتُ أن الحديث عن الغزالي لا يزال يتجدد، قديمًا وفي لحظتنا الراهنة، في الشرق وفي الغرب، وأن رأيه في الكلام والفلسفة من الأمور التي تحتاج إلى مزيد إبانة وتجلية. والطريقة التي اتّبعتها في هذه المقالة هي أني تتبعتُ رأي الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، خاصّة في كتاب العلم وفي كتاب قواعد العقائد، وهما كتابان مهمان تحدث فيهما كثيرا عن علم الكلام. وأفردت الجزء الثاني من المقالة عن رأيه في علم الكلام من كتبه الأخرى. ووضعت قاعدة أزعم أن من أحاط بها فإنها تسهل له التعاطي مع تراث الإمام الغزالي وفهمه. ثم، وضعت بعض النقود والايرادات التي قد تنقدحُ في نفس القارىء، ويُظن أنها تعارض، أو تعود على النتيجة التي وصلت إليها بالبطلان. وقد ناقشت بعض هذه النقود ودفعتها. وأنت تعلم أن من بين النقود الكثيرة التي تلاحق الغزالي هي تهمة أنه خاض في بحر الفلسفة، خوضًا عميقًا وبعيدًا، فلما أراد أن يعود منه، لم يقدر. وعليه، فإنه قد تأثر في طريقة المتفلسفة، ولا ريب أن هذا التأثر قد امتدتّ إلى علم الكلام، فرأي الغزالي في الكلام، إذن، مبني على رأي الفلاسفة. وهذا الرأي يحتاج إلى مراجعة ونظر، وهو ما سنناقشه في آخر المقالة. والله تعالى من وراء القصد، الحمد له، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

(١)

الغزالي والكلام: نظرات في إحياء علوم الدين.

إن الدعوى التي أدافع عنها في هذه المقالة هي أن الإمام الغزالي لم يغير رأيه في علم الكلام. بل كان رأيه واحدًا ثابتًا مستقرًا منذ أوائل كتبه، كالاقتصاد في الاعتقاد، وحتى أواخر كتبه، مثل إلجام العوام عن علم الكلام وإحياء علوم الدين، وهما الكتابان اللذان كتبهما بعد عودته من رحلته الروحيّة. وهذا الرأي هو أن علم الكلام علم مفيد، ودواء نافع، ولكن بقيود سيأتي بيانها. وهو من فروض الكفايات، ولا يجب أن يخلو مصر من أمصار المسلمين من متكلم فطِن، يقمع البدعة ويدفع الشبهة، ويحافظ على عقيدة العوام لئلا تتزعزع. ولكنّ علم الكلام غير كاف في نفسه، ولا يحقق المقصود وحده. وأن المتكلم إذا ضمّ إلى الكلام كدحًا حقيقيًا إلي الله تعالى، وإخلاصًا في طلب مرضاته، فهو الإمام المتبوع، والتقيّ المُسدّد، والعالِم المُؤيّد. وأزعم، أن الغزالي عبّر عن هذا الرأي الثابت في الكلام في عبارات شتى، وأساليب مختلفة، فأنت تراه يرسل قلمه أحيانا معبرًا عما نفسه فيطيل ويسهب، وأحيانا أخرى يمسك زمام قلمه فيقتصد ويختصر. وهذا الأسلوب المتغيّر، هو الذي حمل بعض الدرّاس للغزالي على التردد، فلم يعرفوا حقيقة رأيه، وهو الذي صيّر آخرين إلى القول بالجزم بأن الإمام عاد عن الكلام، وذمّه، ونهى عنه. والواقع، أن رأيه في الكلام واحد لم يتخلّف، وثابت لم يتغير، وفيما نستقبل من الحديث استقراء لكتبه المهمة، وفيها إن شاء الله تأييدا لما ادّعيتهُ.

وأول ما يجب أن نلفت النظر إليه هو قوله بأن الأصل، إذا لم تقم بدعة صارفة للناس عن دينهم، عدم الخوض في الكلام. فإن لعامّة المسلمين غنية بالقرآن عن سواه من العلوم. أما إذا فشت البدعة وعمت بها البلوى، فالواجب حراسة العقيدة ودفع البدعة، يقول في كتاب العلم وهو الكتاب الأول من كتب إحياء علوم الدين:

“فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي يُنتفعُ بها.. فالقرآن والأخبار مشتملانِ عليه، وما خرج عنهما.. فهو إما مجادلة مذمومة، وهي من البدع كما سيأتي بيانه، وإما مشاغبةُ بالتعلّق بمناقضات الفرِق لها، وتطويلُ بنقل المقالات التي أكثرها ترهاتُ وهذياناتُ تزدريها الطباع، وتمجّها الأسماع. وبعضها خوضُ فيما لا يتعلق بالدين ولم يكن شيءُ منه مألوفًا في العصر الأول، وكان الخوض فيه بالكلية من البدع، ولكن تغير الآن حكمُهُ، إذ حدثت البدعُ الصارفةُ عن مقتضى القرآن والسنّة، ونبغت جماعة لفقوا لها شُبها، وربتوا فيها كلاما مؤلفا، فصار ذلك المحذورُ بحكم الضرورةِ مأذونًا فيه، بل صار من فروض الكفايات، وهو القدر الذي يُقابلُ به المبتدعُ إذا قصد الدعوة إلى البدعة، وذلك إلى حدٍ محدود سأذكره في الباب الذي يلي هذا[1].

حديث الغزالي عن علم الكلام وأنه صار من فروض الكفايات في كلامه هذا الذي قرأت ليس بحاجة إلى مزيد بسط وتوضيح. ولكن، يطرقُ الغزالي رحمه الله تعالى في هذا النقل أمرين مهمين: الأول، كما ترى، قيّد على من يروم طلب الكلام، أن يكون ناهضًا في وجه البدعة، صارفًا إياها عن قلوب عوام المسلمين، دافعًا للشبه لئلا تتمكّن من صدور المؤمنين. الأمر الثاني، ولعله أكثر أهمية لأنه أكثر التباسًا، هو قوله أنه لم يكن شيئا من علم الكلام معروفا مألوفا في الصدر الأول. وإذا تقدمنا في الإحياء قليلا إلى كتاب قواعد العقائد، نجد أن الغزالي يبسط الحديث في هذه المسألة، ويجيب عنها، وخلاصة الجواب أنه لم يكن هناك حاجة ماسة للكلام في عصر الصحابة رضي الله عنهم، يقول:

“فإن قلت: مهما اعترفت بالحاجة إليه [علم الكلام] في دفع المبتدعة والآن قد ثارت البِدع، وعمّت البلوى، وأرهقت الحاجة، فلا بد أن يصير القيام بهذا العلم من فروض الكفايات، كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق كالقضاء والولاية وغيرهما، وما لم يشتغل العلماء بنشر ذلك والتدريس فيه والبحث عنه لا يدوم، ولو تُرك بالكليّة لاندرس وليس في مجرد الطباع كفاية لحلّ شُبَه المبتدعة ما لم يُتعلم، فينبغي أن يكون التدريس فيه والبحث عنه أيضا من فروض الكفايات بخلاف زمن الصحابة رضي الله عنهم فإن الحاجة ما كانت ماسّة إليه. فاعلم أن الحق أنه لا بد في كل بلدٍ من قائم بهذا العلم مستقل يدفع شُبَه المبتدعة التي ثارت في تلك البلدة، وذلك يدوم بالتعليم، ولكن ليس من الصواب تدريسه على العموم كتدريس الفقه والتفسير، فإن هذا مثل الدواء والفقهُ مثل الغذاء.” [2]إذن، لم تكن ثمة حاجة ماسة لعلم الكلام في زمن الصحابة رضي الله عنهم، ليس ثمة حاجة لإدامة النظر، والتفتيش عن البراهين، وتوليف الحجج والمقدمات اليقينية التي يلزم عنها نتائج يقينية. وذلك ببركة وجود النبيّ الخاتم بينهم، صلى الله عليه وسلم.  فتعيّن حيئذ أن الكلام علم دفاعيّ، يقوم بوجه البدعة ويخمد نارها ويذهب بخطرها، ومالم تقع بدعة فالكفاية بالقرآن الكريم، وأن يتعاطاه العلماء دون عامة المسلمين، يقول الغزالي:

“فإذا، الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسةً لقلوب العوام عن تخييلات المبتدعة، وإنما حدث ذلك بحدوث البدعِ، كما حدثت حاجة الإنسان إلى استئجار البذرقة [الحراس] في طريق الحج بحدوث ظلم العرب وقطعهم الطريق، ولو ترك العرب عدوانهم.. لم يكن استئجار الحراس من شروط طريق الحج، فكذلك لو ترك المبتدع هذيانه.. لم افتقر إلى الزيادة على ما عُهِد في عصر الصحابة رضي الله عنهم[3]” فالكلامُ، إذن، محمود ليس مذموم، مفيد ليس ضار، وهو بمثابة الحراسة للعقيدة والحماية لها، وعلمُ هذه وظيفته لا يُتصور أن يُذمّ.

******

إننا لا نستريب في أن الغزالي رحمه الله يرى أفضلية علوم الآخرة، علم المكاشفة، على علم الكلام.، فهذا ظاهر عند أدنى نظر وتأمل.  ذلك أن علوم الآخرة، والتي تتضمن معرفة الباري سبحانه وأفعاله وصفاته، هي مرادة لذاتها لا لغيرها، فهي إذن أعلى في الرتبة وأفضل في الدرجة. غير أن هذا الرأي -وهنا زلّت كثير من الأقدام- لا يعني نفيًا للكلام، ولا يعني ذمّا وتقليلا من شأنه وأهميته. ولا يملّ الإمام رحمه الله من تكرار أن الفقيه إذا بقي حبيسا لقانون الحلال والحرام ولم يشتغل بإعمار باطنه وإصلاحه وتحليته فهذا من الانقياد للهوى وليس له من مرضاة الله حظ ولا نصيب. والمتكلم إذا حُجِب بصنعته هذه، وبقي محصورًا في توليف البراهين وصناعة الجدل دون أن تتلبّسه حالة من الخشوع لله والخضوع له فهذا هو الخسران المبين. فالواجب عنده هو صناعة الجدل وقمع البدع وحراسة العقيدة إذا احتيج إلى ذلك مع الترقّي في أعمال القلوب، والتدرّج في مدارج الكمال الربّاني والكدح في مرضاته سبحانه، وقل نفس الأمر عن الفقيه أيضا. يقول في كتاب العلم:

“فليعلم المتكلّم حدّه من الدين، وأنّ موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج، فإذا تجرّد الحارس للحراسة.. لم يكن من جملة الحاجّ، والمتكلّم إن تجرّد للمناظرة والمدافعة ولم يسلك طريق الآخرة، ولم يشتغل بتعهّد القلب وصلاحه.. لم يكن من جملة علماء الدين أصلا، إذ ليس عند المتكلّم من الدين إلا العقيدة التي يشاركه سائر العوامّ فيها، وهي من جملة أعمال ظاهر القلب واللسان، وإنّما تميّز عن العاميّ بصنعة المجادلة والحراسة، فأمّا معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة.. فلا يحصل من علم الكلام، بل يكادُ يكون الكلام حجابًا ومانعًا منه، وإنّما الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه مقدمةً للهداية، حيث قال تعالي: (والذين جاهدوا فينا لنهديّنّهم سُبُلنا). فإن قلتَ: فقد رددتَ حدّ المتكلّم إلى حراسة عقيدة العوامّ عن تشويش المبتدعة، كما أن حدّ البذرقة حراسة أقمشة الحجيج عن نهبِ العرب، ورددتَ حدّ الفقيه إلى حفظ القانون الذي به يكفُّ السلطان شرّ بعض أهل العدوان عن بعض، وهاتان رتبتان نازلتان بالإضافة إلى علم الدين، وعلماء الأمّة المشهورون بالفضل هم الفقهاء والمتكلّمون، وهم أفضل الخلق عند الله تعالى، فكيف تنزل درجاتهم إلى هذه المنزلة السافلة بالإضافة إلى علم الدين؟ فاعلم: أنّ من عرف الحقّ بالرجال.. حارَ في متاهات الضلال، فاعرف الحقّ.. تعرف أهله إن كنت سالكًا طريق الحق. وإن قنِعتَ بالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل بين الناس.. فلا تغفُل عن الصحابة وعلوّ منصبهم، فقد أجمع الذين عرّضت بذكرهم على تقدُّمهم، وأنّهم لا يُدرك في الدين شأوهم، ولا يُشكّ غبارهم، ولم يكن تقدّمهم بالكلام والفقه، بل بعلم الآخرة وسلوك طريقها. وما فضل أبو بكر رضي الله عنه الناس بكثرة صلاة، ولا بكثرة صيام، ولا بكثرة رواية وفتوى وكلام، ولكن بشيءٍ وقرَ في صدره كما شهِدَ له سيّدُ البشر صلوات الله عليه. فليكن حرصُك في طلب ذلك السرّ، فهو الجوهر النّفيس والدرُّ المكنون، ودعْ عنك ما تطابق أكثر النّاس على تفخيمه وتعظيمه لأسبابٍ ودواعٍ يطول تفصيلها، فلقد قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آلافٍ من الصحابة رضي الله عنهم كلهم علماءُ لله، أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن فيهم أحدٌ يحسِنُ صنعة الكلام، ولم يُنصِّب نفسه للفتوى منهم أحدٌ، إلا بضعة عشر رجلا.”[4]

يؤكد في حديثه هذا رحمه الله أن الأصل هو السير إلى الله تعالى، وأن العلم هو العلم بالله تبارك وتعالى وصفاته، وأن الكلام قد يكون مانعا عن هذا السير، وقاصرًا عن تلك الغاية، إذا انشغل به وحده. وانتبه، نقول إذا انشغل به وحده، وهذا يعني أن الكلام لا غنى عنه في مواجهة البدع وحماية الدين، ولكنه ليس كاف لوحده كما تقدم.

******

وتتمة لرأيه حول علم الكلام، ذكر الغزالي في كتاب العلم أن هناك ألفاظا بُدّلت، وتبدلت على إثر ذلك معانيها ودلالاتها. ومن جملة هذه الألفاظ التي بُدّلت: الفقه والعلم والحكمة والذكر والتذكير ومنها علم الكلام، الذي كان اسمه التوحيد. يقول:

“وكان التوحيد جوهرًا نفسيًا، وله قشرانِ، أحدهما أبعدُ عن اللبِّ من الآخر، فخصّص الناسُ الاسم بالقشر وبصنعة الحراسةِ للقشرِ، وأهملوا اللبّ بالكلية:

فالقشرُ الأول: أن تقول بلسانك: (لا إله إلا الله)، وهذا يسمى توحيدًا مناقضًا للتثليث الذي يصرّح به النصارى، ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سرّه جهرهُ.

والقشر الثاني: ألا يكون في القلب مخالفة وإنكارُ لمفهوم هذا القول، بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاد ذلك والتصديق به، وهو توحيد عوام الخلق، والمتكلمون – كما سبق حرّاس هذا القشرِ عن تشويش المبتدعة.

والثالث وهو اللباب: أن يرى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع التفاتهُ عن الوسائطِ، وأن يعبده عبادةً يفرده بها فلا يعبد غيره[5]

  ما يريد الغزالي قوله، هو أن ما اشتمل عليه القرآن العظيم كان معلوما للكل، وكافيا للكل. ثم طرأ هذا التبديل على الألفاظ الذي سبقت الإشارة إليه، وصار اسم التوحيد علم الكلام. فصار همّ هذا العلم تأليف الإلزامات وتكثير الأسئلة. فالغزالي هنا يفرق بين علمين مختلفين. التوحيد، وهو الذي عرفه الصحابة وعامة المسلمين، وهو من مقامات الصّدّيقين التي يُكدح إليها ويجاهد الإنسان من أجله. ومن ثمرات هذا التوحيد، كما يقول الإمام الغزالي، قطع التفات القلب إلى ما سوى الله سبحانه وتعالى، والتوكل على الحيّ الذي لا يموت، الذي بيده مقاليد كل شيء، وهذا جوهر التوحيد. وأما العلم الآخر، فهو علمُ آل إليه هذا التوحيد الذي تقدم بيان بعض ثمراته، وهو علم الكلام، وهو حراسة لذلك الجوهر (التوحيد). إذ التوحيد هو الأصل والأساس، بينما الكلام هو الحارس له والمنافح عنه. لأن الكلام يشمل معرفة طرق الحجاج، وإفحام الخصوم المبتدعين والإطاحة بهم وحماية الناس منهم، وتوليف البراهين الداحضة لأقوال المخالفين. ومن هنا، نخلص إلى أن قول الغزالي هذا داخل في عموم رأيه، وهو، أن علم الكلام علم مفيد، يؤخذ منه على قدر الحاجة، ويحجب عنه من لا حاجة له به، ولا دراية له عن أصوله، وهذا قوله الذي عرفنا أنه ملتزم به منذ البداية.

*********

قاعدة 

وأبيّن ههنا قاعدة قد التزم بها الإمام الغزالي أحسَبُ أن في الإحاطة بها غنية عن تتبع أقواله الكثيرة في كتبه عن علم الكلام والمبثوثة في تصانيفه. وهي أن الغزالي، إذا استقرأت أقواله وآراءه، تراه مشغولا بأمرين. الأول: أن هناك قدرا من العلم صحيحا صالحا هو الحقّ، والواجب التزامه، ثم أضاف العلماء من عندهم أشياء أخرى هي من دقيق العلم على جوهر هذا العلم، أو أن المبتدعة فرّعوا عن هذا الأصل الصحيح فروعا خبيثة فاسدة، موضوعة ومكذوبة. لقد أبان الغزالي دائما عن همّه في حفظ هذا الأصل الصافي دون الفروع المشوّشة، وصون جوهر هذا العلم دون انشعاب طرقهِ وتفاصيله. وهذا الأصل الصافي والجوهر النافع الذي لم يخدشه الوضع، أو يبدّله التحريف، محمود دائما، أما ما زاد عليه فهو ردُّ. الأمر الثاني الذي تراه شاغلا للغزالي هو: حفظ عوامّ المسلمين من تفريعات هذه العلوم التي لا طائل من روائها، وإبعادهم عن هذه التحريفات التي لا أصل لها. وأضع بين يديك هذا النصّ الذي يبين رؤية الإمام الغزالي لعوام المسلمين، وهذا النصّ ينشر ما تقدم لفّه من الكلام، وكان الغزالي في معرض الحديث عن ما ينبغي على المرشد المعلّم فعله مع طلابه:

“وبهذا يُعلَم: أنّ من تقيّد من العوامّ بقيدِ الشرع، ورسخَت في نفسِهِ العقائدُ المأثورةُ عن السلف من غير تشبيهٍ ومن غير تأويل، وحَسُن مع ذلك سيرتُهُ، ولم يحتمل عقلُهُ أكثرَ من ذلك.. فلا ينبغي أن يشوّشَ عليه اعتقاده، بل ينبغي أن يخلّى وحرفتَهُ، فإنّه لو ذُكِرَ له تأويلاتُ الظواهر.. انحلّ عنه قيدُ العوامّ ولم يتيسّر قيدُهُ بقيدِ الخواصّ، فيرتفعُ السدُّ الذي بينه وبين المعاصي، وينقلبُ شيطانًا مريدًا يهلكُ نفسه وغيره. بل لا ينبغي أن يُخاض بالعوامّ في حقائق العلومِ الدقيقة، بل يقتصرُ معهم على تعليم العبادات، وتعليم الأمانة في الصناعة التي هو بصددها، ويملأُ قلوبهم من الرغبة والرهبة بالجنّة والنار كما نطقَ به القرآن، ولا يحرّك عليهم شُبهةً، فإنّه ربما تعلّقت الشُبهة بقلبه ويعسُرُ عليه حلُّها، فيشقى ويهلك. وبالجملة: لا ينبغي أن يُفتح للعوامّ باب البحث، فإنه يُعطّل عليهم صناعاتهم التي بها قوامُ الخلق، ودوامُ عيش الخواص.”[6]

 ثم لا تظنّن أن هذه القاعدة عند الغزالي جارية على علم الكلام فقط، بل امتدّت إلى شتى المعارف الأخرى. فعلى سبيل المثال، يفرق الغزالي بين التذكير المشروع والنصح المحمود، وبين القَصّ والقصّاصين. فالوعظ والتذكير عنده محمود بلا قيد، وهو الأصل الصافي والجوهر المفيد، وما زال الناس يتعاطون القَصص القرآني الذي يذكر بأحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، ويسمعونه في المساجد وفي نواديهم، وهذا كله مطلوب عند الغزالي وهو الأصل. حتى خرج على الناس من يزيد على هذه القَصص المحمودة قدرا من الخيال والشّطح، ويزخرف قوله بالمباهاة، ويزينه بالسجع، وهذا كله لاستمالة القلوب، وتطلبا للجاه عند الناس، والرغبة في منادمة السلاطين وأصحاب الشوكة، وهذا كله مما يجب أن يُردّ ويُترك، ويُعزل عنه عامّة المسلمين، لأنه ضار على دينهم، وينسيهم الأصل والغاية من القصص وهو الحفز على العمل للآخرة والتذكير بلقاء الله سبحانه.

ولم يكتفي الغزالي بتبيين انحراف التذكير المحمود إلى القصص المنحرفة المتضمنة للشطح والطوام والتخليط. بل أكثر من هذا، ذكر انحراف الشِّعر وتغير غايته، من شعر الحكمة إلى أشعار المجون والخلاعة. وشعر الحكمة هو الأصل وما فضُل عليه ردُّ، والواجب حماية كافة المسلمين منه. ثم ذكر الحكمة وأنها محمودة أبدًا، وأنها توفيق من الله سبحانه وأن من يؤتاها فقد أوتي خيرا عظيما وفضلا كبيرا، غير أن هناك من دخل فيها وليس منها، فصار يتسمى بها الطبيب والمنجّم والساحر. والحكمة الأصل الذي يجب أن نأرز إليه ونحتفي به، ومن تسمّى بها وهو دخيل عليها وعلى أهلها نرد ما جاء به ونحمي المسلمين منه. وقل نفس الأمر فيمن طلب المناظرة والمجادلة في المسائل الفقهية أو العقديّة، فهي تفريع على ما كان عليه الصحابة من التشاور والمناصحة، وهذا هو الأصل وهو محمود، لأنهم يتشاورن لله، ويتواصون بالحق. أما هذه المناظرة فهي لعلل وأسباب أخرى مثل الغلبة والظهور على الخصم، فهي عند الإمام مذمومة إلا بشروط كثيرة ذكرها. وهكذا هي طريقة الإمام الغزالي، وعلم الكلام ليس بدعا من هذه القاعدة، بل هو أكبر خرزة منظومة في حلقة هذه القاعدة المطردة عند الإمام.

هذا الذي بيناه حتى الآن، من أن الغزالي يقرّ بفائدة علم الكلام ولم يتراجع عنه كما يقول بعض الدارسين له، وأنه مثل الدواء يأخذه من يحتاج إليه، وأن غايته حماية المعتقد وحراسة الدين ودفع الشبه عن قلوب العامة. هذا التقرير هو ما حام حوله الغزالي في جميع كتبه، وهو ما توخينا إثباته. ففي إحياء علوم الدين، ذكر الغزالي القدر الذي به تُحصّل العلوم، فقال إن منه -أي هذا القدر- ما يكون مختصرا، ومنه ما يكون اقتصادا، ومنه ما يكون استقصاءً. وليس غريبا أنه عندما ذكر الكلام قال إن هذا العلم ينال بالقدر المختصر منه، أو قدر الاقتصاد فيه وهو ما أورده في كتابه المعروف الاقتصاد في الاعقتاد. وأن ما أورده في الاقتصاد كاف لمعارضة المبتدع ونزع بذور بدعته من قلب (العامي) الذي هو شغله وهمّه كما تقدم. يقول:

“وأما الكلامُ: فمقصوده حماية المعتقداتِ التي نقلها أهل السنة من السلف الصالح لا غير، وما وراء ذلك طلبُ لكشفِ حقائق الأمور من غير طريقه. ومقصودُ حفظ السنة تحصُلُ رتبةُ الاقتصار منه بمعتقد مختصر، وهو القدر الذي أوردناه في كتاب قواعد العقائد من جملة هذه الكتب [كتب إحياء علوم الدين]، والاقتصاد فيه ما يبلغ قدرَ مئة ورقة، وهو الذي أوردناه في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد، ويُحتاجُ إليه لمناظرة مبتدع ومعارضة بدعتهِ بما يفسدُها وينزعها عن قلب العاميّ، وذلك لا ينفع إلا مع العوامّ قبل اشتداد تعصبهم[7].

الخلاصة:

في الجزء السابق من هذا المقال، تتبعنا رأي الإمام الغزالي في علم الكلام من خلال النظر في أهم كتبه، وهو كتاب العلم من كتب إحياء علوم الدين. ومعلوم أن الإحياء من أواخر ما كتب هذا الإمام. وخلصنا إلى أن الغزالي يرى فائدة للكلام، على الضد مما يقوله بعض من درسوا حياة الغزالي من أنه ذمّه وعاد عنه. وفائدته في حراسة العقيدة وحماية عقائد العوام، والرد على الشبه وزعزعتها، وأن الكلام مثل الدواء، يصلح لبعض الناس دون بعض، والقرآن الكريم مثل الغذاء، يصلح للكل. وعلى الرغم من هذه الفوائد البيّنة لعلم الكلام، فإنه لا يقبل عليه إلا من احتاج إليه، فيأخذ منه على قدر حاجته، مالم يكن عالما متفننا من العلوم فله أن يخوض بحر هذا العلم فيؤدي فيه فرض الكفاية عن بقية العلماء في الرد على البدع وحماية العقائد.

(٢)

استقراء رأي الإمام الغزالي في علم الكلام من كتبه الأخرى

هذا الجزء من المقالة سيكون عبارة عن نظراتٍ متفرقة في كتب الغزالي تثبت ما ذهبنا إليه. وكما سبق وأشرنا إلى أمر يتميز به الإمام الغزالي، وهو أنه يثبت ما يريد في أساليب مختلفة، فتارة يوضح أهمية هذا العلم، وطورا يبيّن ثمرته المفيدة، ومرة ثالثة يجلّي عن نسبة هذا العلم إلى باقي العلوم، وهكذا.

جرت عادة الغزالي على أن يضع مقدمة منطقيّة بين يدي بعض كتبه، فعل هذا، مثلا، في كتابه مقاصد الفلاسفة والمستصفى من أصول الفقه. وكتب في بعض مقدمات مصنّفاته الأخرى عن مراتب العلوم، وبيان أهميتها، ونسبة بعضها إلى بعض، وهو ما فعله مثلا في إحياء علوم الدين وفي المستصفى. ونحن نريد أن نستخلص رأيه في الكلام عبر ما كتبه في مراتب العلوم، فهذه هي غايتنا. يقول في المستصفى:

“اعلم أن العلوم تنقسم إلى عقلية كالطب والحساب والهندسة، وليس ذلك من غرضنا. وإلى دينية كالكلام، والفقه وأصوله، وعلم الحديث، وعلم التفسير، وعلم الباطن، أعني علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة، وكل واحد من العقلية والدينية ينقسم إلى كليّة وجزئية، فالعلم الكلي من العلوم الدينية هو الكلام، وسائر العلوم من الفقه وأصوله والحديث والتفسير علوم جزئية، لأن المفسر لا ينظر إلى في معنى الكتاب خاصّة، والمحدّث لا ينظر إلا في طريق ثبوت الحديث خاصّة، والفقيه لا ينظر إلا في أحكام أفعال المكلفين خاصّة، والأصوليّ لا ينظر إلا في أدلة الأحكام الشرعية خاصّة. والمتكلم هو الذي ينظر في أعم الأشياء وهو الموجود. فيقسم الموجود أولا إلى قديم وحادث، ثم يقسم المحدث إلى جوهر وعرض[8]

المستصفى من آخر ما كتب الغزالي، وهو كما رأيت، يجعل علم الكلام أصل العلوم الدينية كلها، وهذا هو المعقول. فإن المحدّث إذا حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو قيل له: كيف علمت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فعلى الأرجح أن المحدّث سينقطع ولن يحرِ جوابا، ولن يذكر له دليل المعجزة، بل ليس هذا من شأنه، وسيتكفّل المتكلم بهذه كلّه. وقد سبقت الإشارة في هذه المقالة إلى أن الكلام، في أصله، علم دفاعيّ، يحمي العقيدة من تشويش أهل الإلحاد والمبتدعة، ولنا في هذا الذي يسأل عن صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم مثال. وقل ذات الأمر عن الأصولي، فإنه يستنبط الأحكام الشرعيّة من القرآن العظيم والسنة المطهرة، فلو أن أحدًا من الناس قال له: لا أسلم لك حتى تثبت لي ابتداءً صحّة القرآن الكريم وثبوت السنّة، فإن الأصولي لن يجيب عليه، وسيجيب عليه المتكلم. وحال المفسّر لكتاب الله تعالى كحال الأصوليّ والمحدّث. هذا هو حاصل قول الإمام الغزالي. ولهذا السبب، جعل الكلام رأس العلوم الدينية، ومن خلاله تثبت العقائد الكبرى مثل الوحدانيّة والربوبيّة وإرسال الأنبياء، ثم من هذا الأساس إلى باقي الفروع الأخرى. وإذا تقرر عندك هذا، وعلمتَ أن هذه هي غاية علم الكلام، وتلك مهمّته، فلا يُتصوّر أن أحدًا من أهل الملّة يذمّه أو يهجر متعاطيه أو يقلل من فائدته، فضلا عن أن يكون إماما مثل الغزالي. ولهذا تراه يقول متمما كلامه الذي سبق:

“فهذا ما يحويه علم الكلام، فقد عرفت من هذا أنه يبتدأ نظره في أعمّ الأشياء أولا وهو الموجود، ثم ينزل بالتدريج إلى التفصيل الذي ذكرناه، فيثبت فيه مبادئ سائر العلوم الدينية، من الكتاب والسنة، صدق الرسول [صلى الله عليه وسلم]”[9]

ثم يكمل حتى يقول:

“فإذا الكلامُ هو المتكفّل بإثبات مبادئ العلوم الدينية كلها، فهي جزئية بالإضافة إلى الكلام، فالكلامُ هو العلم الأعلى بالرتبة، إذ منه النزول إلى هذه الجزئيات.”[10]

أحسب أنه قد ثبت لك الآن أن الغزالي يرى فائدة الكلام وأنه أساس العلوم الدينية. فكيف نجمع رأيه هذا إلى ذمّه الكلام في حق العوام؟

نقول: لقد حاول الغزالي إلجام العوام عن علم الكلام، ولم يحاول إلجام العلماء الذين قد تشتدّ الحاجة إليهم في الرد على الزنادقة والميتدعة. وليس العلماء كالعوام. فهؤلاء مُحتاج إليهم في التصدي للبدعة والذود عن حياض الدين، ولا خوف عليهم من دقيق مسائل الكلام أن تفتنهم. أما عامة المسلمين، فإن دقيق مسائل الكلام تضر بهم ولا تنفهم وتشوش عليهم صفاء عقيدتهم. وليس في هذا ذمُّ للكلام من حيث هو علم، ولكن العامي يحجر عنه إذا لم يكن محتاجا إليه، كالدواء لا يأخذه إلا من كان مريضا محتاجا.

********

كتاب جواهر القرآن للغزالي من الكتب المتأخرة زمانيّا، كتبه بعد الإحياء. وقد أجرى فيه عادته المشهورة من تصنيف مراتب العلوم. وقد صنّف العلوم فيه على صنفين: علوم الصدف والقشور، ومنها علم النحو والتجويد وغيرها. والصنف الثاني هي علوم اللّباب. ثم أن علوم اللُّباب هذه تنشعب إلى طبقتين (طبقة عليا وطبقة سفلى).

والطبقة السفلى من علوم اللُّباب حسب تصنيف الغزالي (ويسمّيها أيضا العلوم التوابع المتِمّة) تحتوي على:

١-معرفة قصص القرآن الكريم، وأحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

٢- علم يُستعان به على الجدال ومجادلة الكفار والجاحدين.

٣- علم يتولاه الفقهاء ويتعلق بحفظ الأموال والنساء وغيره.

والذي يهمّنا في مقامنا هذا هو الصنف الثاني من الطبقة السفلي من علوم اللُّباب، وهو ما يُستعان به على الجدال والمجادلة، والذي يقول عنه الغزالي:

“والقسم الثاني: هو محاجّة الكفّار ومجادلتهم، ومنه يتشعّبُ علم الكلام المقصود لردّ الضلالات والبدع، وإزالة الشبهات، ويتكفل به المتكلمون، وهذا العلم قد شرحناه على طبقتين، سمّينا الطبقة القريبة منها الرسالة القُدُسيّة، والطبقة التي فوقها الاقتصاد في الاعتقاد. ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوامّ عن تشويش المبتدعة، ولا يكون هذا العلم مليًّا بكشف الحقائق، وبجنسه يتعلّق الكتاب الذي صنفناه في تهافت الفلاسفة، والذي أوردناه في الرد على الباطنيّة في الكتاب الملقّب الُمستظهري، وفي كتاب حجّة الحق وقواسم الباطنية. وكتاب مُفصّل الخلاف في أصول الدين. ولهذا العلم آلة يُعرف بها طريق المجادلة بل طرق المحاجّة بالبرهان الحقيقي، وقد أودعناه كتاب محكّ النظر وكتاب معيارُ العلم على وجهٍ لا يُلفى مثله على الفقهاء والمتكلمين، ولا يثق بحقيقة الحُجّة والشبهة من لم يُحط به علما[11].”

في هذا النصّ بيان لما ذكرته في صدر هذه المقالة، من أن الغزالي يعبّر عن رأيه في علم الكلام بأساليب متنوعة. فتارة يجعله من علوم اللُّباب المساندة التي لا غنى عنها، وفي موطن آخر يجعله رأس العلوم الدينية وسائر العلوم جزئية بالإضافة إليه. الغزالي إذن يضع الكلام في رتبة سفلى من علوم اللُّباب. أما الطبقة العليا من علوم اللُّباب فهي علم السير إلى الباري جلّ وعزّ سبحانه، والعلم بالله واليوم الآخر، وتزكية النفس وتطهيرها، وتحلية النفس بالفضائل وتخليتها عن الرذائل، وكل العلوم ممهدة لهذه الغاية الكبرى. ويعود الغزالي في جواهر القرآن ليؤكد أن الحاجة إلي الفقيه أكبر، ولكنه الحاجة إلى المتكلم أشدّ.

“ودرجة الفقيه والمتكلم متقاربة، لكنّ الحاجة إلى الفقيه أعمّ، وإلى المتكلم أشدّ وأشدّ، ويُحتاج إلى كليهما لمصالح الدنيا، أما الفقيه فلحفظ أحكام الاختصاصات بالمآكل والمناكح، وأما المتكلم فلدفع ضرر المبتدعة بالمحاجّة والمجادلة، كيلا يستطيرَ شررهم ولا يعُمّ ضررهم. أما نسبتهم إلى الطريق [طريق السير إلى الله تعالى] والمقصِد [الفوز بالآخرة] فنسبة الفقهاء كنسبة عمّار الرباطاتِ والمصالح في طريق مكّة إلى الحجّ، ونسبة المتكلمين كنسبة بذرقة طريق الحجّ وحارسه إلى الحجاج، فهؤلاء إن أضافوا إلى صناعتهم سلوك الطريق إلى الله تعالى بقطع عقبات النفس، والنزوع عن الدنيا، والإقبال على الله تعالى، ففضلهم على غيرهم كفضل الشمس على القمر، وإن اقتصروا فدرجة نازلة جدا[12]

الخلاصة:

هذه نظرات سريعة في كتب أخرى للإمام الغزالي رأينا فيها أن رأيه ثابت لم يتغير. وهذا الرأي هو أن الكلام مفيد لما احتاج إليه، فهو كالدواء. وأنه من علوم اللُّباب التي ينبغي أخذها بقوة، لا علوم القشور التي يمكن للإنسان أن يتركها. وأن هذا العلم هو رأس العلوم الدينية وأساسها كما علمتَ، من حيث أنه نظر في الموجود أولا، ثم ينحدر نحو الفروع الأخرى وهي العلوم، كالأصول، والتفسير وغيره. وأن المتكلم إذا جمع إلى علمه هذا سيرًا وكدحًا إلي الله عزّ وجلّ فهو الموفق الذي فضله كفضل الشمس على القمر. وأن علم الكلام علم دفاعيّ، يقطع ألسنة المبتدعة الحِداد، ويحمي العقيدة من شبهات الزنادقة. إذا استقرّ عندك هذا، ستعلم أن الغزالي يتقرب إلى الله تعالى بتقرير مسائل هذا العلم ويحض عليه، للمحتاج، ولا يمكن لعاقل أن يقول إن الغزالي تاب عن الكلام وعاد عنه وذمّه. بل إن الغزالي منع عوام المسلمين من النظر الذي قد يضر ولا ينفع. أما العامي الذي تمكنت الشبهة منه واحتاج إلى النظر فلا بد له من نظر في البراهين القطعية التي تثمر اليقين، حتى يسكن فؤاده ويعبد الله على بصيرة، وليس هذا هو الأصل.

بل إننا نقول إنه لا يجب النظر ابتداءً على الرجل العامي، وإيمانه صحيح بإذن الله تعالى. وذاك لأن معرفة الله سبحانه وتعالى مركوزة بالفطر السليمة. ولكن الفطرة السليمة قد يغشاها ما يغشاها من الصوارف، فتنحرف عن مقتضى الجبلة الأولى وفطرة الله التي فطر الناس عليها، فتظهر القبيح حسنًا والحسن قبيحًا. فالأصل في الإنسان أنه مفطور على معرفة ربه سبحانه وتعالى، ولكن قد تجتاله الشياطين فينقض عهد الفطرة والربوبية. يقول الله تعالى في الحديث القدسي “إنّي خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين[13]“. فمن اجتالته الشياطين صار بحكم المريض، ولا بد للمريض من دواء، والدواء هو النظر. وأزعم أن هذا ما استقرّ عليه رأي أهل السنّة والجماعة أهل الأثر، يقول الشيخ العثيمين رحمه الله:

“فالحاصل: أن النظرَ لا يحتاج إليه الإنسان إلا عند الضرورة، كالدواء، فإذا ضعُف إيمانه أو رأى من نفسه ضعفًا فلينظر، وإلا فمعرفة الله مركوزه في الفطر[14]

النقود التي قد ترد:

سأعرض الآن رأيا سمعته من أحد شيوخي الفضلاء الذين أحبهم وأحترمهم، وأعتزّ أني أخذت عنهم الأدب قبل العلم، وما زلت طالبا عندهم. وحاصل قول شيخنا حفظه الله ونفع به، هو أن أبا حامد، رحمه الله، عندما قال إن الواجب حجر عامة المسلمين عن النظر، وأن لهم في النظر الإجمالي غُنية وكفاية، وأن النظر التفصيلي إنما يكون للعلماء أو لمن يحتاج إليه، يقول شيخنا، أن هذا الرأي قاله الغزالي جريا على طريقة المتفلسفة، واتباعًا لطريقتهم ومنهاجهم. ودعوى المتفلسفة الباطلة هي الزعم بأن الأنبياء يمسكون عن ذكر بعض المسائل مراعاة لمصلحة الجماهير، زاعمين أن عامة الخلق لا يطيقون الإقبال على هذه المسائل، ولا يحسنون الغوص على دقائقها، واستدل شيخنا بكلام ابن العربي، تلميذ الإمام الغزالي، بقوله “شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر”. وهذا الكلام، القول بأن أبا حامد جرى بقوله هذا على طريقة المتفلسفة، جدّ خطير، ويلزم عنه القول بعقيدين، واحدة لعامة الناس وأخرى لخاصتهم، والغزالي برئ من هذا كله.

والذي نقوله إن الغزالي لم يجر في قوله هذا الذي تقدم على طريقة الفلاسفة، بل هو على الضد منها، وذلك لعدة أسباب. منها، أنه ردّ عليهم في كتابه الذائع الصيت تهافت الفلاسفة، وقد أكفرهم، كما هو شائع ومعلوم، في مسائل ثلاث مشهورة. بل أكثر من ذلك، كتب الغزالي قبل التهافت كتابا ممهّدًا للتهافت، وهو كتاب مقاصد الفلاسفة، جمع فيه أقوال الفلاسفة وحققها، ثم عاد عليها بالتفنيد والدحض. فلنا أن نسأل ونقول: إن رجلًا أقام من نفسه سدًّا منيعا للدين لئلا تعبث به تخيلات الفلاسفة وأقوالهم، أتراه بعد هذا يتمثّل طريقتهم؟ وما الذي يحمله على الردّ عليهم وبيان تهافتهم إن كان يمشي على طريقتهم ويتبع نهجهم؟ إن الغزالي نفسه يخبرنا في كتابه التهافت، بعدما بيّن عقائد الفلاسفة، ثمّ كرّ عليها بالإبطال، أن:

“هذه المسائل الثلاث [قولهم أن العالم قديم، وأن علم الباري سبحانه لا يحيط بالجزئيات، وإنكارهم لحشر الأجساد] لا تلائم الإسلام بوجه، ومعتقدها معتقد كذب الأنبياء. وإنهم ذكروا ما ذكروه على سبيل المصلحة تمثيلًا لجماهير الخلق وتفهيمًا، وهذا هو الكفر الصراح الذي لم يعتقده أحد من فرق المسلمين[15]

ارجع البصر إلى هذا النصّ الذي قرأت الآن، ترى الغزالي يثرب أشدّ التثريب على الفلاسفة، ويتنكّب صراطهم ويهجر طريقهم، ثم هو بعد ذلك يكفّرهم، فكيف نقول بعد هذا أن الغزالي يجري على طريقتهم؟

إذا تقرر عندك هذا المعنى، من أن أبا حامد برئ من طريقة المتفلسفة، لزم منه بطلان نسبة القول بعقيدين إليه، ظاهرة وباطنة، واحدة للخاصة وأخرى للعامة (هذا لم يقله شيخنا ولم أسمعه منه ولكنه لازم عن القول الأول). والرد عليه من وجهين. الأول: غاية ما يقرره الغزالي هو أن كلاهما ـ العوام والعلماء- ينظر في عقيدة واحد، ولكن هذا النظر يكون على مراتب، فإن ما يناسب عوام المسلمين هو الإجمال دون التفصيل، وأن أدلة القرآن الكريم كافية لهم، وما يناسب العلماء والنظّار هو التفصيل دون الإجمال. الأمر الثاني: هو أن الغزالي نفسه قد كفانا مؤونة البحث والتقصّي عن حقيقة رأيه، فقال بصورة لا تبقي في نفوسنا بقيّة من شكّ أو تردد، أن من قال بأن هناك ظاهرًا يخالف الباطن، أو أن هناك باطنًا للشريعة يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب، يقول: “فمن قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان[16]” وهذا قول بيّن لا يحتاج إلى مزيد إبانة.

أمر ثالث مهم يدفع هذا القول، وهو، لو سلمنا بأن الغزالي يخاطب العامة بخطاب يختلف عن خطاب الخاصة، فلماذا يؤكد على مسألة تنزيه الله تعالى غاية التنزيه، مع أنه قد يفضي بعوام الخلق إلى التعطيل أو حتى إنكار الصانع؟ أعني، عامة الناس لا يطيقون فهم أن الله تعالى ليس مركبا من جسم، ولا يجري عليه الزمان، وليس في مكان، بل هو خالقهما سبحانه، وليس داخل العالم ولا خارجه. ومع ذلك هو يردد هذا الكلام في كل كتبه، فلماذا يداريهم في علم الكلام ولم يداريهم في التنزيه لله تعالى الذي قد يكون أخطر في حق العامة؟ لأن العقيدة واحدة ومهمة، ويكفي عامة المسلمين القول بالتنزيه دون الذهاب أبعد من ذلك، ولم يعمّي عليهم لمصلحتهم، كما هي طريقة المتفلسفة.

 والحمدالله في الأولى والآخرة، والصلاة والسلام على نبينا محمد في الأولين وفي الآخرين.

[1] كتاب العلم، إحياء علوم الدين، كتاب العلم، صفحة ٨٧، دار المنهاج، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى ٢٠٢١.

[2]  إحياء علوم الدين، كتاب قواعد العقائد، دار المنهاج، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى ٢٠٢١.

[3] كتاب العلم، إحياء علوم الدين، كتاب العلم، صفحة ٨٨، دار المنهاج، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى ٢٠٢١.

[4] كتاب العلم، إحياء علوم الدين، كتاب العلم، صفحة ٩٠-٩١، دار المنهاج، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى ٢٠٢١.

[5] [5] كتاب العلم، إحياء علوم الدين، كتاب العلم، صفحة ١٢٩، دار المنهاج، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى ٢٠٢١.

[6] كتاب العلم، إحياء علوم الدين، كتاب العلم، صفحة ٢١٧-٢١٨، دار المنهاج، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى ٢٠٢١.

[7] كتاب العلم، إحياء علوم الدين، كتاب العلم، صفحة ١٥٣، دار المنهاج، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى ٢٠٢١.

[8] المستصفى من علم الأصول، الغزالي، دار الكتب العلمية، ت محمد عبد السلام، ١٩٩٣هـ.

[9] نفس المصدر.

[10] نفس المصدر

[11] جواهر القرآن، الغزالي، دار إحياء العلوم، بيروت، ط ٢، ١٩٨٦

[12] نفس المصدر.

[13] أخرجه مسلم

[14] شرح العقيدة السفارينية، محمد العثيمين، صفحة ١٦١، من إصدارات مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، طبعة ١٤٤١هـ

[15] تهافت الفلاسفة، الغزالي، دار المعارف، مصر، ط٤، ت سليمان دنيا، ١٩٦٦.

[16] إحياء علوم الدين، كتاب قواعد العقائد، دار المنهاج، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى ٢٠٢١.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى