تقارير ودراسات

كيف مُنِع الإيغور من إيصال معاناتهم للعالم

  • تأليف : سي جي ويرليمان – CJ Werleman
  • ترجمة : سمية بنت محمد يسري
  • تحرير : خلود بنت عبدالعزيز الحبيب

الكثير من مسلمي الإيغور لا يتحدثون علناً عن الاضطهاد والمعاناة التي تمارسه ضدهم الحكومة الصينية؛ وذلك إما خوفاً من تداعيات تصرف كهذا، أو لأنهم تعرضوا لعملية تغيير للأفكار عبر الإعلام وما شابهه جعلتهم يعزفون عن انتقاد الحكومة الصينية.

تحدث إليّ “أرابات إركين” وهو أحد اللاجئين من شعب الإيغور في أمريكا قائلاً: “منذ شهرين باشَرت كلاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بعض التحقيقات في منطقة (زينجانج)، وقد اختاروا مدينتي لهذه التحقيقات، وسمعتُ أنهم أفرجوا عن العديد من الناس؛ لأنهم -الحكومة الصينية- يريدون إخفاء ما يمارسونه ضد شعب الإيغور. ومن المحتمل أن تكون والدتي ضمن الذين أفرجوا عنهم، ولكني لا أستطيع التأكد من صحة خبر كهذا لأني لا أريد أن أخاطر بمحاولة التواصل معها لأنهم -السلطات الصينية- سوف يعتقلونها ويعذبونها كما حدث سابقاً وربما على نحو أسوأ”.

لم يتواصل إركين مع أيٍ من والديه منذ شنت الصين حملتها الوحشية على منطقة زينجانج عام 2016، كل ما يعلمه أنه تم سجنهما في ما أصبح بعد ذلك شبكة معسكرات اعتقال للمسلمين في المقاطعة الشمالية الغربية من منطقة زينجيانج.

وقال إركين “عندما بدأت الحملة كنت أدرس في أمريكا، قلَّ تواصلي معهما شيئاً فشيئاً، وعندما فقدتُ الاتصال بهم بالكلية توقعت مباشرةً أنهم خائفون بشدة من التواصل معي، حيث إن التواصل مع شخص خارج المنطقة يشكِّل مشكلة كبيرة للإيغور”. وأكمل قائلاً “علمتُ في شهر أغسطس من العام الماضي عن طريق بعض الأقارب الذين هربوا إلى كازاخستان أن والدتي قد اقتيدت إلى معسكر اعتقال في نهاية عام 2017” .

وصل إركين إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر عام 2015 بتأشيرة دراسة، ثم نجح بعد ذلك في أن يحصل على حق اللجوء بناءً على ما وصفه كثيرون بأنه إبادة عرقية في زينجيانج، مع إعلان البنتاجون الشهر الماضي أن عدد الإيغور المعتقلين في المعسكرات قد ارتفع من مليون إلى ثلاثة ملايين شخص خلال العام الماضي.

وكما هو الحال مع معظم الإبادات العرقية الشنيعة التي حدثت مؤخراً، فإن الصين تستهدف أيضاً الأكاديميين، الصحفيين، والنخبة الذين يضمهم التعداد السكاني للإيغور والذي يبلغ 12 مليون نسمة. من بين هؤلاء، كان والد إركين ويدعى إركين تورسون، صحفي شهير حاصل على جوائز ومنتِج يعمل لصالح منصة إعلامية حكومية، و الذي صدر بحقه حكم بالسجن أحد عشر عاماً.

ووفقاً لما ذكرته لجنة حماية الصحفيين، فإنه تم إعتقال تورسون بعد ما أنتج برنامجاً تلفزيونياً اسمه “العالم جميل ومليء بالحب والاهتمام” وثَّق فيه المعاناة المادية لثلاثة طلاب من الإيغور.

تستخدم الصين شبكتها من معسكرات الاعتقال لاعتقال المسلمين من الطبقة المتوسطة والدنيا في مجتمع الإيغور، ولكنها تعطي أحكاماً بالسجن لأولئك الذين ينتمون إلى الطبقة العليا كأصحاب النفوذ والتأثير والتعليم العالي، أو بالأحرى أولئك الذين يمكنهم تزعُّم ثورة ضد الحكومة.

يجدر التنويه هنا على أن التقارير الموثوقة -أحدها ينقل كلاماً على لسان أحد المسؤولين في الشرطة – تشير إلى أن الصين تستخدم نظام السجون الواسع لديها في تفرقة الإيغور في جميع أنحاء البلاد، في محاولةٍ لإخفاء أعداد المعتقلين في المعسكرات عن أعين المجتمع الدولي.

سؤال يطرحه الكثيرون بشأن معسكرات الاعتقال لمسلمي الصين: لماذا لا يهتمّ العالم بهذا الأمر؟

إن الإجابة على هذا السؤال لها العديد من الجوانب والأسباب.

السبب الأول: سيطرة الحزب الشيوعي الصيني على جميع صور وأشكال الإعلام الاجتماعي الرقمي والمطبوع. من وجهة نظر الصين، فإن هذه السيطرة تعوق وتمنع باقي العالم من رؤية الصور الشنيعة التي قد تصدم المجتمع الدولي وتُلجئه لأخذ أي خطوة.

السبب الثاني: قدرة الصين على إبراز قوتها الاقتصادية من خلال القوى الناعمة، جعلها تشتري صمت وموافقة الحكومات الأجنبية التي لديها معاملات تجارية معها.

السبب الثالث: تهدد الصين اعتمادًا على جهازها الأمني الضخم والمتوسع اللاجئين الإيغور، باعتقال أو إيذاء أسرهم إن هم تحدثوا علناً عن الانتهاكات التي ترتكبها الصين لحقوق الإنسان.

عندما تحدثت إلى أرسلان هدايات -زوج ابنة الممثل الكوميدي الإيغوري أديل ميجيت المعتقل والمعروف عالمياً- أخبرني بأن الكثير من الإيغور يخافون من التفوُّه بأي شيء فيه انتقاد للحكومة حتى في تجمعاتهم، بما في ذلك أولئك الذين يعيش هو بصحبتهم من المغتربين الإيغور في اسطنبول بتركيا وذلك خوفاً من أن يبلِغ عنهم المخبرون فيتم إيذاء أقاربهم في زينجيانج، التخوف الذي عبّر عنه إركين أيضاً.

أوضح لي إركين أيضاً أن السبب وراء “الخوف الشديد” الذي يمنع المغتربين واللاجئين الإيغور من الحديث علناً عن أحبابهم المعتقلين والمفقودين ليس فقط خوف “الانتقام” من قبل الحكومة الصينية، ولكنه أيضاً نتاجٌ للتعرض لعملية غسيل مخ وتغيير للمعتقدات باشرتها الحكومة ودامت لسنين؛ فلم يعد يعنيهم مقدار بشاعة الجريمة حتى ولو كانت ضد شعبهم.

إن الأدلة على الاضطهاد البربري لمسلمي الإيغور لا يمكن إنكارها أو تكذيبها، فهي لا تتضمن فقط عشرات آلاف من الشهادات المتشابهة والتي يعضد بعضها بعضاً، ولكنها أيضاً تتضمن صوراً التقطتها الأقمار الصناعية أثناء التحقيقات الميدانية مما يؤكد صدق الإيغور.

ونقلت السي إن إن عن أحد أولئك الذين اعتقلوا سابقاً والذي كان يعمل مدرساً تصريحا حيث قال “كذبت الصين على المجتمع الدولي عندما قالت إن هذه ليست معسكرات اعتقال ولا سجون، بل هي لتعليم المسلمين بعض المهارات والمهن. هذا ليس صحيحاً بالمرة لأني رأيتُ كل شيء بعينيّ”.

وكما يظهر، وبكل أسى فإنه يبدو أن العالم كله ينتظر مشاهدة الجرائم التي ترتكب ضد المسلمين في الصين بعينيه، قبل أن نرى نوع الإدانة العالمية التي قد تضغط على الصين للتوقف عن ممارساتها.

اقرأ ايضًا: وثائق جديدة عن علاقة “هواوي” بتقنيات المراقبة الصينية


سي جي ويرليمان (كاتب صحفي في صحيفة ميدل ايست آي، وناشط ضد الإسلاموفوبيا)

المصدر
trtworld

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى