الفلسفة

طريقة ترتيبك لأرفف كتبك تُخبِر الكثير عنك

ليزلي كيندال داي

ترجمة: نيرة ياسر

تحرير: شريف نور الدين

“تعقيد القلب البشري يُمكِن أن يعكسه ترتيب الشخص لكتبه”.

   أَحَبَّ والدي الكتب أكثر من أيّ شيء آخر في العالم، وامتلك نحو أحد عشر ألف كتاب وقت وفاته في مارس ٢٠٢١ عن عمر يناهز ٨٣ عامًا، كانت هناك كتب في غرفة معيشته، وفي غرفة نومه، وفي الردهات وفي الخزائن، وفي المطبخ كذلك.

   في بعض الأحيان أتوقف في وسط منزلي كطائر شُدَّ انتباهه أثناء التحليق، مشدوهًة بالكتب المتراصَّة على الجدران.

   أنا أعيش في شقة صغيرة بـ (مانهاتن)، ومثل والدي، لدي كتب في غرفة المعيشة، وفي غرفة النوم، وفي الردهة، وفي الخزائن. عادة ما أحدق بها بسبب حيرتي بجغرافيتها، وأتساءل عما إذا كنتُ قد رصصتُ أحدها في المكان الخطأ؟ وذلك وفقًا لخريطة وجدانية صممتُها لأرفف كتبي، وبينما أحدق بالعناوين، تظهر الروابط بينها:

  ـ “مذاكرت تينيسي وليامز – Memoirs” بجوار سيرة عن (پاترك دينيس) تُدعَى “Uncle Mame”؛ وذلك لاشتراك كل من (وليامز) و(دينيس) في العديد من الأمور، مثل: الرثاء، وأبوين يتسمان بالقسوة، وشخصيتين نسائيّتين مذهلتين.

  ـ و”قاموس اللغة اليديشية العامية والتعبيرات الاصطلاحية – A Dictionary of Yiddish Slang & Idioms” بجوار “حرقة قلب – Heartburn”؛ فعلى الرغم من كون (نورا إيفرون) علمانية، ينبع فكرها من أعماقها اليهودية.

  ـ و”سيد الخواتم – The Lord of the Rings” بين كلٍ من “مرارًا وتكرارًا – Time and Again” و”طفل روزماري -Rosemary’s Baby”؛ لأنني أحب الطريقة التي يشَّكِلون بها ثلاثية من القصص الخيالية التي ليس بينها رابط مشترك عدا رأيي الشخصي في أن الأفلام الثلاثة هي الفضلى من نوعها. سيجادل الكثير بأن “طفل روزماري” رواية رعب لا خيال؛ ولا تخلو هذه المعلومات من شك يسري إليها.

   وهنالك رف فوق مكتبي، وإذا تحرينا الدقة الكاملة فلا يمكن القول: إِنّه المكان الذي أحتفظ فيه بكتبي المفضلة، هنالك منطق خفي يكمن في الترتيب؛ كتب (كالڤن تريلين) في كتابه “About Alice”، أن زوجته كانت تمتلك مظروفًا كبيرًا كُتبَ عليه “أغراض هامة” والذي جمعت فيه خطابات كتبها الأطفال لها، وسجلات بإنجازاتهم وأشياء أخرى مماثلة، بدت وكأنها تعرف بالفطرة ما ينتمي إلى ذلك المظروف. وكذلك الحال مع الرف الذي فوق مكتبي، هنا الكتب التي تُعبِّر عن جزء من إحساسي؛ أحلام يقظتي المراهقة، والعوالم التي حلمتُ بها لنفسي ذات مرة.

  ـ كتاب “العروس الأميرة – The Princess Bride” بالأعلى هناك، قرأته في يوم واحد عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، “هذا هو كتابي المفضل في العالم بأسره، رغم أنّي لم أقرأه قط”، من ذا الذي يقدر على تركه مع سطر افتتاحي كهذا!

  ـ على الرف أيضًا “الدليل الميداني للطيور في نيويورك – Birds of New York Field Guide” حيث اعتدت تَخَيُّلَ أن رضيعي سيصبح يومًا ما عضوًا في “جمعية أودوبون الوطنية”.

  ـ وبجواره كتاب “Tiffany’s Table Manners for Teenagers”، هدية قديمة من والدتي تُجسِّد معاييرها الرفيعة في الذوق وأدب السلوك.

   وكتبي عن الكتابة في وسط الرف؛ لأن الكتابة هي ما أقوم به في مكتبي، ووجودهم يخفف من شعوري بالخوف في أن أكون وحيدة مع لوحة مفاتيحي، ومن بينهم كتاب “On Writing” لـِ (خورخي لويس بورخيس). ومع ذلك، فهذا الكتاب ليس هناك بسبب تعلقه بالكتابة، ولكن بسبب والدي.

   أَحَبَّ والدي (بورخيس)، أتذكر قراءته بصوتٍ عالٍ لفقرة عبَّر فيها (بورخيس) عن إعجابه بمادية اللغة الإنجليزية، حيث قال: “إن للإنجليزية طرائق لوصف الحركات عبر الفراغ أشد وأوضح تعبيرًا من تلك الموجودة في لغته الأم، الإسبانية.”، قرأ والدي الفقرة بعناية حسية، بالطريقة نفسها التي يستمتع فيها إنسان نهِم بصحن من البازلاء الطازجة “M.F.K. Fisher, An Alphabet for Gourmets”، أو  بالطريقة التي يستخدم فيها (جيمس بيرد) وتيرة سريعة وتوقيتًا دقيقًا للوصول للقوام الأمثل للبيض المخفوق “James Beard, Beard on Food”. متعة والدي بكلمات (بورخيس) انتشرت بخفة على وجهه، وظهرت في ابتسامة بسطت شفتيه وجعلت عينيه تبرقان، وعندما كان يقرأ بصوت عالٍ، كنتَ تعلم في نفسك أنّك تتلقى نوعًا من التعليم الشفهي.

   أحَبَّ والدي ـ بصورة خاصة ـ قصة (بورخيس) القصيرة: “مكتبة بابل – The Library of Babel” والتي تدور حول مكتبة هي كون في ذاتها، ممتلئة بكتب يبدو من عناوينها أنّها مرتبة بشكل عشوائي، وتُوجَد ضمن كل مجموعة، كل تركيبة ممكنة من ٢٥ حرفًا (٢٢ حرفًا، والنقطة، والفاصلة، والمسافة) بجميع تقليباتها، وبالتالي فالمكتبة تضم كل كتاب تمت كتابته، وكل كتاب كان من الممكن كتابته، وهذا يقطع أمل راوي القصة ويُيَئسُه؛ فبرغم احتواء المكتبة على جميع كنوز العقل البشري، من المستحيل فعليًا العثور عليهم، ـ وقد أَحَبَّ والدي، خريج معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، الرياضيات بقدر حبه للكتب، وهنا افترقت وجهاتنا ـ، وعندما بدأ وصفه لـ “مكتبة بابل”، شرد ذهني ولكنّي لم أدع ذلك يظهرعليّ؛ لأنّه كان يمكن بسهولة أن يفسد فرحته.

   وفضلًا عن ذلك، فقد أوصل ما هو مهم: حبَّه للقصة، والتي استولت عليّ بعد وفاته كالتعويذة السحرية.

   أستخدم حاليًا “مكتبة بابل” كمجاز عن طبيعة مكتبتي؛ فكتبي غير مرتبة أبجديًا، أو في الأعم الأغلب ليست مرتبة حسب النوع، فالظاهر أن الترتيب قد تم بشكل عشوائي تمامًا، إلا إِنْ كنتَ تعلم التصور الذي على أساسه تم الترتيب، فالكتب متراصَّة جنبًا إلى جنب؛ للترابط بينها على أساس نوع من الصلة أو الشعور المشترك الذي -حسب اعتقادي- يربطهم معًا:

  ـ “الأمير الصغير – The Little Prince” موضوعة إلى جوار “Act One” لـ(موس هارت)؛ فحسب رأيي، أظهر (هارت) و(أنطوان دو سانت إكزوبيري) في أعمالهما نقاء قلب وعلانية تعبير متشابهين. “الأمير الصغير” قصة خرافية فرنسية تدور أحداثها بصورة رئيسية في الصحراء الكبرى، و”Act One” عبارة عن مذاكرت عن رحلة طفل يهودي فقير إلى “برودواي Broadway”، ولكن بالنسبة إلي، فالاثنان يدوران حول الموضوع ذاته: البحث عن ما هو مهم في الحياة، والبعد كل ما لا أهمية له.

   يدهشني أن تعقيد القلب البشري يُمكِن أن يعكسه ترتيب الشخص لكتبه، فبداخل هذا العالم الورقي، أجد البصيرة بداخل الشك، والهدوء بداخل العاصفة. الهمهمة الهادئة لمئات من الكتب التي تتهامس مع جيرانها. والتي يكشف فتحها عن فقرات نفيسة سُطرَت برفقٍ بالقلم، وملمس المجلدات المغلفة بورق “مايلار” يذكرني كم هي قَيِّمَة، وليست فقط الكتب نفسها، بل أيضًا الأفكار التي تتضمنها، والذكريات التي تستحضرها: صورة والدي في مكتبه، وطريقة إلقائه ونبرة صوته وهو يبعث في كل حرف الحياة ويبرز أهمية كل حبكة، في مثل هذه الأشياء، رأيت فهرس البطاقات لمكتبة قلبه اللامتناهية، وخريطة روحه، مرسومًا بوضوح تام في تضاريس كتبه.

المصدر
www.theatlantic.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى