الفلسفة

النبض الواحد

غيداء العويِّد

لطالما تفكرت في البيوتات والأمكنة والزوايا التي كانت موضعًا لخلق الكتابات الأدبية، فحين أنغمس في قراءاتي لأديب عظيم أجدني _تلقائيًا_ أتخيل أريكته وسريره وطاولته ومكتبه وأوراقه، وأتمنى الاقتراب من حياته ومعايشتها.

تحققت هذه الأمنية قبل أيام حين وقعت بالمصادفة على برنامج وثائقي تلفزيوني استضافني في بيت أديب ومفكر لبناني عبقري فريد، وُلِد قبل أكثر من 130 عامًا، كان هذا البيت الذي شهد على آخر عشرين سنة من حياته التي قاربت القرن، فتحتُ عينيَّ عن آخرهما أحدق في المأوى الذي اختاره الأديب الملقب ب (ناسك الشخروب) حين قرع أبواب الثمانين، فهجر صومعته في مسقط رأسه _قرية بسكنتا_ وسكن في بيروت مضطرًا؛ لأن جسده النحيل لم يعد يقوى على احتمال قسوة الأجواء الباردة في الجبال!

أدرك كم كان مبلغ صعوبة هذا الأمر على راهب الطبيعة، عاشق النباتات وصديق العصافير، الذي طالما أبهرني بسعة اطلاعه ووصفه الدقيق للكائنات من حوله، حتى خُيّل إليّ ذات مرة أنه ليس إلا عالم نباتات، أما حين توغل في وصفه لنوع نادر من الطيور كدت أقسم أنه حتمًا عالم طيور!

انتقل إذن الأديب ميخائيل نعيمة إلى العاصمة ليكمل بقية عمره هناك، فيعيش مع ابنة أخيه مي وابنتها الصغيرة سهى التي احتضنها وكان بمثابة الأب الروحي لها، بعد أن تخلى عنها أبوها الحقيقي، فتربت في بيته وتشرَّبت من نبع فكره وعطفه وحنانه، حتى أنها كانت تناديه: جدو! وحين حاولت يومًا تقليده وكتابة قصيدة تتوسل فيها للخالق بأن يحفظه لها قبَّلها قائلًا: يا روحات جدك.

اليوم لم يبقَ من أهل هذا البيت سوى سهى التي صارت وحيدة في هذا العالم، تُعايش طيفيْ أمها وجدها الساكنيْن في أعماقها، وتشعر بروحيهما ترفرفان بين غرف البيت وزواياه! تشارك سهى في البرنامج الوثائقي فأتأمل مليًا تعابيرها وأوصافها الخاصة فتقول: إنها وأمها وجدها يشكلون الكلمة الواحدة، والنبض الواحد لهذا البيت، وفي مقطع لاحق تقول: (هذا البيت هو الرحم الأوسع الذي ننطلق منه للحياة الأضيق في الخارج) ومن ضمن ما ذكرَته أيضًا من تعاريف للبيت: (هو كشكول غريب عجيب من الذكريات الكثيرة)

أما حين سُئِلت عن الذكريات والقصص مع جدها الراحل والتي مازالت مطبوعة بعقلها ووجدانها، سردت لنا جوابًا طويلًا، ومن ضمن ما سردته أن أمها كانت كل ليلة قبل النوم تجلس على طرف السرير وتغني لها بصوتها الدافئ من قصائد نعيمة، من ديوانه: (همس الجفون) تحديدًا قصيدة: (ترنيمة الرياح) فتردد على رأسها:

هلِّلي هلِّلي يا رياح

وانسجي حول نومي وشاح

 فتتخيل الصغيرة أن الريح تنسج حول البيت وشاحًا! ثم يبدأ النعاس بمداعبة أجفانها فيأتي هنا دور جدها ميشا _كما يطلقون عليه_ فيحكي لها قصة: (سانجا مانجا) وهي شخصية اخترعها لتمرير أفكاره التربوية عبرها، لكني أرى أن سهى اختزلت معاني الحكاية كلها في أربع كلمات اختتمت بها البرنامج الوثائقي وهي تبتلع دموعها وتغالب غصة الفراق قائلة: هو هويتي مع أمي!

   رفضت سهى تغيير أي شيء في البيت، فأثاثه هو الأثاث الأصلي الذي اشتراه نعيمة من نتاج فكره وروحه، حتى طلاء جدار غرفة الجلوس الذي تقشر وسقط، امتنعت عن إعادة طلائه؛ كيلا تفقد شيء من نَفَسه بحسب ما ادعت! فكل قطعة في البيت تتمحور حوله، وتُذكرها به، وكل غرض تحتضنه الحوائط له معنى ورمزية عالية، ستائر غرفتها أيضًا لم تستبدلها بغيرها رغم وجود آثار حرق تسببت بها شظية في أيام الحرب، فهي تعتبرها من ذاكرة البيت ولا يجوز تغييرها.

حينما يقف الزائر أمام المدخل الخارجي للبيت فإن أول ما يُصافح عينيه باب خشبي مكلل بإكليل غار، يمثل الكرامة والمجد اللذين يشكلان البيت، وعندما يلتفت عن يساره يجد تحت الجرس مباشرة عبارة مبروزة ومثبتة على الجدار من قصيدة كتبها أديبنا بخط يده في يوم ميلاده الخامس والتسعين امتنانًا لابنة أخيه (مَيْ) التي أَوْلَته رعايتها الخاصة في أواخر أيامه: ( يا مَيْ يا شمسي ويا قمري) أما حين يدلف الزائر إلى الداخل تستقبله سجادة جدارية يغلب عليها اللون الأحمر، فوقها لوحة مستطيلة منقوش في داخلها كلمات مزخرفة لنعيمة كأنه يوجهها للضيف:(كيف تسألني من أنا؟ وأنت تجهل من أنت).

نعود إلى السجادة الجدارية فهي -بحسب تفسير سهى- ترمز إلى حبكة الوجود، والوجود ما هو إلا حبكة زمن من زمن الأجداد، إذن هي سجادة الوجود المحبوكة من الأزمنة التي أوصلتنا إلى هذه النقطة من الزمن، واللحظة التي جمعتنا، على شمال السجادة المعلقة نجد لوحة مرسومة لمي وهي تجلس بقرب منضدة وتقرأ في كتاب تحمله بين يديها، بجانب اللوحة قاموس يعود إلى عام 1800م كان يستعمله ميخائيل في أمريكا، محفوظٌ في صندوق بُنِّي من خشب الأرز، يرمز إلى الخلود؛ لأن هذا البيت يؤمن بخلود الكلمة.

هذا كله في المدخل فقط، فنحن حتى هذه اللحظة لم نلج إلى قلب البيت، فهناك غرفة الاستقبال وغرفة الجلوس وغرفة الطعام والمطبخ، وغرفة ميخائيل وكذلك غرفة مي وسهى!

تدور الكاميرا في كل مكان وركن، فنلحظ أن الإطارات الخشبية المعلقة تهيمن على كافة الحوائط، وكأن البيت تحول إلى متحف أو معرض صور، يسجل أدق تفاصيل حياته وكتاباته ومقتنياته.

أقوم بإعادة البرنامج الوثائقي ثانيًة بغرض عمل جولة مركزة هذه المرة على سلسلة الصور المختلفة، فأجد أن خلف كل صورة حكاية وحدث وذكرى، فأتعجب كيف تكتنِز صورة صغيرة كل هذه المشاعر والأحاسيس والذكريات، من هذه الصور مثلًا صورة له وهو يكتب، ويتضح لنا من خلالها محاولته لإسناد يده اليمنى بيده اليسرى كيلا تخونه نظرًا لمعاناته من رجفانها! صورة أخرى لرأسه من الخلف تُشير إلى الأفكار الكبيرة والعميقة التي يكتنفها عقل نعيمة.

في الصالون الذي يستقبل فيه ضيوفه صور له مصفوفة على شكل نبضات القلب لأنه -حسبما ذُكِر- هو نبض قلب مي وسهى، في المطبخ أيضًا عدة صور ومنها صورة توثق أماكن الجلوس المعتادة لأفراد العائلة الثلاثة على المائدة، وإفطاره اليومي الذي لم يتغير على مدى سنوات طويلة، وهو عبارة عن: حبة جريب فروت مقسومة إلى نصفين، بالإضافة إلى أربع قطع من التوست مدهونة بالزبدة والعسل.

صورة معبرة لمي وهي تحلق ذقن عمها كل صباح في دورة المياه المكسوة بالبلاط الوردي خشية أن يجرح نفسه بسبب اعتلال يده، ونلحظ هنا أدوات عنايته الشخصية كالمشط والموس وفرشاة الحلاقة وغيرها مازالت في مكانها الأول.

صورة لافتة بالأبيض والأسود له ولمي وهما يسيران في الشارع جنبًا إلى جنب، يظهر فيها نعيمة ممسكًا بقبعة وعصا بشماله ومتكئًا على كتف مي بيمينه، ثم نسمع شرح المعلِق الصوتي للصورة: بما أنه هو الذي احتضن ابنة أخيه بعد طلاقها فأصبح هو قبعتها وهي عصاته في ختام حياته، وتحت الصورة صندوق زجاجي محفوظ داخله القبعة ذاتها والعصا أيضًا.

صور كثيرة متفرقة تُفصح ببلاغة عن علاقته الحميمية بسهى وأمها في طفولتها وصباها وباقي أفراد عائلته، لا أنسى أيضًا عشرة إطارات متلاصقة ومتراكبة أسميتها: صور الوداع وهي صور التقطتها مي بعد رحيله لبدلته الأخيرة وبجامته الأخيرة وأقلامه الأخيرة ونظاراته الأخيرة وغيرها! أُطر متنوعة الأحجام والأشكال تتوزع في كل شبر، تضم كتاباته بخط يده، وهي الكتابات التي أنتجها في هذا البيت منها كتاب: (نجوى الغروب) الذي كتبه ليُناجي ربه بغروب عمره ويصف بأحد فصوله ديناميكية الحياة في هذا البيت وأهله!

أتوقف طويلًا عند أريكة غرفة الجلوس وهي أريكة متصلة ذات قماش مخملي بلون أخضر غامق مع خمس وسائد مربعة باللون الكريمي، مكانه الأثير الذي كان فوقه يستريح، وعليه يكتب ما يجول بخاطره، وبه يستند حين يسهر متسامرًا مع الأهل والأحبة، وهي ذاتها الأريكة التي لفظ عليها أنفاسه الأخيرة مساء يوم 28 فبراير عام 1988م.

خطر لي فجأة وأنا أتأمل تلك الوسائد، أريكة المفكر والكاتب المصري مصطفى محمود التي احتفظت بها طليقته وأم أبنائه بعد الانفصال فأخذت تنقلها معها بحرص من بيت إلى آخر، وإذا ما وفد إليها زائر تشير إليها وتخبره بأن محمود كتب فوقها معظم روائعه الأدبية خلال فترة زواجهما التي امتدت لعشر سنوات!

في غرفة الطعام خلف الطاولة الكبيرة مجموعة مقولات له مكتوبة بخط أسود جميل، شدت بصري لوحة تشتمل على هذه الجملة (كلما بريت قلمي براني)

  أخيرًا، حين يهم الزائر بالمغادرة حتمًا سوف يستلفت انتباهه كلمة غير مفهومة مطبوعة بأحرف إنجليزية على قطعة جلدية مثبتة فوق قمة الباب الخارجي من الداخل، وهي الكلمة الواحدة للأقانيم الثلاثة التي تشير إلى أول حرفين من اسم كلٍّ من ميخائيل ومي وسهى بالإضافة إلى لقب العائلة نعيمة!

الحقيقة كانت فرحتي طاغية بوقوعي على هذا البرنامج الوثائقي الذي أتاح لي ملامسة عالمه الخاص والولوج إلى مسرح الأحداث الأخيرة في حياة الأديب والشاعر والفيلسوف والحكيم والإنسان الذي ظل يسعى في مضمار الأدب والفكر حتى الرمق الآخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى