الدين

الخلاف المتأخر بين الماتريدية في استقبال العقائد الأشعرية

  • فارس العجمي

الحمد لله وبعد: لا يخفى على المطالع لـ «التراث الحنفي العقدي» وأخص: «الماتريدية» منه، مباينتهم للأشعرية ومعارضتهم لهم، بل بلغ الحال ببعض الحنفية بأن كفر الأشعرية! وشواهد هذا متعددة وهو أوضح من التدليل عليه. وهذا الأمر استمر حتى القرنين السابع والثامن، ففي القرن السابع نجد تغيرًا في العلاقة بين الحنفية والأشعرية، ومن الشخصيات التي يمكن أن نستشهد بها في ذلك: برهان الدين النسفي الحنفي (تـ687هـ)؛ فإنا نجده لما سئل كتابًا يتخذه الدارس عمدة في أصول الدين؛ وضع للسائلين كتابًا على عقائد الأشعرية! وهو: «مختصر نهاية العقول» -ولعل مما نتفرد به في هذه المقالة الإشارة لوجود هذا الكتاب؛ فإنه غير مكتشف ولم يشر له من قبل في حدود اطلاعي- فلا نجده في مختصره هذا يشير لمقالة أصحابه مجرد إشارة! فإن أقل الأحوال -إن كان يرجح عقد الأشعرية على عقد أصحابه- أن يشير لمقالتهم ومذهبهم، لكنه ليس كذلك!

وكذلك نرى في هذه المرحلة قلة إطلاق القول بالتكفير –بالقياس لمن تقدم-، والتنبيه على المخالفة والاعتناء بالرد العلمي أكثر، وإن كان في كلام السابقين وجوهًا من الشك والنقض عليهم. وكذلك نرى تأثرًا في طائفة من الحنفية بالأشعرية في مظاهر مختلفة: كالتأثر في الآراء والمقالات، أو تهوين بعض مواقع النزاع، أو التأثر بمسالكهم في البحث والنظر من سلوك مسلك علم الكلام الفلسفي، أو شرح متونه المشهورة كما شرح بعضهم «تجريد الاعتقاد» -وهو من متون الاعتقاد عند الإمامية- ونحو ذلك من أوجه التأثر، ويكفي أن تطالع شرح سعد الدين التفتازاني الأشعري (تـ792هـ) على عقائد نجم الدين النسفي الماتريدي (تـ537هـ)، وتنظر في كلام المحشين من الحنفية كيف أن جماعة منهم تابعوا الشارح في تأييده للعقائد الأشعرية ولم ينتصروا للعقائد الحنفية الماتريدية!

وهذه المرحلة –أوخر القرن الثامن وما بعده- هي من أشد مراحل التأثر والتأثير بين الحنفية والأشعرية، ودخل على الحنفية جملة من الكتب الرائجة في الدرس العقلي عند المدرسة الأشعرية، بل نرى بعض العقائد الأشعرية تشرح وتدرس عند طائفة من الحنفية، ولكن هذا لم يستمر، بل ظهرت طائفة من الحنفية الماتريدية وأنكرت هذا واشتغلت بإبطاله والاعتراض عليه، لا سيما في القرن الحادي عشر وما بعده، حتى كثرت التصانيف في بيان المميز بين العقائد الأشعرية والعقائد الماتريدية، وبعض هذه التصانيف كانت في مسائل جزئية، كمسائل القدر وكسب العباد ونحو ذلك، وبعضها قصد مصنفوها إلى حصر مواقع النزاع عامة وبيانها. وكذلك بدأت تظهر الشروح الجديدة على متن «العقائد النسفية» الجارية على قواعد العقائد الحنفية الماتريدية، معارضة منهم لما وقع لسعد الدين التفتازاني، وكأنهم لا يريدون من الطلبة النظر في هذا الكتاب؛ لئلا تتشوش عقائدهم.

والغرض من هذا المقال: مجرد الإشارة المختصرة إلى حركة الإحياء الماتريدية المعارضة للتأثير الأشعري، والإشارة إلى وجود المعارضة الحنفية لحركة الإحياء هذه! وإلا فرصد هذا الخلاف يستدعي وقتًا وجهدًا وتتبعًا للتراث الخطي، ثم دراسته وتحليله والبحث فيه، وإنما قلت “التراث الخطي” لكون كثير من تراث هذه الحركة مخطوطًا!

ونريد أيضًا في هذه المقالة المختصرة: أن نقدم نصًا لم ينشر من قبل ولم يشر له، وهذا النص هو من القرن الثاني عشر، وتظهر قيمته من جهة كونه: يدل على وجود هذه المعارضة للتأثير الأشعري، بل يصف النص هذه المعارضة بـ «الطائفة»، فهي ليست محض معارضة انفرد به شخص، بل ثم طائفة قائمة بالأمر.

وهذه الطائفة المذكورة في النص الذي سننشره: ليست هي فقط الطائفة المعارضة للتأثير الأشعرية، فإن الطائفة المذكورة في النص هي طائفة جزئية، كانوا ينكرون «عقائد السنوسي»؛ لمخالفتها لعقائد الماتريدية. وإلا فالمعارضة للتأثير الأشعري أعظم من هذه الطائفة الجزئية وأكبر.

وكذلك في هذا النص على قصره: الإشارة لتيار آخر منازع لهذه المعارضة للتأثير الأشعري، ويهون من الخلاف بين الطائفتين، وهي بقية المدرسة المتأثرة بالأشعرية التي تقدم الإشارة لها. فهذا النص من الأدلة على الخلاف المتأخر بين الماتريدية في استقبال العقائد الأشعرية.

وهذه المعارضة التي يشير لها النص: تحتج على قولها بأن ما في «عقائد السنوسي» ليس في كلام الإمام الأعظم: أبي حنيفة (تـ150هـ) -الذي هو مرجع كثير من المدارس الحنفية العقدية-، لا سيما كتابه «الفقه الأكبر» بل وليس مذهبًا له! ويقصد كاتب هذا النص بيان موافقة «عقائد السنوسي» لكلام أبي حنيفة في «الفقه الأكبر»، وما ليس له ظاهر من كلام أبي حنيفة يوافق السنوسي يحمله على النزاع اللفظي، ثم يضلل هذه الطائفة المعارضة ويطعن فيها.

وشيخ الطائفة المعارضة المذكورة في النص الملقب بـ «شيخ الخنازرة»، نحتاج في التعرف عليه ومعرفة أحواله لمزيد بحث، لكنه يذكر في بعض النصوص الحنفية الأخرى في ذلك القرن أيضًا، ولعله كان يشتغل بالإنكار القولي (= ويمكن جعله ناشطًا في الاجتماع الديني) في المسائل العلمية أكثر من التصنيف العلمي فيها، ولعل هذا مما جعل ذكره والترجمة له لا تكاد تذكر. وكذلك الشأن في كاتب النص من جهة معرفة أحواله.

وأخيرًا أحب قبل نشر النص أن أشير لكون هذا مجرد إشارة لهذه المسألة الكبيرة، وأحث الباحثين على دراستها وتوسيع القول فيها، ويمكن أن تفرد هذه القضية برسالة علمية ضمن دراسة أطوار علم الكلام الحنفي الماتريدي.


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فقد سئلت عما ذكره مولانا السنوسي في عقيدته المختصرة من صفات مولانا –عز وجل- العشرين، هل هي مذهب الماتريدية أو الأشعرية؟

فأجبت: بأنه لا خلاف بين الفريقين في العقائد إلا في مسائل قليلة، ومرجع الخلاف في اللفظ، وفي الحقيقة ليسوا بمتخالفين؛ فإنهم على قدم راسخ –جزاهم الله تعالى عنا خيرًا-. أما ما ذكره «شيخ الخنازرة» ومن سلك مسلكه من الطائفة الزائغة الضالة المضلة، من أن: ما ذكره مولانا السنوسي من الصفات المزبورة ليس بموجود في «الفقه الأكبر»، وأنه ليس مذهبًا للإمام الأعظم والهمام الأقدم؛ فلا يعول عليه، ولا يلقى السمع لديه؛ لأنه جهل صدر من بين لحييه!

والذي أعتقد وأدين الله به: أن ما ذكره مولانا السنوسي مذهب الكل من أهل السنة والجماعة –نصرهم الله تعالى-، وأنه موجود في[1]  «الفقه الأكبر»، وطريق تطبيقه بقول الإمام الأعظم ما سنذكره لك من أن:

  • الوجود من صفات الله المذكورة في «عقيدة السنوسي» يؤخذ من قول الإمام في الفقه الأكبر: “وهو شيء لا كالأشياء ومعنى الشيء إثباته بلا جسم” إلى آخره.
  • والقدم والبقاء يؤخذان من قوله: “لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية”.
  • ومخالفته للحوادث تؤخذ من قوله: “لا يشبهه -تعالى- شيء[2] من الأشياء من خلقه، ولا يشبه شيئًا من خلقه”.
  • وقيامه –تعالى- بنفسه يؤخذ من قوله: “الله الصمد” على ما وجد في متن شرح علي القاري، وعلى عدم وجوده في بعض النسخ يؤخذ من قوله: “ولم يكن له كفوا أحد”.
  • والوحدانية تؤخذ من قوله: “والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له”.
  • والقدرة والإرادة والعلم والحياة | والسمع والبصر والكلام هذه كلها تؤخذ من قول الإمام: “أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة”.
  • والقادر والمريد والعالم والحي والسميع[3] والبصير والمتكلم هذه تؤخذ من السبع الأُوَل، وهي: ملازمة لها؛ لأن من اتصف بالقدرة يسمى قادرًا، وهكذا في البواقي.

وقد صرح الإمام ببعض هذا عند قوله: “لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته، لم يحدث له اسم ولا صفة ولم يزل عالمًا بعلمه والعلم صفته في الأزل، قادرًا بقدرته والقدرة صفة في الأزل، ومتكلمًا بكلامه والكلام صفة في الأزل” إلى آخره. وفيه إشارة إلى أن الحكم في باقي الصفات هكذا.

وأما النزاع الواقع بين الفريقين في صفات الفعل المعبر عنها بـ التكوين؛ فلفظي؛ فإنها عند الماتريدية قديمة، وهي: إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود. وعند الأشعري هي حادثة، وهي: عبارة عن تعلق القدرة بالمقدور.

والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. هذا ما فهمه المعلق هذا السواد، وفوق كل ذي علم عليم، والله الموفق للسداد، وإليه المرجع والمآب.

 

تمت الرسالة الشريفة بمنه تعالى

[1] (ص): [من].

[2] (ص): [بشيء]

[3] (ص): [السمع].


حمل المقال PDF


مصورة النص

11
مصورة النص
22
مصورة النص

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى