بقلم : معاذ بن محمد القعود
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أنزل علينا البينة والهدى، موعظة للمتقين، ورحمة للعالمين.
عقل الهدى
ابتغوا هدى القرآن بمصاحبة كتابٍ وجيزٍ يكشفُ لكم معانيه؛ فتحيون به حياةً طيبةً، ويُثبِّت يقينَكم بالإسلام. ومن أحسنِ المختصرات لفهم القرآن، كتابُ «الوجيز» للواحدي، وقد غفل الناس عنه، وفضلُه على سائر المختصرات بيِّنٌ.
ومدارُ المفاضلة على مقدار ما يُعينُ على تحصيل مرتبةِ تلاوةِ الاهتداء والاعتبارِ بآيِ القرآن؛ فإنَّ مصاحبةَ بعضِ التفاسيرِ المختصرةِ -كالجلالين ونحوه- مع التلاوة، تقطع التدّبرَ، وتُجهد القارئ في تفسير المفسَّر! فلا يبلغُ بها تالي القرآن فهمًا يعيش به حلاوتَه. وتلك المختصرات إنما تنفعُ مَن أراد مراجعةَ واستحضارَ علمِ التفسير!
الثناء والأثر
كتاب «الوجيز» أعجب تفسيرٍ مختصر في نفسي بعد كتاب مقاتل، وله مقام آخر، وليس عدل مقارنة الكتابين؛ فكتاب مقاتل لون فريد في التصنيف، وأعرضُ من الوجيز، ومفصلٌ في أسباب النزول.
ومصنفات الواحدي من أحسن ما وُضع لبيان معاني كتاب الله، فكما يُوصف تفسير محمد بن جرير بــ «الجامع لتأويل السلف»، فإن كتاب «البسيط» أحقُّ باسم «الجامع لتأويل أهل المعاني وديوان أهل اللغة»، وقد حفظ الله لنا بكتاب الواحدي نصوصَ أهل المعاني، كما حفظ لنا بكتاب ابن جرير نصوصَ السلف، والناس عيالٌ في التفسير على «البسيط» و«الوسيط» و«الوجيز».
قال ابن خلكان: (ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها، وذكرها المدرسون في دروسهم)(1).
وأثنى عليها تلميذه عبد الغفار الفارسي، فقال: (وأحسن كل الإحسان في البحث والتنقير)(2).
وأشاد ابن تيمية بقوة معرفته باللغة، وسعة علمه بالتفسير، ونقد كثرة سوقه للأحاديث الواهية(3).
و«الوجيز» أحد الكتب الأربعة التي اعتمد عليها «تفسير الجلالين»، ورأيت الإيجي اتكأ عليه، وهو عماد الكتابين.
وتفسير الواحدي نافع لكل قارئ لكتاب الله، واحذر وتجنب تأويلاته لآيات الصفات، فقد تقلد أصول الأشعرية، وأَوَّل في كتابه: صفة الرحمة، والغضب، والوجه، واليد، والعلو، والاستواء، والمجيء.
وذم ابن تيمية كتبه بأنها لم تسلم من الآراء المبتدعة.
فمن أراد وجيز التفسير في نحو ضعفي عدِّ القرآن، فعليه بــ «وجيز الواحدي»، فما أعظم فائدته للقارئ والمتحفظ!
قال الواحدي في مقدمته عن تفسيره: «من أوجز ما عمل في بابه وأعظمه فائدة على متحفظيه وأصحابه».
وقال الغزالي: (فما من علم إلا وله اقتصار واقتصاد واستقصاء…، فالاقتصار في التفسير ما يبلغ ضعف القرآن في المقدار، كما صنفه علي الواحدي النيسابوري، وهو «الوجيز»)(4).
وصدق القفطي -وهو خبير الكتب- لما قال (5): «وهو عجيب!»، لا يعرف فضله إلا من أمعن النظر في كتب التفاسير.
أنشد على طرة النسخة الظاهرية لكتاب «الوجيز»:
| إذا شئت أن تلقى كتابًا ملخصًا
| مصونًا عن التطويل
| |
| فبادر إلى هذا الكتاب، فإنه | كتابٌ وجيز اللفظ، جمّ الفوائد | |
| بحار المعاني تحته قد تلاطمت | فمن ينغمس فيها يفُز بالفرائد | |
| وإن وجيز الواحدي هو الذي
| قراءته فرض على كل واحد
|
وسأبين لك فضله بالعيان والمثال الذي يدلّك على غيره، وأعارضه بتفسير الجلالين والإيجي، وهما أقرب المختصرات إليه صفةً وحجمًا، و«تفسير الجلالين» يزيد على الوجيز نحو من عشرة آلاف كلمة(6)، وفي كل مختصر ما ليس في الآخر! (7).
المدارس والتنوع
الواحدي متعدد المعارف، جمع مدرسة شيخه الثعلبي في التفسير، وضم إليها مدرسة أهل التفسير والمعاني(8).
مثال: «﴿فَذَكِّر إِن نَفَعَتِ الذِّكرى﴾ [الأعلى: ٩] التذكير». هذا حرف الثعلبي.
الامتداد والمشرب
- صحة التفسير
بنى الواحدي مختصره على قول واحد في تفسير الآية، معتمدًا قول ابن عباس(9) ومَن يقبل تأويله، ونَثر كثيرًا من تفسير مقاتل والكلبي، وجمّل وجيزه بالتفسير بألفاظهما أحيانًا، فسلم من التكاثر، والدخيل في التفسير.
قال الواحدي في مقدمته عن تفسيره: «وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس رحمه الله أو من هو في مثل درجته».
وقال في الأصل: «وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية.
فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره».
علَا «الوجيز» بترك الأوجه المتأخرة، والاهتمام بالسياق، وتحري إصابة التفسير الذي نزلت عليه الآية.
واقتصاره على قول واحد أنفع لطالب فهم الهدى، كيلا ينشغل بقراءة التفسير عن تلاوة القرآن. والإيجي قصد إلى تعداد الأوجه التفسيرية، والراغب في دراسة الأقوال، لم نقصده بهذه النصيحة، ومختصر ابن جزي أنفع من تفسير الإيجي.
ولا يذكر الواحدي قولًا آخر في الآية إلا لفائدة، كخلاف قوي، أو معنى مقارب يوضح القول، مثاله: «﴿وَقولوا قَولًا سَديدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] أَيْ: حقًّا وصوابًا، قيل: هو لا إله إلا الله»؛ لأنهما من عبارات السلف، والثاني قاله عكرمة، وجمع بينهما مقاتل ويحيى بن سلام.
واقتصر تفسير الجلالين والإيجي على الأول.
- تفسير السلف في «الوجيز»
وفي: «﴿إِن أَتَّبِعُ إِلّا ما يوحى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] ما أُخبركم إلَّا ما أخبرني الله به، أَي: الذي أتيتُ به منعند الله لا من عندي نفسي فأبدِّله». الشطر الأول لفظ ابن عباس في البسيط، والثاني لفظ الزجاج.
وفي: «﴿فَإِلَينا مَرجِعُهُم﴾ [يونس: ٤٦] أَيْ: فنعذِّبهم في الآخرة». وفي «البسيط» من لفظ الربيع بن أنس.
وفي: «﴿إِذا لَهُم مَكرٌ في آياتِنا﴾ [يونس: ٢١] قولٌ بالتَّكذيب». وفي الأصل من لفظ ابن عباس.
وكذا «﴿إِنَّ اللهَ لَذو فَضلٍ عَلَى النّاسِ﴾ [يونس: ٦٠] أهل مكَّة حين جعلهم في أمنٍ وحرمٍ إلى سائر ما أنعم به عليهم».
- التَّخيُّرُ بين أقوال السلف
في: «﴿في رَوضَةٍ يُحبَرونَ﴾ [الروم: ١٥] أَي: يسمعون في الجنَّة».
هذا قول الأوزاعي ويحيى بن أبي كثير. وأما ابن عباس فعبر بيُكرَمون.
- تفسير مقاتل والكلبي في «الوجيز»
في: «﴿وَإِن كَذَّبوكَ فَقُل لي عَمَلي﴾ [يونس: ٤١] الآية نسختها آية الجهاد». وفي «البسيط» من لفظ مقاتل والكلبي.
في: «﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُم﴾ [النساء: ١١٩] أن لا جنَّة ولا نار». هذا لفظ الكلبي، وفي آيتين تشبهها فسر الفراء بهذا الحرف، وانتزعه منه الواحدي.
وانظر كم فسر معنى آية على حرف مقاتل في سورة يونس:
الموضع الأول: «﴿يُدَبِّرُ الأَمرَ﴾ [يونس: ٣] يقضيه».
الموضع الثاني: «﴿وَلَو يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] الآية، والمعنى: لو استجبتُ لهم في الشَّرِّ كما يُحِبُّون أن يستجاب لهم في الخير».
الموضع الثالث: «﴿فَماذا بَعدَ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٢] بعد عبادة الله ﴿إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] يعني: عبادة الشَّيطان». كذا أخرج لفظ مقاتل، وفي تفسيره بنحوه.
الموضع الرابع: «﴿كَيفَ تَحكُمونَ﴾ [يونس: ٣٥] يعني: كيف تقضون حين زعمتم أنَّ مع الله شريكًا.
الموضع الخامس: «﴿إِنَّ الَّذينَ حَقَّت عَلَيهِم كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦] وجبت عليهم كلمة العذاب».
وموضع سادس في: ﴿وَيَقولونَ مَتى هذَا الوَعدُ إِن كُنتُم صادِقينَ﴾ [يونس: ٤٨]. وفي حكايته إشكال.
- جمع ألفاظ أهل التأويل والمعاني
في: «﴿يَتَعارَفونَ بَينَهُم﴾ [يونس: ٤٥] يعرف بعضهم بعضًا، تعارف توبيخٍ؛ لأنَّ كلَّ فريق يقول للآخر: أنت أضللتني، وما يشبه هذا».
تأمّل كيف أحسن التأليف بين أقوالهم، في الأصل: (قال ابن عباس، والضحاك، ومقاتل: «يتعارفون بينهم حين بعثوا من القبور يعرف بعضهم بعضًا كمعرفتهم في الدنيا، ثم تنقطع المعرفة فلا يعرف أحد أحدًا».
قال أبو إسحاق: «وفي معرفة بعضهم بعضًا وعلم بعضهم بإضلال بعض التوبيخ لهم وإثبات الحجة عليهم».
وزاد ابن الأنباري بيانًا فقال: بتوبيخ بعضهم بعضًا، فيقول كل فريق للآخر: أنت أضللتني يوم كذا، وأنت كسّبتني دخول النار بما علمتنيه وزينته لي. فهذا تعارف توبيخ وتعنيف، وتباعد وتقاطع، لا تعارف عطف وإشفاق).
- إعمال قواعد الترجيح
الترجيح بالكثرة، مثاله: «﴿أَنَّ لَهُم قَدَمَ صِدقٍ﴾ [يونس: ٢] يعني: الأعمال الصَّالحة». قال في الأصل: «وأكثر أهل التفسير والمعاني على هذا».
وفي: «﴿وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] النَّظر إلى وجه الله الكريم عز وجل». وحكاه في الأصل عن جماعات من الصحابة والتابعين.
الترجيح بالسياق: «﴿وَلَنُذيقَنَّهُم مِنَ العَذابِ الأَدنى﴾ [السجدة: ٢١] قيل: المصيبات في الدُّنيا. وقيل: القتل ببدر. وقيل: عذاب القبر. وقيل: الجوع سبع سنين.
والأولى المصيبات والجوع؛ لقوله: ﴿لعَلَّهُم يَرجِعونَ﴾ [السجدة: ٢١]».
البيان والمعنى
كُتب «الوجيز» بلفظٍ سهلٍ واضحٍ، وبيانٍ عذبٍ مشرقٍ، وأحسن في الكشف عن معاني التأويل.
قال الواحدي في مقدمته عن تفسيره: «يترجم عن اللفظ العويص بأسهل منه».
وسلك في بيان ألفاظ القرآن مسلك:
- تأويل اللفظ على أشرف المعاني، وحمله على المعنى الأول والأكبر
مثل: تفسير الإسراف بالشرك، والتكبر بالإعراض عن التوحيد، وفي موضعٍ فسر الظلم بالشرك، وقال الإيجي: «بوضع الموالاة مكان المعاداة». ويُعتبر بالسياق في هذه الألفاظ.
مثال: في الأمر الأول بالصلاة: «﴿وَأَقيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] المفروضة ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] الواجبة في المال». في الإيجي: «صلاة المسلمين…، أي: زكواتهم. والمراد طاعة الله تعالى والإخلاص». وترك الجلالان بيانَها في أول النصف الأول والثاني.
وطريقة الواحدي أبينُ، وأَوَّل عامة السلف الصلاةَ والزكاةَ بالفرائض.
والمعنى الأكبر أبلغُ في بيان الآية، وأشرفُ علمًا من المعنى الأدنى.
مثال آخر: «﴿وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يعني: مواعظ القرآن. وتبعه الإيجي والسيوطي، وزادا: «أو القول الرقيق». وفسر ابن جزي بالترغيب والترهيب.
وقصد الواحدي إلى التفسير بالمعنى الأكبر؛ فالقرآن أولى المواعظ، وهذا أبلغُ للمهتدي والمعتبر. وبهذا فسر مقاتل، ويحيى بن سَلّام، وابن جرير، والزجاجُ حكايةً عن أهل التفسير، ومنه نزع الواحدي، والموعظةُ في عامة الآيات هي القرآن.
سبحان الله! ما أهدى علم القوم!
- تأويل القول باللفظ الموضح لدلالة السياق
مثاله: «﴿وَما بَلَغوا﴾ [سبأ: ٤٥] يعني: مشركي مكَّة». قال المحلي والإيجي: «هؤلاء».
مثال آخر: «﴿قالوا يا وَيلَنا إِنّا كُنّا طاغينَ﴾ [القلم: ٣١] بمنع حقِّ الفقراء وترك الاستثناء. في الإيجي: «متجاوزين الحد». وفي الورقات صورٌ لهذا البيان.
مثال آخر: «﴿فَهَل يُهلَكُ إِلَّا القَومُ الفاسِقونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. لا يُهلك مع رحمة الله وتفضُّله إلَّاالكافرون». وتبعه المحلي. وأما الإيجي فقال: «الخارجون عن الاتعاظ والطاعة». واستمدها من البيضاوي، الذي اقتبسها من «الكشاف». والأول أوضح، والمعنى مقارب.
- فك الضمائر:
مثاله: «﴿وَقَد كَفَروا بِهِ﴾ [سبأ: ٥٣] بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن». وترك المحلي والإيجي تفسيرَ الضمير.
- تفسير خواتيم الآيات على دلالة السياق
في: ﴿إِنَّ الخِزيَ اليَومَ وَالسّوءَ عَلَى الكافِرينَ الَّذينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمي أَنفُسِهِم فَأَلقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعمَلُ مِن سوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ بِما كُنتُم تَعمَلونَ﴾ [النحل: ٢٧-٢٨].
والختم بالسياق: «﴿إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ بِما كُنتُم تَعمَلونَ﴾ [النحل: ٢٨]. من الشرك والتكذيب». وفي السيوطي والإيجي: «فيجازيكم».
وتعبير الواحدي أشرف وأبلغ للمدكر بالقرآن.
وفي: ﴿لا إِلهَ إِلّا أَنا فَاتَّقونِ﴾ [النحل: ٢]: «بالتَّوحيد والطَّاعة». في الإيجي: «عقوبتي لمن عبد غيري». وفي الجلالين: «خافون».
ولفظ الواحدي أقرب لتفسير السدي ومقاتل ويحيى بن سلام، وأوفى بدلالة السياق.
الشمول والأدوات
ظهر على «الوجيز» العناية بتفسير القرآن بالقرآن، وبالمأثور، ولغة العرب، وبين معاني الآيات على مواقع نزولها، وحال سياقها، ووصل خواتيم الآيات بمطالعها، والله لكأني إذا فتحت تفسيره أجول في طرق مكة، أشاهد مواقع نزول الآيات وتقريع القرآن للمشركين، ثم أمضي معه فأرى مصارع كفار قريش، وتحقيق الله وعده بنصر نبيه صلى الله عليه وسلم.
فالقارئ للاهتداء يؤثر فيه كتاب الواحدي، وكان تلميذه الغزالي يقول: «من أراد أن يسمع التفسير كأنه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليه بتفسير الواحدي»(10).
- توظيف طرق التفسير
أما تفسيره بالمأثور فهو عماد الكتاب وسبقت إشارات، وأما استثمار فنون اللغة فهو على عامة المختصرات، وصفحاته شاهدة؛ فقلب أفانين اللغة بين يديك إن شئت، ورأيته نقل عن الفراء والبصريين.
وأما تفسيره بالقرآن، فهذا النوع كثير في كتابه، وسأدل على أمثلته في سورة النحل:
الأول: «﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهدي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] كقوله: ﴿مَن يُضلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]».
الثاني: «﴿نَصيبًا مِمّا رَزَقناهُم﴾ [النحل: ٥٦] يعني: ما ذُكر في قوله: ﴿وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦]».
الثالث: «﴿سُجَّدًا لِلهِ﴾ [النحل: ٤٨] قال المُفسِّرون: ميلانها سجودها وهذا كقوله: ﴿وَظِلالُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصالِ﴾ [الرعد: ١٥]».
الرابع: «﴿وَلَهُم ما يَشتَهونَ﴾ [النحل: ٥٧] يعني: البنين وهذا كقولهم: ﴿أَم لَهُ البَناتُ﴾ [الطور: ٣٩] الآية».
الخامس: «﴿رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذينَ كُنّا نَدعو مِن دونِكَ فَأَلقَوا إِلَيهِمُ القَولَ﴾ [النحل: ٨٦] أَيْ: أجابوهم فقالوا لهم: ﴿إِنَّكُم لَكاذِبونَ﴾ وذلك أنَّها كانت جمادًا ما تعرف عبادة عابديها، فيظهر عند ذلك فضيحتهم؛ حيث عبدوا مَن لم يشعر بالعبادة، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَيَكفُرونَ بِعِبادَتِهِم﴾ [مريم: ٨٢]».
السادس: «﴿يَأتيها رِزقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ [النحل: ١١٢] يُجلب إليها من كلِّ بلدٍ كما قال: ﴿يُجبى إِلَيهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [القصص: ٥٧]».
- تأويل المتشابهة بالمحكم
مثال: «﴿لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في الدُّنيا؛ لأنَّه وعد في القيامة الرُّؤية بقوله: ﴿وُجوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] الآية والمُطلق يحمل على المقيد».
- الإشارة إلى الناسخ والمنسوخ
السياق والمناسبة
- الوعظ بالسياق والمناسبة
وأحسن الواحدي في بيان هذا العلم.
مثال: «﴿للهِ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ﴾ [المائدة: ١٢٠] عظَّم نفسه عمَّا قالت النصارى: إنَّ معه إلهًا».
وفي: ﴿ثُمَّ يَتوبونَ مِن قَريبٍ فَأُولئِكَ يَتوبُ اللهُ عَلَيهِم﴾ [النساء: ١٧]: «﴿وَكانَ اللهُ عَليمًا حَكيمًا﴾ علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق، فحكم لهم بالتوبة قبل الموت، بقدر فُواق ناقة».
وخاتمة آيات عقد النكاح: «﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَليمًا﴾ [النساء: ٢٤] بما يصلح أمر العباد ﴿حَكيمًا﴾ فيما بيَّن لهم من عقد النِّكاح». وفي ختم آيات الإصلاح: «﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَليمًا خَبيرًا﴾ [النساء: ٣٥] بما في قلوب الزوجين والحكمين».
وسكتا عن هذه المواعظ.
وهذا العلم نافعٌ، أبلغُ ما توعظ به النفوس، وقد هجره الناس، وإن رغبت به فعليك بالعلم العتيق.
مثال في قول تعالى: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الجوعِ وَالخَوفِ بِما كانوا يَصنَعونَ﴾ [النحل: ١١٢]: «﴿بِما كانوا يَصنَعونَ﴾ من تكذيب النبيِّ صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكَّة». وفي الإيجي: «بسبب صنيعهم».
الأول أنفع للمهتدي والمتدبر، والثاني بيان لغوي. وهذا النوع من العلم يطلبه المهتدي بالقرآن.
- فتح المناسبة
مثال: في قول تعالى ﴿لَن تَنفَعَكُم أَرحامُكُم وَلا أَولادُكُم يَومَ القِيامَةِ يَفصِلُ بَينَكُم﴾ [الممتحنة: ٣]: «فيدخل المؤمنون الجنَّة والكافرون النَّار، ثمَّ أمرَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بأصحاب إبراهيم عليه السلام».
وفي آية عن الكافرين قال: «ثم أمر رسوله أن يستغفر للمؤمنين ويسأل لهم الرَّحمة».
وأبان عن مناسبة ذكر المخلوقات بعد النهي عن الشرك: ليشير إلى ما يدل على توحيده.
النزول والمشهد
وتأمل أمثلة على أسباب نزول آيات ذكرها وأغفلتها المختصرات السائرة:
«﴿وَيَجعَلونَ للهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧] يعني: خزاعة وكنانة».
وفي: ﴿خَلَقَ الإِنسانَ مِن نُطفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصيمٌ مُبينٌ﴾ [النحل: ٤]: «يعني: أُبيَّ بن خلف… وذلك أنَّه خاصم النبيَّ صلى الله علي وسلم في إنكاره البعث».
وفي: «﴿وَقيلَ لِلَّذينَ اتَّقَوا ماذا أَنزَلَ رَبُّكُم﴾ [النحل: ٣٠] هذا كان في أيَّام الموسم يأتي الرَّجل مكَّةفيسأل المشركين عمَّا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: أساطير الأولين ويسأل المؤمنين عن ذلكفيقولون …».
وفي سورة النور عند: ﴿وَإِذا كانوا مَعَهُ عَلى أَمرٍ جامِعٍ لَم يَذهَبوا حَتّى يَستَأذِنوهُ﴾ [النور: ٦٢]: «نزلت في حفر الخندق كان المنافقون ينصرفون بغير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وفي سورة الأحزاب: «﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسولُهُ إِلّا غُرورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] إذْ وعدنا أنَّ فارس والرُّوم يُفتحان علينا».
وكان يستصحب مواقع النزول في السياقات التفسير، مثال: «﴿وَلَقَد كانوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزوة الخندق».
وقد تُرك كثير من هذا العلم الشريف في المختصرات، ككتاب ابن جزي والجلالين والإيجي.
التحلية والإضافة
- الوعظ
مثال: ﴿فَتَرَبَّصوا حَتّى يَأتِيَ الله بِأَمرِهِ وَاللهُ لا يَهدِي القَومَ الفاسِقينَ﴾ [التوبة: ٢٤]: «تهديدٌ لهؤلاء بحرمانالهداية». والسياق بين في التهديد.
- تعيين المقصود وتسمية الأنبياء
مثال: «﴿سُنَّةَ الله فِي الَّذينَ خَلَوا مِن قَبلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] يقول: هذه السُّنَّة قد مضت أيضًا لغيرك يعني: كثرة أزواج داود وسليمان عليهما السلام».
وترك عندهما الإشارة لداود وسليمان عليهما السلام.
- تحلية التفسير بمواعظ السلف.
ورأيته في مواضع نادرة، في قوله تعالى: ﴿أَفَنَضرِبُ عَنكُمُ الذِّكرَ صَفحًا أَن كُنتُم قَومًا مُسرِفينَ﴾ [الزخرف: ٥]: «قال قتادة رضي الله عنه: واللَّهِ لو أنَّ هذا القرآنَ رُفع حين ردَّه أوائل هذا الأمة لهلكوا».
وفي ﴿وَإِنَّ مِنها لَما يَهبِطُ مِن خَشيَةِ اللهِ﴾ [البقرة: ٧٤]: «قال مجاهدٌ: كلُّ حجرٍ تفجَّر منه الماء أو تشقَّقعن ماء أو تردَّى من رأس جبلٍ فهو من خشية الله تعالى نزل به القرآن».
وفي ﴿ثُمَّ أَنتُم هؤُلاءِ تَقتُلونَ أَنفُسَكُم﴾ [البقرة: ٨٥]: «قال السُّدِّيُّ: أخذ الله تعالى عليهم أربعة عهودٍ: تركَالقتل وترك الإِخراج وترك المظاهرة وفداء أُسرائهم فأعرضوا عن كلِّ ما أُمروا به إلَّا الفداء».
وفي: ﴿يَومَ نَدعو كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم﴾ [الإسراء: ٧١] ساق قول ابن عباس: «إمام هدى وإمام ضلالة».
في السابع من رمضان سنة سبعٍ وأربعين وألفٍ
(1) «وفيات الأعيان» (3/303).
(2) «معجم الأدباء» (4/1660).
(3) أجمع نص له عنه في «قاعدة في فهم القرآن وتفسيره» (ص51): «وأما الواحدي، فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية،لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع، وإن ذكرها تقليدًا لغيره. وتفسيره وتفسير الواحدي البسيط والوسيط والوجيز فيها فوائد جليلة،وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها». وانظر: (ص ٣١). وقال: «والبغوي اختصر تفسيره من تفسير الثعلبي والواحدي، لكنهما أخبر بأقوال المفسرين منه، والواحدي أعلم بالعربية من هذا وهذا، والبغوي أتبع للسنة منهما». [«منهاج السنة النبوية» (7/312)]. وعامة المواضع وصفه بالمختصر من الثعلبي، من غير أن يُشير إلى الواحدي.
وكان يتتبع تفسير الواحدي، فقال مرة (15/210): «وأما الثعلبي والواحدي والبغوي وغيرهم فذكروا القولين، وزادوا أقوالًا أخر، فقالوا -واللفظ للبغوي-». ومرة (15/199): «هذه الأقوال الثلاثة قد ذكرها من قبله كالثعلبي والواحدي والبغوي، وذكروا قولًا رابعًا. فقالوا -واللفظ للبغوي وهو مختصر الثعلبي-». وسئل مرة عن موضع من كتاب «الوسيط». وأصلُ استمدادِ ابن تيمية في التفسير في سياق التقرير من البغوي وابن الجوزي، وأما إذا قصد إلى آية، فإنه يصل لكتب الواحدي وغيرها، ويتتبع أصول الأقوال.
(4) «إحياء علوم الدين» (1/40).
(5) «إنباه الرواة» (2/223).
(6) وكنت أقدر بالعين قبل الإحصاء، أن الوجيز يزيد على الجلالين ربعًا، ثم بلغ إحصاء أحرف تفسير الوجيز نحو من (850.000) حرفا، وأما تفسير الجلالين ففي نحو (795.000) حرفا، مع عدِّ أحرف القرآن.
(7) وقد أقارنه بتفسير ابن جزي، ولم ألتزمه، لاختلاف الامتداد، فهما يتصلان بالواحدي الذي وصل تفسيره بمدرسة الثعلبي وأهل التفسير والمعاني، وأما ابن جزي فاستمد من «المحرر الوجيز»، وإن كان ابن عطية أفاد من مدرسة الثعلبي، إلا أنه تفرد بتحريره.
(8) المقصود بتعدد هذه المدارس: طريقةُ أداءِ التفسير، والفنُّ الذي بُنِي عليه التبيان، وأُعرِب به عنه، لا إثباتُ تضادٍّ تامٍّ بينها،كمضادَّةِ السواد للبياض.
(9) خاصة من رواية الكلبي، وقد تركها النقاد، إلا أننا لو جعلها من قول الكلبي، لكان أحبَّ إلينا من تفسير حدث بعد فساد السليقة وبُعد التنزيل.
(10) «الوافي بالوفيات» (20/101).



