الفلسفة

فلسفة الدين عند فيتجنشتاين: البحث عن أرضية مشتركة

  • جاكوب جومولكا
  • ترجمة: مصطفى هندي
  • تحرير: محمود سيّد

مقدمة المترجم

“كل الفلسفة هي حاشية على محاورات أفلاطون”

 – هيدجر-

أيا ما كانت البداية التي نحددها للتفلسف، فإن الفلسفة – على عكس العلم – نمطٌ من البحث غير التجاوزي، وهو ما أراد هيدجر أن يلمح إليه بعبارته السابقة؛ فلم تكد تتغير المسائل التي تناقشها الفلسفة منذ أفلاطون، على الرغم من سعة وتنوع المناهج والمقاربات التي عالجت هذه المسائل.

منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ البحث الفلسفي يتخذ منحى لغويًا؛ تبدى ذلك في كتابات عدد من فلاسفة هذه الحقبة مثل أعضاء حلقة فيينا، لكنه بلغ ذروته في كتابات لودفيج فيتجنشتاين. وبطبيعة الحال كان لهذا تأثيره على الطريقة التي ستعالج بها الفلسفة نفس المباحث التي عالجها من قبل فلاسفة آخرون بمقاربات مختلفة.

عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الدين والعلم، فلا يسعنا إلا أن نشير إلى أن بزوغ هذه المسألة ودخولها حيز النقاش الفلسفي جاء نتيجة المكانة المرموقة التي احتلها العلم في المخيال الأوروبي منذ عصر النهضة من جهة، والصدامات التاريخية التي وقعت بين المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة في الكنيسة وبين النتائج التي توصل إليها العلماء. وعلى الرغم من النقاشات التاريخية الحادة حول تأويل وتوصيف هذه الوقائع، فقد تركت أثرًا عميقًا في الوجدان الأوروبي، تزامن مع العلمنة الكاملة للمجتمعات الغربية. ومنذ ذلك الحين -انتصار العقلية العلمية على الدين الكنسي- رُفعت شعارات ضرورة تقديم فحص فلسفي للدين، ومن ثم تأسس فرع فلسفة الدين، ليميز نفسه عن ما نسميه في الفضاء الإسلامي “علم الكلام”. ففلسفة الدين ليست ملتزمة بالدفاع عن عقيدة دينية محددة، بل بالأحرى فحصها فحصًا نقديًا.

وانطلاقًا من هذه النقطة، يأتي هذا المقال ليكشف عن المعالجة الجديدة لفلسفة الدين اعتمادًا على المنحى اللغوي الذي اتخذته الفلسفة عمومًا، وعلى تأملات وإشارات ومنهج فيتجنشتاين خصوصًا. ويجدر التنبيه إلى أن “الدين” في الوجدان الأوروبي يعني المسيحية، ونظرة الغرب للأديان وموقفه منه مبنية على تجربته مع المسيحية، وهو ما نبه الباحث عليه في البداية، حيث بيّن أنه يتكلم عن الدين المسيحي على وجه الخصوص، لذلك فيجب استحضار هذه الخلفية عند قراءة الأفكار التي سيعرضها الباحث.

المترجم؛؛


في عصر ما بعد العلمانية، صار البحث عن أرضية مشتركة مع العلم على رأس مهام اللاهوت. وفيما يتعلق بالاستعداد لبدء حوار مُثمر وغير متحيّز بين “العقل العلمي” و “العقل اللاهوتي”= هناك حاجة ماسة إلى توصيف موضوعي لكل منهما وشرح الاختلافات بينهما. لسوء الحظ؛ فإن معظم الأوصاف الموجودة إما أنها متحيّزة لإحدى وجهتَي النظر، أو أنها صُمّمت بالأساس أسلحةً تُستعمل في المعارك الأيديولوجية؛ مما يجعلها غير قابلة للاستخدام [الموضوعي]، حيث سيؤدي تبنّيها إلى تحويل الحوار بين العقلين إلى حوار يخاطب فيه كل عقل نفسه، ولا يسمع إلا صوته.

ومع ذلك، يبدو أن إيمانية فيتجنشتاينWittgensteinian fideism [1]-وهي ما يُطلق عليه أيضًا مدرسة سوانسي أو فلسفة فيتجنشتاين للدين، وتُعَدّ فرعًا من فلسفة الدين في القرن العشرين- تمنحنا أرضيةً مشتركةً للحوار. يدّعي فلاسفة هذا التيار -الذين يعملون تحت تأثير فكر لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein المتأخر- أنهم يقدّمون “توصيفًا خالصًا” لـ “القواعد اللغوية”[2] للغة الدينية ويَعِدُون باستنباط الاختلافات بين الدين[3] والعلم عن طريق توضيح الممارسات اللغوية وغير اللغوية التي ينطوي عليها كلٌ منهما.

تستلزم المقاربة النموذجية لفيتجنشتاين الادّعاءَ المُثير للجدل بأن كل استخدام دينيّ حقيقيّ للغة (“لعبة اللغة” الدينية) -وبالتالي كل مفهوم لاهوتيّ- لا علاقة له باستثمار الحقائق أو وصفها؛ و وفقًا لمدرسة سوانسي: لا تحتوي المسيحية (بالإضافة إلى التقاليد الدينية الأخرى) -عمليًّا- أيّ محتوى معرفيّ. يمكن وصف هذا الرأي بأنه نوع من أنواع اللاهوت النقدي (مع بعض أوجه التشابه مع علم اللاهوت الخالي من الميثولوجيا عند بولتمان) بدلاً من وصفه بأنه فلسفة للدين، خاصةً عند تعريف فلسفة الدين على أنها “وصف خالص” للقواعد اللغوية للغة الدينية. باختصار؛ لا تستطيع مدرسة سوانسي توفير الأرضية للحوار بين اللاهوت والعلم، ولكنها تُعطينا مثالًا جيّدًا على لاهوتٍ خالٍ من أيّ ادّعاء تجريبيّ أو ميتافيزيقيّ. حقيقة أن وجود مثل هذا اللاهوت ممكن هو أمر مُثير للاهتمام في حد ذاته ولا ينبغي إغفاله في البحث عن وصف مُحايد للدين وعلاقته بالعلم. لذلك فإن الهدف الأول من هذا المقال هو تحديد مذهب مدرسة سوانسي.

قد تبدو فكرة الفلسفة الوصفية البحتة -التي عيبها الوحيد هو المشاكل التي تعترض تطبيقها الصحيح- جذابة؛ ولكن بالنسبة لي، فإن الطموح نحو “التوصيف الخالص” هو أيضًا يوتوبيا فلسفية.

نظرًا لأن تصاورينا وتوصيفاتنا اللغوية دائمًا ما تكون مشروطةً بمعتقداتنا وغاياتنا، فلا يمكن أن يكون هناك توصيف محايد أو “نقيّ” لأي قواعد لغوية. علاوةً على ذلك؛ فإن كل محاولة من هذا النوع دائمًا ما تكون مدفوعةً ببعض الأغراض والدوافع المسبقة، وهذا هو الحال مع مدرسة سوانسي للفلسفة الدينية. لذلك فإن الهدف الثاني من هذا المقال هو اكتشاف الدوافع التي أثّرت على منهجهم.

في الجزء الأخير من هذه الورقة، سأثبت أن الوصف غير المتحيّز للعلاقة بين اللاهوت والعلم يمكن تحقيقه باستخدام “الأدوات” الفلسفية التي ابتكرها فيتجنشتاين. وسأقدّم مثل هذا الوصف، الذي سيكون مستوحًى على نطاق واسع من مؤلف “تحقيقات فلسفية” وأسس وأفكار مدرسة سوانسي. ومع ذلك؛ سأمتنع عن انتقاد الممارسات وردود الفعل اللغوية (وغيرها) التي يعتبرها ممارسوها دينيةً.

رفض مبدأ تجسيد الإله

يمكن تقسيم العلاقة بين الدين والعلم إلى ثلاث مجموعات أساسية من التفاعلات: عندما لا تكون هناك مساحة مشتركة ولا تكون هناك حاجة للتفاعل، قد نلاحظ الفصل الكامل بين الدين والعلم؛ لكن عندما يتنازع الطرفان ويحاولان السيطرة على نفس المناطق المعرفية (والسياسية) ينشأ الصراع. تعتبر حالة هجوم جاليليو والمسيحيين على نظرية داروين هي المثال الأكثر شيوعًا للتطلعات الإمبريالية البالية للاهوت (الغربي)، في حين يمكن إعطاء أفعال سيغموند فرويد وريتشارد دوكينز كأمثلة على نفس الاتجاه من المعسكر المقابل.[4]

ربما يكون النوع الثالث من التفاعلات بين العلم والدين هو الأكثر إثارةً للاهتمام، ولكنه أيضًا أكثر تعقيدًا وصعوبةً في الفهم. يتطلّب التعاون اتفاقًا جزئيًا على الأقل، وهذا يعني أن هناك حاجة إلى أرضية مشتركة. كيف يمكن الوصول إلى مثل هذا الموقف المحايد بين العقل اللاهوتيّ والعلميّ؟ ما نوع العلاقة التي سيخلقها بين الدين والعلم؟ ما الذي يمكننا تحقيقه بواسطته؟ هل هذه الأرضية المشتركة ممكنة؟

سأحاول الإجابة على هذه الأسئلة في نهاية الورقة، لكن أولاً سأقدم عرضًا لتيار معيّن في الفلسفة الأنجلوساكسونية للدين في القرن العشرين، والتي أعطتنا بعض الإجابات المُدهشة والاستثنائية. هذا سوف يمهّد الطريق لوجهة نظري حول العلاقات بين الدين والعلم. أودّ أن أقدم ما يسمى بـ “إيمانية فيتجنشتاين”[5] وهي مُقاربة فلسفية للدين أنشأها راش ريس وبيتر جي وينش وروي إف هولاند وهوارد أو موونس وديوي زد فيليبس في جامعة ويلز في سوانسي (و لذلك تسمى مدرسة سوانسي Swansea)، بدعم من نورمان مالكولم من جامعة كورنيل (الولايات المتحدة الأمريكية).

عادة ما يُنظر إلى مؤيّدي فيتجنشتاين الإيمانيين على أنهم “انفصاليّون” فيما يتعلّق بالعلاقة بين العلم والدين، وهناك أسس جيدة تدعم هذا الرأي. ووفقًا لهم، فإن كلا المجالَين -من وجهة النظر المعرفية- غير متداخلَين تمامًا، وذلك لأن الدين ليس له أيّ محتوى معرفيّ، واللاهوت هو مجرد تعبير عن القواعد اللغوية للدين.[6] ومع ذلك؛ فهم يرفضون بشدة الاتهامات بالانفصال وتهمة “التجزئة المفاهيمية لللغة language compartmentalization”، وذلك لأن الإبستمولوجيا ليست همّهم الأساسي، وهم -خاصة فيليبس- يقدمون العديد من الأمثلة على العلاقات المتبادلة بين الدين والعلم في حياة الإنسان.

يُثير الادّعاء بأن الإيمان الدينيّ ليس له محتوى معرفيّ جدلًا. يبدو أنه يردّد صدى اللاهوت الخالي من الأسطورة لرودولف بولتمان. ولكن بشكل أكثر خطورةً، وعلى عكس بولتمان -الذي كان يعتقد أن إزالة المحتوى الأسطوري ضرورية بسبب الضغط المتزايد للعلم على التفكير الديني المعاصر-؛ تؤكد مدرسة سوانسي أن المحتوى الأسطوري بالإضافة إلى المحتوى المعرفيّ -الذي يعكسه ظاهر اللغة الدينية- للإيمان الديني هو ما يعكس تأثير سيادة العلم في حياتنا. وفقًا لبولتمان؛ يبدو أن المسيحية بالأساس لها أصل أسطوريّ، بينما يؤكد مؤيدو إيمانية فيتجنشتاين أن المعتقد المسيحيّ كان في الأصل خاليًا من التفكير الأسطوري، ولكنه بعد ذلك أصبح “ملوّثًا” به. ومن ثَمَّ، يكمن الاختلاف الرئيسي بين المذهبَين في فهم أدوارهما: فبينما يعرض بولتمان معنًى جديدًا للرموز الدينية، يهدف أتباع فيتجنشتاين إلى استعادة المعنى الأصليّ لهذه الرموز وإزالتها من التفسيرات المُربكة اللاحقة. لذلك؛ في حين أن الأول يفكر في نفسه على أنه لاهوتيّ يقترح تأويلًا مسيحيًّا جديدًا، يعتبر الأخيرون أنفسهم فلاسفةً يتعاملون ببساطة مع سوء الفهم في مجال اللغة الدينية من خلال طريقة “التوصيف الخالص” لاستخدامها الصحيح.

ما الذي يزعم ريس وأتباعه أنهم يكشفونه باستخدام “التوصيف الخالص”؟ أولاً، توصّلوا إلى استنتاج مفاده أن الإله ليس شيئًا، هذا لا يعني -ببساطة- أنه مختلف عن كل الأشياء في هذا العالم؛ وهي النظرة المقبولة على نطاق واسع من قبل غالبية اللاهوتيّين والفلاسفة؛ بل ما يعنيه مؤيّدو إيمانية فيتجنشتاين بعبارة “الإله ليس شيئًا” هو أن لغة الأشياء لا يمكن تطبيقها عليه بطريقة تجعلها مُثمرةً ومُنتجةً للمعنى. لذلك يستنتجون أن الحديث عن الإله بالطريقة التي نتحدّث بها عن الأشياء لا طائل من ورائها؛ وقد كتب ريس:

إذا شدّد المرء…على حقيقة أن “الإله” شيء موضوعيّ، وخاصة إذا استمرّ المرء…في القول بأن له اسمًا مناسبًا= فإن الشيء الطبيعي هو افتراض أن الطريقة التي نعبّر بها عمّا نعنيه عندما نقول “الإله” مماثلة للطريقة التي نعبّر بها عن المعنى الذي نقصده عندما نقول “الشمس” أو “تشرشل”، أو حتى كلمة “تعني” نفسها. لكن لا شيء من هذا القبيل سيُفيد في هذا الصدد. ترتبط الأسئلة حول “المعنى” فيما يتعلّق بأسماء الأشياء المادية بنوع المعايير التي نُحيل إليها بالقول إن هذا هو نفس الشيء “هذا هو نفس الكوكب الذي رأيته في الجنوب الغربي الليلة الماضية”، “هذه هي نفس السيارة التي كانت هُنا هذا الصباح”. لنفترض أن أحدهم قال أن كلمة “الإله” تعني شيئًا مختلفًا تمامًا عن كل ما نعرفه ورأيناه؛ فماذا يمكن أن تعني؟[7]

لا شيء بالطبع. وبالتالي؛ لا يمكن أن يكون الإله موضوعًا (شيئًا، كائنًا)، وبالتالي لا يمكن أن يكون موضوعًا لإسناد أيّ مسند بالطريقة العادية. توصَّل اللاهوتيّون العظماء في الماضي، مثل القديس توما الأكويني، إلى نفس النتيجة،[8] ولكن من وجهة نظر فيتجنشتاين؛ كان إدراكهم غير واضح بسبب استخدامهم المُربك للمخططات المفاهيمية. لم يمتنع الأكويني نفسه عن التفكير في الإله من منظور العلاقة السببية المحدّدة بفعل الخلق، بل حاول أيضًا إثبات وجوده.[9] إن مقاربة أتباع إيمانية فيتجنشتاين أكثر صرامةً: فهم لا يرفضون فقط تفسيرات فعل الخلق بمصطلحات السببية[10] بل يرفضون أيضًا الاعتراف بوجود الإله كحقيقة.

يُشير كتاب هولند R.F. Holland “الخطاب الدينيّ والخطاب اللاهوتيّ” (1956)[11] -الذي يستكشف الفرق بين لغة الإيمان ولغة الخلاف اللاهوتي حول وجود الإله- إلى أن الاعتقاد بوجود الإله ليس جانبًا طبيعيًا من جوانب الإيمان الدينيّ. يُلاحظ هولند أن البعض قد يتعامل مع الإيمان على أنه مجموعة من المعتقدات عن الإله، ولكن -بالنسبة له- ليس هذا هو الإيمان الدينيّ حقًا، فقد كتب:

هل من المعتاد في الواقع أن يقوم المتديّنون الجادّون بأيّ شيء يمكن وصفه بشكل صحيح بأنه يتحدّث عن الإله؟ إنهم يؤمنون بالإله بالتأكيد، وعادةً ما يكونون مستعدين لتأكيد هذا الاعتقاد، إنهم يعبدون الإله، ويحمدونه، ويصلّون له، ويستغفرونه. ربما يُقال إنهم يتحدّثون “إلى” الإله؛ لكن هذا مختلف تمامًا عن الحديث عن الإله.[12]

من يتحدّث عن الإله؟ إنهم علماء اللاهوت الرسميون، والعلماء الذين يُولون بعض الاهتمام بالفلسفة و”إنسانيّو البرنامج الثالث” -كما يسميهم هولند- أي المفكرون المرتبطون براديو بي بي سي وجوّه الفكريّ. يشبه الخطاب اللاهوتي دراسة الأشياء، ولكن لا يمكن الإشارة إلى الإله على أنه شيء، على الرغم من أن بعض التعبيرات الدينية قد تُوحي بذلك. غالبًا ما ينطق المؤمنون بافتراضاتٍ قد يبدو أنها تؤكّد شيئًا عن الإله، لكن هولند يربط هذه الافتراضات بالمؤمنين أنفسهم وعلاقتهم بالإله.

ولكن إذا طلب شخص مّا بعد ذلك وصفًا لنمط العلاقات الذي تندرج تحته هذه العلاقة، فيجب أن أقول إن هذا الطلب يدلّ على سوء فهم.[13]

لا يمكن الإشارة إلى الإله أو الإسناد إليه، لأنه ليس شيئًا وليس موضوعًا لمحمول. إن الوصف النحوي لكلمة “الإله” ليس هو الاسم العَلَم. وإذا كان الأمر كذلك -كما يزعم راش ريس Rush Rhees وأتباعه- فيمكن أن يكون مماثلًا لكلمة “تشرشل”، لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا، لأن استخدام أسماء العَلَم العادية يعتمد على معايير التشابه بين حامليها؛ ولا توجد مثل هذه المعايير لكلمة “الإله”.[14] لذلك قد يفسّر المرء أن الكلمة محلّ النقاش هي اسم عَلَم ناقص العَلَمِيَّة، لكن مؤيّدي فيتجنشتاين يميلون إلى رفض هذه الطريقة في التعامل مع هذه المشكلة.

أعرف ما يعنيه أن نقول إن “ملكة بريطانيا” تعني شخصًا مختلفًا الآن، وأعرف ما يعنيه القول إن كنيسة القديسة مريم ليست كنيسة القديسة مريم التي كانت موجودة في أيام كذا وكذا؛ كما أعرف نوع الأشياء التي يمكن أن تُقال إذا سألت عن أيّ من هذه العبارات. ولكن لا يمكن قول أيّ شيء من هذا القبيل فيما يتعلّق بأي سؤال حول معنى “الإله”. هذه ليست مسألةً تافهةً أو غير جوهرية؛ إنها مرتبطة بطرق مهمة جدًّا مع ما أسمّيه التوصيف النحوي لكلمة “الإله”. وهذا أحد الأسباب التي تجعلني لا أعتقد أنه من المفيد أن أقول إن الكلمة لها مدلول واقعيّ ثابت.[15]

إن الرأي القائل بأن الإله ليس كائنًا طبيعيًّا؛ هو رأي واضح ومعترف به على نطاق واسع من قِبَل الغالبية العظمى من اللاهوتيين. هذا هو بالضبط سبب تشكيل تعابير مثل الكائن الأسمى أو الكائن الأبديّ. ومع ذلك؛ تذهب مدرسة سوانسي إلى أبعد من ذلك بكثير، فهم يقترحون أنه بما أن كلمة “الإله” في اللغة الدينية لا تشير إلى أيّ شيء يمكن تعريفه، فقد لا يوجد شيء اسمه “الإله”، وبالتالي ليس هناك موصوف صحيح في قولنا “الإله موجود”.[16] ومع ذلك هُناك خلاف بين أتباع فيتجنشتاين فيما يتعلق بمفهوم الوجود الضروري، لقد استخدمه نورمان مالكولم في ورقته البحثية المعروفة بعنوان “البراهين الأنطولوجية للقديس أنسلم” “Anselm’s Ontological Proofs” حيث يُجادل بأن سِمَة الضرورية تغيّر الطريقة التي يستخدم بها تعبير “وجود الإله”، ويشير إلى دور التعبير expression كقاعدة نحوية في اللغة الدينية.[17] على الرغم من تردد أقرانه حيال هذه الفكرة.[18]

رفض مبدأ القدرة المُطلقة للإله

إذا لم يكن الإله كائنًا/شيئًا، فكيف يُمكن للمرء أن يفكّر فيه على أنه خالق العالَم مُطلق القدرة؟ ردّ مدرسة سوانسي بسيط: لا ينبغي للمرء أن يفكّر فيه بهذه الطريقة. وقد انتقد راش ريس في ورقته المُوجزة للغاية -بعنوان اللاهوت الطبيعيّ (كُتبت في عام 1963، ونُشرت في عام 1969)- بشدة مفهوم القدرة الإلهية. يقترح ريس أن فكرة “القدرة المُطلقة” تتعارض مع التفكير الدينيّ الأصيل والعميق. يستخدم ريس الكثير من الحُجَج الساخرة ليصوّر موقفًا يختار فيه المرء أن يعبد الإله من باب أنه هو الموقف محمود العواقب:

هل سبب عدم عبادة الشيطان بدلاً من الإله أن الإله أقوى من الشيطان؟ ففي النهاية الخلاص بيد الإله، ولن يستطيع الشيطان أن يخلّصك من غضبه، فحين تُدرك ذلك ستعبد الإله؛ الأمر كما لو كان: “فكّر في مستقبلك يا فتى، ولا تضيّع فرصك”. أن يكون الدين بهذه الوضاعة، لهو أمر مرفوض حتمًا.[19]

ووفقًا لريس؛ يجب ألا يقوم التفكير الدينيّ الصحيح والأصيل على مثل هذه المُناورات والرهانات، بل على مفاهيم الحب والنعمة والرحمة والودّ. ولذا يجب فهم فكرة الخلق ضمن هذه الأُطُر المفاهيمية، مثل فكرة تقييد الإله لذاته:

كل الخليقة أجمع، هي صورة لنقص قوة الإله. أولئك الذين اعترضوا على فكرة قدرة الإله المطلقة على أسس من هذا النوع، كانوا على حق. وأولئك الذين يرون تشابهًا -أو أكثر من مجرد التشابه- بين فعل الخلق والعاطفة، لن يُجادلوا في ذلك.[20]

قادَ هذا النمط من الجدل ريس إلى استنتاج مذهل: إن مفهوم القدرة المُطلقة هو محض وسوسة شيطانية؛ فلا ينبغي عبادة صورة القاهر شديد البطش -حتى لو كان موجودًا- بل يجب رفضه بوعي، على الرغم من كل العواقب المُحتملة.

إذا كان السبب الأول والرئيسيّ لعبادة الإله هو الاعتقاد بأن “فرانكنشتاين الخارق” سيدفعني إلى الجحيم إذا لم أفعل ذلك= فعندئذ آمل أن يكون لدي الشجاعة والوقاحة الكافية لأقول لهذا الكائن -الذي يُدعى زورًا “الإله القدير”- أنني لن ألعب هذه اللعبة.[21]

هذه النظرة (التي قد يجدها البعض صادمةً ومُلحدةً) كانت بارزةً في عقيدة مدرسة سوانسي على مدى الخمسين عامًا التالية بعد نشر مقال ريس، وعادت إلى الظهور في آخر عمل مهمّ لـ د. فيليبس: مشكلة الإله ومشكلة الشر (2004). يذكر الكتاب مقال “تحفة من الإلحاد الوجودي” للفيلسوف النرويجي الأقل شهرةً هيرمان تينسين. تقدّم الورقة المذكورة تفسيرًا مُزعجًا لقصة أيوب الكتابية، وتقترح استنتاجًا شديد التشاؤم للقصة: على الرغم من وجود الإله (يهوه في العهد القديم)، إلا أنه طاغية مختلّ عقليًا، يتبع نزواته في التلاعب بحياة الناس، وليس هو ذلك الكائن الذي يميل المؤمنون إلى النظر إليه باعتباره الصورة الكاملة للعظمة الروحية.[22] يستشهد فيليبس باستنتاج المقال المذكور من أجل تقديم عواقب تبنّي فرضية الربّ القادر على كل شيء. ومع ذلك؛ فإن العديد من فلاسفة الدين على الرغم من قبولهم نفس الفرضية، إلا أنهم يختلفون مع الاستنتاج الذي وصل إليه تينسين، ويطوّرون ردًّا مبنيًّا على مشروع الثيوديسيا (العدالة الإلهية)، وهي محاولة للدفاع عن الإله كلّيّ القدرة ضد الاتهامات المتعلّقة بوجود الشر في العالم. ينفي فيليبس إمكانية إنجاز مثل هذه المهمة. ويُجادل بأنه إذا كان الإله يحكم الأرض حقًا، فهو -كما يقول تينسين- “إله تقوده نزواته”.[23] وفقًا لفيليبس، فإن الخطأ الرئيسيّ لعلماء الدين هو تأكيدهم وتبنّيهم لطريقة للتفكير في الإله تصوّره على أنه رحمة خالصة، ولطيف إلى أبعد الحدود، وهو في نفس الوقت مُطلق القدرة، وخالق العالم، وهكذا يُمكنه فعل أيّ شيء يشاء به. إذا كان الأمر كذلك، فيجب اعتباره وكيلًا أخلاقيًّا يمكن تقييم أعماله وفقًا لبعض المعايير الموضوعية. يدفع هذا التطوّر الفلاسفة إلى طائفة من التكهّنات حول “الخير الأكبر” و “الثمار الأخلاقية” لأشياء مثل الهولوكوست، أو فكرة أن الشرّ هو فرصة لإظهار السمات النبيلة والحرية وعملية تهذيب الروح.[24] من وجهة نظر فيليبس، كل هذه الأفكار خاطئة، فهي تؤدي إلى ابتذال مفهوم نعمة الإله، وتبدو مثل النكات الحمقاء في مواجهة الأمثلة الحقيقية للشرّ:

يدّعي المُدافعون عن العدالة الإلهية أن أنظمتهم تجعل تصرفات الإله مفهومةً لنا؛ لكن الفهم الذي نحقّقه من خلال فحص ما يقولونه هو أن نرى مدى تهافت الردود الأخلاقية على وجود المعاناة. يبدو إذن أننا إذا حاولنا فهم تصرّفات الإله بالمعايير التي تقدّمها لنا الثيوديسيا، سنصل إلى القول بأن الإله ليس مذنبًا فحسبُ، بل أيضًا غير مفهوم.[25]

رفض مبدأ البعث بعد الموت

عادةً ما يكون الجزء المهم من كل دين هو نوع من الوعد بالخلاص. تربط المسيحية هذا المفهوم بفكرة الروح الخالدة. تشكّلت التفسيرات الفلسفية واللاهوتية السائدة لهذه المصطلحات من خلال تيارات الفلسفة الأفلاطونية، والتي بمُوجبها تكون الروح مستقلةً إلى حدٍّ مّا عن الجسد، ويمكن أن توجد بدونه وبعد وفاته. ومن ثَمَّ، يُنظر إلى الحياة بعد الموت على أنها الموضوع النهائيّ للرجاء المسيحيّ، وهو الوعد الذي أعطاه الإله ليسوع المسيح، والقيامة هي علامة على هذا الوعد.

يُعارض أتباع فيتجنشتاين الإيمانيّون -وفيليبس على وجه الخصوص- بشدة مثل هذه الأفكار. أولًا، يرفضون مفهوم الروح على أنها نوع من الأشياء. فهذا مفهوم فلسفيّ آخر غير صحيح ولا علاقة له بالإيمان الديني. الروح من وجهة النظر الدينية ليست مادةً ولا صفةً لمادة، كما أن التحليل اللغويّ الخالص والخالي من المفاهيم الفلسفية الخاطئة يوضح أن المصطلح له معنًى مختلف تمامًا:

إذا سألنا أنفسنا متى نفكّر في ما إذا كان للإنسان روح أم لا، فإننا نرى أن هذا لا علاقة له بأيّ نوع من الأسئلة التجريبية. لا يشبه السؤال عما إذا كان لديه حنجرة أم لا… الأسئلة حول حالة روح الإنسان هي أسئلة حول نوع الحياة التي يعيشها. إذا كانت الروح كيانًا متميّزًا تمامًا داخل الإنسان، فسيتبع ذلك أن ما يفعله الإنسان لن يؤثّر عليها. لكن هذه ليست الطريقة التي نتحدّث بها عن الروح. العلاقة بين الروح وكيف يعيش الإنسان ليست علاقة تأثير وتأثُّر… وبمجرد إدراك هذا، وبمجرد أن يتوقّف المرء عن التفكير في الروح كشيء، أو كنوع من الجوهر غير الماديّ= يمكن للمرء أن يرى أنه في سياقات معينة، فإن الحديث عن الروح هو وسيلة للحديث عن البشر.[26]

بما أن أتباع فيتجنشتاين لا يتركون مكانًا للواقع الميتافيزيقيّ وغير الماديّ للأنا الديكارتية أو المفاهيم المماثلة، فإنهم يتجاهلون فكرة الجوهر الأبديّ فينا، الذي لديه القدرة على البقاء على قيد الحياة بعد موت أجسادنا. من المفترض أن يكون موت الجسد هو النهاية النهائية لنا، وعلينا ببساطة أن نتصالح مع هذه الحقيقة. كما لاحظ ريس:

سألني أحد طلاب علم اللاهوت الأغبياء ذات مرة: “ما الذي تعتقد أنه سيحدث لك عندما تموت؟” بمعنًى مّا، بالتأكيد لن يحدث شيء “لي” بعد وفاتي، كل ما قد يقع قد يحدث لجسدي… لن يكون لديّ حياة بأيّ نوع. لن أكون على الإطلاق.[27]

يعلّق فيليبس -مقتبسًا هذه الفقرة- بأن هذه الكلمات لا تستبعد مفهوم الحياة الأبدية ولا المفهوم المسيحيّ عن الدينونة الأخيرة.[28] قد يتساءل المرء كيف يكون هذا ممكنًا. يمكن العثور على الإجابة -وفقًا لفيتجنشتاين- في القواعد اللغوية الدينية لكلمة “روح”. يُظهر فحص الاستخدامات الدينية الحقيقية لهذا المفهوم (باستثناء النظريات الفلسفية واللاهوتية والعظات الأفلاطونية) أنه ينبغي فهمها من حيث نوع الحياة التي يعيشها “صاحب الروح”، أي ما إذا كانت حياته عميقةً من الناحية الروحية أم سطحية.[29]

يجب توضيح ما يقصده أتباع فيتجنشتاين عندما يتحدّثون عن الروحانية أو البُعد الروحيّ للحياة البشرية. مرةً أخرى؛ فهمهم لا علاقة له بأيّ نظرية ميتافيزيقية لجوهر غير ماديّ. وفقًا لهم؛ فإن الروحانية تتجلى في الحياة اليومية وفي علاقاتنا مع الآخرين. عادةً ما يكون من السهل اكتشاف متى يكون الشخص أنانيًّا وغارقًا في ذاته، أو عندما يكبح رغباته ويكون قادرًا على التضحية بالراحة والوقت والصحة، وأحيانًا حتى بالحياة من أجل الآخرين. أعضاء مدرسة سوانسي -بعد سيمون ويل- يسمّون النوع الأخير “الموت من أجل الذات”، ويدّعون أنه في المسيحية يرتبط بفكرة النظر إلى الحياة على أنها هدية أو نعمة غير مستحقة.[30]

ومن هُنا يدّعي أتباع فيتجنشتاين أن الموضوع الحقيقي للإيمان المسيحي ليس استمرار وجود المرء بعد موته، ولكنه الأمل في الحياة الأبدية. لا تعني كلمة “أبدية” في هذا السياق مزيدًا من الحياة، ولكن هذه الحياة – الحياة التي نعيشها هُنا والآن – تُرى على أنها ما قبل الخلود sub specie aeternitatis (كما قالها فيتجنشتاين في رسالته) وبمفاهيم التضحية والنعمة.[31] الحياة الأبدية الحقيقية هي المشاركة في حياة الإله، ولكن ماذا يمكن أن يعني ذلك إذا كان الإله ليس شيئًا/كائنًا؟ يُحاول فيليبس توضيح ذلك بما يلي:

أقترح إذن أن الحياة الأبدية للمؤمن هي المشاركة في حياة الإله وأن هذه الحياة لها علاقة بالموت من أجل الذات، مع العلم أن كل الأشياء هي هبة من الإله، ولا شيء لنا بالحق أو بالضرورة… بتعلّمه عن طريق التأمل، واليقظة، والزهد، ومعرفة ما يعنيه الغفران، والشكر، والمحبة، وما إلى ذلك؛ في هذه السياقات= يُشارك المؤمن في حقيقة الإله؛ هذا ما نعنيه بواقع الإله.

هذه الحقيقة مُستقلّة عن أيّ مؤمن، لكن استقلالها ليس استقلالية سيرة منفصلة، هي مستقلة عن المؤمن بمعنى أن المؤمن يقيس حياته عليها.[32]

ثم يُواصل القول إن حقيقة الإله أبدية بمعنى أنها لا تتغيّر ولا يمكن أن تتأثّر بأيّ شيء، لا سيما رغبات أو أفعال الأشخاص. يُمكن بعد ذلك صياغة المعنى النهائيّ لواقع الإله بمفاهيم “المقياس الأبديّ” و “الحب” و “النعمة” و “الغفران”. إن مفاهيم مثل “الوجود” و “القوة” و “السبب” و “الحقيقة” لا تمنحنا معرفةً إضافيّةً بحقيقة الإله (نظرًا لأن “معرفة الإله” بعيدة جدًّا عن مفهوم “المعرفة العلمية” مثلًا، أو المعرفة بالحقائق)[33]، وذلك أساسًا لأن الموقف الدينيّ الحقيقيّ تجاه الإله ليس معرفيًّا على الإطلاق.[34]

الاعتراضات على مذهب/عقيدة فيتجنشتاين

قد نعتبر مدرسة سوانسي مجموعةً من المفكرين الذين يقدمون لاهوتًا مثيرًا للاهتمام. في الواقع؛ هذا هو ما اقترحته في هذه المقالة حتى الآن، لأنني كنت أميل إلى استخدام مصطلح “عقيدة” عند الإشارة إلى نظرياتهم. لكن هذا بالتأكيد لا يعكس كيف يريدون أن يُنظَر إليهم. إنهم يعتبرون أنفسهم ورثةً فكريّين لمؤلف كتاب “تحقيقات فلسفية”، الذي يعتقد بدوره أن الفلسفة يجب أن تترك كل شيء كما كان.[35] يعتقد الإيمانيون أن لودفيج فيتجنشتاين في فلسفته المتأخرة يصف فقط الاستخدامات الفعلية للغة، ولا يتطرق لأيّ نظرية فلسفية معينة. ومع ذلك؛ فهم يتبعون فكره في مجال فلسفة الدين.[36] إنهم ينفون أيّ تفسير واقعيّ للمعتقدات الدينية، لأن الإيمان الديني الحقيقي -حسب رأيهم وفيتجنشتاين- ليس له علاقة بالحقائق.[37] كما أنهم يرفضون فكرة الحياة بعد الموت وتدخّلات الإله في العالم، كما هو الحال مع فيتجنشتاين؛ الذي كتب أيضًا ما يلي:

ثمة فرق جوهري بين الإيمان الدينيّ والخرافات؛ فأحدهما ناتج عن الخوف، وهو نوع من العلم الزائف، أما الآخر فهو مدفوع بالثقة.[38]

يُمكن القول إن هذه هي النقطة المركزية في فكر أنصار إيمانية فيتجنشتاين: فهُم يستخدمون على نطاق واسع الفرق بين “الدين الحقيقيّ” و”الخرافات” من أجل انتقاد محتوى ما يسمونه “الدين الشعبيّ”. بالطبع؛ لا يُنكر دُعاة مدرسة سوانسي أن بعض الناس يؤمنون بالإله كشخص يُساعدهم في مشاكلهم اليومية، والذين يصلّون من أجله أحيانًا لإقناعه بفعل شيءٍ مّا. إنه شخص يقبلون وجوده كحقيقة؛ ويأمل نفس الأشخاص أيضًا أن ينجوا من موتهم كأرواح بلا جسد. سيكون من غير المُجدي إنكار مثل هذه الحقائق الاجتماعية وهو ما يعترف به أتباع فيتجنشتاين. لذلك يعترفون بأن مهمتهم ليست فقط دخول المعركة مع الادّعاءات الميتافيزيقية للفلاسفة وعلماء الدين، ولكن أيضًا انتقاد بعض الممارسات والآراء “المضلّلة” للمؤمنين العاديّين. ومع ذلك؛ يزعمون أن أسس أيّ نقد فلسفيّ مبرّر للمعتقدات الدينية يجب أن توجد داخل الدين نفسه.[39]

هناك أسباب وجيهة لا يمكن من أجلها القيام بمثل هذا النقد وفقًا للقاعدة المنهجية المتبعة لما يسمى بـ”التوصيف الخالص” للممارسات اللغوية. أولًا، هُناك مشكلة في القاعدة نفسها: عند وصف أيّ ممارسة، يجب أن نحدد ما هو ضروريّ وغير ضروريّ في كامل بنية الممارسة المعيّنة. لذلك؛ يجب اتخاذ الخيارات حول ما يجب التركيز عليه، ولكن هذا يعني أن الجوانب المسكوت عنها (مثل الإيماءات، والتعبيرات الخاصة، والعلاقات الخاصة بين الكلمات أو الجمل، وما إلى ذلك) لن تخرج إلى النور. وهكذا يُمكن وصف ممارسة واحدة بطرق لا حصر لها، وكل وصف يختلف عن الآخر. كيف يمكننا الحصول على معايير لتمييز الوصف الصحيح من غير الصحيح؟

قد يُجيب المرء: يُمكن العثور على المعايير في التقليد الذي تنتمي إليه الممارسة. لكن هل هذا يعني أنه ينبغي لنا أن نسأل الأشخاص المُشاركين في هذه الممارسة لتقييم أوصافنا؟ إن التمّكن من ممارسة تقنية معينة لا يضمن التمكّن من وصفها وصفًا دقيقًا وموضوعيًّا. يتضح هذا من مثال جيلبرت رايل: قد لا يتمكن الأشخاص البسطاء الذين عاشوا في قرية لسنوات عديدة من رسم خريطة لقريتهم، وبالتالي قد لا يتمكّنون من تقييم خريطة صنعها شخص آخر. هذه أيضًا هي النقطة التي قدّمها فيليبس، حيث كتب:

اقترح بعض الفلاسفة طريقًا مختصرةً للإجابة على سؤال [ما هو الوصف الصحيح للممارسات الدينية]: ببساطة اسأل عما يقصده المؤمنون بمعتقداتهم، وهذا يحسم الأمر. لسوء الحظ؛ لا يصل بنا هذا الاقتراح إلى أيّ مكان، لأن حقيقة أن شخصًا مّا يصلّي، لا تحمي المرء من تقديم رواية مشوشة عن الصلاة.[40]

لكن لسوء الحظ؛ عند رفض “مسلّمات العقل العالمية” الميتافيزيقية= فلا يوجد مصدر آخر للمعايير التي يمكننا أن نسعى إليها.[41] ولذا يجب أن نعتمد بطريقةٍ مّا على المعايير الداخلية للتقاليد الدينية نفسها. ولكن عندما يتعلق الأمر بتقاليد مثل المسيحية -وهي تقاليد قديمة جدًا ومعقدة- يبدو أنه يجب علينا مرةً أخرى اتخاذ خيارات، لأن التقليد نفسه عبارة عن مجموعة من الآراء المختلفة بمجموعات مختلفة من المعايير، وأحيانًا ما تكون متناقضةً مع بعضها البعض. أخيرًا؛ يبدو أن “وصفنا الخالص” يتحدّد من خلال وجهة نظرنا حول التقليد الذي نكتب عنه.

ومع ذلك؛ من الممكن تبنّي وجهة نظر مصمّمة عن قصد لإنجاز مهام الاتصال والمقارنة بين التقاليد. تُتيح إمكانية مثل هذا النهج إجراء دراسات أكثر موضوعيةً في مجالات مثل علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا أو العلوم الثقافية. وسأقوم بتطوير هذا المفهوم بشكل أكبر في الورقة.

اعتراضي الثاني على الادعاء بأن فلسفة الدين لمدرسة سوانسي “وصفية بحتة” يمكن تبريره بحلهم الخاصّ لمشكلة معايير الوصف الصحيح للممارسات الدينية. (من المُلاحظ أن هذه المعايير تشكِّل الأساس لانتقادهم للممارسات الدينية الحالية). يحبّ أتباع فيتجنشتاين أن يتذكّروا المثال التالي من الكتاب المقدس: طقوس كبش الفداء الموصوفة في سفر اللاويين 16: 20-22.

كتب فيليبس -بعد أن اقتبس تعليقًا نقديًّا على الطقوس المُدْرَجة في تفسير الكتاب المقدسThe Interpreter’s Bible  (نشرته United Methodist Church)-[42]

لاحظ أننا هُنا لدينا إمكانية النقد من داخل التقليد. تبدو الطقوس المتعلّقة بكبش الفداء فجةً وغير متماسكة؛ قد يقول فيتجنشتاين إن الفظاظة وعدم التماسك يرتبطان جزئيًّا -على الأقلّ- بالتضارب في الدور المنسوب إلى الحيوان في الطقوس. من خلال التفكير في أن كبش الفداء يمكن أن يمحو الذنوب، فإن ذلك يحجب ويشوّه الشوق المشروع لشعب في التحرّر من خطاياهم.[43]

بالطبع؛ يمكننا أن نجد العديد من الأمثلة المُتشابهة للطقوس والتقاليد الدينية التي كانت تُمارَس ذات مرة وانتُقدت لاحقًا في إطار التقاليد اليهودية-المسيحية (مثل القيود على الطعام). لكن هذا يعني فقط أن التقاليد الدينية قد تتطوّر. ما يفتقده فيليبس هنا هو أن إمكانية حدوث مثل هذا التطوّر داخل التقاليد الدينية تتطلّب مؤسساتٍ خاصةً يحقّ لها إعطاء موافقتها أو رفضها لطقوس ومعتقدات وأفعال المجتمع. كانت تلك المؤسسات في زمن العهد القديم ممثلَّةً في الأنبياء؛ وفي عصر لاحق صارت السلطة بيد أساقفة، وبطاركة، ومجالس أبرشية، وعلماء لاهوت. لذلك؛ فإن إعطاء معايير للوصف المقبول والسليم للممارسات الدينية -أي التعرّف على ما هو صحيح وما هو خطأ فيها- هو مهمة لاهوتية بالمقام الأول؛ ولهذا السبب أميل إلى وصف مذهب أتباع إيمانية فيتجنشتاين بأنه “عقيدة لاهوتية”.

ومع ذلك؛ هناك حاجة إلى إخلاء المسؤولية هنا: من الممكن إجراء نقد فلسفيّ لبعض الأوصاف اللاهوتية المتجذرة في بعض النظريات الميتافيزيقية القديمة. لذلك؛ جزء من عقيدة مدرسة سوانسي لا يمكن أن نعدّه نوعًا من النظرية اللاهوتية، لأنه ينتقد الأسس الميتافيزيقية لبعض المفاهيم اللاهوتية. من منظور فلسفة اللغة لفيتجنشتاين؛ يقوم المؤمنون بمهمة الفلاسفة، لكن عندما يستمرّون في الاستفادة من ثنائية “الدين الحقيقي” و”الخرافات”، وعندما يطوّرون نقدًا لـ “دين الخوف”= فإنهم يُغادرون عالم الفلسفة، ويُغامرون عميقًا في السياق اللاهوتيّ.

لكن لماذا يَعبُرون الحدود الموضوعة؟ أحد الأسباب الواضحة هو أنهم اتبعوا فيتجنشتاين. يمكن القول إن فيتجنشتاين نفسه كان أول مؤيّد للإيمانية منذ أن كتب ملاحظاتٍ لاهوتيّةً صارمةً في مذكراته، والتي نُشرت تحت عنوان “الثقافة والقيمة”.[44] لكن فيتجنشتاين ليس السلطة اللاهوتية الوحيدة لمدرسة سوانزي. فهم قد تأثروا بفيلسوفة أخرى ذات ميول لاهوتية: سيمون فايل. كما ذكرتُ سابقًا؛ فهُم مدينون لها بفكرة “الموت من أجل الذات” التي تلعب دورًا رئيسيًّا في مفهومهم للروحانية. يمكن ملاحظة أن أتباع فيتجنشتاين (خاصة ريس وفيليبس) طوّروا فهمهم الإيجابي الكامل لواقع الإله تحت تأثير كبير من التراث الفكريّ للمفكرة الفرنسية.

سيمون فايل هي الشخصية التي تربط مدرسة سوانسي بالتقاليد اللاهوتية الغنية للأفلاطونية الحديثة التي تمزج اللاهوت السلبي مع مسحة من الوجودية. يعتبر المزيج الفريد لهذه العناصر جنبًا إلى جنب مع فلسفة اللغة لفيتجنشتاين مسؤولًا عن الأسلوب الرائع للفلسفة الإيمانية، والذي يختلف كثيرًا عن مُحيطهم الأنجلوساكسوني.

ولكن ربما يكون هناك سبب آخر لإصرارهم الطويل الأمد على التمييز بين “الدين الحقيقيّ” الذي يُبنى على الثقة، و”الخرافات” التي يدفعها الخوف. وذلك مرئيّ بوضوح في مُجادلات فيليبس العديدة مع فكرة العدالة الإلهية: تجربة الشر العظيم في القرن العشرين وسرّ صمت الإله. إذا كان الإله قادرًا على التدخّل في عالمنا، فلماذا امتنع عن منع القتل الجماعي؟ يمتلك علماء الدين إجاباتٍ لهذه الأسئلة، وقد تكون مُقنعة لبعض الناس، لكن غالبًا ما يشعر الآخرون بعدم الارتياح عند قراءتها.

يشير بريان ديفيز في مقدمته إلى فلسفة الدين إلى أنه لا يمكن تسوية هذا الجدل، لأن الخلاف لا يتعلق بالبيانات التجريبية، أو أنه لا شيء يمكن التحقق منه؛ ولكنه يتعلّق بالحساسية الفردية (يتفق ديفيز في النهاية مع علماء الدين).[45] فيليبس يُجيب على هذه الملاحظة في كتابه “مشكلة الشر ومشكلة الإله” من خلال الادّعاء بأن الوضع ليس متماثلًا، حيث إن منظومة العدل الإلهيّ برمتها ستبدو غير متماسكة إذا حاكمناها من منظور قواعد اللغة الدينية.[46] ومع ذلك -بعد أن كتب هذا الادعاء- خصّص الصفحات العديدة التالية من كتابه لسلسلة من الأمثلة المُقنعة تمامًا فيما يتعلّق بخيالنا الأخلاقيّ وحساسيتنا. (إن حساسيتنا الأخلاقية الشخصية هي ما يُزعجنا عند قراءة سوينبيرن Swinburne أو هيك Hick أو بلانتنجا Plantinga.)، ومع ذلك؛ قد يتفق المرء مع ديفيز: يذهب أتباع إيمانية فيتجنشتاين بعيدًا عندما يزعمون أن العدالة الإلهية، وجميع المفاهيم التي تفترض أن الإله قادر على فعل شيءٍ مّا في العالم، وكذلك قيامنا بعد موتنا= غير متماسكة، وتنتهك قواعد اللغة الدينية. لكن حتى إذا كانت هذه المفاهيم تنتهك قواعد اللغة الدينية كما قدّمتها مدرسة سوانسي، فما المشكلة في ذلك؟ ففي النهاية؛ ربما يرى اللاهوتيّون الأمر بشكل مختلف، وليس لدينا أيّ معايير موضوعية لتحديد الوصف الصحيح.

يشبه هذا الموقف موضوع إحدى الأوراق البحثية الأكثر شهرةً التي كتبها وينش “فهم المجتمع البدائيّ”.[47] وينش يبحث في معتقدات قبيلة الأزاندي والانطباع الذي تتركه هذه المعتقدات علينا نحن الأوروبيين “العقلانيّين”. تستند معتقداتهم إلى مفهوم السحر والأسرار الغامضة. تعتبر القبيلةُ القدرةَ على ممارسة السحر أمرًا وراثيًّا، ويمكن إثباتها بفحص جثة المشتبه به بعد الوفاة. لنفترض أن الأزاندي قد فحصوا بعض الجثث، وكانت نتائج بعض الاختبارات تؤكّد وجود السحر، والبعض الآخر لا يؤكّد ذلك. الآن؛ بافتراض أن جميع الناس في القبيلة مرتبطون بطريقةٍ مّا (وهو أمر محتمل تمامًا)، سنصل إلى استنتاجَين متناقضَين: كل زانديّ ساحر،[48] وليس هناك أيّ زانديّ ساحر. هذه هي النتيجة المنطقية مما افترضناه، لكن الأزاندي لم يقبلوا أيًّا من هذين الاستنتاجَين؛ على الرغم من أنهم يتفقون في كل المقدمات. لذلك يبدو لنا أن معتقداتهم غير منطقية وغير متسقة. لكن وينش يُعارض هذا الرأي:

لا تشكّل مفاهيم الأزاندي عن السحر نظامًا نظريًّا يُحاول أهل القبيلة من خلاله اكتساب فهم شبه علميّ عن العالم…لا يُمكن توضيح الأشكال التي تعبّر فيها العقلانية عن نفسها في ثقافة المجتمع البشريّ ببساطة من حيث الاتساق المنطقيّ للقواعد التي يتمّ بمُوجبها تنفيذ الأنشطة في المجتمع. لأنه -كما رأينا-، هناك نقطة لا نتمكّن فيها حتى من تحديد ما هو مُتماسك وما هو غير مُتماسك، ما هو منطقيّ وما هو غير منطقيّ -في مثل هذا السياق من القواعد- دون إثارة أسئلة حول النقطة التي ينطلق منها اتباع تلك القواعد في المجتمع.[49]

وفقًا لوينش؛ فإن الأزاندي ليسوا متناقضين، لأنهم لا يمارسون شكل النشاط -أي التنظير- الذي من شأنه أن يُجبرهم على استخلاص استنتاجاتنا المتناقضة. ربما كان مؤلف كتاب “فهم المجتمع البدائيّ” قد استوحاه من ملاحظة واحدة أدلى بها لودفيج فيتجنشتاين خلال اجتماعاته مع دائرة فيينا في عام 1930:

… افترِضْ أن من بين القواعد قاعدتَين تتعارضان مع بعضهما البعض، لكن كانت لديّ ذاكرة سيئة لدرجة أنني لم ألاحظ ذلك أبدًا، ونسيت دائمًا إحدى هاتين القاعدتين، أو اتبعت إحداهما ثم الأخرى بالتناوب. حتى ذلك الحين كنت أقول: كل شيء على ما يرام. لكن بعد كل شيء؛ القواعد هي تعليمات لعب اللعبة اللغوية، وطالما يمكنني اللعب، يجب أن تكون الأمور على ما يُرام. فقط عندما ألاحظ أن ثمّة تناقضًا أو أن قواعد اللعبة تتناقض مع بعضها البعض تتوقّف الأمور عن أن تكون على ما يرام. ويتجلّى الأمر كله في أنني لا أستطيع تطبيقها بعد الآن.[50]

الأمر الأكثر إثارةً للدهشة في هذه الملاحظة هو أنها تتعلق بمشاكل التناقض في أسس الرياضيات، التي تمثّل جوهر حضارتنا العقلانية. إن المغزى الواضح لهذه الاستشهادات هو أن الفلاسفة (أو أتباع فيتجنشتاين على الأقل) يجب أن يكونوا حذرين للغاية عند اتهام شيءٍ مّا أو شخصٍ مّا بالتناقض. يجب أن يسألوا أنفسهم بالأحرى: هل التناقض يجعل المرء غير قادر على الاستمرار في ممارساته؟ في حالة الرد بالنفي، فيجب إذن الامتناع عن الاتهامات. هذا هو الحال أيضًا مع السؤال: هل الإيمان بإله قويّ، يمكنه التدخّل في العالم الواقعي أو هو يتدخل بالفعل، جنبًا إلى جنب مع ملاحظة صور الظلم والمعاناة= كافٍ في جعل الناس يتخلّون عن إيمانهم به؟ الجواب يعتمد على الناس أنفسهم. إن المؤمن الذي يؤمن بأن الإله أنقذه من حادث سيارة لا يمكن تخيّله فحسب، بل لن يكون العثور على مثل هذا الشخص أمرًا صعبًا على الإطلاق. إذا سُئل أحد المؤمنين لماذا لم ينقذ الإله الملايين من غرف الغاز خلال الحرب العالمية الثانية؟ فأجاب على سبيل المثال، أن الشيطان كان يعمل عمله أيضًا. قد نُهاجمه مرة أخرى بالسؤال: هل تقصد أن إبليس أقوى من الإله؟ لكنه قد يُجيب بأن الشيطان كان أقوى في هذا العالم، أو أنه لغز عظيم، أو أنها ببساطة لا تحتاج إلى معرفة مثل هذه الأشياء. لا تعني هذه الإجابات أن حالة التدخّل الإلهي التي يؤمن بها لا يمكن أن تكون واقعيةً على الإطلاق.[51]

البحث عن أرضية مشتركة

يمكننا الآن العودة إلى مشكلة التوصيف. كانت نقطة انطلاقنا مسألة وجود أرضية مُشتركة مُحتملة بين الدين والعلم. يبدو أننا في الطريق واجهنا سؤالاً آخر: هل من الممكن وجود أرضية مُشتركة لوجهات نظر دينية مختلفة؟ على أيّ حال؛ فإن مدرسة سوانسي لم توفّر لنا هذه الأرضية؛ لأنها ببساطة تقترح وجهة نظرها الخاصة وتُحاول دحض وجهات النظر الأخرى. الإيمانية الفيتجنشتاينية هي إلى حدّ كبير نقد لعناصر التقاليد الدينية. لقد لاحظنا أن هذا مرتبط بمشكلة معايير الوصف الصحيح للممارسة. لقد قيل إن الطريقة الوحيدة للإجابة على هذه المشكلة هي استشارة المُمارسين. لكنهم قد لا يتمكّنون من إعطاء أوصاف صادقة لما يفعلونه بأنفسهم -مثلما لم يتمكّن قرويُّو رايل من رسم خطة لقريتهم- ولكن يجب أن يُسألوا عن رأيهم في وصف معيّن، وستكون إجاباتهم هي المعايير الصحيحة الوحيدة للقبول التي يمكننا تحقيقها. لن ينجح شعار التناقض المنطقيّ، لأن فئة الاتساق ذاتها ومعناها متجذّرة في الممارسات نفسها، كما أشار فيتجنشتاين في المقطع المقتبس أعلاه.

يمكننا الآن رسم نوع من الخطوط العريضة المنهجية للمواقف الدينية المختلفة.[52] هذا التوصيف يأخذ في الاعتبار العلاقة بين الدين والعلم. وهدفي هو إعطاء هذا الوصف بروح ما أشرت إليه للتوّ حول إمكانية تعدّد الأوصاف الصحيحة، دون أيّ ادّعاء بالكمال والنهائية. سيكون الوصف مستوحًى قليلاً من فلسفة مدرسة سوانسي. الخطوط العريضة بسيطة للغاية (ربما تكون مبسّطة أكثر من اللازم) لأنها تفترض ثلاثة أبعاد فقط لموقف دينيّ مُحتمل: الواقعيّ والميتافيزيقيّ والروحيّ. هذا الأخير يتطلّب تفسيرًا أوسع. إنه البُعد الذي حدّده مؤيّدو إيمانية فيتجنشتاين وسيمون فايل على أنه خير مُعبِّر عن الموقف الدينيّ الحقيقيّ؛ لأنهم رفضوا المحتويات الميتافيزيقية والواقعية باعتبارها تدخّلات خارجة عن الدين. يمكن للمرء أن يقول إن مثل هذا التصنيف يُعيد تعريف مفهوم الروحانية على غرار ما فعله راش ريس في ورقته (Rush Rhees et consortes)، خاصةً من خلال الفصل الذي عقده عن سياق العلاقة الشخصية مع الإله. ومع ذلك؛ تجدر الإشارة إلى أن مفهوم العلاقة الروحية مع الإله كشخص هو موقف دينيّ مُحتمل يتضمّن على الأقل اثنين من الأبعاد المميزة أعلاه: الروحيّ والميتافيزيقيّ، لأن مفهوم الشخصية الإلهية ميتافيزيقيّ بامتياز، أو على الأقل يتطلّب بعض المفاهيم الميتافيزيقية الأخرى مثل الوجود والجوهر وما إلى ذلك. (إذا لم يكن الأمر كذلك، فيمكن تفسير مفهوم الإله كشخص بالكامل من منظور الروحانية غير الميتافيزيقية، والمقبولة تمامًا لدى أتباع فيتجنشتاين).

كما ذكرنا من قبل؛ البُعد الميتافيزيقيّ هو المستوى الذي يتداخل فيه الدين (أو اللاهوت) والفلسفة. لكن هذا لا يعني أن الدين يجب أن يكون له عنصر ميتافيزيقيّ، فهناك مواقف دينية تتجنّب الميتافيزيقا بوضوح (مثل شهود يهوه). ومع ذلك فهذا أمر متكرر للغاية. يوجد تقليدان ميتافيزيقيان عظيمان في اللاهوت المسيحي: الأول هو الأرسطيّ -الذي يستخدم مفاهيم الجوهر والعرض والسبب الأول- والآخر الأفلاطونيّ -الذي يستخدم مفاهيم المشاركة وتدرّج الوجود والخير. يمكن فهم البُعد الميتافيزيقيّ على أنه حقل بين الروحيّ والواقعيّ: إنه غير تجريبيّ، لكنه لا يزال يتضمّن مفاهيم مثل “الواقع الموضوعيّ” و”الشيء” و”التعقيد” و”البساطة” و”الوجود”. إنه مجال لاهوتيّ ونظريّ إلى حدٍّ مّا.

البُعد الواقعيّ هو مساحة ذات أهمية خاصة بالنسبة لنا. هذا لأن الدين هُنا قد يكون على اتصال مباشر بالعلم. يبدو أن هذا الاتصال مؤخّرًا بعيد كلّ البعد عن أن يكون سلميًّا. من بين الأشكال الثلاثة الممكنة للاتصال التي ذكرتها في المقدمة، يبدو أن التعاون بين الحقلين بدأ في التلاشي في الآونة الأخيرة، مما يجعل الانفصال والنزاع هما البديلان الوحيدان. يتطلّب الانفصال انسحاب طرف واحد على الأقل من المنطقة المُتنازع عليها. وبما أن العلم متردّد في التخلّي عن مجال الحقائق، والدين له بُعدان آخران يمكنه الانتقال إليهما، فإن الانفصال يعني عمليًّا أن يقلّل الدين من أبعاده الواقعية، مُحاولًا تجنّب الاصطدام بالعلم. هذا على سبيل المثال، هو بالضبط ما فعله اللاهوت الكاثوليكيّ الرومانيّ السائد في القرن الماضي. لقد تراجع الدين، ولم يتبقَّ سوى عدد قليل من البُؤَر الاستيطانية في الأماكن التي لا تستطيع الأساليب العلمية المعاصرة الوصول إليها. بعض التقاليد المسيحية الأخرى -وخاصةً العديد من الكنائس البروتستانتية في الولايات المتحدة- تختار الدخول في نزاع مع العلم، وتلتزم بحزم بمعتقداتها الواقعية فيما يتعلق بخلق وتاريخ الأرض كما هو موصوف في الكتاب المقدس.

من الواضح أن أهم البُؤَر الاستيطانية الواقعية في المذهب الكاثوليكي هو الاعتقاد بأن قيام يسوع من بين الأموات هو حقيقة تاريخية. من الصعب جدًّا تخيّل طريقة علمية من شأنها أن تعطي أسبابًا قويةً لرفض (أو تأييد) هذا الاعتقاد في بُعده التجريبيّ. يبدو أنه طالما أن المؤرّخين غير قادرين على السفر عبر الزمن، فإن القيامة ليست واجهةً للصراع.

البُؤَر الاستيطانية الأخرى الأقلّ أهميةً هي المعجزات. يمكن ملاحظة أن معظم هذه المعتقدات آمنة نسبيًّا من هجمات العلم: فهي فريدة، وبعيدة في الوقت نفسه، أو تتعلّق بمسألة معقّدة حيث لا يمكن للعلم أن يُعطي نتائج واضحة (أي الشفاء). في حالة وجود حقائق ملموسة معرّضة لرفض علميّ في المستقبل، ستتخذ سلطات الكنيسة الكاثوليكية موقفًا آمنًا. يعتبر كفن تورينو مثالًا جيدًا على ذلك: فالكنيسة لا تؤيّده رسميًّا ولا ترفضه (على الرغم من موافقتها على تكريس طقوس للكفن) وتزعم أن مسألة أصالة الآثار ليس لها أي تأثير على صحة التعاليم عن حياة وموت وقيامة يسوع المسيح.

يبدو أن الأُفُول الكليّ للبُعد الواقعيّ للإيمان الدينيّ مُمكن (عقيدة مدرسة سوانسي هي مثال جيد). لقد أوضحنا عيّناتٍ من ذلك من خلال الحالات المعروضة أعلاه. الصراع الجبهيّ الكامل مُمكن أيضًا، لكن دعونا نترك هذه المشكلة في الوقت الحالي؛ إنها واضحة جدًّا وبالتالي فهي ليست مُثيرة للاهتمام حقًا. السؤال الحقيقي هو ماذا عن التعاون؟ هل ما زال مُمكناً حتى اليوم؟ قبل أن نحاول الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نسأل سؤالاً آخر: ماذا يعني التعاون بين الدين والعلم في عصرنا؟ لنبدأ بالتعريف التالي: يحدث التعاون عندما يُثبت العلم -بشكل مباشر أو غير مباشر- احتمال وجود مُعتقد دينيّ معيّن. متى يحدث هذا؟ أولًا، عندما يؤكّد الطبّ أن الشفاء المُعجز لا يمكن تفسيره بمعرفتنا الطبية الحالية. يحدث هذا عادةً أثناء عملية التطويب في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. ثانيًا، عندما يؤكّد الفحص العلميّ أو يكتشف حقائق تترك مجالًا للقول بالمُعجزات. قد يحدث هذا عندما يصل الباحثون إلى الاستنتاج النهائيّ، على سبيل المثال؛ أن كفن تورينو صُنع في القرن الأول، ولا يحتوي على صبغة. ثالثًا، عندما تكون التفسيرات الدينية لبعض النظريات العلمية مُمكنةً؛ فقد يدّعي المترجم الدينيّ لنظرية الانفجار العظيم أنها إلى حدٍّ مّا موازية للتعاليم الدينية عن الخلق على أنه فعلٌ لله.

لاحِظْ أنه لا يمكن للعلم إثبات المعجزة أو الخلق على هذا النحو، لأن صفة المعجزة لا يمكن إعادة إنتاجها. كلمة “لا يمكن” المستخدمة هنا تشير إلى القواعد اللغوية بمفهوم فيتجنشتاين، لأن هذه الاستحالة تعتمد على التناقض النحويّ بين ما هو طبيعيّ وما هو خارق للطبيعة. قد نرغب في التخلّي عن هذه المعارضة، ولكن هذا من شأنه أن يُجبرنا على رفض المغزى والمعنى الحالي للمنهج العلميّ والعقلانية. هذا لا يعني أنه لا توجد عقلانية غير العقلانية العلمية، ولكن من الصعب تخيّل أي عقلانية يمكن أن تحلّ محلّها في حضارتنا.

ومع ذلك؛ فإن الموقف التعاونيّ لديه مشكلة رئيسية واحدة: أدوار الادّعاءات المعتمدة في العلم والدين غير متوافقة. الأول مفتوح دائمًا للمراجعة المستمرّة، بينما يعتبر الأخير هو الحقيقة المُطلقة. (هذا، مرةً أخرى، اختلاف في قواعد لغة كل من العلم والدين) ومن ثَمَّ فإن أيّ شخص يرغب في استخدام نظرية الانفجار العظيم لأغراض دينية، يجب أن يُدرك أن النظرية قد تفقد التأييد الذي تحظى به في العلم ويتم استبدالها بنظرية أخرى، مما يؤدّي بدوره إلى مراجعة العقائد الدينية. في الواقع؛ لقد حدث وضع مماثل بالفعل في التاريخ، عندما تمّ استبدال نموذج مركزية الأرض للكون بنظرية كوبرنيكوس.

كل هذا يدلّ على أن الموقف التعاونيّ محفوف بالمخاطر. يمكن تطبيقه بنجاح محدود، جنبًا إلى جنب مع مناهج عامة أخرى: الانفصال والصراع.

الخلاصة

قدَّمتْ هذه الورقة رسمًا تخطيطيًّا لعقيدة مدرسة سوانسي ونقدها وإمكانية حل آخر لمشكلة أرضية مشتركة بين الدين والعلم. لقد كانت محاولة لشرح لماذا يمكن للمرء أن يجد إيمانية فيتجنشتاين جذابةً حتى عند رفض بعض مزاعمها. تحتوي هذه المقالة أيضًا على مخطط عام للدين قد يشمل جميع التقاليد المسيحية القائمة ووجهات النظر اللاهوتية. يركّز هذا المخطط التفصيليّ على البُعد الواقعيّ للإيمان الدينيّ -أي المنطقة التي يتداخل فيها الدين والعلم- ويُحاول تمييز ووصف ثلاثة مواقف دينية مُحتملة تجاه مشكلة العلاقة بين الدين والعلم. لقد اقترحت أن الموقف التعاونيّ ليس خيارًا في الوقت الحاضر (باستثناء أمثلة الفحص العلمي أثناء عملية التطويب)، وبالتالي هناك احتمالان متبقّيان: الصراع (حيث يُحاول الدين تشويه سمعة العلم أو العكس)، والانفصال (على سبيل المثال، متى يُحاول الدين تجنّب المعتقدات التي يمكن إثبات زيفها في العلم). هذا الأخير يعني عمومًا أن الدين ينسحب من الحقيقة الواقعية، تاركًا وراءه بُؤَر استيطانية فقط مثل الإيمان بقيامة يسوع المسيح.


[1] – هناك شك في نسبة فيتجنشتاين نفسه للمعسكر الإيماني، للمزيد، انظر: الإيمانية، نشر مركز نماء، من ترجمتي.

https://nama-center.com/Articles/Details/41064 – المترجم.

[2] – أعني بكلمة “القواعد” هنا -وفي سائر هذه الورقة- ما يعنيه فيتجنشتاين بهذا المفهوم في تحقيقاته الفلسفية، وبالتالي لا ينبغي فهم كلمة “القواعد” على أنها مجرد سمات نحوية للتعبير، بل بالأحرى باعتبار وظائفها العملية في سياق حياة الناس.

[3] – أنا بحاجة لإبداء ملاحظتين هنا. أولًا، في كل مرة أستخدم فيها مصطلح “دين” في هذه الورقة فإنني أعني المسيحية تحديدًا، ما لم يُنصَّ على خلاف ذلك. لقد ركز مؤيدو فيتجنشتاين بشكل حصري تقريبًا على المسيحية (باستثناء بيتر جاي وينش PG Winch في تحليله لمعتقدات الأزاندي) وأنا أتابعهم في هذا الصدد، ويرجع ذلك في الغالب إلى العلاقة الطويلة والمعقّدة بين المسيحية والعلم، وأيضًا لأنها لا تزال الدين الافتراضيّ في الثقافة الأوروبية.

ثانيًا، أدرك أن العلاقة بين الدين وعلم اللاهوت قد يبدو أنني تجاهلتها في هذه الورقة. في الواقع؛ الاختلافات بين كلَيهما ليست الموضوع الرئيسيّ لهذه المقالة. ولتجنب الالتباس أقول: إنني أعني باللاهوت العنصر التأمليّ والاستطراديّ للإيمان الدينيّ، والذي يمكن التعبير عنه في نظرية، لأنه مدفوع بالرغبة في فهم الإيمان، تلك الرغبة المتأصلة في الإيمان نفسه (الإيمان يبحث عن الفهم) (fides quaerens intellectum). من الناحية النظرية: قد يدّعي علم اللاهوت الحق في وصف الواقع، ومن ثَمَّ يتداخل مع العلم أو الفلسفة؛ أو لا يدّعي ذلك الحق ومن ثَمّ ينأى بنفسه عنهما؛ لقد تخطيت موضوع العلاقة بين الدين واللاهوت لأنني لا أريد تحديد ما إذا كان كل معتقد دينيّ ذي محتوى معرفيّ هو جزء من علم اللاهوت أم لا.

[4] – يجدر التنويه إلى أن فهم وتأويل الحقائق التاريخية للمواجهة بين الكنيسة وجاليليو و داروين على وجه التحديد = مختلَف عليه بين مؤرّخي العلوم، واللاهوتيين. فالكنيسة كانت تموّل أبحاث جاليليو، وكان لدراوين مؤيّدين داخل المؤسسة الدينية نفسها. -المترجم.

[5]-This is a term created by a critic. See: K. Nielsen, ‘Wittgensteinian Fideism’, “Philosophy” Vol. 42, No. 161, July 1967, p. 191-209.

[6] -Cf. L. Wittgenstein, Philosophical Investigations, transl. G.E.M. Anscombe, Oxford: Blackwell 1974, §373. See also Footnote No. 24.

[7] – R. Rhees, On Religion and Philosophy, ed. D.Z. Phillips, M. von der Ruhr, Cambridge: Cambridge University Press 1997, p. 45–6. Cf. D.Z. Phillips (ed.), Whose God? Which Tradition?, Aldershot: Ashgate 2008, p. 2–3.

[8] – Cf. e.g. M. von der Ruhr, Lucky Pagans and Unfortunate Believers: Wittgensteinian Construals of Religious Faith, in: J. Guja, J. Gomułka (eds.), Anglosaska filozofia religii wobec wyzwań współczesności, Kraków: Libron, p. 59.

[9] – Cf. St. Thomas Aquinas, Summa Theologica , Benziger Bros. edition, transl. by the British Dominicans, 1947, Q. 2, Art. 2-3, p. 13-16.

[10] – Cf. R. Rhees, On Religion and Philosophy, p. 35.

[11] – R.F. Holland, ‘Religious Discourse and Theological Discourse’, “Australasian Journal of Philosophy” Vol. 34, No. 3, December 1953, p. 147–163. This was the first publication presenting the Swansea School doctrine.

[12] – R.F. Holland, ‘Religious Discourse and Theological Discourse’, p. 147.

[13] – R.F. Holland, ‘Religious Discourse and Theological Discourse’, p. 149.

[14] – Cf. R. Rhees, On Religion and Philosophy, p. 45.

[15] – R. Rhees, On Religion and Philosophy, p.

[16] – Cf. R. Rhees, On Religion and Philosophy, p. 49.

[17]– Cf. N. Malcolm, ‘Anselm’s Ontological Arguments’, “The Philosophical Review”, vol. LXIX, No. 1, January 1960, p. 41–62.

[18] – Cf. R. Rhees, On Religion and Philosophy, p. 18.

[19] – R. Rhees, On Religion and Philosophy, p. 36.

[20] – R. Rhees, On Religion and Philosophy, p. 35.

[21] – R. Rhees, On Religion and Philosophy, p. 36.

[22] – Cf. H. Tennessen, ‘A Masterpiece of Existential Blasphemy: the Book of Job’, “The Human World”, No. 13, November 1973, p. 1–10.

[23] – Cf. D.Z. Phillips, The Problem of Evil and the Problem of God, London: SCM Press 2004, p. 134.

[24] – See for example: R. Swinburne, The Problem of Evil, in S. Brown (ed.), Reason and Religion, Ithaca: Cornell University Press 1977; R. Swinburne, Providence and the Problem of Evil, Oxford: Clarendon Press 1998; J. Hick, An Irenaean Theodicy, in T. Davis, Encountering Evil, Louisville: Westminster John Knox Press 2001; A. Plantinga, God, Evil, and the Metaphysics of Freedom, in M. McCord & R.M. Adams (eds), The Problem of Evil, Oxford: Oxford University Press 1990.

[25] – D.Z. Phillips, The Problem of Evil and the Problem of God, p. 123-4.

قلتُ: هذا نتيجة طبيعية للتصور المسيحي عن الإله الذي يتصرف وفق مزاج البشر، فكان من الطبيعي أن يثير وجود الشر والألم والمعاناة في العالم مشكلة عويصة تستعصي على الحل. وهو ما عناه سيوران و كاراكو و لاروشفوكو وغيرهم بأن لو كان لهذا العالم من إله فهو إله شرير. التصور الإسلامي لأفعال الباري وصفاته -من جهة أنه رب رحيم حكيم، لا يسأل عما يفعل- مع تصوره لمكانة الدنيا -دار بلاء وليست دار نعيم- والغرض من وجودنا فيها= هو وحده ما يحل الإشكال الكامن وراء معضلة الشر. -المترجم.

[26] – D.Z. Phillips, Death and Immortality, London: Macmillan & St. Martin Press 1970, p. 44-5.

[27] – R. Rhees, On Religion and Philosophy, p. 206.

[28] – Cf. D.Z. Phillips, The Problem of Evil and the Problem of God, p. 94.

[29] – Cf. D.Z. Phillips, Death and Immortality, p. 45.

[30] – Cf. D.Z. Phillips, The Problem of Evil and the Problem of God, p. 183.

يجب التأكيد على أن مؤيّدي فيتجنشتاين لا يعيّنون “الموت من أجل الذات” للمسيحية أو الحياة الدينية فقط. إنهم يتخذون الموقف المعني دون أيّ تفسير دينيّ.

[31] – Cf. D.Z. Phillips, Death and Immortality, p. 49-50.

[32] – D.Z. Phillips, Death and Immortality, p. 54-5.

[33] – Cf. D.Z. Phillips, Faith, Scepticism and Religious Understanding, in: D.Z. Phillips (ed), Religion and Understanding, Oxford: Blackwell 1967, p. 68.

[34] – Cf. for instance D.Z. Phillips, Wittgensteinianism: Logic, Reality and God, in W.J. Wainwright, The Oxford Handbook of Philosophy of Religion, Oxford: Oxford University Press 2005, p. 462-3. Phillips also writes about the related concept of understanding God. He claims that ‘understanding’ in the context of God means ‘obedience’ (Cf. D.Z. Phillips, Faith and Philosophical Enquiry, London: Routledge & Kegan Paul, 1970, p. 12).

[35] – Cf. L. Wittgenstein, Philosophical Investigations, §24.

[36] – Cf. D.Z. Phillips, Wittgenstein and Religion, London: Macmillan 1993, p. x, 254.

[37] – لإثبات ذلك، يُقتبس عادةً المقطع التالي من فيتجنشتاين: “على غرابتها: قد تكون الروايات التاريخية في الإنجيل، من الناحية التاريخية، خاطئة بشكل واضح، ومع ذلك لن يخسر الإيمان شيئًا.لأنها لا تتعلق “بالحقائق العالمية للعقل”! بل لأن برهانه التاريخي (لعبة الإثبات التاريخية) لا علاقة لها بالإيمان. هذه الرسالة (الأناجيل) تمسك بها الناس بإيمان (أي بمحبة)؛ وهذا هو اليقين الذي يمثِّل هذا القبول على أنه حقيقي، وليس شيئًا آخر”. (L. Wittgen-Stein ، الثقافة والقيمة ، ترجمة PG Winch ، ed. by GH von Wright ، Chicago: University of Chicago Press 1984 ، p.32e.)

[38] – L. Wittgenstein, Culture and Value, p. 72e.

[39] – Cf. D.Z. Phillips, Wittgenstein and Religion, p. 8.

[40] – D.Z. Phillips, Religion and Friendly Fire. Examining Assumptions in Contemporary Philosophy of Religion, Aldershot: Ashgate 2004, p. ix. See also: D.Z. Phillips, Wittgenstein and Religion, p. 247.

[41] – D.Z. Phillips, Religion and Friendly Fire. Examining Assumptions in Contemporary Philosophy of Religion, Aldershot: Ashgate 2004, p. ix. See also: D.Z. Phillips, Wittgenstein and Religion, p. 247.

[42] – Cf. G.A. Buttrick (ed.), The Interpreter’s Bible, vol. II, New York: Abingdon Press 1953, pp. 82-4.

[43] – D.Z. Phillips, Belief, Change and Forms of Life, London: Macmillan 1986, p. 32.

[44]Culture and Value includes several remarks devoted to the problems of religion and Christianity in particular. Some of them propose interpretations of the New Testament, so they may be well described as theological (cf. L. Wittgenstein, Culture and Value, pp. 29-33).

[45] – Cf. B. Davies, An Introduction to the Philosophy of Religion, Oxford: Oxford University Press 1993, p. 38.

[46] – Cf. D.Z. Phillips, The Problem of Evil and the Problem of God, p. 44-45.

[47] – See P.G. Winch, ‘Understanding a Primitive Society’, “American Philosophical Quaterly”, Vol. 1, No. 4, October 1964.

[48] -زاندي هو الفرد من قبيلة الأزاندي.

[49] – P.G. Winch, ‘Understanding a Primitive Society’, p. 315.

[50] – L. Wittgenstein, Ludwig Wittgenstein and the Vienna Circle: conversations re-corded by Friedrich Waismann, transl. J. Schulte & B. McGuinness, Oxford: Blackwell 1979, p. 125.

[51] – بالتأكيد، إنها أكثر من مجرد حقائق، لكنها تُفهم أيضًا بطريقة واقعية.

[52] – تمّ تقديم فكرة هذا المخطط -ولكن بشكل أقلّ تفصيلاً- في مؤتمر “فلسفة الدين في القرن الحادي والعشرين” في 28 يونيو 2011 في كراكوف في خطابي بعنوان “الحوار بين الإيمان والإلحاد: مجموعة متنوعة من العقلانيات”.


 

المراجع

G.A. Buttrick (ed.), The Interpreter’s Bible, vol. II, New York: Abingdon Press 1953

  1. Davies, An Introduction to the Philosophy of Religion, Oxford: Oxford University Press 1993
  2. Hick, An Irenaean Theodicy, in T. Davis, Encountering Evil, Louisville:

Westminster John Knox Press 2001

R.F. Holland, ‘Religious Discourse and Theological Discourse’, „Austral-asian Journal of Philosophy” Vol. 34, No. 3, December 1953, p. 147–163

  1. Malcolm, ‘Anselm’s Ontological Arguments’, „The Philosophical Review”, vol. LXIX, No. 1, January 1960, p. 41–62
  2. Nielsen, ‘Wittgensteinian Fideism’, „Philosophy”, vol. 42, No. 161, July 1967, p. 191–209.

D.Z. Phillips, Belief, Change and Forms of Life, London: Macmillan 1986

D.Z. Phillips, Death and Immortality, London: Macmillan & St. Martin Press 1970

D.Z. Phillips, Faith and Philosophical Enquiry, London: Routledge & Kegan Paul, 1970

D.Z. Phillips, Faith, Scepticism and Religious Understanding, in D.Z. Phillips (ed), Religion and Understanding, Oxford: Blackwell 1967

D.Z. Phillips, Religion and Friendly Fire. Examining Assumptions in Contem-porary Philosophy of Religion, Aldershot: Ashgate 2004

D.Z. Phillips, The Problem of Evil and the Problem of God, London: SCM Press 2004

D.Z. Phillips (ed.), Whose God? Which Tradition?, Aldershot: Ashgate 2008

D.Z. Phillips, Wittgenstein and Religion, London: Macmillan 1993

D.Z. Phillips, Wittgensteinianism: Logic, Reality and God, in W.J. Wain-wright, The Oxford Handbook of Philosophy of Religion, Oxford: Oxford University Press 2005

Plantinga, God, Evil, and the Metaphysics of Freedom, in M. McCord & R.M. Adams (eds), The Problem of Evil, Oxford: Oxford University Press 1990

  1. Rhees, On Religion and Philosophy, ed. D.Z. Phillips, M. von der Ruhr, Cambridge: Cambridge University Press 1997
  2. Swinburne, Providence and the Problem of Evil, Oxford: Clarendon Press 1998
  3. Swinburne, The Problem of Evil, in S. Brown (ed.), Reason and Religion, Ithaca: Cornell University Press 1977
  4. Tennessen, ‘A Masterpiece of Existential Blasphemy: the Book of Job’, The Human World, No. 13, November 1973, p. 1–10

St. Thomas Aquinas, Summa Theologica, Benziger Bros. edition, transl. by British Dominicans, 1947

P.G. Winch, ‘Understanding a Primitive Society’, American Philosophical Quaterly, Vol. 1, No. 4, October 1964

  1. Wittgenstein, Culture and Value, transl. by P.G. Winch, ed. by G.H. von Wright, Chicago: University of Chicago Press 1984
  2. Wittgenstein, Ludwig Wittgenstein and the Vienna Circle: conversations recorded by Friedrich Waismann, transl. J. Schulte & B. McGuinness, Oxford: Blackwell 1979
  3. Wittgenstein, Philosophical Investigations, transl. G.E.M. Ans-combe, Oxford: Blackwell 1974
المصدر
researchgate

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى