فكر وثقافة

لماذا نقرأ التراث في علم الاقتصاد؟

ضمن سلسلة صادرة من فريق برنامح «قراءة تأصيلية في علم الاقتصاد»

  • بقلم: بيتر بويتكي
  • ترجمة: محمد الرشيد
  • تحرير: لطيفة الخريف

لدي مكتبة اقتصادية واسعة إلى حد ما. أول كتاب مرئي لكل من يدخل إلى مكتبي هو كتاب ماندفيل “أسطورة النحل”، تليه سلسلة من كتابات هيوم، بما في ذلك “مقالاته” و”تاريخ إنجلترا”. مباشرة بعد هيوم، تأتي مجموعتي الخاصة من أعمال آدم سميث.. وهلم جرا، في الردهة وحول الغرفة كأننا نذهب في جولة تطور عبر الزمن لـ “الفلسفة الدنيوية” من العلوم الأخلاقية إلى الفيزياء الاجتماعية من كلا الاتجاهين لنصل إلى العدد المتزايد من المجلدات على الرف الأخير المخصّص لمجموع أعمال جيمس م. بوكانان (James M. Buchanan).

لماذا الاحتفاظ بمجموعة كهذه من الكتب القديمة في الاقتصاد؟ ربما يُمكن أن نستنتج أنّ هذا يعكس شغفًا للكتب القديمة. لكنني لست جامعًا للكتب. ولا أتتبع الطبعات الأولى التي ما تزال في حالة مثالية. بل أفضّل الكتب ذات الغلاف الورقي على التي بغلاف مقوى، وفكرتي عن الكتاب الصالح للاستخدام “المكتشف” أنه قد استُخدم، وعليه فيمكنني شراءه مقابل دولار أو دولارين. المكتبات غير المكلفة كـ (Liberty Fund) وما تعيد طباعته (Augustus M. Kelley) أجدها مناسبة لي للغاية. غرضي من جمع الكتب هو الإنتاج وليس التزيين. أيضًا، ومع أني أعتقد أن علم تأريخ الأفكار مهم في حد ذاته، إلا أنني لا أعتبر نفسي مؤرخًا. ففي الواقع، إذا كان بإمكاني استخدام كلماتي الخاصة لوصف ما أفعله فسأقول إني كنت منظّرًا في الاقتصاد والاقتصاد السياسي، وإني أنجزت أعمالًا في الاقتصاد السياسي التطبيقي والتاريخ الاقتصادي للاقتصادات الاشتراكية السابقة. لكن وفقًا للتعبير المقبول عمومًا في مهنتي، من الصائب أن أُوصف بكلّ وصفٍ إلا أني منظّر. باعتبار انشغالي بهذه المجالات من بوابة ذاكرة الاقتصادي السياسي، يلزم إذًا أن أكون مؤرّخا للفكر.

لعلي قد خدعت نفسي ببساطة. فعندما تقرأ كتبًا قديمةً، وتتحدّث عن كتبٍ قديمة، وتعلّق وتكتب عن مؤلفين لقوا حتفهم منذ زمن بعيد، أوليسَ هذا -بغض النظر عما تدّعيه- اشتغالا بتاريخ الفكر؟ حسنا، نعم ولا. الجواب يتوقف على الغرض الذي تُوجّه إليه قراءاتك في تاريخ الأفكار في علم الاقتصاد والاقتصاد السياسي. ذلك أن الجواب بلا شكّ هو أنك تعمل بالفعل على تأريخ الفكر إن كنت تعتقد أن كلّ ما هو جيد لدى القدماء يمكن العثور عليه بسهولة لدى المعاصرين، ولكن ماذا لو كنت تعتقد أن المعرفة التي كانت في حوزتنا قد فقدت بسبب خطأ فكري أو ذاكرة قصيرة؟

في تاريخ الفكر الاقتصادي، هناك أنواع مختلفة من القراءات التي يمكن تقديمها. ويمكن تقسيمها وفقا الخطوط التالية: أثرية وأداتية، تقدّمية ومحافظة. تلخص المصفوفة التالية لقراءات تاريخ الفكر الاقتصادي هذه المواقف الأربعة:

أثرية (Antiquarian)
[قراءة شبيهة بزيارة المتاحف]
أداتية (Instrumental)

[قراءة تسعى للاستخدام]
تقدّمي (Whig)تاريخ عقديإعادة بناء

عقلي

محافظ  (Contra-Whig)تاريخ العقيدة (dogmengeschichtliche)

إشكالات مفقودة

سير حياة القديسين (hagiography)

معاصر

بناء نظري

يمكنني تعريف المصطلحات على النحو الآتي:

(1) التاريخ التقدّمي: التاريخ كما كتبه أولئك الذين يُعتقد أنهم انتصروا فكريًّا في المناقشات المفتاحية.

(2) التاريخ المحافظ: التاريخ كما كتبه أولئك الذين يُعتقد أنهم خسروا فكريًّا في تلك المناقشات المفتاحية.

(3) القراءة الأثرية: الشاغل الرئيس فيها هو المقصد الأصلي للمؤلف.

(4) القراءة الأداتية: الشاغل الأساسي هو مقصد القارئ.

بالطبع، نادرًا ما تظهر هذه القراءات في شكل خالص. فعلى سبيل المثال، لابدّ للقراءة الأداتية -إن هي أرادت الاحتفاظ بمصداقية علمية- أن تفي ببعض الحد الأدنى من معايير الأثرية سواء أكانت يمينيّة أم محافظة. ولكن كل ما يهم -بالنسبة لي- هو تقرير أن جميع الخانات الأربع في المصفوفة تُشكّل المساهمات في الأدبيات العلمية التي أُجريت في تاريخ الفكر الاقتصادي.

سوف يُواجه مناصروا التاريخ الخالص للأفكار مشكلةً مع احتجاجي للقراءة الأداتية. لكن، تاريخٌ فكري قائم على الأثرية ويقتصر هدفه الوحيد على تقرير مقصد المؤلف أو تسليط الضوء على بعض الإسهامات المنسية لبطل فكري قديم، هو معرّض لتهمة أنه -وإن كان هوايةً مثيرة- إلا أنه لا يمتلك دافعًا مشروعًا لتدريس الاقتصاديين الشباب. مثلما قد يكون الأمر لطيفًا إذا تعلم الباحثون ذوو الطموح اللغة اللاتينية، أو كانوا على دراية بالتاريخ الأوروبي، وبالنظر إلى المتطلبات التقنية لتعلّم علم الاقتصاد الحديث، فإن تكلفة الفرصة البديلة (opportunity cost) لتعلم تاريخ الفكر مرتفعة للغاية. كان هذا هو بالضبط الحجة المقدمة من قسم تلو قسم في الجامعات البحثية الرائدة حيث تُخُلِّص من تاريخ الفكر الاقتصادي بصورة ممنهجة من المتطلبات الأساسية لدرجة الدكتوراه في علم الاقتصاد خلال الربع الأخير من القرن العشرين.

إن حجة تكلفة الفرصة البديلة لها تاريخ طويل، وهي ترجع في الغالب إلى فرانك نايت (Knight Frank) وطالبه جورج ستيجلر(George Stigler). يؤكّد نايت أن كلّ ما يُمكن تعلّمه من دراسة تاريخ الفكر هو الأخطاء الماضية المرتكبة من مفكرين سابقين. لكن اكتشاف الخطأ لم يكن ليُعد مضيعة للوقت لدى نايت. أما بين يدي ستيجلر، فقد اتخذت هذه الحجة مسارًا آخر. إذ يُقرّر أن جميع المساهمات الهامة حقا من الماضي قد أُدرجت في الوقت الحاضر. وأن كل ما لم يدمج بعدُ، يُمكن تجاهُله بلا إشكال. كانت هذه الحجة متوافقة مع الافتراض الأساسي لستيجلر حولَ كفاءةِ “المنافسة في السوق” – وفي هذه الحالة، تكون الكفاءة في سوق الأفكار. إذ لم يكُن هنالك -ببساطة- أية أرباح فكرية يمكن جنيها من خلال قراءة المؤلفين القدامى- كلّ فرص الربح التي كانت موجودة قد استُغلت. إن حجة ستيجلر، مثلها مثل كل حجج (التاريخ اليميني)، هي في النهاية تختزل التاريخ الفكري ليُصبح مجرّد هواية ممتعة بالنسبة لبعض الناس، ولكنها ليست تطلّعًا جديرًا باقتصاديّ طموح.

يبدو من الطبيعي أن يُصرّ ستيجلر على الكفاءة في السوق الفكرية، ومن ثم يستدعي “مبدأ البقاء/النجاة” (survivorship principle) بأسلوب يميني. لكن من غير الواضح أن يكون بول سامويلسون – وهو مبتكر رئيسي لنظرية إخفاق السوق (market failure) – متفائلًا للغاية بشأن التطور الفعال للفكر الاقتصادي. تماما مثل ستيجلر، يُعد سامويلسن هو الآخر مدافعًا رئيسيًّا عن منظور التاريخ اليميني. إن أي شيء كان مهمًّا لدى الكُتّاب السابقين، يمكن العثور عليه داخل الفكر الحالي السائد. لا توجد كنوز مفقودة، لا توجد فواتير بقيمة 20 دولارًا تقع على رصيف الحياة الفكرية. في الواقع، لقد ذهب سامويلسون (يمكن تفسير هذا بشكل مشروع) فعليًا إلى حد افتراض أنه يمكن العثور على أي شيء يستحق المناقشة في الاقتصاد داخل أعماله.

ولكن هناك ما يبرر قراءة الكتب الكلاسيكية في الاقتصاد السياسي باعتباره استخدامًا مثمرًا لوقت الفرد في التدريب ليصير خبيرًا بحثيًّا نشيطًا ولينخرط -فعليّا- في إنتاج الفكر الاقتصادي. وقد قاوم كينيث بولدينج (1971) ادعاءات سامويلسون ببراعة في مقالته “بعد سامويلسون، من الذي يحتاج إلى سميث؟” (After Samuelson Who Needs Smith) حيثُ أكّد، بأسلوب تقليدي للتوجه المحافظ، أننا نحتاج جميعًا إلى سميث لأن سميث جزءٌ من “حاضرنا الممتد”. ثمّة استدلالات وأفكار لدى سميث ما تزال غير مدمجة في نظريتنا المعاصرة والتي -ما أن تُدمج- سوف تحسن فهمنا للأمور. يحتفظ جسد الفكر الموجود في الكتب الكلاسيكية بقدرة تطويرية فكريّة إلى أن تُستغل الأفكار الداخلية بالكامل. ليسَ “سوق” الأفكار كُفئًا تمامًا – فقد ارتكبت أخطاء، وأهدرت موارد فكرية، ونتيجة لذلك، فقد تُركت هنالك بالفعل أفكار نفيسة في انتظار أن يستغلها شخص ما.

إن استعمال تاريخ الأفكار يتولّد في الآن نفسه من فكرة أن كل ما هو مهم في الماضي ليس بالضرورة مهمًّا في الحاضر، ومن فكرة أن الاستفادة من الماضي قد تمنح مفاهيم تفتح الطريق لبناء نظري أكثر إنتاجيّة في الحاضر. باتباع هذا المسار، قد نجد طريقًا مسدودًا في اتجاهات التفكير الحالية التي تجبرنا على إعادة النظر في اللحظة السابقة للاختيار ثم تخيل المسار الذي كان يمكن اتباعه بدلًا عن ذلك.

لماذا إذن قراءة الأفكار الكلاسيكية في الاقتصاد؟ هناك أسباب أثرية، قراءة أعمال الاقتصاديين السياسيين العظماء في الماضي تعطينا لمحة عن عبقرية عصرٍ مبكرٍ. لكن قراءة عمل قديم في الاقتصاد لا تختلف عن مشاهدة فيلم صامت أو مقاطع إخبارية عن لعبة البيسبول القديمة. من الغريب والرومانسي أن ننظر إلى الماضي، لكن من المفيد أن نتذكر أن هذا العالم الذي نمجّده أحيانًا عن بُعد كان عالمًا بدون نظام أنابيب المياه، بدون وسائل نقل حديثة، بدون أفلام ناطقة، ناهيك عن المؤثرات الخاصة المناسبة، بدون ألعاب ليلية، ولا بديل رامي بيسبول (مع أني سأصوت للتخلص من قاعدة الضارب المعين (designated hitter) [من قاموس لعبة البيسبول]). الحاضر ليس دائمًا أفضل من الماضي، لكن إن كان السفر إليه متاحًا، فلن أشتري تذكرة للذهاب للماضي ما لم أتمكن من العودة للحاضر بنفس السهولة (وبسرعة). ما الذي يُبقي إذن لكتب الماضي تلك القدرة على إشعال خيال نفعي؟ الأمر سهل. إن هنالك أعمال في الماضي لا يزال بوسعنا أن نتعلم منها أفكارًا مهمة ومفيدة لمعالجة المشكلات التي نجدها ملحة اليوم. أخطاء فكرية تُرتكب في كل وقت، ويمكن أن تضيع المعرفة المكتسبة في فترة واحدة بسبب البدع والأشكال الجديدة التي تحكم عالم الأفكار، وعلى هذا النحو توجد فرص ربحية فكرية حقيقية للقرّاء للاكتشاف والاستفادة في أعمال هيوم وسميث وميزس (Mises) وهايك (Hayek) وبوكنان.

اقرأ ايضاً: “ترك الأنوار مضيئة” : علاج اقتصادي لصدمة طبية

هامش:

Boulding, Kenneth. (1971) “After Samuelson, Who Needs Adam Smith?,” History of Political Economy, 3 (2): 225-237.

المقال الأصلي:

Peter J. Boettke. Why Read the Classics in Economics? The library of Economics and Liberty, 2000.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى