عام

حينما يَنْتصر فِكْرُ “ﭐبن تَيْميّة” على إرادة ﭐلتَّشْنيع!

  • عبد الجليل الكور

مِمَّـا يَعْـتمدُه بعضُ خُصُـوم “ﭐبن تَـيْـميّة” [1263-1328م] للتَّـشْـنِـيع عليه، رحمه ﭐللّـه، تلكـ ﭐلْحكايةُ ﭐلتي أَوْرَدها ﭐلرَّحّالةُ “ﭐبْـنُ بَطُّـوطة” [1304-1369م] في كتابه «تُحْـفة ﭐلنُّـظّار وعجائب ﭐلْـأَمْـصار وغَـرائب ﭐلْـأَسْـفار» حيث يقول: «وكان بدمشق من كِـبار الفقهاء الحنابلة “تقيّ الدِّين ابْـن تَـيْميّة” كبير الشّأن يَـتكلَّم في الفُـنون؛ إلّا أنّ في عَـقْـله شيئًا! وكان أهلُ دمشق يُعظِّمونه أشدّ التّعظيم ويَعِـظُهم على المِـنْـبَـر. وتَـكلَّم مرّةً بأَمْـرٍ أَنْـكَـره الفُقهاء ورَفَعُوه إلى المَلِك النّاصر فأَمَـر بإشْخاصه إلى القاهرة، وجُـمِـع القُضاةُ والفُـقهاء بمجلس المَلِـك النّاصر وتَـكَـلَّم “شرف الدِّين الزواويّ المالكيّ” [يَـسْـتدركـ ﭐلْـمُحقِّق في الهامش بأنه “جمال الدِّين” وليس “شرف الدين”!]، وقال: إنّ هذا الرّجُل قال: كذا، وعَـدَّد ما أَنْـكَـر على ابْـن تَـيْميّة، وأَحْـضَـر العُقُـود بذلك ووَضَعها بين يَـدَيْ قاضي القُضاة، وقال قاضي القُضاة لابْـن تَـيْـميّة: ما تَـقُول؟ قال: “لا إله إلا اللّـه”، فأعاد عليه فأَجاب بمِـثْـل قَـوْله، فأَمَـر المَلِـك النّاصر بسَجْـنه، فسُجِـن أَعْـوامًا؛ وصَنَّـف في السِّجْـن كتابًا في تفسير القُـرآن سَـمَّاه بـ”البَحْـر المُحيط” في نحو أربعين مُجلَّـدًا. ثُـمّ إنّ أُمَّـه تَعرَّضت للمَلِـك النّاصر وشَـكَـتْ إليه فأَمَـر بإطْلاقه، إلى أَنْ وَقَـع منه مثلُ ذلك مرَّةً ثانيةً. وكُـنْـتُ إذْ ذَاك بدمشق فحَضَـرْتُه يوم الجُمعة وهو يَعِـظ النّاس على مِـنْـبَـر الجامع ويُـذكِّـرُهم، فكان من جُـمْـلة كَـلامه أنْ قال: “إنّ اللَّـهَ يَـنْـزِل إلى سَـماء الدُّنيا كنُـزُولي هذا!”، ونَـزَل دَرجةً من دَرَج المِـنْـبَـر؛ فعارَضه فَـقيهٌ مالكيٌّ يُعْـرَف بـ”ابْـن الزَّهْـراء” وأَنْكَـر ما تَكلَّم به، فقامتِ العامَّـةُ إلى هذا الفَـقِـيه وضَرَبُـوه بالْأَيدِي والنِّعال ضربًا كثيرًا حتىّ سَقطت عِـمامتُه، وظَـهَـر على رَأْسه شاشيةُ حَـريرٍ، فأَنْـكَـروا عليه لِـباسَـها واحْـتملُوه  إلى دار “عِـزّ الدِّين بْـن مُسَـلَّم” قاضي الحنابلة فأَمَـر بسَجْـنه وعَـزَّرَه بعد ذلك، فأَنْـكَـر فُـقهاء المالكيّة والشَّافعيّة ما كان من تَعْـزيره ورَفَـعُوا الأمرَ إلى مَلِـك الْأُمراء “سَيْف الدِّين تَــنْكِـيز”، وكان من خِـيار الأُمراء وصُلَحائهم، فكَـتَـب إلى الملك النّاصر بذلك وكَـتَـب عَـقْـدًا شَـرْعيًّا على ابْـن تَـيْميّة بأُمُـورٍ مُنْكَـرةٍ منها: أنّ المُطلِّـق بالثَّـلاث في كلمةٍ واحدةٍ لا تُـلْـزِمه إِلَّا طَـلْـقةٌ واحدةٌ، ومنها أنّ المُسافر الذي يَـنْـوِي بسَفَـره زيارةَ القَـبْـر الشَّريف – زاده اللَّـهُ طِـيبًا– لا يَقْصُـر الصَّلاة، وسوى ذلك ممّا يُشْبِـهُه؛ وبَعَـث العَـقْـدَ إلى الملك النّاصر فأَمَـر بسَجْـن ابْـن تَـيْميّة بالْـقَـلْعة، فسُجِـنَ بها حتّى مات في السِّجْـن.»[1].

تلكـ هي حكايةُ “ﭐبْـن بَـطُّوطة” ﭐلْـواردة في رحلته ﭐلْـمشهورة كما يستطيع أن يَـقْـرأها كُـلُّ ﭐمْـرِئ. فهَـلْ تُـمثِّـل روايةً صادقةً بما يُـوجِـبُ أَخْـذَها كشهادةٍ تاريخيّةٍ موثُـوقةٍ تُـفِـيد في معرفتنا بـ”ﭐبْـن تَـيْـميَّة” سِـيرةً وفِكْـرًا؟

بَحْـثًـا عن ﭐلْـإِجابة عن هذا ﭐلسُّـؤال ﭐلْـأَساسيّ، أَجِـدُني أُبْـدِي ﭐلْـمُـلَـاحَظات ﭐلتَّاليَـةَ:

  • تَـجوُّزًا، يُمْـكِـن قَـبُـول حكاية “ﭐبْـن بَـطُّوطة” من حيث شَكْـلُها، وذلكـ كما أَمْـلَـاها على كاتِـبه “ﭐبْـن جُـزَيّ” ﭐلذي صاغها على نحوٍ رَكيكٍـ جدًّا (تُـلَـاحَظ، مَثَـلًـا، كَـثْـرةُ ﭐلتَّـكْـرار فيها وعدم ﭐتِّساق أَحْـداثها بـﭑلْـأَخصّ)؛
  • تَـتكوَّن ﭐلْحكايةُ من جُـزْأَيْـن: أَوَّلُهما من بدايتها إلى قوله «إلى أَنْ وَقَـع منه مِثْـلُ ذلكـ مرَّةً ثانيةً»، وثانيهما ما تَـبقَّى من ﭐلنَّـصّ (من قَـوْله «وكُـنْـتُ إِذْ ذَاكـ بدمشق» إلى آخِـر ﭐلنَّـصّ)؛ وما يَـسْـتدعي تَـقْـسيمَ نَـصّ ﭐلْحكاية بهذه ﭐلْـكَـيْـفيّة هو ﭐلتَّـنْـبيهُ على أنّ ﭐلْـجُـزءَ ﭐلْـأَوّلَ يُـورِد أشياء لم يُـشاهِـدْها “ﭐبْـن بَـطُّوطة” بنفسه (حتّى قوله «إِلَّـا أَنّ في عَـقْـله شَـيْـئًا!» يبدو كأنّه تابعَ فيه ما سَـمِـعَه من خُصوم “ﭐبْـن تَـيْميّة”، لِـأَنّـه قَـدَّمه ولم يَـبْـنِهِ كنتيجةٍ تَـلْـزَم ضرُورةً عمَّـا أَدْرَكه من قول ﭐلْـمَعْـنِـيِّ وفِعْـلِه!)، وعلى أنّ ﭐلْـجُـزءَ ﭐلْـآخَـر هو ﭐلذي يَـتعلَّق بما يُظْهِـر ﭐلرَّحّالةُ أنه يُخْبِـر عنه بوصفه شاهَـدَه عِـيانًا. وعُـموما، فإذَا ﭐسْتَـثْـنينا من مضمون ﭐلْـحكاية عبارة «فكان من جُـمْـلة كَـلَـامه أنْ قال: “إنّ اللَّـهَ يَـنْـزِل إلى سَـماء الدُّنيا كنُـزُولي هذا!”، ونَـزَل دَرجةً من دَرَج المِـنْـبَـر»، فكُـلُّه يَـشْهَـد لصالح “ﭐبْـن تَـيْميّة“: فهو فقيهٌ كبيرُ ﭐلشَّـأْن بين فُـقهاء ﭐلْـحنابلة بدمشق، كان يَـتكلَّم في شتّى ﭐلْـفُـنون، ويُدرِّس ﭐلنّاسَ بـﭑلْـجامع ويَعِـظُهم، وأَهْـلُ دمشق يُعظِّمونه أَشدّ ﭐلتَّـعْـظيم؛ وكان يقول بأشياء يُنْكِـرُها عليه بعضُ ﭐلْـعُـلَماء فيَـرْفَـعُـون أَمْـرَه إلى ﭐلْـحُـكَّام وﭐلْـقُضاة إِقْـرارًا منهم، في ﭐلْـواقع، بعَـجْـزهم عن مُطاوَلته عِـلْـمًا وحُجّةً؛ ثُـمَّ إنه رَجُـلٌ صاحبُ مُـروءةٍ وشجاعةٍ يُعْـلِـنُ آراءَه ويُـناقش نُـظَـراءَه عنها ويُـفوِّض أَمْـرَه لِـلَّـه حينما يُـفْـرَض عليه ﭐلْـإِقْـرار بتُـهَـمٍ يُراد ﭐصْطيادُه بها، وكان يُفضِّـل ﭐلسِّجْـنَ وﭐلْـإِبْـعادَ على ﭐلتَّــراجُع عن آرائه وﭐجْـتهاداته إلى أَنْ مات في آخِـر سِجْـن له بقَـلْعة دمشق. فهذه هي ﭐلصُّـورةُ ﭐلْـأَساسيّةُ ﭐلتي تَـرْسُـمها حكايةُ “ﭐبْـن بَـطُّوطة” وﭐلتي لَـا تُـنْـتقَـص بذَيْـنِكـ ﭐلْـقولَـيْـن ﭐلْـمُـقْحَـمَـيْـن في بدايتها ووسطها (قوله «إِلَّـا أَنّ في عَـقْـله شيئًا» وقوله «فكان من جُـمْـلة كَـلَـامه أَنْ قال: “إنّ اللَّـهَ يَـنْـزِل إلى سَـماء الدُّنيا كنُـزُولي هذا!”، ونَـزَل دَرَجةً من دَرَج المِـنْـبَـر»)، وهما قَـوْلَـان باطِـلَـان كما سيأتي بَـيانُه؛
  • حِـكايةُ تَـشْـبيه ﭐلنُّـزُول ﭐلْـإِلَـاهيّ إلى ﭐلسّماء ﭐلدُّنيا بنُـزُول ﭐلْـبَشر عن ﭐلدَّرَج موجودةٌ من قَــبْــلُ عند “سليمان نجم الدِّين الطوفيّ الحنبليّ” (ت. 716هـ/1316م)[2] أو عند “ﭐلْـآقشهريّ” (ت. 739هـ/1339م) ﭐلذي أَوْرَدها في رِحْـلته وذَكَـر أَنَّـها حَـدَثت سنة 705هـ/1305م، وعنهما نَـقَـلَـها (أو عَـنْ أحدهما؟) “ﭐبْـن حَـجَـر ﭐلْـعَسْـقَـلَـانيّ” [1372-1449م] في كتابه «ﭐلدُّرَر ﭐلْـكامنة في أعيان المئة الثامنة» حيث يقول: «وﭐتّفق أن الشيخ “نصر المنبجيّ” كان قد تَـقدَّم في الدولة لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه، فبلغه أن ابن تيمية يقع في ابن العربيّ لأنه كان يعتقد أنه مستقيم، وأن الذي يُـنْسَب إليه من الاتّحاد أو الإلحاد من قُصور فَـهْم من يُنْكِـر عليه، فأَرْسل يُنْكِـر عليه وكتب إليه كتابًا طويلًا ونَـسَبه وأصحابَه إلى الاتّحاد الذي هو حقيقة الإلحاد، فعَظُم ذلك عليهم وأعانه عليه قومٌ آخَرُون ضبطوا عليه كلمات في العقائد مُـغيَّرة وقعت منه في [مَـواعظه] وفتاويه، فذَكَـرُوا أنه ذكر حديث النُّزول فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنُـزُولي هذا فنُسِـب إلى التجسيم»[3]. ويبدو أنّ “ﭐبْـن بطُّوطة” رُبَّـما تَـلَـقَّى حكايتَه روايةً من بعض خُصُـوم “ﭐبْـن تَـيْـميّة” وليس مُعايَـنةً مُـباشِـرةً منه؛ وكما يَـذكُر “عبد اللـه بن عبد الرحمن البراك”[4]، فإنّها موجودةٌ أيضا عند “أبي عبد اللـه المقرّي” [ت. 759هـ] ﭐلذي أَوْرَدها في «نَظْم اللَّآلي في سلوك الأمالي» وﭐلذي كان قاضيًا لدى “أبي عنان المريني” [ت. 759هـ] وقد يَكُون ﭐسْـتمدّها هو نفسه من “ﭐبْـن بَطُّوطة”، وأنّ شيخ ﭐلْـمالكيّة في مصر “بدر الدين القَـرافيّ” [ت. 1008هـ/1601م] ﭐسْـتدرَكـ – في كتابه «توشيح الدِّيباج وحِـلْـية الابتهاج»– تلكـ ﭐلتُّـهْـمةَ على “المقرّي” وأَنْـكَـر ثُـبُـوت زيادة لفظ “كنُـزُولي” عن “ﭐبْـن تيميّة”[5]؛
  • توظيفُ هذه ﭐلْـحكاية في ﭐلتَّـشْـنيع على “ﭐبْـن تَـيْميّة” وَقَـع في عصرنا ﭐبْـتداءً مع «دائرة ﭐلْـمعارف ﭐلْـإِسلَـاميَّـة» (بما هي ترجمة عربيّة لـ: Encyclopedia of Islam) في نَـشْـرتها ﭐلْـأُولى (1960) ﭐلتي كَـتَـب “مـحمد بن شنب” فيها مَـقالًـا عن “ﭐبْـن تَـيْميّة” تُـرْجِـم إلى ﭐلْـعربيّة وجاء فيه: «ولمّا كان ابن تيمية مُسْـرِفًا في التشيُّع لمذهب التّجسيم[،] فقد كان يُفسِّر كلّ الآيات والأحاديث التي تُشير إلى اللّـه تفسيرًا حرفياً؛ ولقد تشبّع بهذه العقيدة إلى درجة أنه – كما يقول ابن بطوطة– قال من منبر جامع دمشق: “إن اللـه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا”، ثمّ نزل درجة من درج المنبر (انظر على الأخص “مجموعة الرسائل الكبرى”، ج 1، ص 387 وما بعدها).» (دائرة المعارف الإسلامية، مج 1، ص. 112). وقول “مـحمد بن شنب” هذا لَـا شيء يَـرُدُّ عليه أفضل من قول “ﭐبْـن تَـيْميّة” ﭐلْـوارد في نفس ﭐلصّفحة ﭐلتي أَحال عليها من “مجموعة الرسائل الكبرى” (ج 1، ص 387) حيث نقرأ «ومن الإيمان باللّـه الإيمان بما وَصف به نفسَه في كتابه وبما وَصفه به رسولهُ مـحمد صلّى اللّـه عليه وسلّم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل[،] بل يُؤْمنون بأنّ اللّـهَ ليس كمِثْلـه شيء وهو السّميع البصير؛ فلا يَنْـفُون عنه ما وَصف به نفسَه ولا يُحرِّفُون الكَلِمَ عن مَواضعه ويُلْحِدون في أسماء اللّـه وآياته، ولا يُمثِّلون صفاتِه بصفات خَلْقه، لأنه سُبحانه لا سَمِيَّ له ولا كُفُوَ ولا نِـدَّ له ولا يُقاس بخَلْـقه سُبحانه وتعالى، فإنه سُبحانه أَعْـلمُ بنفسه وبغيره وأصدقُ قِـيلًا وأحسنُ حديثًا من خَلْقه، ثُمّ رُسُله صادقون مَصْدُوقون[/مُصدَّقُـون] بخلاف الذين يقولون ما لا يعلمون»[6]. فهلْ هُـناكـ أوضحُ من هذا ﭐلْـقول في نَـفْـي “ﭐلتّجْسيم” بـﭑلْـمعنى ﭐلذي يَـنْـسُبه إليه مُخالِـفُـوه؟ وإنه لَـمِـن ﭐلـلَّـافِـت أنّ مَـقال “بن شنب” ﭐسْتُـبْـدِل به آخَـرُ كَـتَـبه “هنري لَـاوُست” ﭐلذي يُعَـدُّ أحدَ أَوائل ﭐلْـمُتخصِّصين في تُـراث “ﭐبْـن تَـيْميّة”، وهو مَـقالٌ أفضلُ بكثير من سابقه وقد خَـلَـا من تلكـ ﭐلْـحكاية وغَـيْـرها من مَـلَـامح ﭐلتَّــشْنيع[7]؛
  • يَـتضمَّـن نَـصُّ ﭐلْحكاية أشياء كثيرةً تدعو إلى ﭐلشَّـكِّـ في صِـدْق نِـسْـبة مُعْـتقَـد ﭐلتَّـشْبيه وﭐلتَّجْـسيم إلى “ﭐبْـن تَـيْميّة”: منها ما ذَكَـره ﭐلْـمُحقِّـق في ﭐلْـهامش إِذْ نَـبَّـه، أَوَّلًـا، إلى ﭐلْـخطإ في ذِكْـر ﭐسْـم ﭐلْـفقيه “الزواويّ المالكيّ” ﭐلذي هو “جمال ﭐلدِّين” وليس “شرف ﭐلدِّين” كما أَوْرَده “ﭐبْـن بَـطُّوطة”! ثُـمَّ نَـبَّه، ثانيًا، إلى أنّ ﭐلثّابتَ هو أنّ ﭐلْـفقيهَـيْـن ﭐلْـمغربيَّـيْـن ﭐللَّـذَيْـن «سجَّـل التّاريخ مُناظرَتَهما لتقيّ الدين ﭐبْـن تيميّة هُما الإمامان الأَخَـوان الشّقيقان أبو زيد عبد الرحمن وأبو موسى عيسى ابنا الإمام أبي عبد اللـه مـحمد بن عبد اللـه بن الإمام البرشكي.»، مِـمّا يعني أنّ ﭐلْـفقيهَ ﭐلذي ذَكَـره “ﭐبْـن بَـطُّوطة” بـﭑسْـم “أبو الزهراء” مجهولٌ تماما! ونَـبَّـه ﭐلْـمُحقِّـقُ، ثالثًا، إلى أنّ “ﭐبْـن بَـطُّوطة” «قد وصل إلى دمشق في تاسع رمضان 726= 9 غشت 1326»، مِـمّا يُـفيد أَنَّـه «لم يَـتمكَّـنْ من رُؤْية ابن تيميّة الذي استمرّ في السجن إلى أن تُوُفِّـيَ.»[8]. وتكفي مُـلَـاحظةُ هذه ﭐلْـأُمور ﭐلثَّـلَـاثة لـلِـﭑرْتِــياب في حقيقة حكاية “ﭐبْـن بَـطُّوطة”. ولذا، فلَـا عجب أن يَكُون هناكـ كثيرون من ﭐلْـقُدامى وﭐلْـمُحْـدَثين قد ﭐنْـبَـرَوْا لنقدها وﭐلرَّدّ عليها؛
  • يبدو أنّ “هُـنري لَـاوُست” كان من أوائل ﭐلْـمُحْـدَثِـين ﭐلذين تَـناوَلُوا حكايةَ “ﭐبْـن بَـطُّوطة” حيث عَـدَّ قَـوْلَه «إِلَّـا أنّ في عقله شيئًا» يَـتضمَّـن «حُكْـمًا يَصْـدُر عن مُـلَـاحِـظٍ غير مُـتثبِّتٍ، ورَحَّـالةٍ مُـتزيِّـد في ﭐلْـكلَـام، مُـتقوِّل في ﭐلْـعقيدة بِـلَـا دِراية، ومالكيٍّ مُـتنطِّـع؛ وﭐلنَّـبْـرة ﭐلتي لَفَـظَـه بها تُـؤدِّي، بـﭑلْـأَحْـرى، إلى أن يُـفْـهَم منه نقيضُه: عِـظَـمُ شأن هذا [ﭐلشَّـيْخ] ﭐلْـحَـنْـبليّ ﭐلدِّمَـشقيّ في أَعْـيُـن ﭐلْـعامّة، وسَعة عِـلْـمه بـﭑلْـأُصول، وحُـسن تمييزه ﭐلرّاجح، ﭐلذي ما كان صَـمْـتُه، في أثناء سجنه، سوى أضعف خَـصْـلةٍ فيه.»[9]. ويأتي، مُباشَـرةً بعد “لَـاوُست”، “مـحمد بهجة البيطار” ﭐلذي نَـشَـر مَـقالًـا في مجلّة «العالم الإسلامي» (س 1: ج 7-8، 1940، ص. 394-399)، وﭐلذي كَـتبَ آخَـر بعُـنوان «بين الإمام ابن تيمية والرحالة ابن بطوطة» في مجلّة «الهدي النبوي» (مج 4، عدد 45، جمادى الأولى سنة 1359هـ/1940م)، وله أيضا دراسة بعُـنوان «دَفْـع فِـرْية عن ابن تيمية: بحث تاريخي علمي»[10]؛ ثُـمّ جاء بعده “مـحمد راغب الطباخ” فكَـتَـب مَـقالًـا بعُـنوان «افتراء ابن بطوطة على ابن تيميّة» (مجلة المجمع العلمي بدمشق: مج 17، ج 3-4، 1942، ص. 132-134)؛ ثُـمّ “مـحمد عطاء اللّـه الفوجياني” (مجلة رحيق، مج 3، 1959، ص. 511-518)[11]. ثُـمّ هناكـ “أحمد بن الصديق الغماري” [1901-1961] ﭐلذي عَـدَّ تلكـ ﭐلْـحكاية كذبًا فاضحًا من “ابن بَطُّوطة” لِـأنّه حينما وَصل دمشق كان “ﭐبْـنُ تَـيْميّة” في ﭐلسّجن ولِـأنّ أعداءَه أَحْـصَوْا عليه جميع مَـقالَـاته وحارَبُـوه على ما هو أَدْنَـى مِمّا نُـسِـب إليه؛ فَـلَـوْ فَعَـل ذلكـ على ﭐلْـمِنْـبر يوم ﭐلْجُمعة، لذاع وﭐشْـتهر بحيث يَذْكُـره مُخالفُوه ومُوافقُـوه على ﭐلسّواء[12]. وهناكـ أيضا ﭐلْـمُسْـتشرِق ﭐلْـأمريكيّ “دُونالد ﭖ. لِـيتْـل” [1932-2017] ﭐلذي كَـتبَ دراسةً بعُـنوان «أَكان ﭐبْـنُ تَـيْـميّة مُصابًـا بِـلُـوثةٍ؟» حاول فيها أن يَـسْـتخرجَ أَهمَّ مَـلَـامحَ شخصيَّـةِ “ﭐبْـن تَـيْـميّة” مُـنْـطلِـقًا من حكاية “ﭐبْـن بَـطُّوطة” ﭐلتي ما لَـبِـثَ أن ناقشها وتَجاوَزها نحو نُصوصٍ أُخْـرى لكُـلٍّ من “تقيّ ﭐلدِّين ﭐلسُّبْـكي” و”ﭐلذَّهَـبيّ” و”ﭐلصَّـفديّ” و”ﭐبْـن حَـجَـر” و”ﭐبْـن رَجَـب”، مِـمَّـا مَـكَّـنَه من أن يَخْـلُصَ إلى أنّ «”ﭐبْـن تَـيْـميّة”، ﭐلذي هو أحد ﭐلْـمُفكِّـرين ﭐلْـمُسْـلِـمين ﭐلْـقَـلَـائل في ﭐلْـعصر ﭐلْـوسيط، لَـا يزال يَـتحدَّث إلينا ليس بوصفه قد غاب جسدُه وبَـقِـيَ صوتُـه ﭐلْـمُشْـترَكـ، بل بوصفه ذاتًـا حقيقيّةً وشخصًا بَـشريًّا جدًّا.»[13]. ثُمّ يأتي “خالد كبير علّال” بمقاله «هل رأى ابن بطوطة الشيخ ابن تيمية» (موقع «midad.com»، 1428هـ/2007م) فَيـرُدّ، من عِـدّة أَوْجُـهٍ، على ﭐلْـمُقْـتضَى ﭐلْـأَساسيّ في تِـلْـكـ ﭐلْـحكاية بوصفه باطلًـا تمامًا. وهنالكـ كذلكـ “عبد اللـه بن عبد الرحمن البراك” ﭐلذي نَـشَـر دراسةً بعُـنوان «هل ﭐلتقى ابن تيمية وابن بطوطة: أضواء على مقال د. عبد الهادي التازي»، وفيها رَدّ بتفصيل على “عبد الهادي التازي” ﭐلذي سبق له في تقديمه لرحلة “ﭐبْـن بَـطُّوطة” أنْ شَـكَّكـ في صحّة تلكـ ﭐلْحكاية مُوافقًا “عبد اللّـه ﮔـنون” على قوله «إنّ الخبر وقع فيه تَـزيُّـدٌ من خُـصوم “ﭐبْـن تَـيْميّة” فرَواهُ رَحّالتُنا على عِـلَّاته…»[14]؛ لكنّه عاد بعد سنوات فحاول أَنْ يُـثْـبِت صحّةَ حكاية “ﭐبْـن بَـطُّوطة” بكُـلِّ تَـكلُّفٍ مُفَضِّـلًـا أبْعدَ ﭐلتَّـقْـدِيرات ومُـهْـمِـلًـا أَقْـرَب ﭐلتَّـرْجِـيحات كما عَـرَضها صاحب ﭐلدِّراسة ﭐلْـمذكورة؛
  • يُمْـكِـن أن يُـؤكَّـد، مُـنْـذ أعمال “البيطار” و”الطباخ”، أنّ “ﭐبْـن بَـطُّوطة” قد ﭐفْـترى على “ﭐبْـن تَيْـميّة” بما نَـسَـبه إليه؛ إذْ من ﭐلثّابت أنّ “ﭐبْـن بَـطُّوطة” (حَـسَـب ما يَذْكُـره هو نفسُه في رِحْـلته) دخل دمشق يوم ﭐلْـخميس ﭐلتّاسع عشر من رمضان عام ستّة وعشرين وسَـبْـعمئة (726هـ)، في حين سُجِـن “ﭐبْـنُ تَـيْـميَّة” في أَوائل شعبان من نفس ﭐلْـعام في ﭐلْـقَـلْـعة وبَقِـيَ مُعْـتقَـلًـا إلى أن تُـوُفِّـيَ في ليلة ﭐلِـاثنين لعِشْـرين من ذِي ﭐلْـقعدة من سنة ثمانٍ وعشرين وسَـبْـعمئة [728هـ] (بِخُصوص هذا، يُحال إلى ﭐلْـقاضي “علاء الدين ابن خطيب الناصريّة” في كتابه «الدُّر المنتخب في تاريخ حلب»، وإلى “ابن شاكر الكُـتبيّ” في كتابه «فَـوَات الوَفَـيَـات»)؛ ولذا، فقولُ “ﭐبْـن بَـطُّوطة” إنه رأى “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” وإِيهامُـه أنه سَـمِـعَـه يَعِـظ على ﭐلْـمِـنْـبر في يوم ﭐلْـجمعة عاشر رمضان من سنة 726ه ﭐفْـتراءٌ محضٌ؛ كما ذَكَـر “الطباخ” أنّ “ﭐبْـن حَجَـر” أَوْرَد في كتابه «ﭐلدُّرَر ﭐلْـكامنة» (ج 4، ص. 80) أنّ “ﭐبْـن جُـزَيّ” [1321-1357م] نَـمَّـق حكايةً كاذبةً عن كنيسة بـﭑلْـقُسطنطينية بأَمْـرٍ من ﭐلسُّلْـطان “أبي عِـنان”؛ ويُـضاف إلى ذلكـ أنّ “عبد الهادي التازي” نَـشر دراسةً بعُـنوان «اكتشاف غير مسبوق حول رحلة ابن بطوطة» (تُـنْـظَـر في موقع “الألوكة”) عَـرَض فيها مخطوطًا بخط “ﭐبْـن بَـطُّوطة” يُـثْـبِـت أنه زار دمشق مرَّةً ثانيةً عام 727هـ/1327م، لكنّ “ﭐبْـن جُـزَيّ” أَهْـمَـلَ ذِكْـر هذه ﭐلرِّحْـلة ضمن كُـلّ ما أَهْـمَـله بسبب ﭐسْـتعجاله أو مَـرَضه؛ لكنّ “عبد الهادي التازي” يبدو أَمْــيَل إلى تصديق ﭐلْـحكاية وأَبْـعدَ عن نَـقْـدها بما يكفي داخليًّا وخارجيًّا[15]؛
  • لَـا يحتاج ﭐلْـمرءُ إلى كثير عَـناء ليَـتبيَّـنَ أنّ ﭐلْـقولَ ﭐلْـمَـنْـسُوبَ إلى “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” وﭐلْـمُفيد للتَّجْـسيم مَـكْـذُوب عليه، إذْ لَـا شيء مِـمّا تَـرَكه من نُصُوص يُـوافِـقُه صراحةً؛ ويكفي أَنْ يُـعْـرَف – تَـبعًا لِـما أَثْـبته “الطباخ” في مَـقاله ﭐلْـمذكور سابقا– أنّ “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” له كتابٌ بعُـنوان «شَـرْح حديث ﭐلنُّـزُول» طُـبِـع بمصر سنة 1367هـ/1948م وفيه يُـؤكِّـد أنّ ﭐلنُّـزُولَ صفةُ ذاتٍ وليس صفةَ فِـعْـلٍ (وهي صفةٌ لَـا يُعْـلَم كُـنْـهُها، وليست صفةً مَـجازيّةً مُشْـتبِـهةً حتّى تحتاج إلى تأويلٍ مُتكلَّفٍ لَـا تُتوهَّـم سلَـامتُه من “ﭐلتَّـشْبيه” إِلَّـا بمَـزيدٍ من ﭐلتَّحْـريف و”ﭐلتَّـشْغيب”!). وإلَّـا، فـ”ﭐبْـن تَـيْـميَّة” مَعْـرُوف بكونه مع إِثْـبات ﭐلصِّفات تَـنْـزِيهًا من دون تعطيلٍ ولَـا تَـحريف ولَـا تَـمْـثيلٍ، إنه يقول في إقرار خطيٍّ صريح منه: «والذي أعتقده من قوله ﴿الرحمان على العرش استوى﴾ [طه: 05] أنه على ما قاله الجماعةُ، أنه ليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كُـنْـهَ المُـراد منه، بل لا يَعْـلَم ذلك إلّا اللَّـه تعالى. كَـتَـبه أحمد ابن تيميّة»[16]؛
  • على ﭐلرّغم من أنّ منطوقَ حكاية “ﭐبْـن بَـطُّوطة” يَـظْهَـر فيه أنّ ﭐلذي تَـعرَّض للضّرب في مجلس “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” إنّما هو ﭐلْـفقيه ﭐلْمالكيّ ﭐلْمغربيّ “ﭐبْـن ﭐلزّهراء” («فعارَضه فَـقيهٌ مالكيٌّ يُعْـرَف بـ”ﭐبْـن ﭐلزَّهْـراء” وأَنْكَـر ما تَكلَّم به، فقامتِ ﭐلْـعامَّـةُ إلى هذا ﭐلفَـقِـيه وضَرَبُـوه بـﭑلْـأَيْـدِي وﭐلنِّعال ضَـرْبًا كثيرًا حتىّ سَقطتْ عِـمامتُه، وظَـهَـر على رَأْسه شاشيةُ حَـريرٍ، فأَنْـكَـروا عليه لِـباسَـها وﭐحْـتملُوه إلى دار “عِـزّ الدِّين بْـن مُسَـلَّم” قاضي ﭐلْحنابلة فأَمَـر بسَجْـنه وعَـزَّرَه بعد ذلكـ»)، فمن ﭐلْـمُـثير أنّ “تقيّ الدين أبا بكر الحصنيّ الدمشقيّ” [ت. 829هـ] أعاد صياغتَها في كتابه «دَفْـع شُـبَـه مَـنْ شَـبَّـه وتَـمَـرَّد» بهذا ﭐلشّكل: «فمن ذلك ما أخبر به أبو الحسن عليّ الدمشقيّ في صَحْن الجامع الأمويّ عن أبيه قال كُـنّا جُلوسًا في مجلس ابن تيمية فذكر ووعظ وتعرّض لآيات الاستواء ثم قال: “واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا”، فوَثب الناسُ عليه وثبةً واحدةً وأنزلُوه من الكرسي وبادروا إليه ضربا باللّكم والنّعال وغير ذلك حتى أوصلُوه إلى بعض الحكّام واجتمع في ذلك المجلس العلماء فشرع يُـناظرهم فقالوا ما الدّليل على ما صدر منك فقال قولُه تعالى “الرحمان على العرش استوى” فضَحِـكُوا منه وعرفوا أنه جاهل لا يَجْـرِي على قواعد العلم […]»[17]؛ ونُلَـاحظ أنّ “الحصنيّ” لم يَكْـتفِ بإعادة صياغة ﭐلْحكاية بحيث يجعل “ﭐبْـن تَـيْميّة” يُنْـزَل من كُرسيّ ﭐلْـوعظ ويُضْرَب ويُـقْـتاد إلى ﭐلْحاكم، بل نَـسَب إليه أَقْـوالًـا سخيفةً تُظْـهِـرُه كما لو كان شخصًا جاهلًـا لَـا يَسْتحقّ أن يُـضْحَكـ منه!
  • مِـنَ ﭐلذين أُعْـجِـبُوا حديثًا بحكاية “ﭐبْـن بَـطُّوطة” يَجْـدُر ذِكْـر “سعيد ناشيد” في مَقال له بعنوان «ابن تيمية كما رآه ابن بطوطة» (جريدة “العرب” [04-09-2014]) حيث أَكَّـد أنّ ﭐلرَّحّالةَ ﭐلْمغربيَّ شاهد واقعةً تَـتمثَّل في أنه «انبرى إمامٌ مالكيٌّ حضر الصلاة مُحْـتجًّا على الإمام ابن تيميّة وسوء توصيفه للذَّات الإلهيّة، فقامت قيامة العامَّة على ذلك الفقيه المالكيّ وضَرَبه المُصلُّون بالأيدي والنِّعال»، كما ذَكر فيه أنّ عبارة «إِلَّـا أنّ في عقله شيئًا» تُعَـدّ «صيغةً مُهذَّبةً للقول بأن في عقل الرجل خَـلَـلًـا ما» وأنّ «ابـن بطوطة المشهود له بدقّة الملاحظة قد لاحظ في بعض التصرّفات ما يثير الشكّ في الصحّة النفسيّة لشيخ الإسلام»، واستغرب كيف أنّ هذا الذي «قد يكون غير سوي بكل المقاييس» صار «هو العقل الذي سيغزو معظم العالم الإسلامي»! ثُـم هناكـ “خالص جلبي” ﭐلذي كَـتَـب مَـقالًـا بعُـنْـوان «ابن بطوطة وابن تيمية» (بجريدة “الأخبار” [19 يوليو 2018]) حيث تَحدَّث عن فقيهٍ مُصابٍ بِـلُـوثةٍ عقليَّة هَـجَـم عليه عامَّـة ﭐلنَّاس هُـجومًا كاسِحًـا، وهو ليس في ظَـنِّه سوى “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” نفسه! ثُـمّ أَتَـى “رشيد أيلال” في فيديو له على اليوتيوب بعنوان «ابن بطوطة يُقدِّم ابن تيمية» (21 مارس 2021) حيث لَـم يَخْـجَـلْ من أن يَقُولَ إنّ “ﭐبْـن بَطُّوطة” فَـضَح “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” مُكرِّرًا أَخْـطاء مَـنْ سَـبَـقه إلى ﭐلِـابْـتهاج بأنّ عبارة «إِلَّـا أنّ في عقله شيئًا» لفظٌ مُـؤدَّبٌ يُسْـتعمَل عادةً للدَّلَـالة على “ﭐللُّوثة” وأنّ عامَّـةَ ﭐلنّاس ﭐلتي حضرت درس “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” قامت إليه بعد ﭐعْـتراض ﭐلْـفقيه ﭐلْـمغربيّ وأَشْـبَـعَـتْـه ضَـرْبًـا بـﭑلْـأَيْـدي وﭐلنِّعال حتّى سَـقطتْ عِـمامتُه فوَجَـدُوا تَحْـتها شاشيةً من حَـرِيرٍ (لَـا يَضعُها بحسب ظَـنِّه إِلَّـا ﭐلْـيهود!) فحَـمَـلُوه إلى ﭐلْـقاضي ﭐلذي أَمَـرَ بسَجْـنه وتَعْـزيره. وإذَا كان هذا ﭐلدَّعِـيُّ ﭐلذي ساق حكايةَ “ﭐبْـن بَطُّوطة” على ذلكـ ﭐلنَّحْـو مَـفْضُـوحًا بما لَـا مَـزِيد عليه حتّى في لَحْـن ﭐلْـكَـلَـام، فحَـسْـبُه أن يُـسِـيء فَـهْـمَ نَصِّها فيَـجْـعَـلَ ﭐلْـمضرُوبَ وﭐلْـمحمُولَ وﭐلْـمُعزَّرَ هو نفسه “ﭐبْـن تَـيْـميّة” (وليس ﭐلْـفقيه ﭐلْـمالكيّ “ﭐبْـن ﭐلزَّهْـراء” كما في منطُوق ﭐلْـحكاية)! وليستْ ثَـمَّة حاجةٌ لذِكْـر أَمْـثلةٍ أُخْـرى على وُجود مَـنْ يُحِـبّ ﭐمْـتطاءَ لِـسانه ليُـراكِـمَ ﭐلسُّخْـفَ عن “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” كيفما ﭐتَّـفَق له؛
  • عبارة «إِلَّـا أنّ في عَـقْـله شيئًا» لَـا تَـقْـبَـل أن تُـؤوَّلَ حَـصْـرًا في ﭐتِّجاه أَنّ “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” كان مُـصابًا بلُـوثةٍ، وذلكـ حتّى لو كان هذا بـﭑلضَّبْـط مُـرادُ “ﭐبْـن بَـطُّوطة” بها؛ إذْ لَـوْ صَدَّقْـناه في زَعْـمه بأنه حَـضَـر دَرْس “ﭐبْـن تَـيْـميَّة”، لَـوَجَـب علينا أنْ نَقِـفَ عند كَـوْنه حينئذٍ لم يَـكَـدْ يَـتجاوز سنَّ ﭐلثّانية وﭐلْـعشرين (وُلد عام 1304م ودَخَـل دمشق عام 1326م) بحيث إِذَا كان مَـنْ هُـمْ أكبرُ سِـنًّا وأَرْسخُ قَـدمًـا منه في ﭐلْـعِـلْم لم يُـفْـلِحُوا في مُطاوَلة “ﭐبْـن تَـيْـميَّة”، فكيف يَـتأتّى له هو أنْ يُجارِيَـه؟! ثُـمّ إِذَا كان حتّى بعض خُصُـوم “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” قد شَـهِـدُوا له بذَكائه ﭐلْـمُفْـرِط وسَيَـلَـان ذِهْـنه وقُـوّة حِـفْظه كأَنَّـه يَقْـرأُ من كتاب، فكيف لَـا يُـرى في قوله ذاكـ أنه يَـدُلُّ – بـﭑلْـأَحْـرى– على شدّة تَـعجُّـبه من حال ﭐلرَّجُـل بما هو كذلكـ؟!
  • إِذَا كان “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” بحقٍّ شَـخْـصًا في عَـقْـلِـه لُـوثَـة أو خَـلَـلٌ، فكيف يَـتفِّـق هذا مع حُـظْـوته ببالغ ﭐلتَّـعْـظيم حيًّا ومَـيِّـتًا من دُون أن يَـقْـتضيَ ذلكـ أنّ ﭐلذين عَـظَّـمُـوه في زمنه أو بَعْـدَه ما هُـم إِلَّـا أُناس حمقى أو مَـرْضى؟! وهَـبْ أَنّ “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” كان كذلكـ، فهل هذا يَجعلُه بِـدْعًـا بين ﭐلْـعُـلَماء وﭐلْـفَـلَـاسفة وﭐلْـعباقرة ﭐلذين نَعْـرِفُ أنّ منهم من كان مَـريضًا نَـفْـسيًّا (“فريدريكـ نيتشه”، “كُـرت ﮔـودل”، “جوزيف ناش”)؟ وهل كونُه كذلكـ يقتضي ﭐلِـانْـتقاصَ مِـمَّـا تَـرَكه ومِـمَّا يَـمْلَـأُ آلَـاف ﭐلصُّحُـف ﭐلتي يَـقْـرأُها ﭐلْـباحثون حاليًّا حتّى في ﭐلْـغَـرب؟! وإذَا كان شخصٌ بِعِـلَّـته تلكـ قد أَنْـتجَ ما لَـا يزال يُـثير عُـقُـول ﭐلْـعُـلماء وﭐلْمُفكِّـرين، فكيف يُقارَن به مَـنْ لَـا يَفْـتأُ يدَّعي “ﭐلْـعَـقْـلَـانيّة” و”ﭐلتَّـنْـوير” ويَـسْـعى لِـلتَّـشْـنيع عليه من دُون أن يُـثْـبِتَ موضوعيًّا جَـدارتَه بوَصْـفه أَتَـى حقًّا بما يَـفُـوق فِـكْـرَ “ﭐبْـن تَـيْـميَّة”؟!
  • دَعْـنا نُصدِّق أنّ “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” هو ﭐلذي ضَـرَبْـته ﭐلْـعامَّـةُ وعاقبه ﭐلْـقاضي وسَـجَـنه ﭐلْـحاكمُ، وأنّ كُلَّ هذا ﭐلذي وَقَـع على ﭐلشَّيْـخ ﭐلْـواعِظ كان بسبب تحريض ﭐلْـعُـلماء ﭐلْـآخَـرين وتبريرهم؛ وعليه، فمَـنْ ﭐلذي كان ولَـا يزال يُـمثِّـل خَـطرًا على ﭐلْـمُجْـتمَع؟ هل هو مَـنْ يُعبِّـر عن رَأْيه ﭐلْـخاصِّ في دَرْسٍ عُـمُوميٍّ أَمْ مَـنْ يَـقُـوم بإِنْـزاله من ﭐلْـكُـرسيّ ويَـطْـرَحه أَرْضًا فيَـضْـرِبُـه ويُـهِـينُه ويَقْـتاده إلى ﭐلْـحاكِـم ليُعاقبَه ويَسْـجُنَه؟! أَلَـا يصير “ﭐبْـن تَـيْـميَّة”، إذًا، شيخًا قد ظُـلِـم مَـرَّتَـيْن في زمنه وﭐلْـآن في زمننا من قِـبَـل كُـلّ ﭐلَّـذين يُمْـعِـنُون في ﭐلتَّـشْـنيع عليه بمُـناسَـبة ومن دُونها؟!
  • أَخيرًا، لِـأَنّ “ﭐبْـن تَـيْـميَّة” يبقى أكبرَ عَـقْـلًـا وخُـلُـقًا من كُـلِّ ﭐلْـمُتَّضِـعين ﭐلْـمُتكاثِـرين بيننا، فإنّكـ تَـراهُـم يَـلْجأُون إلى أَيِّ شيءٍ يَـظُـنُّونه كافيًا لِلْحطِّ من قَـدْره حتّى حينما لَـا يَـفْعَـلُون أكثر من فَـضْح أَنْـفُسهم بأَنَّـهُم لَـيْـسُوا على شيء لَـا عَـقْـلًـا ولَـا خُـلُـقًا!

[1]. رحلة ابن بطوطة المُسمّاة تحفظ النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، الرباط: 1417هـ/1997م، تحقيق “عبد الهادي التازي”، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، ج 1، ص. 316-317 (مع بعض ﭐلتّصرُّف من قِـبَـلِـي في ﭐلنَّـصّ بوَضْع عَـلَـامات ﭐلشَّكْل وﭐلْـوَقْـف).

[2]. اُنْظُر:  ابن حجر، ﭐلدُّرَر ﭐلْـكامنة في أعيان المئة الثامنة، بيروت: دار الجيل، ج 1، ص. 153-154 (دون تاريخ)؛ وﭐنْـظر أيضا:

– Henri Laoust, Essai sur les doctrines sociales et politiques de Taki-d-Dîn Ahmed b. Taimiya, le Caire : 1939, p. 488, note 1.

[3]. ابن حجر، الدرر…، مرجع سابق، ص. 153-154.

[4]. اُنظر: عبد اللـه بن عبد الرحمن البراك، «هل ﭐلْـتقى ابن تيمية وابن بطوطة: أضواء على مقال د. عبد الهادي التازي»، [موقع “أثارة” [atharah.net].

[5]. اُنظر: بدر الدين القرافي، توشيح الدِّيباج وحِـلْـية الابتهاج»، القاهرة: 1425هـ/2004م، مكتبة الثقافة الدينية، ط 1، تحقيق علي عمر، ص. 129.

[6]. اُنْـظُـر: ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، بيروت: 1432هـ/2011م، ط 4، اعتنى بها وخرّج أحاديثها “عامر الجزار” و”أنور الباز”، دار الوفاء/دار ابن حزم، [ط أصلية: 3/130]، مج 2، ص. 87.

[7]. اُنْـظُـر:

– « Ibn Taymiyya » by Henri Laoust in : Encyclopedia of Islam, vol. 3, Leiden: Brill, 1971, 1986, pp. 951-955.

[8]. اُنْظر: رحلة ابن بطوطة، مرجع سابق، ص. 316-317.

[9]. اُنْظر:

Henri Laoust, Essai, op. Cit, p. 481.

[10]. مـحمد بهجة البيطار، حياة شيخ الإسلام ابن تيمية. محاضرات ومقالات ودراسات، دمشق: منشورات المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 1380هـ/1961م، ص. 46-53.

[11]. اُنْـظـر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون (مضموما إليه تكملة الجامع)، جمعه وووضع فهارسه “مـحمد عزير شمس” و”علي بن مـحمد العمران”، بيروت: 1440هـ/2019م، ط 6، دار عطاءات العلم/دار ابن حزم، ص. 575، هامش 1.

[12]. أحمد بن الصديق الغماري، جُؤْنة العَطار في طرف الفوائد ونوادر الأخبار، دون تاريخ ولا ناشر، ص. 75.

[13]. اُنْـظُـر:

Donald P. Little, « Did Ibn Taymiyya have a screw Loose ?», Studia Islamica, No. 41 [1975]. p. 111.

[14]. رحلة ابن بطوطة، مرجع سابق، ص. 128.

[15]. يَحْـسُن، بهذا ﭐلصّدد، أن تُراجَع دراسةُ “عبد اللـه بن عبد الرحمن البراك” ﭐلْـمذكُورة آنفًا بِعُـنوان «هل ﭐلْـتقى ابن تيمية وابن بطوطة: أضواء على مقال د. عبد الهادي التازي».

[16]. اُنظر: الجامع لسيرة شيخ الاسلام ابن تيمية، مرجع سابق، ص. 224؛ نقلا عن «نهاية الأرب في فنون الأدب»، لـ”ﭐلنُّـوَيْـريّ” (القاهرة، ط 1، 1998، تحقيق فهيم شلتوت”، ص. 270).

[17]. تقيّ الدين أبو بكر الحصنيّ الدمشقيّ، دَفْـع شُـبَـه مَـنْ شَـبَّـه وتَـمَـرَّد، المكتبة الأزهرية للتراث، 2010، ص. 65.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى