الفلسفة

أكثر رجل مزعج في العالم

ستيفن بينكر: عندما يصبح العقل سلعة محتكرة

  • ناثان ج. روبنسون
  • ترجمة: محمود مصطفى الحكيم
  • ضبط الترجمة، ودققها: مصطفى هندي
  • مراجعة: الغازي محمد
  • تحرير: ريم الطيار

ملاحظة من المراجع:

أعلن بيل جيتس، الملياردير الشهير أن كتاب “التنوير الآن” الذي صدر لمؤلفه “ستيفن بنكر” هو واحد من أفضل الكتب التي قرأها على الإطلاق، وقد استضافه فيما بعد في فيديوهات عدّة يتناقشان فيها حول مضامين في الكتاب، ستيفن بنكر، الأكاديمي الشهير، يدّعي ضمن كتابه أن البشرية الآن (نشر في مطالع 2018) قد وصلت إلى مستوى غير مسبوق من التقدم، بسبب تغلبنا على العديد من المشاكل والمجاعات، وبسبب انخفاض مستويات الفقر والبطالة وازدياد “الرفاهية” وغيرها من المزاعم التي يدّعي ستيفن بنكر أنها “حقائق” ثبتت بالإحصاء.
ولكون بنكر أستاذًا جامعيًا، وكونه كذلك ينتمي للطيف السياسي اليميني، ولكون كتابه مفضلًا لدى العديد من “قادة العالم” فقد ساعده هذا على شهرة كتابه شهرة واسعة، بين مادحٍ وذامٍ، بحق وباطل.
في المقالة الموسعة التالية، يفصّل ناثان روبنسون، مدير التحرير بجريدة الـCurrent affairs، بعض مزاعم بنكر في كتابه، ويعرّج على الخصائص العامة لمقولات بنكر وطريقته الخطابية، ويفحص حججه التي بنى عليها مقولته في أن العالم الآن في تقدم غير مسبوق.
ومن العجيب أن أثارة ينشر هذه المقالة الآن، في ظل جائحة كورونا الوبائية، وهي مصادفة حسنة، أن يكون نقد استيفن بنكر الذي قال أن العالم تقدّم لأنه “تخلّص” من الكثير من الأوبئة وقضى على المجاعات، ينشر في ظل وباء، أضرّ أكثرّ ما أضرّ بهذا العالم المتقدّم، دون وجود حلول معروفة ومضمونة للآن.


حمل المقال PDF

إنك تعلم- بطبيعة الحال- ما هو السلوك الإنساني الأكثر إثارة للغضب والإزعاج؛ بالتأكيد ليس هو أن يتصرف أحدهم بأسلوب غير عقلاني، بل إصراره المستمر على التصرف بعقلانية وفي نفس الوقت يتعجب لماذا تتصرف أنت بأسلوب غير عقلاني، وواقع الأمر أنه هو غير العقلاني لأبعد الحدود.

فالمشكلة لن تتوقف عند هذا الحد، وإنما ما يزيد الطين بلة هو تصدره لشرح وجهات نظرك الخاصة بكل غطرسة، وادعاؤه دحضها وتفنيدها، وهو في الحقيقة لا يملك أدنى فهم أومعرفة بوجهة النظر التي ينتقدها.

هذا الرجل هو “ستيفن بينكر” عالم النفس بجامعة هارفارد؛ يعتقد أن الكثير من الناس غير عقلانيين بالمرة، ويقدم ادعاءات عريضة حول لاعقلانيتهم، وحماقتهم الأخلاقية، ولكنه في حقيقة الأمر لا يكلف نفسه عناء الاستماع إلى ما يقولونه في كثير من الأحيان..

وبينما يؤكد في صفحاته الواحدة تلو الأخرى على أهمية العقلانية، تجده بأسلوبٍ غير عقلاني يسخر من الأفكار التي لم يحاول حتّى أن يفهمها، ثم عندما يستاء المؤمنون بهذه الأفكار، فإنه يعتبر ذلك دليلًا إضافيًا على تفكيرهم الذي تحركه المشاعر، ويصبح أكثر اقتناعًا بأنه على صواب، وهو أسلوب أبداه العديد من نقَاد “العدالة الاجتماعية”، واليسارية السياسية “للاطلاع على كتابٍ كامل عن هذا الموضوع، راجع (The Current Affairs Rules For Life) عن العدالة الاجتماعية ونقادها.” ومع ذلك، فإن “بينكر” يتطرف بالأمور لأقصى حد؛ فلم نعرف قبله أحدًا قط يحاول أن يبدو أكثر عقلانية، في حين أن جهله تجاوز الآفاق.

يناقش كتاب “بينكر” الأخير الصادر بعنوان (التنوير الآن قضية العقل، والعلم، والإنسانية)، ويطرح فيه ما يظنه فرضًا لا خلاف عليه: وهو أن البشر أحرزوا تقدمًا كبيرًا على مر السنين، ولو اعتمدوا على الإنسانية والعقل، فبإمكانهم حل المزيد من المشاكل في المستقبل، ويقول “بينكر”: إنه يدافع عن فكرة مفادها “أننا قادرون على استخدام العقل، والعاطفة لتعزيز ازدهار الإنسان”، ويعترف بأن هذا قد يبدو “واضحًا”، ولكنه يزعم “أن الأمر ليس كذلك”؛ “لأننا نعتبر تلك القيم من الأمور المسلم بها”، وهناك من التيارين السياسيين اليميني واليساري على حدٍ سواء من يعتقدون أن “مؤسسات الحداثة قد فشلت، وأن كل جانب من جوانب الحياة يمر بأزمةٍ متفاقمة”، ويفتقرون إلى “الرؤية الإيجابية التي ترى مشاكل العالم على ضوء من التقدم الذي تسعى إلى استكماله”.

وقد يبدو ذلك تافهًا، فعلى الرغم من كون كتاب (التنوير الآن) أصبح الكتاب المفضل لدى “بيل جيتس”، إلا أن ردود الفعل في أماكن أخرى كانت مستقطبةً جدًا إلى الحد الذي دفع صحيفة “The Chronicle of Higher Education”  أن تنشر مقالًا بعنوان: “لماذا يحب الناس أن يكرهوا ستيفن بينكر؟”، وبدا المؤلف توم بارتيلت مندهشًا من كون عامة الناس يكرهون بينكر.

وقد بدت المعارضة تجاه أعماله الأخيرة- ابتداءً بكتابه “The Better Angels of Our Nature” الذي نُشر عام 2011- أكثر حدة، وموجهة ضد شخصه، وفي بعض الأحيان ممزوجة بغضبٍ حقيقي، وهذا أمر مدهش، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن رسالته -التي تؤكد أننا نحرز تقدمًا كجنس بشري على الرغم من بعض التحديات الكبيرة- تبدو لطيفة إلى أبعد حد، لا يبدو لك بينكر كقاذف قنابل…!

كيف لهذا الرجل اللطيف أن يصبح محط غضب الكثيرين؟ أحد أسباب المراجعات السلبية- كما يعتقد بينكر- هو ببساطة أن التحفظ على الكاتب الذي يكتب كتبًا مشهورة أكثر إمتاعًا من الثناء عليه، واستشهد بدراسة تشير إلى أن المراجعين الذين ينتقدون الكتب بشدة يعتبرون أكثر ذكاءً. وكتابه الذي يعمل عليه الآن، والذي يحمل عنوانًا مؤقتًا وهو

 (Don’t Go There: Common Knowledge and the Science of Civility, Hypocrisy, Outrage, and Taboo)

سيحاول تفكيك سيكولوجية مثل هذه المفاهيم المغلوطة.

وأشارت صحيفة “The Chronicle” إلى أن تبشير بينكر بقيم التقدم والحداثة قد أكسبه المزيد من الأعداء، واستشهدت الصحيفة برسوم كاريكاتورية نشرت في صحيفة “Current Affairs” كمثال على “الكراهية التي يلقاها بينكر”، ويعتقد “جيري كوين” صديق بينكر أن الناس يكرهون بينكر لأنه مشهور؛ وهذا يؤكد وجهة نظر بينكر، وهي أن “المفكرين يكرهون التقدم”، وينزعجون من بينكر لأنه يستخدم البيانات الكمية لتوصيف وضع الإنسانية.

“المفكرون الذين يدعون أنفسهم تقدميين هم أنفسهم يكرهون التقدم؛ فكرة التقدم التي تزعج تلك الطبقة الثرثارة هي “المعتقد التنويري القائل أنه بإمكاننا تحسين الأوضاع البشرية من خلال فهم العالم”.

وقد كتب بينكر عن ردود الفعل على كتابه السابق قائلًا: “لم تكشف الاعتراضات عن شكوكٍ حول البيانات فحسب، وإنما كشفت أيضًا عن عدم القبول باحتمالية أن تكون أوضاع البشرية قد تحسنت. يفتقر العديد من الأشخاص للأدوات المفاهيمية اللازمة للتأكد مما إذا كان التقدم قد تحقق أم لا! ففي كثير من حديثي مع المستفهمين، أجدهم يقولون: إذن فقد انخفض مقدار العنف خطيًا على مدار التاريخ، رائع!”

وأود طرح تفسير بديل: إن من ينتقدون بالسلب أعمال بينكر لا يفعلون ذلك؛ لأننا نعاني من “البلاهة الإحصائية”، أو “نفتقر للأدوات المفاهيمية اللازمة للتأكد مما إذا كان التقدم قد تحقق أم لا”، أو لأننا نكره التقدم، بل لأن بينكر يثير الجدل لأنه يرفض ويستهين بكل من لا يتفق مع مقترحاته المثيرة للجدل، ويقدم آراء سياسية مريبة على أنها تحليل موضوعي مجرد للبيانات.

لو أردت إثبات أن كراهية بينكر لا تنبع من كراهية التقدم ذاته، فسوف يكون من دواعي سروري أن أكتب كتابًا يناقش بدقة ما يزعم “بينكر” أنه يناقشه: وهو كون العقل نافعًا، وأن العديد من ملامح المجتمع أفضل مما كانت عليه قبل 100 أو 1000 عام، وأن الأمور ستكون أفضل إذا كان العالم أكثر عقلانية، وبإمكاني كتابة هذا الكتاب بطريقة لن تكون مثيرة للجدل أبدًا، وربما حينها لن تكون المناقشة حول أن “ازدهار الإنسان أمر إيجابي”، أو “أن العقاقير الموجودة الآن فعالة” جزءًا من الكتاب.

أحد الأسباب التي أدت إلى انزعاج بعضهم منا من أعمال بينكر أنه يقدم نفسه على أنه “رجل لطيف”-على حد تعبير صحيفة  The Chroncile- رجلٌ لا يعترف بغير الوقائع والبيانات”،  وفي نفس الوقت يملأ كتبه بأفكاره البغيضة وغير المنطقية.

دعنا ننظر لعيِنةٍ بسيطة من الاقتباسات التي تدل على ذلك “حتى أنني لست متأكدًا من كونها الأكثر تطرفًا”[1]:

– لقد أعرب العديد من النقاد الاجتماعيين عن حنينهم إلى عصر المصانع والمناجم والمطاحن؛ ربما لأنهم لم يعملوا بأيٍ منها من قبل.

– إن أولئك الذين يُدِينُون المجتمعات الرأسمالية الحديثة لقسوتها تجاه الفقراء؛ على الأرجح لا يدركون مدى ضآلة ما أنفقته مجتمعات ما قبل الرأسمالية لإغاثة الفقراء في الماضى.

– من بدهيات الرأي التقدمي وخاصةً في الجامعات؛ أننا نعيش في مجتمع شديد العنصرية، ومليء بالتمييز الجنسي، فضلًا عن الخوف من المثليين، مما يعني ضمنيًا أن التقدمية مضيعة للوقت، ولم تحقق شيئًا بعد عقودٍ من النضال.

– قد يكون من المُرضِي شيطنة شركات الوقود الحفري التي تبيعنا الطاقة التي نريدها، أو الإشارة إلى فضائلنا بتقديم تضحيات جلية، لكن الانغماس في مثل هذه الفِكَر لن يمنع التغير المناخي المدمر…

الحس الأخلاقي الإنساني ليس أخلاقيًا على وجه التحديد؛ حيث إنه يشجع على تجريد الناس من الإنسانية “السياسيون خنازير” والعدوان العقابي “من لوث فعليه الدفع”.

– لقد تبنت بعض النظريات النسوية كتاب (The Blank Slate) واجتزأت منه فلسفة سياسية استبدادية من شأنها أن تمنح الحكومة سلطات مطلقة لتنفيذ رؤيتهم ضد المحايدين جنسيًا Gender-free minds.

– بدءًا من سبعينيات القرن الماضي ارتبطت الحركة البيئية العامة بأيديولوجية شبه دينية وهي “Greenism” السياسة الخضراء، أو السياسة البيئية، والتي يمكن ملاحظة وجودها في بيانات العديد من النشطاء مثل  آل جور،[2] وأونابومبر،[3] والبابا فرانسيس، ويتخلل تلك السياسة عداء عام للجنس البشري، بما في ذلك اللامبالاة تجاه المجاعات، والانغماس في الأوهام الشنيعة لكوكبٍ خالٍ من السكان، والمقارنات شبه النازية بين البشر والطفيليات.

– لقد حان الوقت لإنهاء المسرحية الأخلاقية التي يكون فيها البشر المعاصرون في سباقٍ دنيء كمعتدين وغاصبين، يُعَجِّلون بنهاية العالم ما لم يوقفوا الثورة الصناعية، ويتخلوا عن التكنولوجيا، ويعودوا إلى التناغم الزاهد مع الطبيعة…

يجب ألا نقبل الرأي القائل بأن الإنسانية تدمر بلا هوادة عناصر البيئة… “مناصرو العدالة المناخية” يدعون إلى نظام “التنمية المستدامة”.. “مناصرو العدالة المناخية” يقولون: إنه بدلًا من إثراء الدول الفقيرة، ينبغي علينا إفقار الدول الثرية، والعودة -على سبيل المثال- إلى “الزراعة العمالية المكثفة”، ولذا فإن الرد المناسب عليهم “أنتم أولًا”.

– يشجع الكثيرون من اليساريين سياسيي الهوية، ومناصري العدالة الاجتماعية، الذين يقللون من شأن الحقوق الفردية لصالح المساواة بين الأعراق والطبقات والأجناس، حيث إنهم يرون الأفراد ويكأنهم يتنافسون في مسابقة لا قيمة لها.

– لقد رأينا أنه عندما يرتبط معتقد ما بمجموعة ما، فإنه يمكن تعطيل الكليات المنتقدة لأعضاء هذه المجموعة، وهناك أسباب تدعو للاعتقاد بأن هذا قد حدث داخل قطاعات واسعة في الأوساط الأكاديمية… “أ” أصبح فصيل من الثقافة الأكاديمية- يتألف من أعضاء هيئة التدريس من اليساريين المتشددين، ونشطاء الطلاب، وبيروقراطية تتمتع بالاستقلال الذاتي- ليبراليًا بقوة، وأي شخص لا يوافق على افتراض أن العنصرية سبب كل المشاكل يعد عنصريًا…

وخضع الأساتذة لتحقيقاتٍ ستالينية لقاء آراءهم السياسية غير الصحيحة، لقد تم الإيقاع باليسار من قبل سياسيي الهوية، وشرطة الصواب السياسي، ومناصري العدالة الاجتماعية.[4]

أقول “غير عقلاني”؛ لأن بعض هذه الأشياء ليست منطقية، ولا يمكننا أن نستنتج من حقيقة أننا “ما زلنا نعيش في مجتمع شديد العنصرية، والتمييز الجنسي، فضلًا عن الخوف من المثليين” أن حركات التغيير الاجتماعي لم تفعل شيئًا!.

لو اعتقد حماة البيئة أن البشرية[5] دمرت الطبيعة “بلا هوادة”؛ فما كنا لنطرح التشريع المقترح المسمى بـ”الاتفاقية الخضراء الجديدة”[6]، أغلب ما قيل ليس إلا تحريفًا كاريكاتوريًا شريرًا يفتقر إلى الدقة، أشك أنه بإمكانك العثور على أي شخص يؤكد أن العنصرية هي سبب “كل المشاكل”[7].

هل يعتقد أولئك الذين يقولون أن البلدان الرأسمالية بخيلة، وأن البلدان الإقطاعية كانت أكثر كرمًا؟ بالتأكيد نحن لا نقول بذلك[8]، هل نعرب عن حنينا إلى عصر عمالة الأطفال وبيوت العمل[9]؟ بالطبع لا.

هل يطالب حماة البيئة بـ”الـتخلي عن التكنولوجيا”؟ حتى “جون زرزان”- وهو معارض وناقد أمريكي وفيلسوف في علم البيئة البدائي- تحدث في الراديو وأجرى حلقات “Podcast” من قبل[10]. وما يسميه بينكر “شيطنة” شركات الوقود الحفري هو اعتراف بأن هذه الشركات شاركت في ممارسات كانت تعلم أنها مدمرة، مضللةً بذلك عامة الناس للمحافظة على أرباحها  كما فعلت شركات التبغ.

من المهم الاعتراف بحقيقة ما يقوله بينكر، وهو أنه: احتيال وسرقة؛ لأن المبدأ القائل أن المتسببين في الضرر عن عمد لابد وأن يدفعوا ثمن ذلك “، من لوث فعليه أن يدفع” ليس “عدوانًا عقابيًا” غير أخلاقي، وإنما هو تطبيق للمبادئ الأساسية لقانون الضرر.

من المفترض أنَ بينكر “رجل لطيف” وإنسان منضبط، ومعتدل، وعقلاني، وحزين من أن السياسة أصبحت خبيثة وعنصرية إلى حد كبير، ومع ذلك، تجده في كتبه يقارن بين حماة البيئة والنازيين، وبين مبادرات نبذ التعصب في الجامعات، ومبادرات التطهير التي قام بها ستالين[11]، وأولئك الذين لا يوافقونه الآراء “شبه متدينين”، و”ديكتاتوريون”، ويرتكبون مغالطة “الرنجة الحمراء” يتكلمون بالعاطفة، ولا علاقة لهم بالأخلاق، ورأى أن آل جور، والأونابومبر يمكن وضعهما معًا في نفس الجملة!

عندما انتقد عالم الأنثروبولوجيا جيسيون هيكيل أطروحات بينكر في صحيفة الجارديان، قطع بينكر بأن هيكيل كان “ماركسيًا” تاركًا العديد من حجج هيكيل دون جواب، فهل هذا هو ما ادعته صحيفة “The Chroncile” عن بينكر بأنه الودود الدؤوب، الذي يتمتع بعقلانية لا تعرف الكلل؟

لم أقصد الإفراط في الحديث عن لهجة بينكر في كتابته، ولكن من المهم أن نرى إلى أي مدى قد يكون الوسطيون منتقدو العدالة الاجتماعية غير أمناء، وبينكر يتعامل مع اليسار بشكلٍ هيسيتري مبالغًا في توضيح قضيته من خلال تسمية الجميع بأنهم “عنصريون” ولصوص، حتى أنه ينعتهم بأنهم “نازيون وستالينيون”.

أحد الموضوعات المشتركة التي أراها في منتقدي سياسات العدالة الاجتماعية هو الانخراط في نفس الشيء الذي يتهمون اليساريين بالقيام به، هناك أمثلة لا حصر لها على هذه الممارسة في أعمال بينكر؛ على سبيل المثال ما ذكره في كتاب “The Blank Slate” والذي ينتقد بشدة التيار النسوي السائد، ويستشهد فيه بالناشطة النسوية غلوريا شتاينم قائلًا: “إن ما نحتاج إليه أناسٌ ينظرون من نافذة الأدب مثل الكاتبة الناقدة النسوية “أندريا دوركين”، وأناس ينظرون من نافذة القانون مثلي؛ حينها تكون رؤيتنا مؤطرة بالفن ونستطيع أن ننشئ مفردات مرئية للمرأة كاملة غير منقوصة”. يستنتج بينكر من هذا الاقتباس أن شتاينم “غافلة عن الخطر الكامن في قلة المفكرين الذين يدَعون قدرتهم على تحديد أي فن وأدب سيستمتع به بقية المجتمع”.

إليك هذه الملاحظة الجريئة من نفس هذا الكتاب يحتوي على أقسامٍ كاملة تدور حول أي فنٍ هو فن جيد وأي فن هو فن “قبيح، ومحير، ومهين”:

“في هذا الفصل سأشخص الاعتلال الذي أصاب الفنون، والعلوم الإنسانية، وسأعرض بعض الاقتراحات لإنعاشها…

بمجرد أن ندرك ما فعلته الحداثة، وما بعد الحداثة بالنخبة من الفنون والعلوم الإنسانية؛ فإن أسباب انحدارها وسقوطها ستصبح جليَة تمامًا”

عندما تقول ذلك فإنها نخبوية خطرة، وعندما أقول أنا ذلك فإنه علم!

إن رمي الآخر بالنفاق لا يجعل حججه الأساسية غير صحيحة، لكن أعتقد أنه من المهم أن نوضح لماذا قد ينتهي الأمر باليساريين إلى سمعة غير مبررة وهي كونهم عاطفيين وغير عقلانيين:

إن نقادنا يعملون بنفس القدر من “الإحساس” والسليقة، لكنهم يصرون على أنهم يتصرفون بموضوعية، وقد كتب زميلي “أيسلينج مكريا” كيف يمكن استخدام كلمة “المنطق” فقط لإثبات كون المرء منطقيًا، أصبح “العقل” علامة تجارية أكثر من كونه وصفًا لعملية حقيقية يتم من خلالها تحليل حجج الطرف الآخر بعناية، والرد عليها بإنصاف.

“لقد أوضحت من قبل كيف أن كلًا من “سام هاريس وبن شابيرو” يسيئان استخدام المنطق”[12]

إن أحد الأوجه الرئيسية للتفكير المنطقي والجاد هو التواضع، والفحص النقدي لمواقفك، والحجج التي قد تساق لدحضها؛ ومن الواضح أن بينكر لا يحسن شيئًا من هذا، ففي كثيرٍ من الأحيان، حين يرد على منتقديه؛ فإنه لا يرد على المنتقدين الفعليين، وإنما يقوم بإعادة صياغة حجج منتقديه [رجل القش]، وهكذا يطرح هو نفسه أسئلة، مثل: “لماذا كنتُ حادًا مع نيتشه؟” ويجيب عليها، بدلًا من الانخراط عن كثب مع الفلاسفة الحقيقين الذين انتقدوا بينكر لتساؤله عن السبب في أن نيتشه -رغم “كلامه السيكوباتي”[13]– يظل محبوبًا لدى المتخصصين في الدراسات الأكاديمية للعلوم الإنسانية. يقول بينكر إن منتقديه اعتقدوا “أنه لا حق له في انتقاد أي شيء قاله نيتشه”!

في الحقيقة، ظن النقاد أن بينكر لم يقرأ كتابًا واحدًا، ولم يسأل فيلسوفًا واحدًا عن سبب تقديرهم لنيتشه.

وهذا اتجاه ثابت في كتابات بينكر، وهذا ما يجعله أكاديميًا رديئًا وغير مسؤول: إذا قمت بتشويه الحجج المقدمة ضدك، والمبالغة في السخرية منها، تصبح حينها مؤدلجًا وليس باحثًا جادًا بكل تأكيد.

من المهم معرفة أن بينكر غير جديرٍ بالثقة، وغير محايد في تقديم البيانات؛ ورغم ذلك فكتبه هي الأكثر مبيعًا، وتحظى بقدر عظيم من الثناء والإشادة باعتبارها عبقرية.

ومع ذلك، فإنها تعزز العديد من نقاط الحديث اليمينية، وقبول بعض استنتاجاتها من شأنه أن يخلف عواقب سياسية مدمرة للغاية في الحقيقة، ربما أتفق مع ما يصل إلى 80% أو أكثر مما ورد في كتاب (التنوير الآن)؛ لأنه ببساطة يقدم إحصاءات تظهر أن الجريمة انخفضت، وأننا لسنا حاليًا في حربٍ عالمية، أو يسوق الحجج لصالح العلمانية والديمقراطية، ولكن بينكر في هذا الكتاب أيضًا:

  • يدافع بقوة عن عدم المساواة الناجمة عن رأسمالية السوق الحرة.
  • يتجاهل بشكل غير عقلاني حجم المخاطر التي تواجه البشرية.
  • يستخف بالألم والمعاناة البشرية في الوقت الحاضر.
  • يُجمِّل جرائم الولايات المتحدة، ويهوِن جرائم العدوان العسكري الأمريكي.
  • يعيد ما يفعله اليمين السياسي من تشويه حيال الأفكار المعادية للعنصرية، والمناصرة للنسوية.
  • يعاني من جهل مدقع بالمجريات السياسة، والكفاح اللازم لتحقيق المزيد من التقدم البشري.

     ويعد بينكر أحد أولئك الذين يعتقدون أن رئاسة “دونالد ترامب” تمثل “ارتدادًا” إلى اللاعقلانية بعد حقبةٍ طويلة من التقدم، وأننا ببساطة نحتاج إلى تقدير التقدم، وإلزام أنفسنا بالحفاظ على الوضع كما كان في مرحلة ما قبل ترامب وتحسينه باستمرار.

تتلخص الفكرة الرئيسية لفرضية بينكر في أنه بصرف النظر عن بعض النقاط الإحصائية المؤسفة مثل الحرب العالمية الثانية، وتغير المناخ السريع؛ فإن الحياة على الأرض عادة ما تتحسن طوال الوقت، عادةً ما يصف هذا الأمر بقوله: “إنه لا تزال هناك بعض المشاكل الصعبة”، ولا يقول: “إن هذا أفضل ما يمكننا القيام به” وهكذا يميز بينكر نفسه عن “بروفيسور بانغلوس”[14] الذي اعتقد أن ليس في الإمكان أفضل مما كان، وفي أغلب الأحوال، لا ينسى أن يتنصل من المسؤولية بدهاء  كما في قوله: “قد تتباين النتائج؛ وقد لا تتناسب معايشتك للتقدم مع المتوسط العالمي”، ولكنه أحيانًا، وعن غير عمد يزل لسانه، ويقول أشياءً مثل: “كل شيء مذهل… لا أحد منا سعيدٌ كما ينبغي له أن يكون، بالنظر إلى مدى الروعة التي أصبح عليها عالمنا”.

هذا بالتأكيد كلام زائف، ومهين، ومثير للغضب، وعلى افتراض دقة فرضية بينكر؛ فمن الواضح أن الحياة ليست “جنة” بالنسبة للجميع، فهناك عشرات الملايين من اللاجئين حول العالم.

“لا أحد منا”؟ إنه من العجيب رؤية أستاذ بجامعة هارفارد “بينكر”، والذي حقق ملايين الدولارات من بيع الكتب، ومعه أصدقاءه الأثرياء من النخبة يأمرون لاجئي الروهينجا أن يعملوا ساعات إضافية، ويطلبون من الأمريكيين السود أن يكونوا أكثر امتنانًا لأجهزة الآيفون.

وربما يرد بينكر قائلًا: “نحن” لا يقصد بها الجميع، بل الأشخاص العاديين على المتوسط الإحصائي الذين تحسنت أحوالهم مؤخرًا، ولكن هذه هي النقطة بالتحديد؛ فالتحول من “الأمور في المتوسط أفضل مقارنة بعام 1940 أو عام 1410” إلى “كل شيء مذهل” لا يبدو مستشعرًا للواقع المليء بالألم والحرمان.

كتب بينكر:

“لو أن لدينا بعضًا من الامتنان لهذا العالم؛ فيجدر بنا أن نكون أكثر سعادة”.

“في عام 2019، سيعيش الأمريكي لمدة أطول بتسع سنوات، وسيكون لديه 8 ساعات إضافية كرفاهية كل أسبوع، حيث يمكنه قضاءها في القراءة على الشبكة، أو الاستماع إلى الموسيقى على الهاتف الذكي، وتشغيل الأفلام على التلفاز عالي الجودة.. أو تناول الطعام التايلندي على العشاء، بدلًا من الفطائر الكريهة”[15]

حين يقرأ فقرةً كهذه أشخاصٌ غير أمريكيين يمكنهم القيام بمثل هذا؛ هل من الغريب أن يشعروا بقليل من الانزعاج؟ قد يكون الطعام التايلندي في جامعة كامبريدج البريطانية ممتازًا، لكن صديقي الذي يُدَرسّ في مدرسة ابتدائية في مدينة ديترويت الأمريكية لا يزال لديه طلاب يأتون للمدرسة جائعين كل يوم، وأنا متأكد أنهم سوف يتناولون بسعادة تلك الفطائر الكريهة، رغم أنهم ربما يفتقرون إلى أي من “الامتنان لهذا العالم”.

يقول أحد منتقدي بينكر إنه على الرغم من ميل بينكر إلى الغلو في كتاباته رغم جهله، إلا أن خطأه في تقييمه القائم على البيانات للاتجاهات العالمية التي تشجع على اللامبالاة إزاء الظلم المستمر يتسبب له في إساءة بالغة، ولكني لست متأكدًا من ذلك.

إن تجاهل فكرة أن العنصرية لا تزال متأصلة في المجتمع إلى حدٍ كبير يبدو لي كنوع من الإهمال، وكذلك الأمر بالنسبة لمحاولاته المستمرة التي تهدف إلى إظهار أن الأمور ليست “متأزمة”.

يقول: “تندد المنظمات الناشطة دائمًا بوجود الأزمات لإشعال الأجواء فحسب”، وعندما يحاول “فضح” الفكرة القائلة بأن معدلات الانتحار في الولايات المتحدة  أصبحت “متأزمة”؛ فإنه -على سبيل المثال- يعترف أن هناك 4000 ألف حالة انتحار سنويًا في البلاد، وأن هذا الرقم هو الأعلى منذ 30 عامًا، وأن هذا الرقم في ازدياد كل عام، ولكنه يشير  إلى عصور سابقة كانت فيها حالات الانتحار أعلى!

ولأن الانتحار كان أكثر شيوعًا في الماضي مما هو عليه الآن؛ فمن التهويل أن نقول أن هناك ما يُدعى وباء التعاسة، أوالوحدة، أو ظاهرة الانتحار، كما أن “التحذيرات الرهيبة” بشأن “وباء” الانتحار، أو الاكتئاب لا يبقى لها أثر بعد تفحص كل الوقائع” إلى جانب ذلك:

“ليست كل مشكلة هي أزمة، أو جائحة، أو وباء. إن قدرًا ضئيلًا من القلق قد يكون هو الثمن الذي ندفعه لقاء انعدام اليقين بشأن الحرية، إنها كلمة أخرى تعني ما تتطلبه الحرية من توخٍ للحذر، وتشاورٍ وتحكم بالمشاعر”.[16]

الآن، وبالنسبة لي، فإنه من اللامبالاة أن نتحدث عن عمق الكآبة واليأس اللذان يعاني منهما ملايين الناس يوميًا في هذه البلاد باعتبارهما “قليلًا من القلق”، ومن اللامبالاة أيضًا تجاهل خطورة المشكلة بقول إن هذا قد يكون ثمنًا يتعين علينا دفعه.

هناك 40 ألف شخصٍ مسجلين في الوحدة الأمريكية الرسمية للموت الجماعي، وهذا العدد يتجاوز ثلاثة عشر أمثال عدد الوفيات في حادثة 11 سبتمبر، ولا يهم إذا ما كان ذلك هو الرقم الأسوأ منذ فترة طويلة، ولا يتبع ذلك أنها ليست “أزمة”، ببساطة الأزمة هي أزمة متكررة، ونحن لم نفعل أبدا ما يتعين علينا القيام به لمحاولة حلها؛ صحيح أنه “ليس كل مشكلة أزمة”، لكن من المؤكد أنه إذا كنت لا ترى أن موت 40000 ألف شخص  دفعة واحدة ولسبب واحد كل عام مسألةٌ خطيرة؛ فإن أحدا لا يستطيع منافستك في الحماقة.

في حقيقة الأمر، حتى عندما يتحدث بينكر عن أمور من الواضح أنها كارثية؛ فإنه يميل إلى تشجيعنا على النظر دومًا إلى الجانب المشرق من الحياة:

“لنفترض أن هناك حادثة من الإرهاب البيولوجي أودت بحياة مليون شخص، لنفترض أن أحد المخترقين استطاع تعطيل شبكة الإنترنت، هل ستزول البلاد -حرفيًا-؟ هل ستنهار الحضارة؟ هل سينقرض الجنس البشري؟ نسبة صغيرة…حتى هيروشيما لا تزال موجودة! فالبشر قادرون على الصمود في مواجهة الكارثة”.

هيروشيما: قطرة في محيط!

الحرب العالمية الثانية: ما هي إلا مجرد انحراف على طول الطريق الوعرة نحو السلام!

القتل الجماعي: من فضلك، لا تهول الأمر كما لو أن الجنس البشري يتجه حرفيًا نحو الانقراض.

في مكان ما من كتاب (التنوير الآن)، تيقنت من كون إريك آيدل- ذلك الأحمق في فيلم الكوميديا “حياة براين” الذي كان يشجع الرجال المصلوبين بصفيره؛ ليبتهجوا، ويضحكوا، ويغنوا- هو نفسه ستيفن بينكر، حتى أن لديهما الشعر نفسه!

هناك خطأ تحليلي كبير وراء العديد من حجج بينكر: فهو يقترح أن المقياس المناسب لما إذا كانت الأمور”كارثية” أم لا هو مقارنة الحاضر بالماضي. في كل كتب بينكر (التنوير الآن وBetter Angels) نرى رسما بيانيًا متشابه؛ خط يتجه للأعلى يدل على أن الأمور في تحسن، أو خط يتجه للأسفل يدل على أن الأمور تسوء.

لذلك إذا كان الفقراء على مستوى العالم يصبحون “أقل فقرًا”، حينها بإمكاننا أن نستنتج أن الرأسمالية، والديمقراطية، والعلوم يبلون بلاءً حسنًا، لكن يجب ألا تقيس نجاحك نسبةً لما حدث من قبل، يجب عليك قياسه مقارنة بما كان عليك القيام به وما كان بإمكانك فعله.

إن كون الأشياء “جيدة” لا يعني أنها “الأفضل”، وقد تكون الأمور جيدة حتى ولو كانت بحاجة إلى أن تتحسن، وحتى لو كانت أقل مما نستطيع الوصول إليه؛ فلا يوجد سبب للتقليل من غضب المرء.

كان بإمكانك تقديم حجة مفادها أن الأمور كانت “أفضل” مما كانت عليه في السابق في عام 1870. كان بإمكانك أن تطلب من الناس النظر لكل التطورات المذهلة التي أحدثتها الثورة الصناعية، وكان بإمكانك تقديمها بالنظر إلى عام 1910 قائلًا: أيها العمال الأطفال هل تعلمون أنكم فعلًا أكثر حظًا من الأجيال التي تسبقكم؟ إليكم رسمًا بيانيًا لمعدلات وفيات الرضع في السابق.

بإمكانك قول ذلك في عام 1936م، و تخبر عمال جنرال موتورز أثناء إضراب فلينت “أنتم لستم فلاحين ولا عبيد”، أنتم أفضل حالًا لحدٍ كبير بفضل الرأسمالية، أظهروا لنا بعض الامتنان الكوني.

وعمال جنرال موتورز كانوا سيردون عليك كما ينبغي علينا أن نرد على بينكر: “أنت لا تقيس عدالة ظروف العمل بالنظر إلى ظروف عمل الأجيال السابقة، بل من خلال قدرة الشركات الموجودة حاليًا على تحسين حياة العمال”.

وعلى حد تعبير جايسون هيكيل، ما يهم في تحديد مدى جودة نظامنا الاقتصادي ليس مسار الفقر العالمي، بل “مسار الفقر العالمي مقارنةً بقدرتنا على وضع حدٍ له” وهذا يعني أن المأساة المعنوية التي يسببها الفقر تنمو وتتزايد.

يستخدم بينكر حجة بشكلٍ متكرر للدفاع عن العمل في المصانع بالسخرة؛ فيكتب قائلًا:

“المعيار المناسب للنظر في محنة الفقراء في البلدان الصناعية هو مجموعة البدائل المتاحة لهم والفترة التي يعيشون فيها”.

وهذا ما يجعلك ترى مقالات مثل: “الجانب النسوي لمصانع الحلوى”، ودفاع نيك كريستوف عن السخرة باعتبارها “حلمًا”؛ لأن “التسلسل الهرمي للوظائف في البلاد الفقيرة؛ لا يجعل التصبب عرقًا على آلة الخياطة هو القاع”!

إذا كان العمل بالسخرة أفضل من البدائل الموجودة حاليًا في مكانٍ معين؛ فهذا جيد. لكن هذا غير صحيح: النساء اللاتي عملن في مصنع Triangle Shirtwaist ربما حصلن على أفضل الوظائف التي كان بإمكانهن الحصول عليها، لكن ذلك لا يعني أن ظروف عملهن لم تكن شنيعة.

المصانع المستغلة للعمال سيئة؛ لأنه لا يوجد سبب يدعو العالم لوجود مصانع السخرة فيه، لأنه من الممكن جدا إضافة إجراءات حماية قوية للعمل إلى الاتفاقيات التجارية، لكننا لا نرى شخصًا يتمتع بسلطة سياسية، أو اقتصادية يهتم كثيرًا بشأن حقوق ومصالح الناس في بلدان أخرى.

تنبني العديد من الحجج التي تدور حول أن “الرأسمالية هي أعظم قاهر للفقر في التاريخ” على رسوم بيانية مشوهة تقلل إلى أقصى حد الهوة الساحقة بين الأغنياء والفقراء حول العالم.

أظهر جيسون هيكل في رده على بينكر أن النظر إلى “الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية” باعتبارها أداة قوية للحد من الفقر نظرة مبالغ فيها إلى حد كبير، والأرقام لا تثبت أن لدينا ما يمكن الاحتفاء به.

البلدان التي لديها تدخل حكومي كبير في الاقتصاد، ومبادرات صحية حكومية، وتعليم حكومي تسجل أرقامًا جيدة في مكافحة الفقر، لكن “المكاسب” التي حققها الكثير من الفقراء في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية:

  • غالبًا لا تكون كبيرة بما يكفي لتنتشلهم من الفقر بأي وسيلة قياس معقولة.
  • كما أنها ضئيلة بالمقارنة بحجم الثروة المتراكمة في أماكن أخرى.

من السهل إنتاج رسوم بيانية توضح أن الفقراء “يكسبون” مع إخفاء حقيقة أن الفقراء يكسبون أجورًا زهيدة مقارنة بما يجنيه الأغنياء، لذلك يستخدم بينكر “مخطط الفيل البياني” الذي يظهر زيادة في دخل كل من الأغنياء والفقراء، ولكنه يتتبع المكاسب بالنسبة المئوية، هذه طريقة جيدة لإظهار أن الفجوة بين الفقراء والأغنياء تضيق بالفعل، على الرغم من أن زيادة 20% في دخل قدره 2 دولار، أقل بكثير من زيادة قدرها 20% من دخلٍ قدره 2,000,000 دولار ولو تتبعت المكاسب المطلقة لبدا لك أن الأغنياء يقومون بتكديس كل الأموال.

 

إذًا إليك كيف تبدو مكاسب الدخل إذا استخدمت النسبة المئوية:

1 1

ولكن كما قال هيكل:

يظهر مخطط الفيل البياني مكاسب نسبية، فيما يتصل بخط الأساس لكل مجموعة في 1980. لذلك، فإن أفقر 10-20% من السكان ارتفع دخلهم بمقدار 82% خلال هذه الفترة، في ظاهر الأمر يبدو هذا كثير جدًا، لكن تذكر أنهم بدأوا من قاعدة منخفضة للغاية، ففي عام 1980 كانوا يجنون ما مقدراه 2.40$ يوميًا، وارتفع إلى ما لا يزيد عن 4.36$ في اليوم على مدى 36 عامًا.

يعني الزيادة تمثل حوالي 5 سنتات سنويًا، و هذا ليس كثيرًا ليُحتفى به، خصوصًا عندما لا تستطيع هذه المكاسب انتشال الناس من براثن الفقر.

وتذكر أن أفقر 60% الذين صوروا باعتبارهم الفائزين في مخطط الفيل البياني ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر، الذي يبلغ 7.40 دولار يوميًا.

 

وإليك كيف يبدو الأمر إذا نظرنا إلى القيم الحقيقية التي تجنيها كل مجموعة من جراء هذا التغير.

2

 

في الحقيقة إن الفجوة بين الفقراء والأغنياء واسعة جدا، ولكن من السهل تلفيق الحقائق، انظر لهذا المخطط الذي يقوم على نحوٍ مضلل بتغيير حجم الفجوة بين 100$ و1000$ ليطابق الفجوة بين 10000$ و100000$.

3

كل الاحتفالات التي أقيمت حفاوةً بالكيفية التي تم بها “انتشال الناس بها من الفقر المدقع” تقوم على أمور، مثل:

هناك عدد أكبر بكثير من الأشخاص الذين يعيشون على مبالغ تقارب 5$ يوميًا، بدلًا من مبالغ أقل من 2$ في اليوم.

لكن اذهب وحاول العيش بـ 150$ في الشهر، أو حتى 300 دولار، وقم بمقارنتها مع أساليب الحياة المعروضة في قسم “مانسيون” بصحيفة وول ستريت، وانظر ما إذا كان من العدل أن نطلق على هذا توزيعًا معقولًا لثمار العمل العالمي.

يقول بينكر: “في نهاية المطاف المد العالي يرفع كل القوارب”. لكن قد تصادف أن المد رفع يختي عاليًا أكثر من قاربك المثقوب!

في الواقع، أوضح بينكر أنه لا يهتم حقًا بانعدام المساواة في حد ذاتها، ويصر على أن “هذا ليس بعدًا أساسيًا لمصلحة البشر”، وأن “زيادة التفاوت ليست بالضرورة أمرًا سيئًا”، ووجود مستويات مهولة من التفاوت بين الناس في عصرنا هذا، ليس “نموذجًا مضادًا للتقدم البشري”.

لقد سبق لي تناول حجج بينكر بشأن التفاوت بين الناس في موضعٍ آخر.[17] إنه يعتقد أنه طالما بإمكاننا تحقيق المساواة بين الناس من خلال جعلهم معدمين بنفس القدر، وبوسع الفقراء والأغنياء زيادة ثروتهم في وقت واحد، فليس التفاوت بين الناس هو ما يشكل عائقا لمصلحة ورفاهية البشر، بل الفقر.

ومع ذلك، فهذا يتجاهل الكيفية التي تكون بها الثروة قوة، كما أن الكميات النسبية التي يحتفظ بها مختلف الأطراف تحدد مدى احترام “اختياراتهم الحرة” في نظام السوق.

بمعنى: لو كان لدي من المال أكثر مما لديك، فتفضيلاتي تعتبر أكثر قيمة من تفضيلاتك، ويمكن لـ “أقلية من الأثرياء” أن تلغي التفضيلات الاجتماعية للأغلبية.

بينكر مصمم على إعفاء الأثرياء من أي مسؤولية قد تقع عليهم بسبب حالة الفقراء، فيقول أن “الفقر ليس له أي أسباب”؛ لأنه الحالة الطبيعية للبشرية، منتقدًا بشكلٍ لاعقلاني مبدأ “إلقاء اللوم على الفاسدين”، ويرى أنه جهد يهدف لتحميل شخص ما مسؤولية لا تقع على عاتق أحد، فيقول:

“اليوم عندما يعتقد القليل من الناس أن هناك من يتسبب في الحوادث، أو الأمراض، والمناقشات حول الفقر غالبًا ما تتألف في معظمها من جدالات حول من يتحمل السؤولية”

وهذا خطأ؛ لأنه حتى الحوادث والأمراض تحدث غالبًا بفعل فاعل، أو بسبب الإهمال، والممارسات الخاطئة، لكن الأهم من ذلك، هو أن بينكر يتجنب السؤال الأخلاقي الحرج.

نعم، كلنا نولد عراة، والثروة يجب أن تنتج وتُوزع، ولكن إذا كان بإمكان الأثرياء تخفيف حدة الفقر، ويرفضون القيام بذلك فكيف لا يكون هذا تصرفًا وحشيًا؟ لو كان من الممكن أن يكون توزيع الثروة والسلطة أكثر إنصافًا، فمن المؤكد أن الفشل في تطبيق التغيير “يتسبب” في استمرار الفقر، عندما لا تكون هناك حاجة لذلك.

حتى مع وجود “حوادث”، من المفترض أن تمنعها إن كان بإمكانك فعل ذلك، والفشل في القيام بذلك يعد إهمالًا.

من الممكن أن يكون بينكر مستاءً للغاية من أولئك الذين يسخرون من أصدقائه الأثرياء:

“فيما يتعلق بالاستهزاء من الطبقة البرجوازية، فهو انتزاع صبياني للمكانة، دون أي ادعاء لفضيلة أخلاقية أو سياسية، والحقيقة أن قيم الطبقة المتوسطة هي:

المسؤولية الشخصية، الإخلاص للأسرة وللجيرة، وتجنب العنف الذكوري، احترام الديمقراطية الليبرالية، في واقع الأمر أشياء طيبة، لا سيئة”.

إذا شعرت أنه يرى أن الفقراء لديهم قيم سيئة، فإحساسك في محله؛ في كتاب: (Better Angels) يرى بينكر أن أحد أسباب الزيادة في أعمال العنف في مرحلة ما بعد الستينيات، هو أن الناس توقفوا عن تقليد رؤسائهم الأثرياء، حيث كتب:

“مع تحول الغرب إلى مزيد من الديمقراطية، بدأت الطبقات العليا تفقد مصداقيتها في التعبير عن القيم المثلى، كما بدأت الفروق تتقارب في التسلسل الهرمي للذوق والأخلاق، حتى أصبح الناس يخاطبون أصدقاءهم بأسمائهم الأولى بدلًا من السيد، والسيدة، والآنسة.

أصبحت سيدة المجتمع الراقي محطَ سخرية بعد أن كانت قدوة، وأصبحت الشوارع هي مصدر القيم بدلا من ساحات المحكمة”.

ورغم أنه يسلم أن هذا لم يكن سيئًا بالكامل، فمن الواضح تمامًا موقفه من أولئك الذين يحملون قيم “الشارع” بدلًا من قيم “البرجوازية”، فأهل الطبقة الوسطى “يكرسون أنفسهم للعائلة، والأصدقاء” بعد كل شيء.

“أستاذ هارفرد المتغطرس” بالطبع، لا يستحق أن يكون خبرًا نتحدث عنه.

هناك جانب أكثر إزعاجًا في عمل بينكر يتمثل في الطريقة التي يسخر بها من مخاوف الحركة البيئية، والحركة المناهضة للحرب.

إن التهديدات التي يفرضها تغير المناخ العالمي والحرب النووية مُلحَّة، وتؤثر على كل فرد على وجه الأرض، لكن بينكر -بطل العقل والعلم- يركز بشكلٍ أكبر على تعنيف اليساريين الذين يحاولون حل تلك المشاكل، ولا يحاول فهم العوائق السياسية التي تحول دون إنقاذ كوكب الأرض من العواقب المدمرة لأفعالنا.

إن بينكر لا ينكر تغير المناخ، لكنه يعتقد أن هناك “من الحكماء من يشككون فيه، يسمون أحيانًا “الهادئون Luke warmers”، فهم يقبلون الفهم السائد للقضية، [وهي هنا تغير المناخ]، لكنهم يرون جانبها الإيجابي [أي لا يرون أنها كارثة وشيكة].

ويتابع قائلا أن لديه “شكوكًا في أن الوضع الراهن سيتسبب في هلاكنا”؛ لأنه لا يعتقد أن “المعرفة ستتجمد في حالتها الحالية، وأن الناس سيستمرون تلقائيًا في سلوكهم الحالي”.

إنه لطيف مع “الهادئين”، ووحشٌ مع أولئك الذين يشعرون بالقلق من تغير المناخ، مثل: نعومي كلاين، والبابا، و”محاربي العدالة المناخية” الذين يرون أن الاستيلاء البشري على الطاقة جريمة بشعة ضد الطبيعة.

حيث يستشهد بقول كلاين:

“لن نفوز بتلك القضية؛ لأننا نركز على التفاهات، سنفوز لأنها قضية تتعلق بالقيم، وحقوق إنسان والصواب، والخطأ”.

وبصفته شخص فخور بتدقيقه على التفاهات، فإنه ساخط، حيث قال:

“إن استبعاد التحليل الكمي باعتباره “تفاهات”، ليس مناهضًا للفكر وحسب، بل للقيم، وحقوق الإنسان، والصواب والخطأ”.

بالتأكيد، كلاين لم تقل أن قياس الأشياء شيء تافه، بل تدرك تمام الإدراك أن كل علوم المناخ تتطلب قدرًا من التحليل الكمي.

وما قالته هو أننا نحتاج إلى تقديم حجج قائمة على القيم، من أجل كسب المعركة السياسية، إلا أن بينكر أضاف في رده على كلاين:

“حتى عندما يتعلق الأمر بالتحدي الخطابي البحت بهدف “تحريك قلوب الناس” فإن التأثير والفعالية مهمة؛ لأن الناس أكثر ميلًا لقبول حقيقة الاحتباس الحراري العالمي عندما يقال لهم أن المشكلة قابلة للحل بالاستعانة بأساليب مبتكرة في السياسة والتكنولوجيا، على العكس من إعطائهم تحذيرات رهيبة عن فظاعة المسألة”.

ربما من الواجب عليه اقتناء كتاب كلاين (This Changes Everything)، الذي خصصتْ ثلثه الأخير لتحديد سمات أولئك الذين يناضلون من أجل إيجاد حلول سياسية حقيقية لتغير المناخ.

إن الأسلوب الذي يتعامل به بينكر مع دعاة حماية البيئة مقيتٌ حقًا.

رد الصحفي غير الراديكالي المهتم بشأن حماية البيئة جيمس موراي على وصف بينكر للوعي البيئي بأنه “كراهية عامة للبشر” بما مفاده:

“بعد أكثر من عقد من الزمن في تغطية القضايا البيئية، والاجتماع مع المئات من دعاة حماية البيئة، بإمكاني حصر عدد الأشخاص الذين يمكنك اتهامهم بشكلٍ معقول بكراهية الجنس البشري على أصابع يد واحدة”.

يدافع بينكر عن النزعة “المستنيرة” لحماية البيئة، والتي يفصل بينها و بين التيار السائد ميولُه الشبيهة بالنازية، و”شبه الدينية”، وكما كتب جيرمي لينت؛ فإن هذه النزعة “المستنيرة” لحماية البيئة اختارت أن تتجاهل أمورًا مثل تحذيرات المجتمع العلمي.

في نوفمبر 2017 في الوقت الذي من المحتمل أن بينكر كان يضع فيه لمساته الأخيرة على مسودته، أصدر أكثر من 15000 عالم من 184 دولة أصدروا إنذارًا شديد اللهجة للبشرية جمعاء بسبب استهلاكنا الزائد للموارد البشرية؛ لقد أعلنوا أننا نواجه “فسادا كاسحًا، وفقدانًا كارثيًا للتنوع البيولوجي”.

 لقد حذروا من أن الوقت ينفد: “وبعد وقت ليس ببعيد سيكون الأوان قد فات لتغيير المسار”.

وضمنوا تقريرهم 9 مخططات بيانية واقعية، وتحليلًا بالغ الدقة في الصياغة والدراسة بيَّن أن: التأثير البشري على النظم البيولوجية للأرض يتزايد بمستوى لا يمكن تحمله على جبهات متعددة.  توضح هذه الرسوم البيانية مجتمعة ما أصاب الأرض من تدهورٍ بيئيّ. الحقيقة هي أن حضارتنا في سعيها لتحقيق التقدم المادي؛ تستهلك موارد الأرض بسرعة أكبر من سرعة تجددها.

يدعونا بينكر لاحترام العلم، لكنه يتجاهل بلا مبالاة تحذير 15000 من العلماء اليائسين.

سأخبركم بشيء: أقرؤوا أحدث تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وتقرير هيئة تقييم المناخ الوطني في الولايات المتحدة، ثم اقرؤوا الفقرة الختامية في كتاب بينكر عن “البيئة”؛ لتروا هل هذا منهج “علمي” صحيح أم مجرد هراء.

على الرغم من نصف قرن من الذعر، فإن الإنسانية ليست على مسار الانتحار البيئي الذي لا رجعة فيه، يساء فهم الخوف من نقص الموارد، وكذلك الحال مع البيئة البشرية البائسة التي ترى أن البشر المعاصرين هم غاصبون وناهبون للكوكب البكر، وتدرك البيئية المستنيرة أن البشر بحاجة إلى استخدام الطاقة لانتشال أنفسهم من الفقر الذي يدفعهم إليه الإنتروبي والتطور[18]، إنها تبحث عن الوسائل للقيام بذلك بأقل قدر من الضرر لكوكب الأرض والكائنات الحية.

ويشير التاريخ إلى أن هذه البيئية الحداثية، والبراغماتية، والإنسانية يمكن أن تنجح؛ وعندما يصبح العالم أكثر ثراءً، وأكثر دراية بالتكنولوجيا، فإنه يزيل المواد الضارة، ويقلل من انبعاثات الكربون[19]، مما يجنب الأرض والكائنات الحية كثيرا من الضرر.

عندما يصبح الناس أكثر ثراءً ويتلقون تعليما أفضل، فإنهم سيهتمون أكثر بالبيئة، ويكتشفون طرقًا لحمايتها، وهم أكثر قدرة على دفع تكاليف تلك الحماية، هناك أجزاء كثيرة من البيئة تتعافى، مما يشجعنا على التعامل مع المشاكل الخطيرة التي لا تزال قائمة.

أولها انبعاث غازات الاحتباس الحراري، والتهديد الذي تشكله من جراء التغير الخطير للمناخ. يسألني الناس أحيانًا ما إذا كنت أعتقد أن الإنسانية سترتقي إلى مستوى التحدي أم أننا سنستريح ونترك الكارثة تنتشر، أعتقد أن الأمر يرتقي إلى مستوى التحدي، لكن من المهم أن نفهم طبيعة هذا التفاؤل، يميز الخبير الاقتصادي بول رومر بين التفاؤل بالرضا؛ مثل شعور الطفل بانتظار الهدايا في صباح عيد الميلاد، وبين التفاؤل المشروط، مثل شعور الطفل الذي يريد بيت الشجرة، ويدرك أنه إذا يجب أن يحصل على بعض الخشب والغراء، ويقنع الأطفال الآخرين بمساعدته حتى يمكنه بناء البيت.

لا يمكننا أن نكون متفائلين بالرضا عن تغير المناخ، ولكن يمكننا أن نكون متفائلين بشروط، لدينا بعض الطرق العملية لمنع الأضرار ولدينا الوسائل لمعرفة المزيد، المشاكل قابلة للحل، لكن هذا لا يعني أنها ستنحل من تلقاء نفسها، بل يعني أنه يمكننا حلها إذا حافظنا على القوى الحداثية الخيرة التي سمحت لنا بحل المشاكل حتى الآن، بما في ذلك الازدهار المجتمعي، والأسواق المنظمة بحكمة، والحوكمة الداخلية، والاستثمارات في العلوم والتكنولوجيا.

يقول بينكر: علينا فقط “المحافظة على القوى الحداثية الخيرة”.

بينما يقول الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ: أننا نحتاج “تغيرات غير مسبوقة”، و”تحولات سريعة وبعيدة المدى في البيئة، والطاقة، والصناعة، والمباني، ووسائل النقل، والمدن”. ولكن كما نعلم فالمثقفون “يكرهون التقدم”.

الأمر نفسه يتكرر عندما يتحدث بينكر عن الحرب.

يقرر بينكر في نسخة 2011 من كتابه (Better Angels of Our Nature) أن العنف يتراجع بشكلٍ مطرد، وأننا نحيا الآن في عصرٍ غير مسبوق من السلام والرخاء.

لقد كان كتابًا سخيفًا؛ حتى يرى المرء ما يراه بينكر فيجب أن نرى عصرنا وما فيه من الأسلحة النووية المنتشرة بالآلاف حول العالم، ومستعدة لتدمير الكوكب في أي لحظة باعتبارها تعبيرًا عن الـ”سلمية”.

وهذا يشبه القول أنه لو وضع أحد السلاح على رأسك فهو “غير عنيف” حتى يطلق النار فعليًا. “المواجهة المكسيكية”[20] هي السلام عند بينكر.

“تتطلب منا هذه الفرضية تجاهل قتل مليارات الحيوانات البرية من أجل إنشاء المزارع الصناعية، وإبادتها من خلال تدمير بيئاتها”.

تشكل الأسلحة النووية تحديًا قويًا لفرضية بينكر عن تراجع العنف، وهو موضوع لم يتعامل معه قط بشكلٍ كاف، يقرر في كتبه أن “السلام الطويل” منذ الحرب العالمية الثانية لم يكن نتيجة الأسلحة النووية، ويزعم أن القنابل النووية “عديمة الجدوى بصفةٍ رئيسية في حسم الحروب، وحفظ السلام”، وذلك لأن أي دولة لن تجرؤ على استخدامها:

“إن حرق أعداد هائلة من المقاتلين من شأنه أن يحط من مبادئ التكافؤ، والتميز التي تحكم سلوك الحرب، ويفضي إلى أسوأ جرائم حرب في التاريخ.

ويمكن لهذا أن يضايق الساسة، لذا سُنت قوانين تحظر استخدام الأسلحة النووية، الأمر الذي أدى لتحويلها فعليًا إلى خدع”.

بالطبع، هذا يعني أن الولايات المتحدة نفسها ارتكبت “أسوأ جرائم حرب في التاريخ” منذ أن تعمدت إسقاط الأسلحة النووية على مدنيين.

وعلى الرغم من وجود “حظر” مؤكد على مثل هذا السلوك، إلا أن حادثة هيروشيما روعت قسمًا كبيرًا من العالم -رغم أن الأمريكيين يرون أن الأوضاع على ما يرام- كما فكر القادة الأمريكيون في استخدام الأسلحة النووية في فيتنام، أيضًا “الشيء الجيد أن ليندون جونسون كان شديد الحساسية، لكن يبدو أن هذه الحرب لم تكن صادمة له بالشكل الكافي ليوقفها مما أدى إلى قتل 2 مليون من الفيتناميين”.

يدرك بينكر أن هناك آلاف الأسلحة التي يمكن أن تبخر المدن في لحظات، وأن ماكينة الحرب الأمريكية العملاقة تعمل دون كلل على إنتاج أفواج من روبوتات الموت المرعبة ذاتية الحركة، وبدلًا من أن تدفعه تلك الحقائق إلى تقويض نظرية العصر الأكثر سلامًا، أشار بينكر إلى حقيقة أن “الولايات المتحدة الأمريكية خفضت مخزونها من الرؤوس النووية بنسبة 85% عن الذروة التي بلغتها في عام 1976”.

ومع ذلك، فإنه يسلم بأن “المشككين ربما يكونون غير متفائلين بأي شكلٍ من أشكال التقدم الذي يجعل العالم يحتوي على 10200 رأس نووي”.

المشكلة الكبيرة مع أطروحة بينكر بشأن العنف أنها تعلن النصر قبل أوانه، ويتضح ذلك حين يقول أنه لا يعتقد أن السلام بالضرورة وجد لكي يستمر، أو أن التقدم لا يمكن أن ينهار، ويعتقد أن هذا من شأنه أن يؤدي إلى إسكات منتقديه الذين يظنون أنه مفرط في التفاؤل.

والحقيقة هي أننا لم نبتعد كثيرًا عن نهاية الحرب العالمية الثانية لنقول أننا دخلنا عصرًا جديدًا، لقد عاصر أشخاصٌ حماميْ دم عالميين وهم لم يعمروا مئة عام، وهذه الفترة بالنسبة للتاريخ البشري أقل من ثانية.

هذا ليس “سلامًا طويلًا”، بل سلام قصير جدًا، وربما ينبغي علينا أن لا نستخلص أي استنتاجات بشأن طبيعة هذا العصر قبل أن نشهد المزيد منه، وإلا فقد ينتهي بنا المطاف مثل أولئك الذين قالوا أن الحرب العالمية الأولى كانت حربًا لإنهاء كل الحروب.

وآخرون أشاروا إلى أن نظرة بينكر العالمية تتطلب منه التغاضي عن بعض أعمال العنف البشعة، وخاصةً تلك التي ترتكبها الولايات المتحدة، (توجد نظرة عامة جيدة على هذا في المجلة الاشتراكية الدورية[21])، فهو يهلل ويحتفي بنظرية السلام الديمقراطي دون أن ينبس ببنت شفاه عن الطريقة التي نجحت بها الولايات المتحدة “الديمقراطية” في إخماد الانتفاضات الشعبية الخارجية التي تهدد مصالحها، حتى أنه يذهب إلى حد بعيد ليقول:

“لم يعد الغزو[العسكري] خيارًا يمكن التفكير فيه بالنسبة للدول العظمى،
السياسي في ديمقراطية اليوم الذي يقترح غزو دولة أخرى، لن يقابَل بحجج مضادة، بل بالاستهجان أو الضحك”.

ربما هذا صحيح لو قال “غزو”، ولكن لو قال “تحرير”، أو “نشر الديمقراطية” فسوف يقابلون مقترحه بردة فعل مختلفة!

ولتجنب الاعتراف بالعدوان الأمريكي؛ تعين عليه التقليل من بشاعة الحرب الفيتنامية، كما ألقى باللائمة على “الشيوعيين”، قائلًا إن:

“أكثر الصراعات الدموية في فترة ما بعد الحرب كانت تغذيها الأنظمة الصينية والكورية والفيتنامية الشيوعية، والتي كان مستعدة لبذل الغالي والنفيس لإقصاء خصومهم”، وأن “الديمقراطية الأمريكية كانت على استعدادٍ للتضحية بجزءٍ ضئيل من الأرواح التي كان الديكتاتور الفيتنامي الشمالي مستعدًا للتنازل عنها”.

إن هذا التبرير لقتل الولايات المتحدة ملايين الفيتناميين وضيعٌ حقًا، وبينكر يحتاج إلى أن يكون أكثر دراية بما فعلته أمريكا.

وبطبيعة الحال، فإن بينكر يوجه سهام نقده بضراوة إلى النشاطات المناهضة للأسلحة النووية، أكثر من انتقاده للمجمع الصناعي العسكري.

إنه يحذر قائلًا: “توقف عن إخبار الجميع أنهم محكوم عليهم بالموت”، “إن الرسالة التي تريد العديد من النشاطات المناهضة للأسلحة النووية إيصالها -أننا في أي يوم الآن سنموت ميتة بشعة ما لم يتخذ العالم خطوات فورية، لن تكون لديه أي فرصة لاتخاذها إذا حلت الأزمة”، وبعد كل ذلك “لقد نجا العالم من قبل من طغاة وأنصاف مجانين يمتلكون أسلحة نووية، على وجه التحديد: ستالين، وماو تسي تونج، اللذان رُدِعا عن استخدامها، أو على الأرجح؛ لم يشعروا بالحاجة إليها أبدًا”، ياله من كلام مطمئن جدًا. (يشير بينكر أيضًا إلى أن “الحرب غير قانونية”.)

ما يثير الجنون في عمل بينكر الأخير هو أنه يهاجم نفس الأشخاص الذين يبذلون قصارى جهدهم لمعالجة المشاكل التي يقول أنه يهتم بها، بالأمس القريب أحرز التقدميون تقدما ملحوظا، كما أشار جيرمي لينت، وكان “محاربو العدالة الاجتماعية” هم المسؤولون عن انحسار اللغة العنصرية، وانحسار العقاب البدني الذي يرى بينكر أنها من منجزات نظامنا الرأسمالي الديمقراطي الليبرالي العظيم.

لقد كان بينكر وأشياعه في الماضي هم المقصودون بخطاب مارتن لوثر كينج من سجن برمنجهام، هؤلاء الذين يضعون كامل الثقة في “القوى الحداثية الخيرة”؛ لتحسين الأوضاع بدلًا من المشاركة الفعلية في الحراك الاجتماعي.

وكما قال صديقي سام ميلر ماكدونالد: “معظم تلك الأشياء الجيدة التي يحب ستيفن بينكر التفاخر بها هي نتيجة العمل الشاق، والتضحية التي قدمها أناسٌ لا يألو بينكر جهدا في السخرية منهم، والحنق عليهم”.

في الواقع، بينكر منفتح إلى حد أنه لا يؤمن بـ”النضال”، إنه ينظر للمشكلات السياسية على أنها “أخطاء”، أخطاء يجب إصلاحها من خلال تطبيق العقلانية، بدلًا من “الصراعات” بين القيم والمصالح.

إنه يريد “إلغاء تسييس القضايا قدر الإمكان”، و”معاملة السياسية مثل معاملة العلوم، أو الهندسة، أو الطب”، وهذا هو السبب في أنه يرفض رؤية أن بعض أنواع السلطة عقيمة، وأن مصالح الرئيس ليس بالضرورة أن تتوافق مع مصالح العامل، وهذا يعني أن النهوض بمصلحة العامل يتطلب صراعًا سياسيًا، بدلًا من مجرد تطبيق التكنولوجيا.

هذه هي نظرة أوباما العالمية، وقد أثبتت رئاسة أوباما لماذا لا تنجح هذه النظرة.

لقد اتضح أن المصالح تتعارض، وأنه لو حاولت اتخاذ إجراءات من شأنها إثراء العمال، وتهديد قوة الشركات، فإن الأشخاص الذين تهدد مصالحهم؛ سيبذلون قصارى جهدهم لتدميرك.

إن أعمال ستيفن بينكر تستحق الدراسة لسبب بسيط: وهي أنها تظهر مدى عقم وجمود النظرة “الليبرالية” للعالم.

إن بينكر مع المساواة في الحقوق، والديمقراطية، والأنظمة العقلانية، والعالمانية، والقيم الليبرالية العظيمة الأخرى قلبًا وقالبًا، ومثل الكثير من الليبراليين، يبدو أنه يكره اليسار أكثر من اليمين المتشدد، لقد امتدح اليمين المتطرف قائلًا أنه: “مرتفع الثقافة والذكاء”، ثم عندما تعرض لانتقادات قال:

“كثير من الناس الذين يجهلون اليمين المتطرف يعادلونهم بالـ Skinhead[22]، والنازيين الذين يحملون مشاعل تيكي[23]، لكنني كنت أقصد اليمين البديل أثناء المناقشة في المجموعات على الإنترنت”.

إنه ببساطة يقبل السرد اليميني للأحداث المختلفة، ويظهر هذا غالبًا في تعليقات صغيرة مؤطرة.

ففي نظره: برنهارد جويتز كان “مهندسًا دمثًا” تحول إلى “بطل شعبي؛ لأنه أطلق النار على أربعة شبان مجرمين”، وليس خارجًا عن القانون هاجم أربعة أشخاص سود بعد أن سأله واحدٌ منهم بعض المال.

“لم أبحث قط عما يعتقده بينكر عن جيمس دامور، ولكنني متأكد من أنه يرى أنه رجل ذكي فُصِل من العمل لإبلاغه عن نتائج بحثية مثيرة للجدل*[24]“.

دافع بينكر جزئيًا عن دراسة Tuskegee لمرض الزهري، واصفًا إياها بأنها “فشل ضئيل لمنع أذى أكبر عن عشرات الأشخاص”، وهو ما كان “من المقبول الدفاع عنه بمعايير اليوم”. (ما حدث هو أن حكومة الولايات المتحدة جمعت ما يقرب من 400 شخص، وأوهمتهم أنهم سيتلقون علاج لمرض الزهري، ولم يكن ذلك سوى خدعة استمرت 40 عامًا)

لا يرى بينكر أنه مؤدلج، إنه يصر على أن استنتاجاته تصدر ببساطة عن البيانات، على عكس “البلاهة الإحصائية” المعتادة بين الصحفيين، وأساتذة العلوم الإنسانية الذين يستخدمون الحكايات، والعناوين الرئيسية، والخطب الرنانة، ويتبعون “رأي الأعلى أجرًا”.

ومع ذلك إذا نظرت إلى أعماله ستجدها حكايات، وعناوين رئيسية، وخطب رنانة، واحتكام إلى السلطة بكثرة، وإليك أمثلة:

  • حكاية: إن سجل المسار السياسي والأخلاقي للفنانين الحداثيين ليس شيئًا يفتخر به، فبعضهم كان خسيسًا، وعربيدًا على المستوى الشخصي، وتشربوا العديد من القيم الفاشية أوالستالينية، وصف الملحن الحداثي كارلهاين ستوكهاوزن الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر بأنها “أعظم عمل فني يمكن تخيله للكون بأسره”.

حسنًا، إذا قال كارلهينز ستوكهاوزن ذلك، وبعضهم الآخر كان “خسيسًا” فأنا مقتنع بأن الحداثة مرتبطة بتراجع في الأخلاق.

  • عنوان رئيسي: “منع التغير المناخي فكرة حان وقتها، فأحد الدلالات يتألف من ثلاثة عناوين رئيسية، ظهرت في جريدة التايم، في غضون 3 أسابيع في عام 2015:

“الصين تظهر جديتها بشأن تغير المناخ”، “وول مارت، وماكدونالدز، و79 آخرون يلتزمون بمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري”، و”رفض الأمريكيين لتغير المناخ يسجل انخفاضًا قياسيًا”.

أنا متأكد من أن هذه الشركات مخلصة جدًا.

  • خطب رنانة: كل شيء -حرفيًا- وضعته في المجموعة الأولى من مطلع كتابي كان عن اليسار الستاليني.
  • رأي الأعلى أجرًا: “لماذا يجب على المثقفين والفنانين من بين كل الناس أن يجاملوا الديكتاتوريين القتلة؟ “..”أحد التفسيرات التي قدمها الخبير الاقتصادي توماس ويل، وعالم الاجتماع بول هولاندر، هي النرجسية المهنية، فقد يشعر المثقفون، والفنانون بعدم التقدير في الديمقراطيات الليبرالية؛ لكن الولع بالطغاة يتغذى أيضًا على ازدراء نيتشه للرجل العادي…!

حسنًا، لو كان هذا تفسير فأنا راضٍ تمامًا.

يكره بينكر كلمة علموية[25]! ويرى أنها هجوم على العلماء، لكنه لو فهمها سيكون أكثر قدرةً على فهم تحيزاته.

تهمة “العلموية” هي دفاع عن العلم، وليست هجوما عليه، العلموية هي ما يحصل عندما لا تلاحظ أن تفكيرك تحول إلى اتباع العواطف، وأنك لست موضوعيًا كما تعتقد.

إن العلموية هي ما يجعلك تعتقد أنك عقلاني عندما تكتب فقرة مثل هذه:

“البيانات الخالية من الدلائل حول بؤس البشرية تشكل خطرًا مهنيًا على الناقد الاجتماعي، في classic Walden عام 1845 كتب هنري دايفيد ثورو جملته الشهيرة: “يعيش عدد كبير من الناس حياةً من اليأس الهادئ”.

كيف للشخص المتمرد الذي يعيش في مقصورة على بركة أن يعرف أن هذا لم يثبت أبدًا، وأن عامة الناس لا يتفقون معه!

86% ممن سألوا عن سعادتهم في استطلاع القيم العالمية قالوا أنهم “سعداء إلى حدٍ ما”، أو “سعداء جدًا”، وفي المتوسط اعتبر من شارك في استطلاع السعادة العالمي الذي شمل 150 دولة أنهم مع النصف الأعلى على سلم السعادة”.

  1. كان ثورو يكتب في عام 1854، وأطروحة بينكر بأكملها حول أن الأمور أفضل الآن، وبالتالي تقرير السعادة العالمي عام 2016 ليس طريقة جيدة للإشارة إلى أن ثورو كان مخطئًا.
  2. قال إنه كان يأسًا “هادئًا”، ولم يقل “يأسًا تخبر به الغرباء عندما يتصلون بك ليسألوك عن مدى سعادتك”.
  3. الاعتقاد بأنك في “النصف الأعلى” يتوافق مع العدد الكبير من الناس الذين يعيشون حياة بها يأس هادئ.
  4. بالتأكيد بينكر لم يقرأ Walden أبدًا؛ لأنه لا يستطيع كتابة الفصل الافتتاحي بدون وضع “حسنا، في الواقع…”.

العلموية هي التي تجعلك لا تلاحظ أنك تقدم علما زائفا حتى عندما تستخدم الأرقام لدعم مقولتك.

عند نقطة معينة في (Better Angels) يستشهد بينكر بدراسة مثيرة للسخرية، تزعم أنها حسبت ذكاء 42 رئيسًا مختلفًا باستخدام الصفات التي وصفها بهم معاصروهم؛ مثل: “بارع”، و”عبقري”، …إلخ، (هل يمكن أن يكون هناك متغير آخر مؤثر يسمى ميل الناس لإطراء السلطة؟)

مؤلف الدراسة نفسه قال أنها “فن، أكثر من كونها علمًا”، لكن بينكر يستخدمها لاستنتاج أن:

“النظرية القائلة أننا أفضل حالًا مع القادة غير المثقفين؛ محرجة، وأسباب الحرج يمكن دراستها إحصائيًا”، ج. دابليو بوش، كما يقول: “هو في المرتبة  الثالثة بين الرؤساء في الذكاء”، و”آخر الرؤساء الموتى انفتاحًا على التجربة”، ويستمر:

“يمكن تعيين العلاقة بين الذكاء الرئاسي والحرب” اعتمادًا على معدل الذكاء الرئاسي منذ 1964 والذي “يرتبط سلبيًا بعدد الموتى في أرض المعركة، ويمكن للمرء أن يقول أنه مقابل كل نقطة على مقياس الذكاء كان هناك انخفاض في الموتى في أرض المعركة بمعدل 13.440، على الرغم أنه من الأدق أن أذكى ثلاثة رؤساء في فترة ما بعد الحرب، كيندي، وكارتر، وكلينتون، أبقوا البلاد بعيدة عن الحروب المدمرة”.[26]

(كيندي اقترب من القضاء على الحضارة أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، لكن من يهتم بهذا؟)

هناك دراسة أخرى يزعم أنها تظهر أن هناك “فارقًا دقيقًا” يجعل الخطاب السياسي أكثر ذكاءً ومسالمة، إلا أنها لا تستحق أن أقف معها باستثناء الإشارة إلى أن هذا المقياس سيقودنا إلى استنتاج أن “البشر من جميع الأجناس لديهم حقوق مطلقة، ولا يمكن المساس بها”، وهو بيان أكثر حماقة من القول أن “البشر من جميع الأجناس لديهم حقوق، لكن يجب أن يكون هناك استثناءات”.

يلجأ أيضًا السيد صاحب “القياسات الكمية” إلى تبسيط التاريخ السردي القديم عندما يحاول تأويل الحقائق التي لا تتماشى مع سرديته، في محاولة منه لإظهار أن التقدم المحرز ضد العنف يمكن عكسه، يتقمص شخصية التيار “المحافظ” في الستينيات.

لقد كانت “عملية تحطيم وانفصال حضاري بين الأجيال” عندما رأى المراهقون “شبانًا آخرين مثلهم في جمهور برنامج Ed Sullivan Show، وهم يتأرجحون على موسيقى فرقة رولينج ستونز، ويعرفون أن كل شاب آخر في أمريكا كان يستمتع في نفس الوقت”، وقد خلق ذلك “شبكة أفقية من التضامن”، وكما نعلم “سيكون الإحساس بالتضامن بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و30 عامًا خطرًا على المجتمع المتحضر حتى في أفضل الأوقات،” ونتيجة لذلك “رُفع الجسد فوق العقل”، وضربت الفردانية بجذورها في المجتمع.

يستشهد بينكر بأغاني شعبية مثل “هل يعرف أي شخص حقًا كم الوقت؟”، وكلمات مثل: “افعل ذلك طالما تشعر بالرضا” لإظهار أن معايير الالتزام بالمواعيد، وضبط النفس قد انهارت.

“إن مطالب ضبط النفس، ودمج الذات في شبكات من الاعتماد المتبادل قد انعكست تاريخياً في تطور أجهزة ضبط الوقت والوعي بالوقت”، كما يشير إلى أن ذلك التدهور في الوعي بالوقت حدث مع بداية ظهور بطلس فيلم “إيزي رايدر” دينيس هوبر و بيتر فوندا يتخلصون من ساعاتهم”.

إن الفكرة القائلة بأن الناس “يجب أن يكرسوا طاقاتهم لعلاقة أحادية يربون فيها أطفالهم في بيئة آمنة أصبحت محط سخرية”، لقد كان الناس في تلك الحقبة “يحتفلون بمخالفة معايير النظافة واللياقة والانحرافات الجنسية” كما يظهر ذلك من – وأنا لا أمزح – صورة غلاف The Who Sell Out حيث يظهر روجر دالتري، وهو يسبح في حوض استحمام مليئة بالفاصوليا المخبوزة![27] (ماذا حتى لو رأى معارك المعجنات في ثلاثينيات القرن الماضي في المسرحيات الساخرة Three Stooge، لربما أذهلته)

نعم، هذا هو العلم، هذا هو العقل. أنا منزعج حقا لأن بينكر يعامل كمفكر جاد وعقلاني في حين أنه لا يتميز بشيء عن عامتنا، وأنا منزعج بشكل خاص من أولئك الذين يعارضون “الشعبوية” دون إظهار القليل من التعاطف مع أولئك الذين يعانون من مصائب حقيقية، أويعتقدون أن العالم من منظورهم الشخصي يبدو ورديًا أكثر مما يبدو للمرء بمجرد الخروج من حديقة هارفارد. نحن لا نعاني من “رهاب التقدم” ولسنا هؤلاء البلهاء الذين لا يدركون أن الإنترنت رائع وأن الموت الأسود لم يكن كذلك.

ستيفن بينكر هو الرجل الأكثر إثارة للحنق في العالم؛ لأنه بالتأكيد أحد أكثر الرجال تسلطًا في العالم، وهذه المسابقة لديها الكثير من المتنافسين، حتى أنني أشعر أنه سيكون فخورًا لأنه يسمى “مزعج”، ولسان حاله :”أنت منزعج؛ لأنه لا يمكنك التعامل مع الحقائق بسبب تحيزاتك المعرفية، يجب أن يكون ذلك بسبب الحسد والنرجسية”.

إنه حتى عندما يكتب كتابًا جديدًا يحاول شرح سبب كره الناس له، وبالطبع سيكون كل ذلك لأنهم أغبياء مؤدلجون يدعمون النظريات الحمقاء، وليس لأنه أحمق لا يكلف نفسه عناء الاستماع لكلمة يقولها أي شخص.

لقد رأيت هذا النوع من الرجال مرات عديدة إلى الآن؛ هاريس ، بيترسون، شابيرو جميعهم يريدون أن يشرحوا ويبرهنوا ويعقلنوا قبل أن يتعاطفوا، ويشخصوا بشكل غير عقلاني عقلانية الآخرين، ويصرون على أن أيديولوجيتهم ليست أيديولوجية بل نحن المؤدلجين.

هل هناك طريقة لإيقافه؟ هل هناك أي شيء يمكن أن تقوله لهم ردًا على حماقاتهم؟ لن يقنعهم أكثر بأنهم على حق؛ هل هناك أمل في تنوير لا يقتصر على تكرار كلمة “التنوير” إلى ما لا نهاية؟


[1] الأزرق نصوص من كتاب استيفن بنكر.

[2] نائب الريس الأمريكي الأسبق (الغازي)

[3] تيد كازينسكي، عرف باسم The Unabomber  تبعًا لاسم القضية التي سجّل عليها، واشتهر بعدة تفجيرات لمطارات وجامعات عبر طرود البريد، طلبًا لنشر بيان له بعنوان: المجتمع الصناعي ومستقبله، وقد تم القبض عليه وأودع السجن ولازال فيه حتى اللحظة. (الغازي)

[4] في الحقيقة هذه الجملة صحيحة 100% والطرد للمدرسين الجامعيين الذين يرفضون الموافقة على الأجندة الخاصة بحقوق المثليين مثلًا أو حقوق الفئات الملونة في العديد من الدول قد تصاعد بشكل حادّ جدًا، حتّى أن فائزًا بجائزة نوبل قد خسر عمله لما وصف أنه تعليقات عنصرية منه على وجود النساء في المعامل، أما اختطاف اليسار من قبل سياسات الهوية، فقد قال به كثير من اليساريين أنفسهم، من آخرهم مثلًا وأذكره لشهرته هو الفيلسوف سلافوي جيجك في مناظرته مع جوردان بيترسون (الغازي)

[5] طبعًا هذه مصطلحات مضللة، وإن كانت تستخدم بشكل عام دون قصد معناها المعرفي الكامل، فما دمّر الطبيعة، ليس البشرية، فما من شيء في الخارج اسمه “البشرية”، بل دمرها فاعلون معينون معروفون من أصحاب رؤوس الأموال وشركات النفط .. إلخ. (الغازي)

[6] Green New Deal هي اتفاقية ينادي بها مجموعة من الساسة الأمريكان الذين ينتمون إلى اليسار واليسار الاجتماعي والحزب الديمقراطي مع مجموعة من الناشطين حول العالم، وتهتم بإصدار تشريعات تحد من تأثير الأعمال على المناخ وبإصلاحات اقتصادية واجتماعية تحد من عدم المساواة الاقتصادية. (الغازي)

[7] في الحقيقة هناك الكثير من النسويات الراديكاليات، تتلخص رؤيتهم في أن أصل كل شر في التاريخ الإنساني هو الذكورية العنصرية تجاه المرأة، كما يتعامل ناشطون في حركات بيئية مع العنصرية الأمريكية بوصفها “أكبر مشكلة مجتمعية” تواجههم، فما قاله استيفن بنكر هنا صحيح جزئيًا (الغازي)

[8] هناك من يقول بذلك بالفعل، وقد أجريت عدّة أبحاث تاريخية على المزارع المتوسط في العصور الوسطى الإقطاعية ووجد أنها كانت أفضل حالًا من رجل الطبقة المتوسطة اليوم، يمكن مثلًا مراجعة كتاب :وقت العمل – سينثا جراي، وهذا المقال:

http://blogs.reuters.com/great-debate/2013/08/29/why-a-medieval-peasant-got-more-vacation-time-than-you/ (الغازي)

[9] مصطلح يعبر عن أماكن العمل قديمًا في بريطانيا والتي كانت توفر السكن والعمالة للأشخاص غير القادرين على إعالة أنفسهم (مصطفى)

[10] طالب تيد كازينسكي (الأونابومبر) بذلك بشكل واضح في بيانه، فاستيفن بنكر محقّ جزئيًا في نسبة ذلك القول إلى “المتطرفين” في أمر البيئة، وقد ذكره بالاسم في كلامه (الغازي)

[11] هناك وجه شبه في الحقيقة في الممارسة الشمولية التي تحظر استخدام كلمات معينة وكذا، وبين ممارسات الصواب السياسي التي تفعل الشيء نفسه، فالمقارنة من هذا الجانب صحيحة من حيث المبدأ، ويمكن قراءة مقال: عن مخاطر الليبرالية المتحجرة من هنا:

https://atharah.net/%d9%85%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%ad%d8%ac%d8%b1%d8%a9/ (الغازي)

[12] يشير إلى مقالتين كتبهما عن سام هاريس وبن شابيرو وهما بعنوان BEING MR. REASONABLE ,   و THE COOL KID’S PHILOSOPHER (الغازي)

[13] هذا الوصف لبينكر ويقتبسه ناثان هنا ساخرًا. (الغازي)

[14] شخصية من رواية كنديد أو التفاؤل لفولتير (الغازي)

[15] إضافة إلى ما ذكره ناثان هنا، يعتمد ستيفن بنكر على مغالطة اختيار تاريخ وموضوع المقارنة، فهذا المذكور، مقارنة بمن؟ مقارنة بعصر الثورة الصناعية؟، إذا فليكن، ولكن مقارنة بما قبله من عصور؟، أيضًا من قال أن موضوع المقارنة هنا (أي وجود الرفاهيات) هو المشكلة التي نسعى إلى أن نحلها إذا سألنا السؤال الذي يقول: هل العالم يعمل بشكل جيّد أم لا؟، هل نحن نتقدم أم لا؟، فضلًا طبعًا عن إهماله التام لسؤال: نتقدم نحو ماذا؟ فمن قال أن المزيد من الرفاهية للإنسان عن عصر الثورة الصناعية هو الهدف العام للإنسانية أو حتى للحضارة الغربية؟ (الغازي)

[16] هنا أيضًا مغالطة مضللة، يتعين علينا (من الذين يتعين عليهم؟) إذا كان أغلب فئات المجتمع غير مستفيدين من الحرية إلا القلق، فمن الذي يتعيّن عليه هنا؟ ولماذا أختار أن أدفع الثمن لحرية غيري إذا كنت لن اتمتع أنا بها؟، وقد تحدّث عن هذا باستفاضة عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في الفصل الأول من الحداثة السائلة وفي غير ما موضع، فليراجعه المهتم (الغازي)

[17] https://www.currentaffairs.org/2018/02/why-equality-is-indispensable

[18] هذه طريقة مغالطة يعتمدها بنكر وأمثاله كثيرًا، وهي الإحالة إلى كلٍ غريب اسمه “قوانين الطبيعة” أو “قوانين التاريخ”، وكأن المشكلة التي تواجهنا بسبب استنزاف موارد الكوكب هي لأن الطاقة لا تستحدث من عدم!، نحن نعلم أن الطاقة لا تستحدث من عدم، مشكلتنا هي في “كمية الطاقة” التي نستنزفها ولأي غرض نستنزفها، فأن نستهلك كل هذا الكم من الطاقة لفائدة عدد قليل من الأغنياء فهذا ليس لأن الطاقة لا تستحدث من عدم، ولكن لأننا محكومون بالجشع لا أكثر، وهذه مسألة نملك حلها ولا علاقة لها بالإنتروبي أو التطور (الغازي)

[19]هذا يشبه تفاؤل رجال الحداثة الأوائل بنهاية التاريخ واليوتوبيا التي وضعتها كل التيارات الفكرية آنذاك، والتي ما تلبث أن يهدمها الواقع واحدة تلو أخرى (الغازي)

[20] نوع من أنواع المواقف الاستراتيجية التي يخرج الجميع فيها بخسائر، صورتها البسيطة: رجلان يوجهان أسلحتهما كلٌ تجاه رأس صاحبه، فإن أطلق الأول أطلق الثاني، وبالتالي لا يمكن لواحد منهما ضمان عدم الخسارة. (الغازي)

[21] https://isreview.org/issue/86/steven-pinker-alleged-decline-violence

[22] مجموعة تتسم بالعنصرية للعرق الأبيض.

[23] tiki torches نوع من المشاعل اشتهر به اليمين المتطرف في مسيراته.

[24] مهندس سابق في جوجل نشر ورقة تهاجم سياسية جوجل في التعيين على أساس التنوّع الاجتماعي  diversity policies. سمّاها ” Google’s Ideological Echo Chamber” وقد هاجم فيها تعيين الإناث في مجالات التقنية وغيرها من الأمور، وفصل من جوجل على إثرها.، وقد دافع عنه ستيفن بنكر بالفعل هنا:

https://www.youtube.com/watch?v=qZZSYPs1_ng (الغازي)

[25] هو مصطلح يستخدم عادة بشكل ازدرائي للإشارة إلى الاعتقاد بشمولية المنهج العلمي والطريقة العلمية، ووجهة النظر التي تقول بأن العلم التجريبي يشكل الرؤية الكونية الأكثر موثوقية، أو الجزء الأكثر قيمة من معارف الإنسان والقادر على استبعاد وجهات النظر الأخرى (مصطفى)

[26] أغلب الدراسات العلمية المتخصصة لو تكلمنا بلغة بينكر لا تعتبر معدّل الذكاء IQ مفهومًا علميًا أصلًا، هذا فضلًا عن أن هذا الربط يستحق جائزة “الرابط العجيب” الحقيقة، فكون الأشياء تحدث معًا لا يمكنك أن تفترض وجود ارتباط بينها، فالشمس تشرق كل يوم، ومع ذلك لو قال واحد من الناس أنه “مع كل شروق للشمس تحدث ولادة جديدة، إذًا هناك ارتباط بين شروق الشمس وارتفاع معدلات الولادة” لضحك الناس عليه (الغازي)

[27] بغض النظر عن استدلال بنكر للموضوع بغلاف ألبوم!، فإن هذا حقيقة واقعة، وقد شهد بها ظهور البيتلز والهيبيز في مختلف أنحاء العالم المتقدم، وكانت مخالفة الأعراف في اللباس والنظافة وفي العلاقات الجنسية علامة ثقافية مميزة لهم (الغازي)

المصدر
currentaffairs

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى