عام

أصل اللغة: أعظم ألغاز التطور

  • نشر: LanguageInsight
  • ترجمة: وائل وسام
  • تحرير: عبد الرحمن روح الأمين
  • مراجعة: مصطفى هندي

“في البدء كانت الكلمة”

[إنجيل يوحنا (1:1)]

لكن ماذا كانت هذه الكلمة؟ وأين قِيلت؟ وكيف استطاع البشر أن يتكلموا بها؟ في الواقع، فإن موضوع أصل اللغة يُعدّ أحد أعظم الألغاز في العلوم الإنسانية، إن لم يكن أعظمها على الإطلاق.

ظلّ الأكاديميّون والعلماء يتجادلون منذ قرون حول أصول اللغة وجميع الأسئلة التي ترتبط بهذا الموضوع؛ حتى قامت الجمعية اللغوية في باريس -وهي منظمة مكرسة لدراسة اللغات- بحظر أي نقاش حول هذه المسألة في عام 1886 ولم تتراجع عنه لعدة سنوات، لكن لماذا حظرت المناقشة حول هذا الموضوع بالذّات؟

– الفصل أم الوصل؟

ربّما يرجع ذلك إلى أن اللغة مهارة فريدة ومعقّدة، إنها شيء لا يملكه سوى البشر. على مرّ السنين، وُجدت محاولات عديدة لتعليم القردَة -وخاصّةً قردة الشمبانزي، أقرب الأنواع على قيد الحياة للإنسان-[1] القدرة على التحدّث؛ ومع ذلك، لا يوجد حيوان آخر تمكّن من التحدّث بالطريقة التي نتحدّث بها، حتى محاولة تعليم لغة الإشارة للشمبانزي أثبتت عدم جدواها، حيث لا يوجد حيوان يُظهر مهارة تضاهي مستوى إنسان يبلغ من العمر عامين، يبدو أن الأشياء الثلاثة التي يحتاجها المخلوق للتحدّث مثل الإنسان هي دماغ الإنسان، والأحبال الصوتية، والذكاء البشري.

قبل حظر الجمعية اللغوية بباريس المناقشات، كانت النظريّات التي تناولت كيفيّة تطوّر اللغة البشريّة أقلّ ما يُقال عنها أنها مضحكة؛ أما النظريّات الحديثة فهي تقع في أحد معسكرَين: الفصل أو الوصل. ترى نظريات الوصل والاستمرارية في تطوّر اللغة أن اللغة تطوّرت تدريجيًا، بدءًا من أسلاف البشر الأوائل، بميزات مختلفة تتطوّر في مراحلَ مختلفة حتى وصلنا إلى الكلام البشري اليوم؛ وفي الوقت نفسه، تقترح نظرية الفصل أو الانقطاع أنه بسبب عدم وجود شيء مشابه ولو من بعيد يمكننا مقارنته باللغة البشرية، فمن المحتمل أن اللغة ظهرت فجأة في تاريخ البشرية، قد يكون هذا نتيجة لطفرة جينيّة داخل فردٍ واحدٍ، والتي نقلت من خلال أسلافهم وأصبحت في النّهاية سمةً سائدة.

قبل أن نستكشف هذه النظريات بمزيد من التفصيل، دعنا نُلقي نظرةً على بعض الأفكار المبكّرة في دراسة أصل اللغة.

– من البو-واو إلى تا-تا.

تُركّز النظرياّت المبكّرة لأصل اللغة على المصدر الذي أتَت منه الكلمات الأولى، والتي تطوّرت بعد ذلك لهذا الثراء اللغوي الذي نراه اليوم. لا تخلو هذه النظريات من نزعة تخليلية بالتأكيد، وجميعها لديه أسماء غريبة الأطوار تتطابق معها. نشر ماكس مولر -عالم اللغويات- قائمة بهذه النظريات في منتصف القرن التاسع عشر:

  • البو-واو
  • دينغ-دونغ
  • بوه-بوه
  • يو-هي-هو

كانت نظرية البو-واو هي النظرية القائلة بأن البشر مثلهم مثل طائر القيثارة، بدأوا بتقليد الأصوات ونداءات الحيوانات من حولهم. ومن هذه الضوضاء، تطوّرت الكلمات. تستند نظرية دينغ-دونغ على فكرة رمزية الصوت، حيث تُسمّى الأشياء الصغيرة أو الحادّة بكلمات ذات أحرف متحرّكة أمامية عالية، مقارنة بالأجسام الكبيرة أو الدائرية التي تُسمّى بحرف متحرك مستدير في نهاية الكلمة. نظرية بوه-بوه ترى أن الكلمات الأولى تطوّرت من التدخلات اللفظية الطبيعية التي يقوم بها البشر، مثل الصياح عند الدهشة، أو الصياح من الألم. وإذا دفعك اسم نظرية يو-هي-هو إلى التفكير في الأقزام السبعة الذين يعملون في منجم الأحجار الكريمة، فأنت لست بعيدًا؛ إنها النظرية القائلة بأن اللغة بدأت بالضوضاء الإيقاعية التي تحدث عند القيام بعمل يدوي، والتي تسمح بمزامنة جهد العضلات.

نظرية أخرى مبكرة -على الرغم من عدم ظهورها في قائمة مولر- كانت نظرية تا-تا. كانت هذه نظرية تقوم على فكرة أن الناس البدائيين استخدموا ألسنتهم لتقليد إيماءات اليد وقد جاءت الكلمات من هناك. لذلك، قد يلوح الشخص بيده لأعلى ولأسفل ليقول وداعًا، ويؤدي إجراء نفس الحركة باللسان إلى إصدار المقطع “تا تا”.

هذه كلها نظريات ممتعة، ولكن جميعها مرفوضة من قبل اللغويين وعلماء الأنثروبولوجيا اليوم.

في البدء كانت الكلمة

بالطبع، النظرية المبكرة الأخرى لتطوّر اللغة هي أنها هبة من الله. يَذكر سفر التكوين أن آدم وحواء، أول رجل وامرأة، كانا قادرين على الفور على فهم ما قال الله لهما، وتمكّنا من التواصل مع بعضهما البعض بنفس اللغة. وفقًا للمسيحيّة، تحدّث كل البشر هذه اللغة نفسها لأجيالٍ أخرى حتى بناء برج بابل.

وبحسب سفر التكوين، عندما انحسرت مياه الطوفان العظيم، اجتمعت البشريّة في “شنعار”. وهناك، استفادوا من حقيقة أنهم يتحدثون جميعًا بلغة واحدة من خلال تكاتفهم معًا لبناء برج ضخم يسمح لهم بالوصول إلى الله في الجنة. وعند رؤية ذلك، “بلبل” الإله كلامهم، بإعطائهم لغات مختلفة، ثم نثرهم في جميع أنحاء الأرض. ونتيجة لذلك، لم يتمكنوا من العمل معًا لإكمال البرج.[2]

كإشارة إلى قصة برج بابل، يتضمن دليل دوجلاس آدمز “The Hitchhiker’s to the Galaxy” (سلسلة خيال علمي كوميدية) مخلوقًا يسمى “سمكة بابل”؛ ويمكن لهذا الحيوان الأصفر الشبيه بالعلقة أن يعمل كمترجم عالمي لتمكين المخلوقات من التواصل مع بعضها البعض.

ماذا لو تحدثنا مع الحيوانات؟

ما يجعل الكلام البشري أكثر إعجازاً هو حقيقة أنه لا يوجد مخلوق آخر في التاريخ -نعرفه- طوّر هذه المهارة. ليست المشكلة فقط أن قردة الشمبانزي -أقرب أسلافنا- لا يتحدّثون الآن، بل إنهم قد لا يتحدثون أبدًا لأن تشريحهم الصوتي مختلف تمامًا عن تشريحنا، ولن يمكنهم من التحدث بالطريقة التي يتحدث بها البشر.

ليس فقط بنيتنا الجسديّة هي ما تجعل بإمكاننا التحدّث على عكس القرود، بل أيضًا ذكائنا له عامل. في الستينيات، حاول مشروع واشو إثبات ما إذا كان الشمبانزي يمكنه تعلّم اللغة أم لا. كانت واشو أنثى شمبانزي نشأت في أسرة بشرية وتم تعليمها لغة الإشارة الأمريكية. لم تتعلم 350 كلمة فحسب، بل علمت أيضًا بعضًا منها لابنها بالتبني لوليس. حاولت تجربة لاحقة -مشروع نيم- الذهاب إلى أبعد من ذلك من خلال الحصول على نتائج أكثر وثوقيّة تثبت أن القردة لديها قدرات لغوية. سميت نيم “تيم تشومسكي” على شرف نعوم تشومسكي، الذي يعتقد على العكس من ذلك أن البشر فقط هم من لديهم القدرة على تطوير الكلام. في النهاية، انتهى الأمر بمشروع نيم ليكون أقلّ صرامةً من مشروع واشو، وتخلى عنه الرجل الذي قاده، هربرت إس تيراس. وخلص إلى أن استخدام الشمبانزي للغة كان لأغراض عملية فقط، وأنهم لم يطوروا أبدًا القدرة على استخدام الإشارات نحويًا.

لم يتخلى تيراس عن أبحاثه فحسب، بل أضعف مصداقية دراسات لغة القردة الأخرى، بما في ذلك واشو. قال إن القردة كانت تستخدم العلامات لتحفيز النتيجة التي تريدها، وأن درجة معينة من التقليد كانت حاضرة أيضًا. واستشهد بحالة كليفر هانز، حيث تتجمع حشود كبيرة لمشاهدة الحصان يجيب على ما يبدو أنه أسئلة رياضية. تبين لاحقًا أن الحصان كان قادرًا على التقاط إشارات الوجه ولغة الجسد والتفاعل معها، ولم يدرك مالكه أنه كان يتصنع ذلك. إذا كان تيراس على حق، فهذا يشير إلى أن القردة والحيوانات الأخرى ليس لديها وظيفة مخصصة في الدماغ لتعلم الكلام.

هل الأمر مجرد جينات؟

نعوم تشومسكي هو من بين اللغويين الرائدين في العالم، ويقر بأن مجال خبرته موطن لبعض الألغاز التي تبدو غير قابلة للحل؛ كإجابة على سؤال من أين أتت اللغة وكيف؟ يرى تشومسكي أن طفرة جينية محتملة قد حدثت لأحد أسلافنا البشريين أعطتهم القدرة على التحدث وفهم اللغة، والتي تم نقلها إلى ذريتهم. وبسبب فائدة هذه القدرة، كان التطور الدارويني معنيًا بجعلها سمة سائدة لدى البشرية جمعاء.

يبدو أن دراسة من جامعتي UCLA/Emory نشرت في مجلة Nature في عام 2009 تدعم هذه النظرية، حيث كشفت هذه الدراسات عن FOXP2، الجين الأساسي لتطور اللغة والكلام، والذي يختلف اختلافًا كبيرًا اعتمادًا على ما إذا كنت بشريًا أو شمبانزي. قد لا يفسر هذا سبب أن الطفرة في هذا الجين تتسبّب في اضطراب اللغة فحسب، ولكن أيضًا يمكنه الإجابة على كيف يمكننا التحدث ولماذا لا تستطيع الحيوانات الأخري ذلك. قال الدكتور دانيال جيشويند من كلية ديفيد جيفن للطب في جامعة كاليفورنيا: “تُشير الأبحاث السابقة إلى أن تركيبة الأحماض الأمينية لـ FOXP2 البشري تغيرت بسرعة في نفس الوقت الذي ظهرت فيه اللغة في البشر المعاصرين”. اكتشف العلماء أن الجين يختلف في البشر والشمبانزي، وهذا الاختلاف يعني أن دماغ الإنسان كان مصمما لتطوير اللغة بينما لم يكن دماغ الشمبانزي كذلك. هل يمكن أن تكون الطفرة المبكرة لهذا الجين الفردي هي ما يفصلنا في النهاية عن كل أشكال الحياة الأخرى على الأرض؟

هناك نظرية أخرى طرحها عالم الأنثروبولوجيا روبن دنبار وهي أنه مع نمو المجتمعات البشرية، كان الناس بحاجة إلى إيجاد شكل أكثر كفاءة من الاستمالة من أجل الحفاظ على أقرانهم إلى جانبهم. نتيجة لذلك، تم تطوير نوع من الاستمالة الصوتية، ومن المحتمل أن تكون هذه المحادثات المبكرة جدًا مماثلة للقيل والقال الذي ما زلنا ننغمس فيه اليوم.

بالطبع، نظرية تشومسكي ليست الإجابة الوحيدة الممكنة لكيفية تطور اللغة. يتبع العديد من الخبراء نظرية الوصل التي تقول بأن اللغة تطورت بين أسلاف البشر من الأصوات ما قبل اللغوية. هناك العديد من الأفكار في هذا المجال ليس لدينا الوقت لإدراجها جميعًا، ولكن من بينها فرضية “وضع الطفل في مكانه”. يقترح عالم الأنثروبولوجيا دين فالك أنه مع فقْد البشر الأوائل فرائهم، أصبح من الصعب على الأمهات حمل أطفالهن على ظهورهن أثناء جمع الطعام، ولطمأنة الطفل بأنها لم تتخلّى عنه، كانت الأم تتواصل معه وتستخدم تعابير الوجه ولغة الجسد والتواصل اللمسي مثل الدغدغة؛ ومن هنا، تطورت اللغة حسب نظريات فالك.

– إذا ما هي الإجابة؟

لسوء الحظ، يبدو أن الإجابة على سؤال أين وكيف تطورت اللغة البشرية هي أننا قد لا نملك إجابة أبدًا. ومع ذلك، فإنها تظل مشكلة لن نكف أبدًا عن محاولة حلها.

اقرأ ايضاً: اللغة وقواعدها والواقع


[1] – هذه وجهة نظر الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي المنصة. -الإشراف.

[2] – هذه القصة -حسب السردية المسيحية واليهودية- سببها أن الله لم يشأ تجمع الناس بعد الطوفان، بل تفرقهم في الأرض ليعمروها، والله أعلم بصحتها. -الإشراف.

المصدر
languageinsight

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى