عام

الكنيسة الكاثوليكية والفردانيةَ الغربية

  • سوجاتا جوبتا
  • ترجمة: طلال الشمري
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: عبير الغامدي

تسبّبت بعض مراسم الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى بتحوّل ضخم في البنية العائلية, وهذا التحوّل يفسّر جزئيًا ميل المجتمعات الغربية إلى الفردانية والانفصالية, بالإضافة إلى كونها أكثر ثقة بالغرباء من غيرها من المجتمعات.

ترجع جذور العقلية الغربية إلى ١٥٠٠ سنة تقريبًا, حين اجتاح أوروبا وما بعدها تيار من المسيحية تطوّر لاحقًا ليعرف باسم الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، بحسب تقرير عالم الأحياء التطوريّة البشرية جوسف هاينرش وزملائه في الإصدار الثامن من نوفمبر لمجلة Science.

ويقول الباحثون أن قادة ذاك التيار المسيحي توجّسوا مما اعتبروه “سفاح قربى”, فأطلقوا برنامجًا للزواج والأسرة أدّى لاحقًا إلى منع الزواج بين الأباعد من الأقارب، والربائب، والنسائب. كما حثّت سياسات الكنيسة على الزواج بالاختيار بدلًا من الزواجات المرتّبة، وعلى تصغير الأسر إلى أسر نوويّة ينفصل بها الزوجان عن أفراد أسرتهم الممتدة.

ويبيّن هاينرش وزملاؤه، في البيانات التاريخيّة والأنثروبولوجيّة والنفسيّة، أن سياسات الكنيسة ساهمت في تفكيك شبكات القرابة والرحم المتماسكة, وبذلك هيمنت تلك العقلية الغربية على المناطق التي كانت في يد الكنيسة.

كما يقول هاينرش، الدكتور في هارفرد: “إن النفسية البشرية والأدمغة البشرية تتشكلان من خلال الأنظمة الاجتماعية التي نعيش في ظلها، وأكثر هذه المؤسسات هيمنة هي القرابة والمؤسسة الأسرية”، “وهوس أحد التيارات المسيحية وهيمنته قد غيّر مجرى التاريخ الأوروبي”.

لكن ديفد هفمان، عالم الاقتصاد السلوكي من جامعة بتسبرج يؤكّد على التحفّظ عند تفسير تلك النتائج الجديدة، فيقول: “أنا مقتنع بأنهم وجدوا تلك الروابط، لكني لست مقتنعًا تمامًا بالارتباط السببي بين صلات القرابة وكل تلك المتغيرات الأخرى”.

يوجد تنوع كبير في المعتقدات والسلوكيّات النفسيّة عند المجتمعات المختلفة حول العالم، لكن عمومًا يتسم الأفراد في الدول الأوروبية وغيرها من ذوات الأصول البريطانية بأنهم أكثر فردانية واستقلالية وأقل التزامًا بالأعراف الأسرية. وكثيرًا ما توصف تلك المجتمعات بأنها: غربية، ومتعلمة، وصناعية، وغنية، وديموقراطية، أو اختصارًا: WEIRD (مصطلح وضعه هاينرش في دراسة ابتكارية عام ٢٠١٠ عن العلوم السلوكية والدماغية).

ورغبةً في فهم نشأة تلك العقلية الغربية، بدأ فريق هاينرش بتحديد انتشار ذاك التيار من النصرانية الذي كان يعرف بالكنيسة الغربية قبل سنة ١٥٠٠ على الخريطة، حيث بلغ برنامج الزواج ذروته. ثم ركز الفريق على انتشار الأسقفيات، أو المراكز الكنسيّة الإدارية، في ٤٤٠ منطقة لـ36 دولة أوروبية من عام ٥٥٠ إلى ١٥٠٠. وتم تحديد هذا الانتشار مع التعرض للكنيسة الشرقية التي أصبحت الكنيسة الأورثوذكسية والتي لم تحرّم “سفاح القربى”.

وبعد ذلك، قيّم الباحثون تأثير مستويات التعرّض للكنيسة وسياساتها الأسريّة على قوة المجتمعات والمؤسسات الأسريّة. واستخدموا من أجل المقاربة النوعيّة قاعدة بيانات أنثروبولوجية وتاريخية موجودة لـ١٢٩١ تجمّعًا سكانيًا تمت مراقبتهم قبل التحوّل الصناعي. وبيّنوا عن طريق التركير على عناصر البنية العائلية، كالزواجات بين الأقارب، وأنماط الاستيطان، ووجود أو غياب تعدد الزوجات, أن “القرابة”، وهي الروابط الوثيقة بعشيرة ممتدة أبعد من مجرد العائلة المباشرة، قلّت في تلك المناطق المعرّضة لهيمنة الكنيسة.

ووجد الباحثون بعد التركيز على معدلات الزواج من أبناء العمومة, بأن هذا النوع من الزواج قد قل بنسبة 91%  لكل ٥٠٠ سنة كانت فيها دولة ما تحت سلطة الكنيسة الغربية.

وأخيرًا، قيّم الباحثون هذا التحوّل في بنية الأسرة, بجانب التغيّرات في المعتقدات والسلوكيات النفسية، وبالاستعانة بمصادر بيانات عن ٢٤ مقياس نفسي، كالفردانية، والإبداع، والالتزام بالأعراف، والصدق، والثقة, فوجدوا أنه كلما طال تعرّض مجتمع لهيمنة الكنيسة الغربية, زادت فردانيته وثقته بالغرباء.

ويقول الباحثون أن هذا التفاعل بين التاريخ، وبنية الأسرة، وعلم النفس يؤثر على الأزمنة المعاصرة. فمثلًا في إيطاليا كان تأثير الكنيسة الغربية منحصرًا في شمالها ووسطها إلى فترة متأخرة من العصور الوسطى. وهكذا تظهر البيانات المبنية على سجلات الفاتيكان, كما توصّل إليه الباحثون, أن الزواجات بين أبناء العمومة من الدرجة الأولى كانت شبه منعدمة في الشمال، وأما في أقصى الجنوب فقد شكّلت في الفترة ما بين 1910 و 1964 ما بين ٣.٥ إلى أكثر من ٥٪ من الزواجات.

بل إن متوسط معدل التبرع بالدم في الدولة -وهو مقياس للثقة بالآخرين- كان ٢٨ كيس دم لكل ١٠٠٠ شخص، حسب البيانات من ١٩٩٥. لكن الباحثين وجدوا أن تضاعف معدل زواجات أبناء العمومة من الدرجة الأولى، على سبيل المثال، في منطقة ما، ارتبط بانخفاض في تبرعات الدم بمقدار ٨ أكياس دم لكل ١٠٠٠ شخص، ما يشير إلى زيادة ارتياب من الغرباء عند الناس في تلك المنطقة. وكذلك فإن الإيطاليين من المناطق التي يرتفع فيها معدل زواج أبناء العمومة كانوا أكثر ارتيابًا من المؤسسات المصرفيّة، ويفضّلون أخذ القروض من العائلة والأصدقاء، والاحتفاظ بالمال في صورة أوراق نقدية.

المصدر
sciencenews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى