عام

التَّنَمُّر الإلكترونيّ: كيف ضاعف الإنترنت من خطر التّنمُّر

ما مقدار ما نعرفه عن التَّنَمُّر الإلكترونيّ على شبكات التواصل الاجتماعي؟

  • د. سوزان جرينفيلد
  • ترجمة: هبة محمّد
  • تحرير: عبد القادر زينو

تحظى شبكات التَّواصل الاجتماعي بشعبيّة ضخمة، خصوصًا بين المراهقين؛ وعلى الرَّغم من أنّها مفيدةٌ لجميع الأجيال في البقاء على تواصل مع الأصدقاء والزُّملاء عبر الإنترنت، إلا أنَّ لشبكات التواصل الاجتماعي جانبًا مظلمًا يؤثّر خصوصًا على أولئك الغافلين عن حقد البشر. فقد يُؤثِّر التَّنمُّر الإلكتروني على أي فردٍ في أي عُمْر، إلا أَّنّ المُراهِقين هم أكثرُ من يتعرّض له، وقد أصبح الآن واقعًا خَطِرًا يُؤثِّر على صِحَّة وسلامة شَباب اليوم عبر الإنترنت.

بعض جوانب التَّنمُّر الإلكتروني ليست بجديدةٍ على مراهقي اليوم، فقد أظهرت دراسةٌ أنَّ التَّنمُّرَ المُبَلَّغَ عنه في 91% من القضايا متعلقٌ بمشكلاتِ العلاقات مثل الانفصال والحقد والتعصّب والانحياز، وهو ما يبدو أنه مشكلاتِ المراهقين التّقليدية؛ إلا أنَّ الاختلاف هنا يَكمُن في البيئة التي يحدث فيها التنمر والتي تكون أكثر خطورةً مقارنةً بالتَّنمُّر التّقليديّ في ساحات اللعب أو التَّنمُّر في عصر فْلَاشْ مَانْ (بطل رواية متنمر). فبيئة التَّنمُّر عبر الإنترنت تسمح بأن يكون أثر هذا التَّنمُّرِ دائمًا ومنتشرًا وفوريًّا كما أنَّها تسمح للمُتنمِّر بمهاجمة الضحيِّة على مدار 24 ساعة في اليوم، وتوجد مخاوفُ من أنَّ التَّنمُّر الإلكتروني أكثرُ حِدَّة من التَّنمُّر التقليديِّ بسبب أن المضايقات قد تُشارَك بواسطة كثيرين وتستمر بالانتشار عبر الإنترنت وذلك بسبب استطاعة الجاني إخفاءَ هُويّته، على عكس التَّنمُّر وجهًا لوجه.

وعلى الرَّغم من أنَّ التَّنمُّر الإلكترونيّ يشمل كلَّ الوسائل الإلكترونيّة كالمُراسلات الفوريّة وغُرَف المحادثة والبريد الإلكترونيّ والرسائل النَّصّيّة والمحادثات الهاتفيّة المُزعِجة أو التَّطَفُليّة، إلا أنَّ التَّنمُّر على شبكات التّواصل هو الأكثر خُبثًا! إذ تُضخِّمُ بيئة شبكات التّواصل الطَّابَع العامَّ للفِعل، وتَخلُق المزيد من الفرص لإخفاء هُويّة الجاني، وتَتْرُكُ أعمالَ التَّنمُّر على الإنترنت بشكل دائم.

 

ما مدى انتشار التَّنمُّر الإلكترونيّ خلال مِنصّات الشّبكات الاجتماعيّة؟

في مراجعة لـ 36 دراسة (58٪ من العيِّنات أمريكيّة؛ وكانت الفئة العمريّة بين 12-18 عامًا)، تبين أن انتشارُ التَّنمُّر عبر الإنترنت على وسائل التواصل الاجتماعي كان نسبة 23٪، مع نطاقٍ من 5٪ إلى 74٪. وما بين 5-11٪ من الأفراد أفادوا بأنهم ضحايا أو مُتَنَمِّرون. وتضمّنت منصّات التّواصل الاجتماعيِّ الشّائعة للتّنمُّر عبر الإنترنت مثل فيسبوك (4%-20%) والمُنتَدَيات (26٪) والمُدوَّنات (5٪).

ومن الأشكال الشّائعة للتَّنمُّر الإلكترونيّ “التّنابزُ بالألقاب” أو السّب والنّميمة ونشر الشّائعات وتداول صور الضحايا، وأكثر الحالات المؤذية التي أُبلِغَ عنها كانت تتضمن صورًا أو مرئياتٍ للضّحية التي أرسلتْهَا بناءً على طلبٍ محددٍ أو بالإكراه أو اِلتُقطَت أو سُجِّلَت له أو لها سِرَّا.

يوجد فرقٌ واضحٌ بين الجِنسين في مُحتوى التَّنمُّر، فالفتيات دائمًا ما يتلقين رسائلَ تنتقد مَظهَرهنّ أو شُهرتهن (لقبَهُنَّ) أو يُروَّج لاستبعادهنّ أو عزلهنّ في عالم الإنترنت. بينما يتلقّى الذّكور غالبًا رسائلَ معاديةً للمثليّة الجنسيّة[1] وتعليقاتٍ ساخرةً على قدراتهم البدنيّة. وقد أظهرت العديدُ من الدراسات أنَّ الفتياتِ أكثرُ عرضةً للتَّنمُّر الإلكتروني من الذّكور، وأن نسبة التنمر الإلكتروني بين الذّكور أعلى منها بين الفتيات، اللاتي يُستهدفنَ بالتَّنمُّر المباشر أكثر من غير المباشر، وغالبًا ما يُتنمَّرُ عليهنّ في أمور تتعلق بعلاقات المواعدة. و يسود التنمر بين الفتيات بصورةٍ محدودةٍ، أمّا الذُّكور فيميلون إلى أنْ يكونوا متنمِّرين بصورةٍ متكررةٍ.

ومن أبرز السِّمات التي تصفُ الدَّافع وراءَ التَّنمُّر الإلكتروني -كما أفاد كلٌّ من المتنمرين الإلكترونيّين وغيرهم– هو الافتقارُ إلى الثّقة أو الرّغبة في الشّعور بالرِّضا تجاه أنفسهم، والرَّغبة في السّيطرة، وأنّهم يجدون التَّنمُّرَ أو الانتقامَ مُسلِيًّا،. يعرف الضحايا المتنمرَ في معظم الحالات، إلا أنَّ نِسَب التَّعرض للتّنمُّر الإلكترونيّ من قِبَل شخصٍ مجهولٍ تراوحت من 10٪ إلى 21٪.

يبقى البالغون -الذين عادةً ما يهتمون بالمراهقين- على جهلٍ بالموضوع، حيث لا يستطيعون تقديمَ مساعدةٍ لعدم وجود خبرةٍ تكنولوجيِّةٍ لديهم أو فهمٍ لبيئة الإنترنت والتَّنمُّر التّكنولوجيّ. وغالبًا ما يُخبِر الضحايا أصدقائَهم ثم البالغين من الآباء وذلك في 20% من الحالات إلا أن هناك أقليّة ملحوظةً وتشكِّل (24٪) لم تخبر أحدًا. وكان من الشَّائع أنَّ المراهقين غالبًا ما يترددون في إخبار والديهم بحوادث التَّنمُّر الإلكترونيّ خوفًا من أن يُسحَبَ جهازُ الحاسوب أو الجهاز اللوحيّ الخاصّ بهم. وقد أشارت النتائج إلى أنَّ المراهقين يفتقرون إلى الوعي أو الثّقة بأنّه يمكن التّعامل مع التَّنمُّر الإلكتروني؛ ولذلك ينبغي بذلُ الجهود لزيادة الوعي فيما يتعلّق بكيفيّة التّعامل مع التَّنمُّر ومن يجب إخباره، مع التّركيز على المتعرِّضين للتَّنمُّر وغيرهم.

لقد انفجرت شعبيّةُ مِنصّات التواصل الاجتماعيّ في العقد الماضي. ومنذ ست سنوات فقط، أدرك الباحثون أنّ الإنترنت بالنسبة إلى المراهقين بيئةٌ موحشةٌ، خارجةٌ عن القانون وقاتلة. ومنذ ذلك الحين، نفذنا تشريعاتٍ وأحكامًا لحماية الشّباب عبر الإنترنت من التّنمُّر الإلكترونيّ؛ فهل فعلنا ما يكفي؟ بعد كل شيء، يبدو أن عالم الشّاشة -على الأقل- لا “يشبه” الحياة الواقعية.


[1] قبل أن يصبح تطبيع المثلية الجنسية هو السائد في الغرب -في العقود الأخيرة- كان السائد هو الرفض الاجتماعي لهذه الممارسات، ولم يكن ذلك بالطبع يعد من ألوان التنمر، وقد كان النبذ الاجتماعي سلاحًا مشروعًا في صد تطبيع صور الشذوذ. أما وقد انحرف الغرب نحو تطبيع صور الشذوذ المختلفة، فقد أمسى مجرد التعبير عن عدم الموافقة على هذه الممارسات= لونًا من ألوان التنمر والاضطهاد؛ وليست المسألة أخلاقية بقدر ما هي أيديولوجية تسعى إلى تطبيع المثلية وترسيخ القبول المجتمعي لها؛ لذلك فإن استمرار الرفض المجتمعي لهذه الممارسات ومختلف صور الشذوذ هو من أهم ما يدحض تطبيع هذه الممارسات -الإشراف.


المراجع:

  1. Stanbrook, M. B. (2014). Stopping cyberbullying requires a combined societal effort. CMAJ, 186(7), 483-483.
  2. Hamm, M. P., Newton, A. S., Chisholm, A., Shulhan, J., Milne, A., Sundar, P., … & Hartling, L. (2015). Prevalence and effect of cyberbullying on children and young people: a scoping review of social media studies. JAMA pediatrics, 169(8), 770-777.
  3. Hoff, D. L., & Mitchell, S. N. (2009). Cyberbullying: Causes, effects, and remedies. Journal of Educational Administration, 47(5), 652-665.
المصدر
psychologytoday

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى