فكر وثقافة

كارل ماركس وماكس فيبر: منظوران متمايِزان لعلم الاجتماع التربوي

  • لياندرو جيلجن*
  • ترجمة: مي الفالح
  • مراجعة: زيد أولادزيان

تذكير: من المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع: التنشئة الاجتماعية، خاصةً تلك التي تترتّب عن المؤسسة المدرسية. تساهم المدرسة ومجموع وكلاء التنشئة الاجتماعية في إعادة الإنتاج الاجتماعي، أي إدامة أداء المجتمع، وفي توارُث المعايير والقيم والتمثيلات المطوَّرة بشكل جماعي لتجعل من العيش في المجموعة ممكنًا.

  1. كارل ماركس (١٨٨٣-١٨١٨) ونظريات التعليم الماركسية

١٨٨١-١٨٨٢، ولادة المدرسة الجمهورية، التعليم العام في فرنسا مجاني وإلزامي، ونظام التعليم الفرنسي مرتبط بقضية سياسية بارزة. في قرب منتصف القرن العشرين أعطى كل من التحضر وتدهور المجتمع الزراعي وتعميم جميع العاملين بأجر واحد في فرنسا دوراً أساسياً للنظام التعليمي في توزيع المناصب الاجتماعية. ننتقل من مجتمعٍ بمناصبَ موروثة إلى مجتمعٍ بأدوار مكتسبة، بفضل المدرسة على وجه الخصوص. في سياق الحراك الاجتماعي العالي يتم تكليف المدرسة بمسؤولية رئيسية: ضمان الارتقاء الاجتماعي للأجيال. وتمّت إشاعة التمدرُس عبر سياسات الدَّمَقرَطة المطَبَّقة. يرتبط نظام التعليم الفرنسي منذ إنشائه ارتباطاً وثيقاً بمشاريع سياسية مختلفة. في هذا الإطار، فإن علم الاجتماع التربويّ يستجيب لـ «طلب اجتماعي»، هو تقييم الإجراءات السياسية. وقد كان للفكر الماركسي تأثيره المشهور على بعض علماء الاجتماع التربوي.

كارل ماركس: وُلد في ألمانيا وتوفي في لندن. فيلسوف وصحفي واقتصادي. أعماله (مذكورة أدناه)

أعمال كارل ماركس: «الصراع الطبقي في فرنسا» (١٨٥٠) «رأس المال» (١٨٦٧) «برومير الثامن عشر للويس نابليون» (١٨٥٢) «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» (١٨٥٩)

أ- المجتمع وفقاً لماركس

يعتبر ماركس أن الحياة في المجتمع تحدد السلوكات البشرية. ويعتقد دوركايم أن الحتميات الاجتماعية تمُرّ عبر انتقال القيم والمعايير والتصوُّرات المشتركة (وعي جماعي)، فيما يرى ماركس أن الحتميات الاجتماعية هي نتيجة لظروف الإنتاج (ظروف العمل) ومن وضع الأفراد في نظام الإنتاج (امتلاكهم أو عدم امتلاكهم لوسائل الإنتاج). يُطلق على هذه الرؤية «المادية التاريخية»: يُنظر من خلالها إلى الظروف الملموسة للوجود على أنها محرك التغيير الاجتماعي والتطور التاريخي.

إن نظرية ماركس المتعلّقة بتنظيم المجتمع لا تنفصل عن مستقبل هذا التّنظيم. المجتمع القائم على الرأسمالية والملكية الخاصة يجب القضاء عليه ليحُلّ محلّه مجتمع بدون طبقات، حيث الملكية جماعية. إنه غموض التحليل الماركسي الذي يُعتبر دراسة علميّة وموضوعية في تحليل الأداء الاجتماعي (هيكلة المجتمع من خلال السعي إلى تحديد طبقاتٍ اجتماعية)، ولكن أيضاً كعقيدةٍ اجتماعية تستعير من المعتقدات أكثر من التحليلات الموضوعية.

العقيدة الاجتماعية لماركس

ثلاث مراحل كبرى عرفها تاريخ المجتمعات الغربية:

  • النظام القديم حيث يقوم الثراء فيه على امتلاك العبيد. والعلاقات الاجتماعية التي تترتّب عليه هي العبوديّة.
  • النظام الإقطاعي حيث يقوم الثراء فيه على امتلاك الأرض. والعلاقات الاجتماعية فيه هي القنانة.
  • النظام الصناعي (الرأسمالي) حيث يقوم الثراء فيه على امتلاك وسائل الإنتاج، والعلاقات الاجتماعية التي تترتب عليه هي العمالة المأجورة – المُنتِج يشتري قوة عمل الأُجَرَاء.

في النظام الصّناعي والذي يُطلق عليه أيضاً الرأسمالي، محرّك الاقتصاد وبالتالي محرّك الأداء الاجتماعي هو الريع بين قيمة الاستخدام (قيمة السلع التي ينتجها العامل يومياً) وقيمة التبادل (القيمة الحقيقية المدفوعة للأجير مقابل عمله) – الفرق بين الاثنين هو الريع ومنه تأتي الأرباح. يتجاهل المقاول الرأسمالي أن العامل هو مصدر الثراء، فيبحث بالتالي عن الإنتاج أكثر باستخدام الآلات على حساب القوة البشرية، ما يؤدّي إلى العطالة والفقر. الرأسماليّة تتسبّب في خسارتها الخاصّة بتعميم الفقر. وسينتهي هذا النظام مع الثورة.

تحليلٌ للبنية الاجتماعية وللتغيير

يتم تحديد سلوكيات الأفراد وتمثيلاتهم التي يكونُونها في الأصل من خلال المكانة المُحتلَّة في نظام الإنتاج. بمعنى آخر، فإن القاعدة التقنية وأسلوب الإنتاج (كيف تُنتَج الثروة) والقوى المنتجة (العمال، الأقنان، العبيد) هي التي تحدِّد العلاقات بين المجموعات الاجتماعية (على سبيل المثال بين العامل ورجل الأعمال) وتقسيم العمل (من يفعل ماذا؟ qui fait quoi ?). العلاقات بين المجموعات الاجتماعية والطريقة التي تمّ بها توزيع العمل تحدّد البنية التحتية. والبنية التحتية بدورها تحدّد البنية الفوقيّة؛ أي الأيديولوجيا (تمثيلات الحياة الاجتماعية والكيانات التي تنظم الحياة مثل القوانين والحقوق..).

وبالتالي فإنّه على أساس الظروف المادية للوُجود يطوِّر الأفراد قيماً خاصة بمكانة الفرد في نظام الإنتاج؛ وهذه الظروف المادية هي التي تحدد السلوكيات وعلى المدى الطويل التمثيلات الأيديولوجية.

المجتمع موجود لأنه من الضروري بالنسبة للأفراد الدُّخولُ في علاقاتٍ من أجل إنتاج سلعٍ وخدمات بهدف تلبية حاجاتهم. وبالتالي فإن أصل الاجتماعيّ يكمن في الإنتاج؛ « في الإنتاج الاجتماعي لوُجودهم، يدخل الناس في علاقات محددة، ضرورية، خارجة عن إرادتهم، علاقات إنتاجٍ… يشكّل مجموعُ هذه العلاقات الإنتاجية البنيةَ الاقتصادية للمجتمع، وهي القاعدة الصلبة التي على أساسها تصعدُ بنية فوقية قانونية وسياسية والتي تتطابق معها أشكال محدَّدة من الوعي الاجتماعي. إنه ليس وعي الأفراد هو ما يحدد كينونتهم، بل على العكس من ذلك كينونتُهم الاجتماعية هي التي تحدد وعيهم».

إن محرّك التغيير هو العداء بين المجموعات الاجتماعية والذي تستدعيه «الطبقات الاجتماعية». بحُكم ظروف وُجودها وموقعها الاجتماعي، فإنّ البروليتاريا تتميز بقِيَمٍ خاصّة وأهدافٍ مشتركة. وقيمُ المقاوِلين الرأسماليين ليست هي نفس قيم البروليتاريا، وكذلك مكانتهم في نظام الإنتاج. ومصالح المجموعَتين تتباين. ومن هنا ينشأ الصراع، المحرك المحتمل للتغيير. في هذه العملية، يبدو البشر كأنهم مُرغَمون إلى حدٍّ كبير، ومقيَّدون بأفعالهم بحُكم ظروف وجودهم. «ما هو المجتمع؟ هو نتاج النشاط المتَبادَل للناس. هل الناس أحرار في اختيار أيّ شكل اجتماعيّ محدّد؟ لا على الإطلاق. …الناس ليسوا المُحَكَّمين الأحرار في قُواهم الإنتاجية – التي هي أساس تاريخهم – لأن كل قوّة إنتاجية هي قوة مكتَسَبة، ونتاجُ نشاطٍ في الماضي… وجيلٍ ماضٍ. .تكوّنت رابطة في تاريخ البشر، وتشكّلَ تاريخٌ للإنسانيّة، حيث نشأت القوى الإنتاجية للأفراد، ونتجت عنها علاقات اجتماعية. نتيجة ضروريّة: التاريخ الاجتماعي للناس ليس سوى تاريخ نموهم الفردي».

إن فكرة كون العداء أو العلاقة الاجتماعية هي أساس الحياة الاجتماعية تشكّل أساس عددٍ من التحليلات الماركسية. تُشكِّل الفئاتُ الاجتماعية «طبقاتٍ اجتماعيةً»؛ «ما الذي يشكّل طبقةً؟ لأوّل وهلة يظهر أن ما يشكّلها هي هوية المداخيل وهويّة مصدرها». إذا كان ماركس يؤكّد على أن الطبقة الاجتماعية ترتبط بمصدر المداخيل وبالتالي بنوع الملكية (القوى العاملة، رأس المال، أو ملكية الأرض)، فإنّه يعترف بأن هذه الفروق غير كافيةٍ لتُمكِّن من تحديد الطبقات الاجتماعية. لكن «وعي الطبقة» هو الأهمّ. حتّى تُوجَد «طبقة»، ينبغي أن توجد جماعةُ عملٍ، ولكن أيضاً مشاعرُ الطبقة، أي تصوُّرِ انفصالٍ عن الطّبقات الأخرى، بل ومُعارَضةٍ وعداءٍ. «في النهاية لا يشكل الأفراد المنفصلون طبقةً إلا بقدر ما يضطلعون بخوض صراع مشترك ضد طبقة أخرى» – (ريمون آرون – مراحل الفكر السوسيولوجي – ١٩٦٧) – محرِّك الحياة الاجتماعية هو خُصومات الطبقة.

ب- ماركس والعلوم والتعليم

كان ماركس متحمسًا للغاية العمليّة أو المربحة للعلم الذي يؤدِّي إلى التقدُّم الاقتصادي والاجتماعي. العلميّ يبدو بالضرورة كمُنخرطٍ في منهجٍ أيديولوجيّ. الأيديولوجيا هي ساحة معركة ماركس. الأيديولوجيا و«البراكسيس» (الممارسة) هما اتّحاد العمل والتفكير من أجل تغيير العالم الرأسمالي؛ ماركس راهن على العلم. ووفقاً له، فإن القوى الإنتاجية تتطوَّر بفضل تقدُّم المعرفة العلمية. وهذه القوى تدخل في صراعات حتى ينتهي الأمر بالثورة الاجتماعية.

يُصرُّ المنظور الماركسي على الجدليّة بين القوى المنتجة (العلاقات الاجتماعية). والكلُّ يحملُها كما الأجزاء. إن ماركس مقتنِع بأنه من الضروري التفكير في العالم والتفكير فيه بشكل صحيح، أي في حقبته وسياقه. العلم يُمكِّن من تغيير العالم ولا خلاص بدونه.

علم الاجتماع التربويّ حسب ماركس: «وتربيتُكُم، أليست مُحدَّدة من طرف المجتمع وبالظروف الاجتماعية التي تربُّون فيها أبناءكم وبالتدخل المباشر أو غير المباشر للمجتمع من خلال المدرسة؟ لم يخترع الشيوعيون هذا التدخل للمجتمع في التعليم بل اكتفوا بتغيير طابَعِه وانتزاع التعليم من تأثير الطبقة المسيطرة» ماركس – نقد التربية والتعليم (١٩٧٥)

سوسيولوجية ماركس هي سوسيولوجية التغيير. تقوم الطبقات الاجتماعية المهيمنة في جميع المجتمعات بتطوير أشكال أيديولوجية تضفي الشرعية على هيمنتها. الدولة أيضاً لها خصائص طبقيّة. بحيث تعكس الطبقاتِ المهيمنةَ في المجتمع. إنها أداة في خدمة المهيمِنين. ويمكن أن تكون أيضاً رافعةً للثورة. ينتقد ماركس التعليم البرجوازي. ويذهب إلى حدّ تسمية هذا التعليم بمدرسة الكسل والسخف. لكنه يرى أيضاً بأن العلم هو قوة رأس المال ويدعو إلى تعليم يخلط بين العمل الفكري والعمل اليدوي في مزيج من التعلم والعمل المنتج. فإنه من خلال العمل يخلق الإنسان نفسه ويحقّق ذاته. لكن في نفس الوقت يمكن للإنسان أن يكون مغتربا في عمله. وهذا هو الحال في النظام الرأسمالي: «فِيم يتمثّل الاغتراب في العمل؟ بدايةّ في حقيقة أن العمل خارِجَ العامل … أنه في العمل، العامل لا ينتمي إلى نفسه ولكنه ينتمي إلى شخص آخر» – ماركس – مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي – ١٨٥٩

ومع ذلك، فإن ماركس مقتَنِع بالطابع النُّخبوي للحياة الفكرية: «أفكار الطبقة المهيمنة هي في جميع الأوقات الأفكار المهيمنة، لأن الطبقة التي لديها وسائل الإنتاج المادي لديها في نفس الوقت وسائل الإنتاج الفكري» ماركس – الأيديولوجية الألمانية – ١٨٤٦

  1. ماكس فيبر (١٩٢٠-١٨٦٤) قائد فكر علم الاجتماع التربوي المعاصر

ماكس فيبر، عالم اجتماع ألماني، ينحدر من سلالة من الصناعيّين البروتستانت، دراسات عليا في القانون، والاقتصاد السياسي، وفي التاريخ وفي الفلسفة. يُدرّس فيبر في جامعة برلين وفريبورج. وينخرط في الحركات التقدُّمية للمسيحيين الاجتماعيين. يمُرّ باكتئاب حاد سنة ١٨٩٨. وهي مرحلةٌ مفصليّة خلالها يُطوّر معارفه في الفلسفة والإبستمولوجيا وعلم الاجتماع. ويؤسّس في عام ١٩١٠ مع اثنين من علماء الاجتماع هما سيمل (Simmel) وتونيز (Tönnies) الجمعيةَ الألمانيةَ لعلم الاجتماع.

أ- المنهج السوسيولوجي الفيبريّ

يُحفّز فيبر ما يمكن أن نسمّيه بـ «علم اجتماع الفعل الاجتماعي» والذي يُولي اهتماما كبيرا لسلوكات الأفراد. يركّز علم الاجتماع الفيبريّ على التعقُّل (فعل الوعي) للمعنى، أي لمدلولات الأفعال الفردية. ويهدف إلى:

  • فهم دوافع الأفراد (يُعتبَر الأفراد كفاعلين في الحياة الاجتماعية)
  • تحديد مواقع الأفراد داخل الوضع الخاص الذي يندرجون فيه وبالنسبة لباقي الأفراد في نفس الوضع
  • تحليل استراتيجيات هؤلاء الفاعلين.

المنهج السوسيولوجي

في «الاقتصاد والمجتمع» (١٩٢٢)، يُعرّف فيبر علم الاجتماع: «نحن نسمّي علمّ الاجتماعِ ذاك العلم الذي يُعنى بفهم العملية الاجتماعية من خلال التأويل، وبالتالي بتفسير مسارها ونتائجها سببيّا». علم الاجتماع الفيبري يركّز على التفسير والفهم والتأويل. في هذه الحقبة، كانت هناك صراعات منهجية في العلوم الإنسانية مع تصوُّرين مختلفين جذرياً:

  • التصورات الوضعية (كارل مينغر، أوغست كونت) التي تبحث كل علمٍ ضمن النموذج الخاص لعلوم الطبيعة. ويجب على العلوم الإنسانية والاجتماعية أن تكرس نفسها ليس للبحث عن الأسباب بل بالأحرى للبحث عن القوانين. ويجب عليها تفسير أي ظاهرة من خلال انتظاماتٍ يمكن التعبير عنها كمياً.
  • تصور تاريخيّ، مع طريقتين لفهم الواقع علمياً: فلسفياً (بواسطة التّجريد المُعَمَّم) وتاريخياً (بواسطة الوصف الخالص) ما يساعد على تفريد الظواهر المرصودة. الطريقة الأولى خاصة بالعلوم الطبيعية مع البحث عن القوانين، وتُشير الثانية بشكلٍ خاصٍّ إلى تفرُّد العلوم الإنسانية والاجتماعية وموضوعها: الإنسان وسلوكه، والذي يتكون من معنى الذاتية والقيمة. لذا لا يتعلق الأمر بتفسير ظاهرة بل بفهمها، وبتناوُل الدلالة الفريدة تاريخيا بطريقة كيفيّةٍ بشكل خالصٍ.

من خلال جعل علم الاجتماع علماً للفهم، يُدرك فيبر الأسس الموضوعيّة للمنهجية الفردانية. ويؤكد بخلاف الوضعية على ضرورة أن يعالج كلّ علم من العلوم الإنسانية موضوعه من خلال الدوافع الفردية. ينهض منهج فيبر بـ«الفردية المنهجية». «إذا أصبحتُ أخيراً عالم اجتماع فإن ذلك سيكون بصفةٍ أساسيّةٍ من أجل وضع حدٍّ لهذه الممارسات التي تعتمد على التصوُّرات الجماعية والتي لا يزال شبحها يحوم دائما. بعبارة أخرى: علم الاجتماع هو أيضا لا يمكن له مواصلة عمله سوى على استجابات فردٍ واحدٍ، أو بعض الأفراد، أو عدد كبير من الأفراد المنفصِلين. لذلك يتعيّن عليه أن يعتمد على أساليب فردانية قطعًا» (مراسلات فيبر) – إذا كان منهج فيبر يعتمد أساساً على فهم المعنى الذي ينسبه كل فرد إلى التصرفات، فإنه يفتح إمكانية وجود قدرٍ من الموضوعية لأنه ينبغي دعمه بالإسناد السببي، أي تحديد عوامل السببية أو أيضا الملاحظة الإحصائية. «يحتاج فهم علاقةٍ ما دائماً إلى أن تكون مُراقَبَةً قدر الإمكان، من خلال الطرق الأخرى للإسناد السببي قبل أن يصبح تأويلٌ ما، مهما كان واضحاً، «تفسيراً مفهوماً» صالحاً» (من مقال عن نظرية العلم، ١٩٠٤-١٩١٧)

من أجل تحقيق هذه الغاية يجب على العالِم أيضاً اعتماد مبدأ «الحياد الأكسيولوجي»، أي التمييز بعناية بين أحكام الحقيقة (تلك التي يسعى العالم إلى استخلاصها) وأحكام القيمة التي تدخل أكثر ضمن التأويلات التي يقوم بها الفاعلون في الأوضاع التي يواجهونها.

نظريات فيبر عن الحداثة

يظل ماكس فيبر محللًا لمجتمعِ نهاية القرن التاسع عشر. يسعى إلى فهم وتفسير تطور المجتمعات وخصائص الحداثة التي تتحدَّدُ من خلال سِمتَين رئيسيتين:

  • العَقلَنة. تصبح الأنشطة الاجتماعية محكومة بمبدأ العقلانية. يجب إضفاء الطابع الرسمي على الأهداف المراد تحقيقها واعتماد أنسب الوسائل لتحقيق غاياتها والتي تُمكّن من الوصول إلى الهدف بأقل ثمنٍ. تسير هذه الحركة جنبا إلى جنبٍ مع عقلنة الحياة الاجتماعية. تؤدي العقلنة أيضاً إلى تراجعِ الممارسات الدينية والمعتقدات بشكل عام. الإفراط في الإجراءات يؤدي إلى شكل من البيروقراطية. والعقلنة التي ليس لها من هدفٍ سوى أن تكون عقلانيّةً تؤدي إلى الاستبداد. ولكي تكون قابلة للحياة، يجب على عقلنة المجتمعات أن تستمرّ بأن تكون المجتمعات مسترشدةً بالقيم.
  • نزع السِّحر عن العالَم. أدّت العقلنة إلى إضعاف القيم الأخلاقية. لم تعُد أفعال الأفراد تسير تحت قيادة عواطفهم أو معتقداتهم بل تحت قيادة العقلانية. ونموذج فكري (paradigme) جديد يتدخل للحكم على الواقع، وهو بارادايم العلم. قضاء تدريجي على السحر كوسيلةٍ للإجابة على أسئلة ومعاناة العالم وكذلك فقدانٌ للإحساس المتعلّق بمعنى وتوجيه الحياة. إنّ تعقيدَ الاجتماعي يخلع عن كلَّ فردٍ ضبط بيئته.

العقلنة ونزع السحر عن العالم يُنتِجان أشكالا جديدة من الحياة الاجتماعية، والتي يسعى فيبر إلى وصفها. إنّه يميز بين طريقتين لإنشاء مجتمع معين، أي لخلق رابط بين الأفراد:

  • الطريقة الأولى تسمّى «جماعيّة» (communautaire): تُقاد تصرفات الأفراد من خلال الرَّتابة (routine) أو المشاعر أو أيضا العقلانية المقترنة بالقيم. العُرف هو المحرّك لتنظيم المجتمع. ويرتكز النظام الاجتماعي على المعتقدات الدينية والإيمان بالقيَم والتخلّي عن القيادة (leader). ويتطوّر تضامنٌ مُتوارَث بحكم مشاركة وعيٍ متبادَل. تُميِّز هذه الطريقة أصلَ العلاقات بين الأفراد.
  • الطريقة الثانية لخلق رابطٍ بين الأفراد أو لإنشاء مجتمعٍ تسمى «عضويّة» (sociétaire). وهي سِمة للمجتمعات الحديثة. نحن ننتمي إلى مجتمعٍ بالمعنى الاقتصادي للكلمة، أي أن العلاقات التعاقدية تنشأ بين الأفراد. هذه الأخيرة ليست مَدعوَّةً لتأسيس مجموعة من خلال التقاليد أو المعتقدات بل بمنطق إرادة الأفراد الحرة والشعور الذي يساورهم بتحقيق أهدافهم بهذه الوسيلة. وتقاد الأفعال الفردية في النهاية بالعقلانية. العلاقات الاجتماعية السائدة تقوم على الاتفاق من خلال التزامٍ متبادَل وطوعيّ. ويعمل التنظيم الاجتماعي من خلال المصالح الخاصّة للأفراد. والنظام مكفُول من خلال الاتفاقيات والقانون. إنها عقلانيّة قانونيّة ما دامت نابعةً من القانون.

ب- فيبر والتعليم

لم يكن فيبر مهتمّا بالتعليم إلا بطريقة غير مباشرة. في «الاقتصاد والمجتمع» (١٩٢٢) و«الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» (١٩٠٤) يرصد بطريقة مشككة تحولات المجتمع الحديث. إنه يرى
أن أساس الوجود البشري يكمن في الالتزام الفردي داخل العمل. وهذا الأخير يساهم في التطور الاقتصادي وإدراج كلّ فردٍ كشخصٍ مسؤولٍ في المجتمع الذي يعيش فيه. يتبنى فيبر عقلانية السلوكات الفرديّة، باعتبارهم أشخاصًا منفتحين على العالم الذي يعيشون فيه وفاعلين اجتماعيّين حقيقيّين. وهنا حيث يوجد الاختلاف الكبير مع دوركايم. بالنسبة لهذا الأخير، فإن الأفراد هم نتاج اجتماعيّ، وبالنسبة لفيبر فإنهم فاعلون اجتماعيون قادرون على تحويل العالم. والأهم أنهم يساهمون في التطور العقلاني للمجتمع. وبالتالي فالمهمة الأساسية التي يتصوّرها فيبر فيما يتعلّق بالتعليم هي: «تربية أشخاص مسؤولين في الالتزام بالتقدم العقلاني للمجتمع».

التعليم ليس له عندَه ذاك الدّور الاجتماعي المُهيكِل الذي يكتسيه عند دوركايم. بالنسبة إلى فيبر، فإن التعليم يتمثل بشكل خاص في تعلُّم سماع حقائق مزعجة حول قناعات المرء الشخصية. ودور المعلم يتمثل في ضمان أن «يكون المستَمِع في حالةٍ يمكنه من خلالها إيجاد النقطة التي انطلاقا منها يمكنه هو نفسه، بالاستناد إلى مثُله العليا الخاصّة، اتخاذُ مواقف بهذا الصّدد» (العالِم والسياسيّ،١٩١٩)

إن شرعية العُرف السائد الذي يتطور داخله الأفراد، مع إمكانية التقيّد به أو حتى عدم اعتباره شرعياً هي عنصر مفتاحي في فكر فيبر. يقدم فيبر ثلاث أفكار أساسية حول التعليم:

  • التناظُر (نفس السمة عند نوعين مختلفين – نقطة مشتركة) الهيكليّ بين الكنيسة والمدرسة، فكل منها تقع في مجالات للعلاقات القائمة على الهيمنة. المدرسة هي بنية بتسلسُلٍ هرميّ تُضفي الشرعية على الثقافة المهيمنة.
  • التمييز بين ثلاث أنواع من التعليم؛ كاريزمي وإنساني ومخصَّص، والتي تتوافق مع ثلاث أشكال من الهيمنة (الكاريزمية والتقليدية والقانونية، والتي تأسست وتم إضفاء الشرعية عليها من طرف القوانين).
  • العلاقة بين المدرسة والبيروقراطية. هذه الأخيرة تساهم في تطوُّر التعليم المخصَّص (L’éducation spécialisée).

ما يعترض عليه البعض لدى فيبر، هو مفهوم العقلانية. حيث أن الفاعلين لا يتبنّون أبداً السلوكيات الأكثر عقلانيّةً. فهم يتصرّفون وفقا لـ«عقلانية محدودة» والتي تنحصر في المعارف التي يمتلكونها بالوضع، والتي لا تكتمل أبداً.


  • مدرّس في فرع تعليم الشارِع (SER) [فرع لمؤسسة Carrefour]
المصدر
fondation-carrefour

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى