عام

إعادة النظر في شعارات الثورة الفرنسية

هل إنشاء عالم آخر أمر ممكن حقا؟

  • إيمانيويل والرشتاين*
  • ترجمة: زينب صلاح
  • تحرير: فاطمة إنفيص

كان الشعار الشهير للثورة الفرنسية هو: “الحرية، والمساواة، والإخاء”؛ وقد أسفر العالَم في القرنين التاليين لهذه الثورة عن نقيض هذا الشعار، ولم نر سوى أدنى مستوى من أيٍّ من عناصرها الثلاثة في أي بقعة من بقاع النظام العالمي الحديث.

والسؤال اليوم هو هل ثمة طرق لجعل هذا الثلاثي أكثر توافقًا مع بعضه في نظام عالمي مستقبلي؟، إننا هنا لا نتعامل مع هذا الثالوث، وإنما مع العلاقة بين عدم المساواة، والتعددية، والبيئة. ومن الصعب أن نقول ماذا كان سيصنع الثوار الفرنسيون بهذه المناقشة. فالتعددية كانت عكس تطلعاتهم تمامًا، حيث كانوا يرغبون في القضاء على كل الوسائط بين الفرد والدولة التي اعتبروها لكل المواطنين. وكانت البيئة خارج نطاق مطالبهم بالكامل. كما كان يُفترَض أن اللامساواة ستختفي لا محالة، كيف لا وهي السبب الأساسي لثورتهم المنتصرة.

“لكن هذه التساؤلات حول كلا الثالوثين لم يُجَب عنها اليوم بالقدر الكافي. ستكون العقود العديدة القادمة فترة للقرار العالمي الجمعي حول هذه القضايا، وعلى وجه الدقة: ستكون حول ما إذا كان إنشاء عالم آخر أمرًا ممكنًا حقًّا في المستقبل المتوقع. سأبدأ بمناقشة أقل طرَف نوقِشَ، بل الطرف الذي طالما كان منسيًّا تقريبًا، من أطراف ثالوث الثورة الفرنسية، وهو الإخاء. في العقود الأخيرة فقط، عاد الإخاء إلى مقدمة اهتماماتنا الجماعية، لكنه عاد فعلًا، وبقوة”.

 

الإخاء

ما الذي نعنيه بالإخاء؟ من المؤكد أن أول مشكلة مع أي تعريف أو توسيع للمفهوم، وهي مشكلة أصبحت واضحة لدينا الآن، ولكنها لم تكن كذلك في وقت الثورة الفرنسية ولا في القرن ونصف الذي تلاها على الأقل. إنه مصطلح ذكوري، وبالتالي فهو يتجاهل أكثر من نصف سكان العالم. في الحقيقة، وفي الواقع، كان للثوار الفرنسيين سجل فظيع فيما يتعلق بمسألة حقوق المرأة؛ ففي 20 يوليو 1789م، بعد أقل من أسبوع من اقتحام سجن الباستيل، وضع آبي سييس (Abbé Siéyès) -في تقرير إلى الجمعية الوطنية- النساءَ مع الأطفال والأجانب، في ضمن الفئات السلبية غير الفاعلة، في مقابل المواطنين النشطاء المؤثرين؛ فقال عن التمييز بينهما:

“لكل فرد الحق في التمتع بالمزايا الاجتماعية، ولكن فقط أولئك الذين يساهمون في المؤسسة العامة هم أصحاب هذه الحقوق، هم الذين يساهمون في بناء المؤسسة الاجتماعية العظيمة؛ إنهم وحدهم المواطنون الفعَّالون حقًا، وهم الأعضاء الحقيقيون في الجمعية”   (Siéyès، 1789، 193-194).

وفي 22 ديسمبر 1789م، استبعَدت الجمعيةُ الوطنية النساءَ رسميًّا من التصويت في الانتخابات. وعندما تشكلت جمعية النساء الجمهوريات-الثوريات عام 1793م وبدأت المطالبة بحقوق المرأة، عيَّنت لجنة السلامة العامة لجنةً للنظر فيما إذا كان ينبغي للمرأة أن تمارس الحقوق السياسية، وما إذا كان ينبغي السماح لها بالمشاركة في الأندية والمناقشات السياسية. وقد كان الجواب على الجميع بالنفي، إذ اعتبرت اللجنة أن المرأة ليس لديها “الصفات الخُلُقيَّة والخَلقِيَّة” لممارسة الحقوق السياسية (George, 1976-77, 434).

لكن التمييز بين الجنسين لم يكن سوى أحد القيود على مفهوم الإخاء فحسب. فعلى الرغم من أن الإخاء قد أثيرَ باعتباره حجر الأساس للقيم العالمية، إلا أن هذا تقريبًا لم يكن يعني أبدًا أن يكون عالميَّ التطبيق!. لقد كان يعني إخاء كل المواطنين في بلد معين. ولم تكن هذه القومية وحدها هي السمة المميزة للحركات السياسية من الطبقة المتوسطة، وتلك ذات القيم البرجوازية. فعلى مدار القرنين التاسع عشر والعشرين، تغلبت المشاعر القومية باستمرار على العالمية المزعومة للعمل والحركات الماركسية على السواء. ولربما نوشِدَ عمَّال العالَم لكي يتَّحدوا، ولكن -كما نعلم- كانت جميع الأحزاب العمالية والاشتراكية المهمة التي ظهرت في هذه الفترة قومية في مداها، وعندما سارت في نضالها قدُمًا، كانت قوميَّة في هدفها.

لسنا بحاجة إلى أن نضيف أن الإخاء لم يكن في الواقع عابرًا للعِرق تقريبًا. كان الانقسام المُدرَك والمَبني بين العالم الأبيض والعالم غير الأبيض واضحًا كالشمس لفترة طويلة جدًا، وعندما واجهته تحديات أكثر نشاطًا وفعالية من قبَل الحركات غير البيضاء في العقود الأخيرة، عاد للظهور على نحو أكثر إقناعًا، كالانقسام بين الثقافات أو الانقسام على أساس الجدارة. لقد تغير حشو الكلام ورسمه، أمَّا النتائج فبقيت كما هي تقريبًا.

 

المساواة

وما هي المساواة؟ من الواضح أنها تعني التماثل أو التشابه في شيء ما على الأقل، ولكن في ماذا؟ يكمن هنا غموض اصطلاحي مزمن. فهي تعني بالنسبة لبعض الناس فرصًا متساوية في الحياة، بمعنى عدم وجود حواجز اجتماعية على مستوى معيشي معين، أو مقاييس أخرى للمساواة الاقتصادية. ولكنها بالنسبة لأناس آخرين لا تعني المساواة في فرص الحياة، وإنما المساواة في نتائج الحياة. كما أنها بالنسبة لغيرهم، مثل ماركس في الاقتباس الشهير، تعني: “المساواة لكل واحد بحسب احتياجاته”، وهو مفهوم يَعترف بأن الناس موهوبون بصورة متفاوتة؛ (ومع ذلك، فما الذي يعنيه ذلك بالضبط؟) وبالتالي لديهم مستوى مختلف من “الاحتياجات”، وعليه فينبغي أن لا يُمنَحوا حصَصًا متطابقة ولكن الحصة التي “يحتاجها” كل شخص منهم.

كما فُسِّرت المساواة بطريقة مختلفة تمامًا على أنها معنى الجدارة، بحيث يحصل كل فرد على ما يستحقه. وهذه هي المساواة في فرص الحياة. يقال أن كل واحد منا يبدأ من نقطة وهمية متطابقة ويصل إلى حيثما يبلغ به عملُه وذكاؤُه أوأيهما، لكننا بالطبع لا نبدأ من نقاط متطابقة!، ومحاولات التعويض عن ذلك من خلال حُكم اجتماعي هو ما نعنيه بـ “العمل الإيجابي (affirmative action)”، والذي يُنتقَد بدوره بوصفه “عنصرية عكسية”، بالإضافة إلى كونه برنامجًا يقوض مبدأ الجدارة. في الولايات المتحدة، ترتد السلطات على أعقابها لتنكر أن العمل الإيجابي يعني الحصص/الكوتة، وتصرُّ على أن يكون الهدف من جميع الترتيبات هو المساواة الفردية. إنهم هناك يعطون تأييدًا لفظيًّا لموقف الثوار الفرنسيين بدلا من الالتزام بأي مفهوم للتعددية. وهناك دول أخرى أقل تحفظا بشأن الاعتراف بحقوق المجموعة، وفرض حصص كاملة نتيجة لذلك. لطالما كانت سويسرا تتمتع بحصص لغوية في خدمتها المدنية[1]. وتناقش الهند حاليًا ما إذا كان يجب عليها بالإضافة إلى التحفظ في الجامعات الحكومية على 22.5٪ من الأماكن للطبقات والقبائل “الملحقة” وهي النسبة التي تُعزى مؤخرًا-أن تحجز 27٪ أخرى لـ “الطبقات المحرومة الأخرى”، وهي فئة اجتماعية أعلى من الطبقات والقبائل “الملحقة”، ولكنها أقل من نصف السكان.

كما عُزِّزَت المساواة في المجال السياسي. وأحد المعاني البسيطة لها هو أن يكون لجميع المواطنين نفس الحقوق، وبالتالي يُلغَى أي تمييز، مثل التمييز بين الأرستقراطية والعامة، والأكثر تعليمًا والأقل تعليمًا، أو ذلك الفرق الذي يقرِّره إيمانويل جوزيف سييس  بين المواطنين النشطين والسلبيين. يمكن أن تتعلق هذه الحقوق بالانتخابات (التصويت، والترشح للمناصب)، أو بالسلطة القضائية (المساواة أمام القانون)، أو الملكية (حق التملك، والحق في الميراث)، ولكن الطريق المقابل للمساواة السياسية طبعًا هو إنكار أي حق في التمييز على الإطلاق. انحلَّ الجدل الأخير في فرنسا حول حقوق الفتيات المسلمات في ارتداء الحجاب من خلال تشريع يحظر ارتداء أي رموز دينية “واضحة” (ظاهرية) من قبَل أشخاص ينتمون إلى أي دين. كان من المفترض أن يكون هذا فرضا للمساواة، لكن اعترض عليه آخرون تحديدًا؛ لأنه ينتهك حق الفرد أوالمجموعة في الحرية الدينية، كما يظهر ذلك في حق المرء في وضع عناصر رمزية معينة على الجسد.

 

مفهوم الحرية

إذا كانت المساواة غامضة بالمعنى البسيط المتمثل في أن هناك اختلافًا واسعًا حول الأمور التي ينبغي تحقيق المساواة فيها، فهناك المزيد من الغموض حول مفهوم الحرية. ما الحرية؟ كتب مؤلفون لا حصر لهم حول هذا الموضوع. ولم يكن الجدل العام ولا الاهتمام بهذه المسألة ضعيفًا، وكذلك الازدهار الخَطابي طبعًا. ثَمَّ سؤالٌ مشهور حول ما هو الحدُّ الفاصل بين حق الفرد في القيام بما يراه مناسبًا وبين انتهاكه حقَّ شخص آخر في فعل ما يراه مناسبًا بهذه الطريقة. ثم هناك سؤال بنفس القدر من الشهرة عن الحدِّ الفاصل بين حق الفرد في القيام بما يراه مناسبًا وحق المجموعة التي يكون عضوًا فيها (ولكن ماذا يعني أن يكون عضوًا في مجموعة؟) في حماية مصالح المجموعة أو الإبقاء عليها -في واقع الأمر- كمجموعة، الأمر الذي قد يتطلب تقليص أو إلغاء حق الفرد في القيام بما يراه مناسبًا.

إننا اليوم في وضع غريب يؤكد فيه كل شخص تقريبًا -من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار- أنهم يؤيدون الحرية، بل ويدافعون عنها. ولكن بالطبع، المعاني العملية التي يقدمونها لهذا التأكيد ليست مختلفة جذريًّا فحسب، ولكنها غالبًا ما تكون متناقضة مع بعضها تمامًا. لذلك أصبح الدفاع عن الحرية أو التحرر أداة خَطابية، أو بالأحرى ادعاءً للفضيلة التي لها بعض النفوذ.

وطبعًا ليست هذه العناصر الثلاثة من الشعار متورطة في التباس وجدل اصطلاحي فحسب، بل إن علاقة أجزاء الشعار ببعضها لها تاريخ ملتبس بنفس القدر. ويتمثل الجدل الأكثر شهرة في العلاقة بين الحرية والمساواة. ويميل كثير من المحللين والخبراء وربما معظمهم إلى التأكيد على أنه يجب على المرء الاختيار بين الهدفين، على الأقل من حيث الأولوية.

توضح الحجج المتطرفة لهذه الرؤى مدى عمق الهُوَّة. فهناك المتمسكون بأولوية الحرية الذين جادلوا بأن البحث عن المساواة يهدد تحقيق الحرية في واقع الأمر. وغالبًا ما يجادلون بأنه لكي تتحقق المساواة، يجب أن يكون هناك فرض اجتماعي لعملية المساواة، أي إجراءات من قِبَل الدولة لإعادة رسم المواد والحصص الأخرى. وهذا يؤدي بالضرورة -بحسب قولهم- إلى دولة استبدادية، والتي تُعرَّف بأنها دولة لا تترك أي مجال للحرية على الإطلاق.

ولكن على الجانب الآخر، هناك المتمسكون بأولوية المساواة الذين جادلوا بأن البحث عن الحرية يؤدي إلى تأسيس قواعد رسمية تعرِّض أي توقعات بشأن تحقيق المساواة للخطر، بل تناقضها في واقع الأمر. وقد لخص أناتول فرانس (Anatole France) أساس هذا الموقف جيدًا في تهكمه الشهير: “إن المساواة المهيبة التي ينشدها القانون، هي منع الأغنياء والفقراء من التسول في الشوارع، أو سرقة الخبز، أوالنوم تحت جسر”.

أما بالنسبة للإخاء، فلأنه يؤيد الشعور الجماعي وبالتالي يميل إلى وضع المجموعة الخاصة بالفرد في مكانة أعلى من مجموعات أخرى، فيبدو أنه يتعارض مع فكرة المساواة. ولأنه يؤيد الدفاع عن المجموعة بدلًا من الفرد، فيبدو أنه يتعارض مع فكرة الحرية التي وفقا لها يمكن لكل فرد أن يفعل ما يراه مناسبًا.

بحلول القرن الحادي والعشرين، يئسنا من كفاءة شعار الثورة الفرنسية، فقليل مَن يستحضره، وأقل منهم مَن يعتقدون أنه تحقق أو يمكن تحقيقه في أي مكان. ومع ذلك يؤكد كثيرون أن تحول النضال من أجل هذه القيم بهذه الطريقة إلى تباهٍ قومي، -والأسوأ من ذلك- إلى عذر للحرب، يُنظر إليه بصورة أفضل في بلد المرء منه في بلدان أخرى.

 

المنتدى الاجتماعي العالمي[2]

لا تزال الفكرة الأساسية للشعار -وهي أنه يمكن للمرء أن يبني عالمًا تعلو فيه هذه القيم- مصدر إلهام لجميع من يرفضون قبول حتمية الظلم البيِّن في العالم الذي نعيش فيه، والعالم السابق، أو الأنظمة التي عاش فيها أسلافنا. تتمثل أهداف المشاركين في المنتدى الاجتماعي العالمي في شعار مشهور: “إنشاء عالم آخر أمرٌ ممكن”. لذا نأتي إلى السؤال المنطقي اليوم، هل إنشاء عالم آخر أمرٌ ممكن حقًا؟، وإذا كان الأمر كذلك، كيف يجب أن يكون مثل هذا العالم، وكيف يمكننا أن نقترب أكثر من إنشائه؟، سأحاول الإجابة عن طريق تحديد محل النزاع في الموضوعات الثلاثة التي حددناها لأنفسنا: التعددية والبيئة وعدم المساواة.

إن تأييد التعددية يعني طرح سؤال أساسي حول البناء التاريخي للنظام الدولي الحديث. ففي القانون الدولي الذي أسَّسناه، يقال أن الدول ذات سيادة، ونقصد بهذه الفكرة شيئين: خارجيًّا، نقصد الحجة القائلة بأن كل دولة يمكن أن تقرر بنفسها، ومن تلقاء نفسها وحدها، ما يجب أن تكون عليه القوانين والسياسات التي تحكم تلك الدولة. إنه رفض لحق الآخرين خارج الدولة في التدخل في هذه العملية. وداخليًّا، يعني ذلك أنه لا يمكن لأي مؤسسة داخل حدود الدولة أن ترفض القرارات الشرعية للسلطة المركزية العليا.

إن السيادة فكرة موحدة ومتجانسة. ولم تطلق الثورة الفرنسية هذا المفهوم لكنها أبرزت تداعياته. وبما أن الثوار الفرنسيين كانوا ينشئون ما اعتبروه هم وغيرهم في ذلك الوقت نوعًا مختلفًا من الدولة، بناءً على مبادئ مختلفة، فقد كانوا يؤكدون أنه لا يمكن لأي دولة أخرى استخدام القوة أو النفوذ لجعلهم يكفُّون عن ذلك. ولم يكونوا مسؤولين -كما نعلم- عن شن الحروب الأوروبية التي اندلعت عام 1792م والتي تورطت فيها فرنسا لمدة عقدين من الزمان بعد ذلك. ولكن -كما نعلم أيضًا- انتهك الفرنسيون فكرة السيادة الحقيقية التي كانوا يدافعون عنها، بإعلانهم الحق في مكافحة الاستبداد في كل مكان ونشر القيم العالمية المفترضة للثورة الفرنسية عن طريق الغزو العسكري.

 كانت الصورة الخارجية للسيادة خيالية على الدوام؛ فقد تدخلت الدول الأقوى باستمرار في العمليات الداخلية للدول الأضعف، وقد فعلوا ذلك عن طريق استدعاء ما يسمى بالقيم العالمية التي قالوا أنها سمحت لهم بمحاربة الهمجية، وبتأكيدهم على سموِّ ثقافاتهم وتقنياتهم. كانت هذه الاختلافات الثقافية المؤكدة بمثابة مسوِّغات لصور عدم المساواة الناتجة عن ممارسات السلطة. ولكن إذا حاولت الدول الضعيفة تبنِّي قيم الدول الأقوى لإزالة هذا المسوغ، فإنه يقال لها، أنها يجب أن تفعل ذلك على أسس تضمن انفتاح حدودها على التقسيمات غير المتكافئة للعمل وغير ذلك من الآليات التي أبقت على عدم المساواة أو ضخمته في الحقيقة.(أنظر:  Wallerstein 2006)

 

الجمعية الوطنية

فسر الثوار الفرنسيون السيادة -كعقيدة داخلية- على أنها تعني اليعقوبية[3] (Jacobinism)، أي الحق في فرض التوحيد في جميع أنحاء العالم: توحيد النظام القضائي، وإلغاء جميع الهيئات الوسيطة، وجعل اللغة الفرنسية اللغةَ القانونية الوحيدة، وإنشاء نظام واحد للأوزان والقياسات، وإقامة الدولة العلمانية. ففي عام 1792م، قال ماركيز دي كليرمونت تونير (Marquis de Clermont-Tonnerre) في الجمعية الوطنية: “يجب أن يُرفَض من اليهود كل شيء بوصفهم أمة مستقلة، وأن يُمنَحوا كل شيء بوصفهم أفرادًا” (Davies, 1996, 73). وعلى الرغم من أن صورة اليعاقبة في فرنسا تعتبر النموذج المتطرف لهذا الموقف، إلا أن جميع الدول تقريبا في النظام العالمي الحديث تبنت مفهوم التجانس الداخلي للسيادة ضمنيًّا، أو حتى بشكل صريح في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وفي الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية فقط، أجريت تحديات سياسية خطيرة حول مفهوم التوحيد الوطني هذا. وكان الاعتراض الأساسي على هذه التحديات هو أنه قيل لجميع “الأقليات” في الواقع أنه لم يكن أمامهم سوى خيار واحد: إذا كانوا يرغبون في أن يصبحوا مواطنين بالمعنى الكامل، فعليهم بـ”الاندماج” -أي أن يتبنوا الصفات الاجتماعية والثقافية للمجموعة المهيمنة داخل الدولة بأكبر قدر ممكن[4]. وإذا فشلوا في ذلك، فيمكن إقصاؤهم قانونيًّا -بصورة رسمية أو غير رسمية- وسلبهم حقوق المواطنين. وقد شكلت هذه المجموعة “المهيمنة” غالبية السكان بالفعل في حالات كثيرة، ومن ثم فهذا هو السبب في أننا نتحدث عن الآخرين بوصفهم “أقليات”، ولكن لم تكن هناك بعض الحالات التي  كان فيها “الأقليات” يمثلون غالبية السكان بالفعل.

يمكن تعريف هذه المجموعة “المهيمنة” عنصريًّا أو إثنيًّا أو لغويًّا أو عن طريق الدين أو أي مزيج من ذلك. ولكن كان من الواضح دائمًا للجميع من هم، وكيف يُعرَّفون، حتى لو تطور التعريف في مكان معين بمرور الوقت. كانت المجموعة المهيمنة بالطبع مسيطرةً لا بهذا المعنى الثقافي فحسب، وإنما أيضًا من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتميل المجموعة المهيمنة، وهي تدافع عن نفسها ضد النقد، إلى القول بأن الاندماج الثقافي كان مفتاح الدخول الذي سيفتح الطريق أمام “الأقليات” لتحقيق المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن في الواقع كان العكس صحيحًا في أغلب الأحيان. لم يؤدِّ الاندماج الثقافي إلى هذه التسويات؛ فقد تمكنت وقائع اللامساواة بطريقة أو بأخرى من الاستمرار إلى حد ما (ولو بصورة أقل وضوحًا)، لكن أيديولوجية الاندماج الثقافي حَرَمت المجموعة التي كانت “مندمجة” من القوة السياسية الجماعية التي ربما استخدموها للنضال من أجل المزيد من المساواة. وكان ما يسمى بالاندماج عمومًا وسيلة فعالة تماما للمحافظة على عدم المساواة داخل الدولة.

كان مفهوم التعددية استجابةً للضغوط العالمية والوطنية للتجانس، والتي اعتقدت الجماعات التي كانت أضعف أو كانت “أقليات” أنها قد ضمنت استمرار عدم المساواة الذي عانوا منه. إن التعددية تعني الاعتراف بالواقع الوجودي لمجموعات متعددة داخل الدولة وبالتالي بحقوق هذه “المجموعات” داخل النظام العالمي، وداخل كل دولة على السواء. قد تكون هذه المجموعات هي ما يُعرَف بالشعوب الأصلية؛ وقد تكون مجموعات عرقية أو إثنية أو لغوية أو دينية مختلفة عن المجموعة “المهيمنة” في النظام العالمي، أو داخل كل دولة. كانت التعددية مطلبًا لحقوق المجموعة الجماعية وكذا للاعتراف والتعويض عن سوء المعاملة السابقة التي شكلت قاعدة بنيوية لعدم المساواة في الوقت الحاضر.

 

ثورة عام 1968م

كانت نقطة التحول التاريخية في المطالبة بالتعددية هي الثورة العالمية لعام 1968م. وقد أطلقت هذه الثورة العالمية جزئيًّا من خلال إيقاظ أو تعميق المطالب التعددية في فترة ما بعد عام 1945م،  وجزئيًّا من خلال الإعداد الفعال للمذاهب التعددية ضد الأيديولوجية الليبرالية الوسطية المهيمنة سابقًا والتي رفضت دائمًا الاعتراف بشرعية التعددية. لم تنتصر تلك التعددية في عام 1968م، لكنها ربحت حق المواطنة (droit de cité). ولم يَمُت الاندماج كعقيدة، لكنه فقد مكانته كافتراض بديهي. لقد بدأ صراعٌ مفتوح الآن، وبالطبع ما زال مستمرًّا.

لا تختلف قصة الشؤون البيئية كثيرًا. إن سوء معاملة البيئة داخل النظام العالمي الحديث ليس أمرًا جديدًا على الإطلاق، فقد كان مستمرا طوال تاريخها. ولكن ساعدت عليه فكرة بسيطة للغاية عن حقوق الملكية. إذ يُقال أن كل واحد منا -وخصوصًا كل رائد أعمال- يمكنه أن يتعامل مع ممتلكاته بالطريقة التي يراها مناسبة. وهذا يستتبع أن كلا منهم سيسعى إلى تقليل تكاليف الإنتاج للسوق بوضوح. كانت هناك ثلاث طرق يمكن لرائد الأعمال من خلالها تخفيض التكاليف الحقيقية للإنتاج من خلال “الإظهار الخارجي” لهذه التكاليف.

كانت الطريقة الأولى هي التعامل مع النفايات، وخاصة النفايات السامة، بإخراجها خارج الممتلكات إلى الأماكن العامة. وطالما أن هناك كثيرًا من الأماكن العامة وقليلًا من الإشراف على ما يحدث فيها، فقد كانت مثل هذه الطريقة في التخلص من النفايات سهلة التنفيذ، ولا يمكن ملاحظتها اجتماعيًّا إلى حد كبير بأي طريقة معتبَرة. وقد شكلت مسارًا بأقل مقاومة وأقل إنفاق بالنسبة للمنتجين، وبالتالي كانت ممارسة شائعة، بل كانت ممارسة عالمية فعليًّا.

وكانت الطريقة الثانية هي غض الطرف تمامًا عن الدرجة التي استنفد بها استغلالُ بعض الموارد (خاصة المواد الخام) الإمدادَ محليًّا وعالميًّا. إذ يُوَجَّه المنتجون عمومًا إلى المدى القصير، ولا يتحملون عادةً نفقاتٍ على أساس أن هذا سيحافظ على الإمداد على المدى الطويل. إن احتياجات خلفائهم ليست مركزية في اتخاذ القرارات المتعلقة بريادة الأعمال، ولا يمكن أن تكون كذلك إذا استمر المرء في تركيز نظره على احتمالات الربح على المدى القصير وبالتالي على تراكم رأس المال.

والطريقة الثالثة هي اللجوء إلى السلطات السياسية لإمداد ما نسميه بالبنية التحتية، خصوصًا جميع الاستثمارات التي تحسِّن إمكانيات نقل السلع وسهولة الاتصالات. فمن الواضح -مرة أخرى- أن زيادة سرعة كلا الأمرين وتخفيض تكلفتهما ستزيد من رجحان الربح وكميته وبالتالي ستكون هبةً للمنتجين.

 

الحاجة إلى المعالجة

اكتشفنا مؤخرًا مع تزايد حجم سكان العالم وكثافة الاستيطان، أن تكاليف هذه العمليات قد ارتفعت، بسبب اختفاء الأماكن العامة غير المستخدمة نسبيًّا بشكل أساسي، والاستنزاف الحقيقي لبعض المواد الخام، و الارتفاع العالمي في مستويات الأجور، وربما كان “الإظهار الخارجي” للتكاليف بمثابة هبة لأفراد المنتجين، ولكن تكاليفه تنتقل ببساطة إلى مكان آخر: إلى الجمهور، أي إلى الدول. ومع حلول ميعاد السداد بوضوح، ترتفع تكاليف تنظيف المواد السامة، وتجديد الموارد، وصيانة البنية التحتية أكثر من أي وقت مضى. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحاجة إلى المعالجة الفورية لهذه التكاليف تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى بسبب العواقب السلبية طويلة الأمد لإهمال الجمهور.

وكانت النتيجة هي ظهور حركة بيئية تمثل أكثر من مجرد اهتمام بالحفاظ على المناطق البكر،  وتنطوي بالضرورة على نفقات باهظة من قِبَل شخص ما. بدأ هذا الوعي البيئي والتعبئة السياسية مرة أخرى في فترة ما بعد عام 1945م لكنه اكتسب قوة سياسية كبيرة بعد عام 1968م.

وأخيرًا، كانت القصة موازية أيضًا لاهتمامنا بعدم المساواة. ولنلاحظ الصورة السلبية التي نستخدمها في الوقت الحاضر مقارنة بالصورة الإيجابية لشعار الثورة الفرنسية، ثَمَّ سبب بسيط لذلك. كان هناك مؤمنون بالتسلسل الهرمي التقليدي طبعًا، يعتقدون أن المساواة مستحيلة بنيويًّا، وغير مرغوب فيها اجتماعيًّا. ولكن مع اكتساب الليبرالية الوسطية أرضيةً في القرن التاسع عشر، بدأ معظم الناس يتقبلون أن المساواة ممكنة نظريًّا ومرغوبة اجتماعيًّا. ومع ذلك كانت هناك نسختان لهذا الاعتقاد: نسخة وسطية مفادها أن عمليات الحداثة تجلب تدريجيًّا وبلا عناء هذا التصحيح للمجتمع الهرمي. وقد كان التقارب في طريقه حتمًا بشكل أو بآخر. وكانت هناك نسخة أكثر راديكالية لهذا الاعتقاد، وهي أن المساواة كانت في طريقها الحتمي، ولكن فقط لأن إضفاء الطابع الاجتماعي على الممارسات الإنتاجية المقترنة بالجهود السياسية لصالحها([5]) من شأنه أن يؤدي حتمًا إلى تحقيقها.

ظهر الاهتمام الجديد بشأن عدم المساواة في فترة ما بعد عام 1945م، وتوجه إلى الصدارة بعد عام 1968م، على وجه التحديد إذ نشأ اعتراف بأن الأمر لا يقتصر على أن التقارب لم يحدث فحسب، بل كان هناك تشعُّب متزايد بالفعل. كانت الفجوة تنمو أكثر. وبالتأكيد لم يكن الجميع على استعداد للاعتراف بهذا، وكانت هناك محاولات كثيرة للتلاعب بالإحصاءات للقول أن الأمر ليس كذلك، ولكن شيئًا فشيئًا بدأ المحللون غير الراديكاليين يعترفون بهذا الواقع، حتى في مجلات صندوق النقد الدولي (Pritchett, 1996).

 

الحرية بين غير المتكافئين

الآن دعونا نجمع أجزاء الصورة معًا. وقبل كل شيء، لنأخذ الأجزاء الثلاثة لشعار الثورة الفرنسية: الحرية والمساواة والإخاء. لا يمكننا معالجتها بشكل منفصل أوالموازنة بين أحدها والآخر؛ إذ أن الحرية بين غير المتكافئين تناقض؛ فإذا كان بعض الأشخاص يمتلكون أكثر بكثير من الآخرين، فإن لديهم المزيد من القوة والنفوذ نتيجة لذلك، وبالتالي يمكنهم مخالفة رغبات الآخرين بسهولة أكبر، وفي هذه الحالة فأولئك الذين يمتلكون أقل بكثير ليسوا “أحرارًا” في تنفيذ رغباتهم أورغبات مجموعتهم كما يحبون.

بيد أن المساواة بدون الحرية تناقض كذلك، فإذا لم يكن لكل منا نفس الدرجة من الحقوق السياسية الحقيقية، فإننا لسنا متساوين بأي معنى ذي بال، ولن نكون متساوين بأي معنى ملموس لفترة طويلة جدًّا. إن السلطة السياسية (التي تنطوي على غياب “الحرية” لمن لديهم سلطة أقل) تُترجم بسرعة إلى صور حقيقية من عدم المساواة، مهما كانت معتدلة.

وليس للحرية ولا للمساواة أي معنى دون الشعور بالتضامن الإنساني الذي نعنيه في مصطلح الإخاء. إن التضامن يتعلق بالتعاطف، والمعنى الاجتماعي للتعاطف هو أن يحافظ كلٌ منا على الحرية والمساواة للآخر. وإذا قصرنا تعاطفنا على بعضٍ منا فحسب، فإننا ننشئ توزيعًا غير متكافئ للمصالح الاجتماعية، وبالتالي نعتدي على حرية أولئك الذين نستبعدهم. وكذا لا يمكن أن تستمر الحرية والمساواة طويلًا بدعم من الآخرين الذين نناشدهم بمفهوم التضامن.

وبعد ذلك تمادى القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين كثيرا في مناقشات زائفة حول الأولويات من بين الأجزاء الثلاثة لشعار الثورة الفرنسية، وهذا هو السبب في أنه من المفيد اليوم التركيز على العلاقة بين التعددية والبيئة وعدم المساواة.

 

عقيدة زَلِقة

بيد أن التعددية عقيدة زَلِقة للغاية. فإذا كانت المجموعة محرومة من الحقوق المتساوية، فإن بحثها السياسي للتغلب على الخلل قد يستجلب دعم العديد ممن هم خارج المجموعة. وعادة ما يُعتبر مطلب المجموعة هذا يساريًّا، أو ديمقراطيًّا، أو يستحق التأييد المتعاطف بطريقة ما. لكن عملية التعبئة الجماعية تفتح على الفور مخاطر معيارية معينة. قد تصر “المجموعة” على الدعم الكامل لجميع أعضائها. ومع ذلك، نظرًا لأننا جميعًا بلا استثناء ننتمي إلى مجموعات متعددة، فمن المؤكد أن هذا المطلب سيتعارض غالبًا مع المطالب التي قدمتها مجموعات أخرى ننتمي إليها. لذا قد تحاول المجموعة بالنظر إلى الداخل قمعَ الحرية الفردية لبعض أعضائها لضمان الحرية الجماعية لجميع أعضائها.

هناك أيضًا مسار متكرر للمجموعات التي تفرض حقوقها، حيث تنتقل من كونها المستضعفة إلى المكانة الأعلى، وعندئذ يكررون نحو الآخرين السلوك الذي اشتكوا منه عندما توجه نحوهم. وعند هذه النقطة، تصبح حقوقهم الجماعية “غالبة” في مقصدها بدلًا من أن [تقصد إلى] المساواة. وبالإضافة إلى ذلك، يميل التضامن الذي يغرس التعبئة من أجل حقوق المجموعة إلى التغاضي عن حقيقة التدبير العابر لعضوية كل شخص في المجموعة، وبالتالي للمطالب المشروعة لمجموعات أخرى داخل النظام العالمي. وهذه هي الشكوى المألوفة والمستمرة التي تتمثل في أن الحركات القومية أو العرقية في تعبئتها، بل -وأكثر من ذلك- في انتصاراتها السياسية، تتجاهل المطالب المشروعة المقدمة على أساس الطبقة، والنوع، ومجموعة من القواعد الأخرى للتجمعات التعددية.

تصبح هذه الصورة أكثر تعقيدًا بمجرد أن نتدخل في المطالب العقلانية البيئية. إن المطالب البيئية لا تقوم باسم الأشخاص الكثيرين في جميع أنحاء العالم الذين ألحق بهم الضرر البيئي بشكل غير متساو فحسب، ولكن أيضًا باسم الأجيال القادمة. وبالتالي فثمة إضافة لفئة عمرية أساسية رابعة إلى الثلاثي الذي نقسم فيه توزيعاتنا باستمرار: الشباب، ومَن في سن العمل، وكبار السن. الرابع الآن هو الذي لم يولد بعد.

إذا قامت الحكومة ببناء سد كبير أو سمحت بذلك على سبيل المثال، فقد تجادل في أن الغرض هو إتاحة زيادة الفوائد الاقتصادية لكثيرين من مواطنيها أو منتجيها أو غيرهم. لكن نفس السد يضر طبعًا بكثير من الأحياء، وربما سيكون أكثر ضررًا على أولئك الذين لم يولدوا بعد. قد يكون الضرر اقتصاديًّا، وقد يكون على صحتهم، وقد يكون على قدرة مجموعتهم على البقاء كمجموعة. إن مطالب العقلانية والعدالة تتطلب موازنة الإيجابيات والسلبيات المتعددة، والتي يصعب قياس معظمها ولو حتى تقريبيًّا. ومع ذلك، يتخذ المنتجون قرارات؛ وتتخذ الحكومات قرارات؛ وتتخذ الحركات الاجتماعية قرارات.

وفي الوقت نفسه يزداد عدم المساواة في نظامنا شيئا فشيئا. فتستفيد الشريحة العليا بينما تلاقي الشريحة الدنيا([6]) أو حتى أدنى أربعة شرائح نفسها بحال أسوأ، نسبيًّا بالتأكيد وبشكل مطلق في أغلب الأحيان. وأثناء هذه المقايضات، قد يؤدي صراع بعض المجموعات تحت مظلة التعددية، وصراع الآخرين تحت مظلة المخاوف البيئية إلى تعميق [صور] عدم المساواة في الممارسة.

 

ذلك العالم الآخر

يبدو جليًّا لي أن النضال من أجل ذلك العالم الآخر الذي قد يكون ممكنًا، يعتمد على عاملين: درجة كون النظام العالمي الحالي في أزمة بنيوية وبالتالي حركته نحو تغيير جذري، ودرجة تمكُّن أولئك الذين يرغبون في التمتع ببديل أساسي لنظام العالم الحالي من أن يضعوا معًا برنامجًا واضحًا يستطيع أن يحشد القوة ليفوز في الاختيار التاريخي الذي يتخذه العالَم.

لقد كتبتُ كثيرًا عن الأزمة البنيوية للاقتصاد الرأسمالي العالمي في السنوات الأخيرة، ولن أستخدم هذا النقاش لتكرار الجدل تفصيلًا. وإنما سألخص آرائي بإيجاز، ثم أنتقل إلى البرنامج السياسي الذي ينطوي عليها. كانت هناك ثلاثة اتجاهات علمانية في الاقتصاد العالمي الرأسمالي على مدار خمسة قرون: زيادة تكلفة العاملين بالشركات؛ وزيادة النفقات الاجتماعية-الاقتصادية للإظهار الخارجي لتكاليف الإنتاج (لا سيما النفايات السامة وتجديد الموارد المستخدمة)؛ وتكاليف الإنفاق العام على التعليم والصحة وضمانات الدخل مدى الحياة.

وقد ارتفعت كل من تكاليف الإنتاج تلك عالميًّا، إلى درجة أن دمجها أوجد حدودًا خطرة لاحتمالات التراكم اللانهائي لرأس المال. والنتيجة الأساسية لـ”ضغط الأرباح” هي أن النظام العالمي قد دخل في أزمة بنيوية. يتقلب النظام الآن ويتشعب بشدة، وهناك صراع سياسي عالمي حول نوع النظام العالمي البديل الذي يجب إنشاؤه. البديلان الأساسيان هما ما  أسميهما روح دافوس[7] (spirit of Davos) وروح بورتو أليغري[8] (spirit of Porto Alegre). يسعى البديل الأول إلى إنشاء نظام سيحافظ -رغم كونه جديدًا- على سمتين حاسمين للنظام العالمي الحالي: الأولى هي الامتياز الهرمي والاستقطاب المنهجي؛ والثانية هي السعي إلى إنشاء نظام مختلف تمامًا، ديمقراطي نسبيًا، ومتساوٍ نسبيًا.

في الانتقال المنهجي الذي يكون فوضويًّا، من المستحيل جوهريًّا التنبؤ بأي من فرعَي التشعبين سيسيطر ويصبح أساسَ نظامٍ منظم جديد. ومن ناحية أخرى، صحيح أيضًا أنه في مثل هذا التحول الفوضوي، تتضخم قدرة كل فاعل بشري على التأثير على المخرجات بشكل ملحوظ في غياب أي ضغوط فعالة من أجل العودة إلى التوازن. يمكن أن يطلق على هذا: الانتصار المؤقت للإرادة الحرة على الحتمية (Wallerstein, 1998).

 

التعددية والبيئة وعدم المساواة

نظرًا لهذا المنظور حول الموقف البنيوي الذي نجد أنفسنا فيه، أعود إلى المواضيع الثلاثة التي نناقشها: التعددية والبيئة وعدم المساواة. يبدو لي أن الدفاع عن التأكيد التعددي والعمل به في صنع سياساتنا وأهدافنا السياسية هو تصحيح لا غنى عنه للأخطاء التاريخية التي ارتكبناها في محاولة تغيير النظام العالمي الحديث. إن التأكيد التعددي وحده هو الذي سيسمح لعدد هائل ومتنوع من “الأقليات” المضطهدة بتحقيق توكيد الذات في المقام الأول، وبعض زيادة التقارب في الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتساوية في المقام الثاني.

لكن مع ذلك علينا أن ندرك أن التعددية أداة خطيرة للتلاعب، لأنها يمكن أن تنزلق بسهولة إلى دفاع ضيق عن مجموعات معينة والذي بدوره يمكن أن ينتقل إلى عنف بين المجموعات يصعب إنهاؤه بمجرد إطلاقه. لا توجد وصفات سهلة هنا. فهي تستخدم آلية خطيرة سعيًا للنهايات الإيجابية. وقد تكون الآلية ضرورية لكن يجب أن نكون حذرين في استخدامها لأنها خطيرة أيضًا.

لا تختلف القصة كثيرًا عندما نقترب من مسألة كيفية التعامل السليم مع بيئتنا العالمية. من الواضح جدًا أننا أسأنا التعامل مع العالم الطبيعي للغاية، وهو يصرخ بأعلى صوت بأن الحاجة إلى معالجة الأخطاء والشرور الجوهرية أمرٌ مشروع حقًا. ومن ناحية أخرى، هناك تساؤل حول ما نفعله بدلا من سوء التعامل. فلا نريد أن يكون الدواء أسوأ من الداء.

كما قلت، إنني أبحث استخدام الموارد الطبيعية وتقسيمها كقرار للتوزيع بين أربع مجموعات من الأجيال: الشباب، ومن هم في سن العمل، وكبار السن، والذين لم يولدوا بعد. لكل مجموعة من الأجيال مطالبها المشروعة، وإهمال أيٍّ من الأربعة أمر غير منطقي تمامًا، ويؤدي إلى عواقب وخيمة وخطرة. بيد أن موازنة احتياجات الأجيال الأربعة ليست سهلة، لأن الموارد محدودة بطبيعتها. وقد لا يكون من الممكن تأسيس مفاوضات عقلانية جوهريًّا بين المتحدثين باسم كل من الأجيال الأربعة، فضلًا عن إيجاد حلول مناسبة.

وأخيرًا، عندما نتطرق لصور عدم المساواة، يجب أن ندرك أن الأمر لا يقتصر على أنها لم تكن قط أكبر مما هي عليه اليوم، ولكن ليس هناك طريقة بسيطة لتصحيح الاستقطاب. إن أكبر مشكلة هي أنه من غير المحتمل أن يكون هناك أي حل مضمون للطرفين على المدى القصير. فإعادة التوزيع الجاد لموارد العالم إلى أقل خُمس، أو نصف ، أو ثلاثة أرباع من سكان العالم يعني انخفاضًا كبيرًا لما يتمتع به الخمس الأعلى أو حتى النصف الأعلى في الوقت الحاضر كمستوى معيشي لهم. ومن الناحية السياسية، لن يكون من السهل تحقيق ذلك على الإطلاق، حتى إذا استطاع المرء أن يقول بأن الفوائد ستعود على الجميع في بعض المدى المتوسط.

إذن ما هو الحد الأدنى من الاستنتاجات السياسية التي يجب أن نستخلصها؟ من ناحية، أنا شخصيًّا مقتنع بأن ما نرنوا إليه فيما يتعلق بالتعددية والبيئة وصور عدم المساواة لا يتوافق تمامًا مع عمليات الاقتصاد العالمي الرأسمالي. ومن ناحية أخرى، قد قلت للتوِّ أنني أعتقد أن هذا النظام العالمي يقترب من حتفه وسيُستبدَل به شيء آخر، لكنه ما زال من المستحيل تحديده. يبدو لي أنه يترتب على ذلك أننا يجب أن نقوم بأمرين: مزيد من التوضيح حول نوع النظام العالمي الذي سنقبله، وإجراء مناقشات وجدالات حول ذلك؛ وأن نستخدم في الوقت نفسه -هذه الفترة الحالية- من التحول الفوضوي لتنفيذ كل ما يمكننا تحقيقه محليًّا أو وطنيًّا أو إقليميًّا أو عالميًّا مهما كان ناقصًا. باختصار، يجب علينا أن نعمل على المدى القصير وعلى المدى المتوسط في نفس الوقت. وأثناء هذا كله، يجب أن نحاول الحفاظ على رؤية واضحة لإمكانياتنا ولعواقب ما نقرره


  • إيمانيويل والرشتاين، باحث أول في جامعة بيل، والرئيس السابق للجمعية الدولية لعلم الاجتماع، وله من المؤلفات:

The Modern World-System (3 volumes)

Utopistics, or Historical Choices for the Twenty-First Century (1998)

 Decline of American Power: The U.S. in a Chaotic World (2003)

and European Universalism: The Rhetoric of Power (2006)

 

[1] تبرز التعددية اللغوية في سويسرا بصورة كبيرة، حيث تعتبر اللغات الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانش لغات وطنية تتمتع بحماية الدستور بقدر متساوٍ. (المترجمة).

[2] هو اجتماع سنوي يعقده أعضاء الحركة العالمية المناهضة للعولمة من عام 2001 م، لتطوير الاستراتيجيات التي يعملون وفقًا لها. (المترجمة).

[3] نسبة إلى القديس يعقوب البرادعي، ويقولون بالطبيعة الواحدة (أن المسيح له طبيعة واحدة يجتمع فيها اللاهوت والناسوت)، واستحضار اليعقوبية هنا في سياق توحيد الأنظمة متعلق بكونهم يؤمنون بطبيعة واحدة. (المترجمة).

[4] يرى باومان في (الحداثة والإبهام) أن الدولة الحديثة طالبت الأقليات بالاندماج، وفي نفس الوقت استخدمت جهودهم الجبارة للاندماج للحفاظ على الفوارق، فكلما حاولوا الاندماج أكثر كلما ازداد رفض الدولة لهم، فكان الاندماج بمثابة سراب، لأنه في النهاية رأت الدولة أن المواطنة لا تُكتسب، بل يولد بها الأفراد، وهذا ما لم يستطع المناضلون من أجل الاندماج فهمه. عندما قامت الدولة القومية على أساس “نحن” و “هم”، أو أنا والآخر، صديق صريح وعدو واضح، كانت الأقليات، الذين يقفون في منتصف الطريق، يفسدون هذه السردية، فلا سمتهم مثل سمت الأصدقاء -فهم ليسوا مواطنين مثلنا- ولا هم أعداء، لأنهم يعيشون بيننا دون إزعاج. وحسب باومان، ارتأت الدولة لكي تكسر تلك الحالة من الإبهام بأن تطالبهم بأن يصنفوا أنفسهم، بحيث لا يفسدون سردية نحن وهم. (المراجع)

[5] أي لصالح المساواة. (المترجمة).

[6] تمثل الشريحة الواحدة خُمس المجتمع، أي 20% من تعداد السكان. (المترجمة).

[7] يُقصد به الاجتماع الاقتصادي العالمي السنوي الذي يُعقَد في مدينة دافوس. (المترجمة).

[8] من أهم المدن السياسية والاجتماعية والثقافية في جنوب البرازيل، وأهداف أنصار جانبها تختلف عن أنصار مدينة دافوس بما سيوضحه الكاتب. جدير بالذكر أن كلمة روح هنا ليست على ظاهرها، وإنما يُقصد بها تبني رؤية أي من المدينتين. (المترجمة).

المصدر
rozenbergquarterly

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى