عام

كيف نُفسّر المواقف الاجتماعية غير الواضحة لنا؟

  • جوتا يورمان
  • ترجمة: نورهان خليل
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

 

هل سبق وقمت بإلقاء تحية على صديق يمر بجوارك، فوجدته يتخطاك دون أن يلقي لك أدنى اهتمام؟

إن تحيّتك التي لم يتم الاستجابة لها، ربما تُلمح بأن صديقك غاضب منك! وربما قد يكون التشتّت الناجِم عن الهاتف الذي يحمله صديقك، هو السبب في تجاهله!

حياتنا الاجتماعية تزخر بالأمور المبهمة، ولكلٍ منا آلية يُفسّر بها المواقف -التي تحدث بيننا كأشخاص- وهذه الآلية لها قدرة على التأثير بشكل كبير في علاقاتنا وصحتنا العامة.

 مثال ذلك:

لو قمنا بتخمينٍ خاطئ على أنه قد تم إهمالنا من قبل صديقٍ ما، فإن ذلك سيجعلنا نبتعد عن ذلك الشخص، والذي بدوره قد يكلّفنا فقدان صداقة حميمية.

ثم بعد تكرُّر وقوع أخطاء كهذه، نبدأ بالتساؤل إن كان ثمة خطب ما بنا؟ أو إن كان هنالك أحد قد يرغب في صداقتنا؟

 لذلك لا ينبغي أن نفاجأ إذا قلنا بأن الأشخاص الذين يميلون باستمرار إلى التأويلات السوداوية للأمور، مُعرّضون للاكتئاب والقلق الاجتماعي أكثر من غيرهم.

لكن ولحسن الحظ، فإن التحيز نحو التفسيرات السلبية للأمور لا يحتم على الفرد الإصابة بالاكتئاب أو القلق الاجتماعي؛ فالتأثيرات السلبية الناشئة بسبب هذا التحيّز يمكن تجنبها إن تمت مواجهة تلك التفسيرات بالبراهين المضادة لها.

ولنأخذ مثالًا يوضّح هذا:

لو أن ذلك الصديق الذي اعتقدت أنه تجاهل تحيتك عن عمد، قام بإرسال رسالة نصية ودية إليك في اليوم التالي، فإنك ستقول لنفسك: “ربما اختلط عليّ فهم الأمور البارحة”.

وبأخذ هذا في الاعتبار، قمنا بإجراء مجموعة من الدراسات للبحث في سياق علاقة كل من التفسيرات الميالة للسلبية والتفسيرات المرنة، بالإصابة بالاكتئاب والقلق الاجتماعي.

طلبنا في هذه الدراسات من سبعمائة وخمسين شخصًا، أن يتصوروا أنفسهم في مواقف أو سيناريوهات اجتماعية غير واضحة، مشابهة للموقف الذي وصفناه في بداية هذا المنشور. جعلنا هؤلاء الأفراد يقومون بتقييم أربعة احتمالات مختلفة لهذه السيناريوهات التي وُصفت لهم؛ ثم قمنا بإضافة معلومتين عن كل سيناريو، وبعدها جعلنا الأفراد يقومون بإعادة تقييم هذه الاحتمالات؛ كان بعض هذه الاحتمالات إيجابيًا مثل: “صديقك كان مُشتتًا بسبب الهاتف”.

 وبعضها الآخر كان سلبيًا، مثل: “صديقك لا يرغب بالتحدث إليك”.

 بدت الاحتمالات السلبية لنصف السيناريوهات المطروحة أكثر منطقية في البداية، إلا أن المعلومات المُضافة اقترحت أن وجود تفسير أكثر إيجابية هو أمر وارد الحدوث.

حدث العكس في النصف الآخر من السيناريوهات، حيث بدت الاحتمالات الإيجابية أكثر ملائمة في أول الأمر، ثم حلت الاحتمالات السلبية محلها.

ولقد قمنا بقياس قابلية الأفراد على تغيير آرائهم تجاه تفسيراتهم، عن طريق استقراء تقييمهم لمعقولية الاحتمالات إبان كل سيناريو؛ وهكذا رصدنا نسبة تحيّز الأفراد باستقراء تصوراتهم الأولية لمعقولية كل احتمال.

تبين لنا كما حدث مع باحثين آخرين، أن الأشخاص الأكثر كآبة والمصابين بالقلق الاجتماعي، هم الأكثر انحيازًا للتأويلات السلبية. كما تبين أن هؤلاء الأشخاص هم الأقل مرونة أو قابلية عن التراجع عن تأويلاتهم السلبية للأحداث؛ فقد أظهروا استعدادًا أقل على إعادة النظر في هذه التأويلات، حتى عندما اقتُرح وجود دليل جديد على أن التأويل الإيجابي سيتوافق بشكل أفضل مع الحقائق.

وعلى النقيض من ذلك، فقد أظهر الأشخاص الأكثر كآبة والقلقون اجتماعيًا استعدادًا أكثر من غيرهم من الأشخاص في هذه الدراسة لإعادة النظر في تأويلاتهم الإيجابية عندما اقتُرح دليل جديد بأن تفسيراً أكثر سلبية هو الأكثر توافقاً مع الموقف المطروح.

دفعتنا هذه النتائج للتساؤل عن السبب الذي يجعل الاحتمالات السلبية المتعنتة أمرًا سائدًا بين الأفراد الذين يعانون الاكتئاب أو القلق الاجتماعي، وإحدى الإجابات المرجّحة من البحث محل الدراسة الذي تناولناه، هو أنه عند شعور المرء بمشاعر إيجابية، فإن التأويلات السلبية الجامدة تحفز أنماطًا من التفكير تقوم بدورها بتقليل هذه المشاعر.

مثال ذلك: “إن ضربة حظي هذه ستنتهي سريعا”، أو “لا ينبغي عليّ الاستمتاع بهذا، فالأشياء الجيدة لا تستمر معي”.

إن التقليل من هذه المشاعر الإيجابية يقود بالتالي إلى مُفاقمة الاكتئاب والقلق الاجتماعي.

 وبالنظر إلى هذه النتائج، نعتقد أن من الجدير بالاهتمام معاملة تفسيراتنا للمواقف غير الواضحة بالأحرى كنظريات، لا على أنها حقائق. فبدلًا من التفكير أن “صديقي لا بد أنه منزعج مني” عندما لا نجد تجاوبًا مع تحيتنا، يمكننا أن نفكر هكذا مع أنفسنا: “ربما صديقي منزعجٌ مني، ومن الممكن ايضًا أن خطبًا ما قد طرأ، وجمْع المزيد من الأدلة سيساعدني على التأكد أكثر”.

إن أخذ هذا المنحى تجاه تفسيراتنا للأمور يمكنه أن يساعد الجميع، وعلى وجه الخصوص، الأفراد الذين يعانون من الاكتئاب والقلق الاجتماعي.

ولقد جرى أساسًا تشجيع تبنّي هذا المنحى في الواقع من قبل العلاجات الإدراكية السلوكية لهؤلاء الأفراد.

المصدر: psychology today

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى