الدين

الحجُّ شَعِيرةُ السَّلام

  • زياد بن أسامة بن عبد الله خياط

حمدًا لك اللَّهُمَّ ربي، أنت السَّلامُ، ومنك السَّلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرام، أسألُكَ أنْ تُفيض علينَا سَلامًا يؤمِّنُنا من المخاوِف، ويدرأ عنَّا شرَّ المكارِه والمخاطِر، سلامًا يهدي إلى دارِ السَّلامِ، ويبلِّغنا نداءَ السَّلام وتحيَّة السَّلام: (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)

سبحانَ من تسمَّى بالسَّلامِ، ودعا عبادَهُ إلى دار السَّلام، واصطفى الأنبياءَ رُسَلَ السَّلامِ بينه وبين الأنام، وختمهم بخير نبيٍّ، بعثه إلى خيرِ أمَّةٍ، بخَيْرِ دينٍ وأشرفِ رسالةٍ، رسالةِ الإسْلام والسَّلامِ: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)

اللهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمَّدٍ، نبي الرَّحمة، وسيد الأمة، وعلى آله وصحابته قادة الحق، وسادة الخلق، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ هذا الدِّينَ الجليلَ قد طلعتْ شمسُه من أفق العزِّ، وبزَغَ قمرُه في سماءِ الرِّفعةِ، فأشرقَ به الكونُ بعد ظلامٍ وظُلْمٍ، وما زالَ على مرِّ الزمانِ يزداد إشراقًا، ويتعاظمُ ظهورًا.

له إشراقٌ أحسنُ من إشراقة الشمس في مطلعها، إذ هو إشراقٌ بلا إحراقٍ، محفوفٌ بأمنٍ وسلامٍ، يؤمِّن المسلِم، ويسلِّم المؤمن.

ولو أمعَنَ النَّاظرَ في شرائع هذا الدين ومقاصدها، وأرجع النظرَ الكرَّةَ بعد الكرَّةِ، لانقلب إليه البصرُ غير حسيرٍ ولا خاسئٍ، ولأوقفه على جُمَلٍ من البدائعِ والمحاسنِ والمكارمِ التي تُحِيطُ بالشَّريعة إحاطةَ العِقْدِ بالجيد، وتكتنفها اكتنافَ الثوبِ للبدنِ، حتَّى جاءت هذه الشريعةُ ظاهرةَ البَهَاء والرُّواء، مستوفيةَ الحُسنِ، بديعةَ النِّظامِ، في ظواهرها ومقاصدها.

وإنَّ من تلك المقاصد الحسنة التي اشتملت عليها الشريعة الغراءُ مقصدَ إشاعة السَّلام وحفظ الأمن، بل هو أصلٌ كليٌّ تنبثق عنه أصولٌ، وتتشعَّب منه فروعٌ، وليس يعدم الناظر دلائلَ جمَّةً تسفر عن وجه هذه الحقيقة.

فمن ذلك: قول ربنا تعالى وتقدَّس: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)

وحقيقة السِّلْم: السلامةُ والنجاةُ من أي مضرَّة، والمسالمة وترك المحاربة، والصَّلح والأمان، وهذه المعاني الثلاثة متوافرة كلها في الإسلام، ولهذا فُسِّر السِّلْمُ هنا بدين الإسلام؛ فكأنَّ الإسلام والسِّلْمَ توأمان لا ينفصلان!

وبهذا تكون الآية-كما قال بعضُ أهل العلم– أصلاً في كونِ السِّلمِ أصلاً للإسلام!

ويؤكده قول نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام: “المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده” [متفق عليه]؛ فإنَّه جعل كمال إسلام المرء مرهونًا بسلامةِ إخوانه منه، وأمنِهم جانبَه، فالإسلام لا ينفكُّ عن السَّلام، بل هو روحُه التي تسري فيه!

ولقد كان من بين شعائر الدين التي يتبدَّى للناظر فيها كمالُ عناية الشرع بمقصد السلام والأمن: شعيرةٌ معظَّمةً، وهي ركنٌ من الأركان العِظام، التي شُيِّدَ عليها بنيانُ الإسلام، ألا وهي شعيرةُ الحجِّ إلى البيت الحرام..

فإنَّ المؤمن في هذا الحجِّ يتوجُّه بجَمْعِيَّته وكُلِّيَّته إلى ربِّه، ويرحُل إليه ببدنه، ويَعْرُج إليه بروحه، ويهوِي إليه بفؤاده؛ لِيُصيبَ مقاصدَ، ويتلمَّسَ حكمًا، ويبتغيَ غاياتٍ.. فيَجِدُ في هذا الركن العظيم بمناسكه وسُنَنِه وآدابه: ما يُشيعُ لديهِ خُلُقَ السَّكينةِ، ويحُطُّ به على مرافئ السَّلامِ والطمأنينة، ليكونَ أمرُه كلُّه في سلامٍ، وشأنُه جميعُه في أمنٍ واطمئنانٍ..

وقدِ اتَّخذ مقصَدُ إشاعةِ السَّلامِ وحفظِ الأمنِ في الحجِّ صورًا شتَّى، ومظاهرَ متعدِّدة:

منها: أنَّ اللهَ اختار لهذه الفريضة مكانًا آمنا كريمًا، في البلد الأمين، والحرم الآمِنِ الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، يأمن فيه كل شيء من إنسان وشجر وحيوان وطير، كما في قوله عزَّ اسمُه: (وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) وقوله تعالى ذكرُه عن بيته العتيق: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، وقوله جلَّ ثناؤُهُ: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)

ومن ثَمَّ؛ جاء نهيُ الحاجِّ وغيرهم عن قطع الشَّجَر، وجزِّ النَّبت في الحرم، وتنفير صَّيْده فضلا عن قتله؛ كما جاء في حديث ابن عباس-رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: “حرَّمَ اللهُ مكَّةَ؛ فلم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا لأحدٍ بعدي، أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار، لا يُختلى خلاها، ولا يُعضَدُ شجرُها، ولا يُنفَّرُ صيدُها، ولا تُلتَقَطُ لُقَطَتُها إلا لمُعَرِّف” [متفق عليه].

كما جاء-أيضًا- نهيُ الحاجِّ عن قتل الصَّيْد حالَ الإحرام، كما في قوله عزَّ اسمُه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ)

 وكأنَّه أرادَ أنَّ حال الإحرام بالحجِّ حالٌ لا تُجامعُ التَّرويع أو تكون منه بسبيل؛ بما فيها استكانةٍ لله، وخضوعٍ له، وافتقارٍ بين يديه، وإقبالٍ عليه، واشتغالٍ بذكره وجمع القلب على التقرُّب إليه، فكان من هذه حالُه خليقًا أنْ يأمَنَ جانبَهُ كلُّ شيءٍ، فلا يُنفِّرَ صيدًا، ولا يقطع شجرًا حيًّا، ولا يُخرِّبَ عامرًا!

وفي هذا من إشاعة الأمن وتحقيق السلام ما لا مزيد عليه، ولا منتهى له؛ فاعجبْ لهذه الشعيرة ووجه تميُّزها وتفرُّدها!

ولعلَّ ممَّا يُمكن أنْ يُتلمَّسَ هنا من حِكَمِ التشريعِ في تحريم صيد مكة وقطع شجرها: أنَّه لو أبيح للحاجِّ قطعُ الشجر، وقتلُ الصَّيدِ-وهم بذلك الجمِّ الغفير- لم يبقَ بمكة صيدٌ ولا حيٌّ، وإذن تخلو البيئة من مقومِّ أساسٍ في الحياة، فمن حكمة التشريع سدُّه هذا الباب؛ لرعاية البيئة وحفظ مظاهر الحياة، وهذا يُشرف بنا على أنَّ من مقاصدِ هذا الشرع الحفاظ على العُمران، ورعاية مظاهر الحياة ونمائها وازدهارها، وأنه يُنهى عن كل ما يُودِي بها ، ولا يباح من ذلك إلا ما تدعو إليه حاجة، أو تترتب عليه منفعة ومصلحة.

ومن ذلك أيضًا: أنَّ اللهَ تعالى ذكرُه كما خصَّ هذه الفريضة المُعظَّمة بمكانٍ محرَّم منيعِ الحِمى، فإنه جلَّ ثناؤه أيضا خصَّها بزمانٍ محرَّمٍ، رفيعِ الشَّأن، كريم المقامِ، فجعله في شهر حرامٍ، هو شهر ذي الحجة، أحد الأشهر الأربعة الحُرُم التي نوَّه سبحانه بهنَّ في قوله عزَّ من قائل: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) التوبة: ٣٦

وفي هذا التَّخصيص مظهرٌ آخر من مظاهر تحقيق السَّلام وإشاعة الأمن؛ إذ إنَّ هذا الشهرَ الحرامَ يتأكَّدُ فيه جانبُ التحرُّز من الظُّلم وانتهاك الحُرمات، وهو يشمل ظُلمَ المرءِ نفسَه، وظُلْمَهُ غيرَه، فالظلمُ فيه شرٌّ مكاناً، وأعظمُ جُرمًا، وكفى بالمرء خُسْرًا أنْ يتردَّى في أوحالِ الخطايا والمظالم في مثل هذا الزمان الشريف المعظَّم!

ولـمَّا كانَ من المستقرِّ في رُوع أهل الإيمان وأذهانهم أنَّ هذه الفريضة محفوفةٌ بزمانٍ معظَّمٍ محفوظٍ من الظلم والانتهاك، ومكانٍ مكرَّمٍ محرَّمٍ على التَّرويع والتخويف؛ جاء التمثيلُ النبويُّ بهما في تحريم الدماء والأموال والأعراض في خطبة يوم النَّحر، ليكون أبلغ في الدلالة، وأكمل في البيان.

فعن ابن عباس-رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله-صلى الله عليه وسلَّم- خطبَ النَّاسَ يومَ النَّحْرِ، فقال: “يا أيُّهَا النَّاسُ! أيُّ يومٍ هذا؟” قالوا: يومٌ حرامٌ! قال: “فأيُّ بلدٍ هذا؟” قالوا: بلدٌ حرام! قال: “فأيُّ شهرٍ هذا؟” قالوا: شهرٌ حرامٌ! قال: “فإنَّ دماءَكُمْ وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحُرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا” فأعادها مراراً ثمَّ رفع رأسَهُ، فقال: “اللهُمَّ هل بلَّغتُ؟ اللهُمَّ هل بلَّغتُ؟” -قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: فو الذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته- “فلُيبلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدي كفَّارًا، يضرب بعضكم رقابَ بعضٍ“! [أخرجه البخاري]

فتدبَّر على أيِّ مخرجٍ خرج هذا البيانُ النبويُّ الرَّفيع في تقريره تحريمَ الدماء والأموال والأعراض؟!

لقد خرج على مخرج التمثيل بحُرمة الشهر الحرام والبلد الحرام واليوم الحرام؛ فكان بيِّنًا أنَّ حُرمةَ هذه الأمورِ من الذِّيوع والاشتهار والاستقرار والاعتبار بمكانٍ، حتَّى جاء المَثَلُ بهنَّ؛ تفخيمًا وتعظيمًا!

ومن ذلك: أنَّ الشَّريعةَ كما حفَّتْ هذه الفريضةَ بمكانٍ وزمانٍ معظَّمين محرَّمين؛ فكذلك حفَّتْ عبادةَ الحاجِّ بأحوالٍ خاصَّةٍ تُنوِّهُ بقيمة السَّلام، وتبرز مقصد إشاعة الأمن.

وذلك أنَّ الحاجَّ منهيٌّ على سبيل التوكيد عن جملةِ أمورٍ، جاءَ بيانُها في قوله عزَّ اسمُه:(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ).

  1. فهو منهيٌّ عن الرَّفَث في الحجِّ؛ وذلك هو الحديثُ في شأنِ النِّساء ومغازلتهنَّ ونحوه.

والقَصْدُ منه: تطهيرُ اللِّسَانِ وتنزيهُهُ من كل قولٍ بذيءٍ مُسْتَكرهٍ، حتى يكونَ اشتغالُهُ بذكر الله عز وجلَّ والرَّغَبِ إليه، وفي حفظ اللِّسانِ بابٌ فسيحٌ للأمن والسَّلام في شعيرة الحجِّ، فالقولُ الطيِّبُ الحسنُ مَبعثُ سكينةٍ ومدعاةُ هناءٍ.

  1. ومنهيٌّ عن الفسوق في الحجِّ. والفسوق وإن كان المرءُ ينهى عنه كلَّ حين؛ فإنه حين التلبُّس بالحج يكونُ أعظم نهيًا؛ لشناعتهِ فيه، وقبحه معه؛ إذ حقيقته الاستهانة بالمكان المحرَّم والزمان المعظَّم.

وفي تأكيد النهي عن الفسوق في هذا المقام ما يكبِتُ نزوعَ النَّفس إلى أي خروج عن طاعة الله، قولا وفعلا، فتأمَنُ النفوسُ من ركوب موجات الأهواء، والتَّجاري مع خطواتِ الشيطان، فيستقيمُ لها حجُّها، ويتمُّ لها نُسُكُها، في مأمنٍ من كل عثارٍ.

  1. ومنهيٌّ عن الجدال في الحجِّ، وهو المِراءُ واللَّجاجةُ والخصومة.

والقَصدُ منه: كفُّ النَّفسِ عن الخوضِ فيما يصرفُ القلبَ عن الانقياد لله، ومباعدة كل ما من شأنه الوقوع فيما يؤذي المؤمنين، ويثير بينهم العداوةَ والبغضاءَ، حتى لا يهتِكَ لباسَ السلام والأمن الذي يجلِّلُهم في حجِّهم، ويقشعَ عنهم ظلال السَّكينة الوارفة التي تغشاهم في مسيرهم إلى ربهم.

ومن بديع ما جاءَ في ذلك: أنَّ النبيَّ-صلى الله عليه وسلم- في حجَّةِ الوداع حينَ دفع من عرفاتٍ إلى مزدلفةَ جذبَ زمام ناقته القصواء إليه حتى لا تُسرعَ في المسير؛ ونادى في النَّاس-وهم يضربون يمينًا وشمالاً-: “أيُّها النَّاسُ! السَّكينةَ السَّكينةَ!” [متفق عليه].

ومن هنا؛ فقد غدا الحجُّ في كلِّ مناسكه وشعائره وأعلامه: مظهرًا من مظاهر السَّلامِ، يتمثَّله الحاجُّ في كل خطوة، ويشتمل عليه في كلِّ عمل، وينطوي عليه في كل سكونٍ، فهو متطلِّعٌ إليه مع كلِّ خَفْقةِ قلبٍ، أو تردُّدِ نفَسٍ، أو تحرُّك لسانٍ، أو تلمُّحِ بَصَرٍ!

هذا، وإنَّك مهما قلَّبتَ الطَّرْف في معاني هذه الشعيرة وأسرارها، وأمعنت الفكرَ في بديع حكمها وأغوارها، سينكشف لك وفرةُ ما فيها من مقاصدَ تجلو البصائر، وتردُّ الطَّرف الحائر، وتؤوي إليها كلَّ شادٍ لمحاسن الشريعة، ومتلمِّسٍ لمكارم الملَّة، فينطوي قلبُه على اليقين بهذا الدين العظيم، وتمتلئ جوانحُه من محبته وتعظيمه، والانقياد له طوعًا، والانبساط إليه شوقًا، والإقبال عليه حبًّا، وتلك غاية غايات السائرين، ونهاية نهايات السالكين.

اقرأ ايضًا: فجر عرفة، لحظاتٌ فاخرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى