عام

التعايش مع وسائل التواصل الاجتماعي

حجج حول سؤال: هل عليك إلغاء حساباتك على التَّواصل الاجتماعيَّ الآن أو حتَّى حين؟

  • علي الضويلع
  • تحرير: إيثار الجاسر

حتمًا تلزم الإشارة في أوَّل الحديث هنا إلى أنَّ هذا المقال في جوهره لا يشير بأن تلغي حساباتك أو أن تبقيها مباشرة، إنِّما يدعوك إلى أن تعرف ذاتك، وأن تمسك بزمام وعيك الذَّاتيِّ عن نفسك التي بين جنبيك، وألَّا تنساق مع الموجات المتتالية التي توحي بها -بقصد أو دون قصد- الشَّركات التِّقنيَّة الكبرى إلى الجماهير، فتنساق إليها الجماهير الغفيرة مرغمة أو دون قصدها، وأن تتذكَّر أنَّك فرد تتحمَّل مسؤوليَّاتك كما تحتفظ بنصيبك من حقوقك، كلُّ هذا جزء من كلٍّ، جزء من مجتمع يفترض أن يكون واعيًا منتجًا مدركًا لأهدافه، وأن يكون في بالك أيضًا أنَّك كما أتيت إلى الحياة فردًا ستصل في نهاية المطاف إلى الختام فردًا كما بدأت، فتحسب لهذا حسابه أيضًا، وتتَّخذ قراراتك على هذا الأساس.

بعد هذا فبالتَّأكيد قد مرَّ بك حديثٌ عابرٌ مع من حولك عن فكرة تغلغل الأدوات التِّقنيَّة في حياتنا المعاصرة، وجاء في ثنايا هذا الحديث أثر هذا التَّغلغل -بنبرة غير إيجابيَّة غالبًا- على مجريات يوميَّاتنا، فلا يمكن للمرء أن ينفرد بذاته تمامًا ولو لوقت قصير، أصبح الهاتف “الذَّكيُّ” كما لو أنَّه عضو ٌإضافيٌّ دخيلٌ على جسد الإنسان، وبات بالإمكان الوصول إلى الجميع من قبل الجميع في غاية السُّهولة وأصبح أمر سهولة الوصول من دواعي السُّرور، ومن دواعي الإزعاج والتَّنغيص أحيانًا إذا أردنا أن نكون منصفين. وينغمس الواحد أكثر وأكثر في بحبوحة -أو وحل- الاتِّصال المستمر المباشر دون قيد أو شرط في الغالب، سيل من الرَّسائل مغلَّف بالحاجة إلى الإنجاز ومسابقة الزَّمن والتَّسرُّع في زمن لا يسمح بالتَّأخير، ومع ما تخلفه الأدوات من شعور بالتَّمكُّن والقدرة على الوصول والتَّشارك فهي أيضًا تتركنا أحيانًا في حالة من التَّشتُّت وعدم الانتباه، وهذه هي المعضلة التي تواجهنا يوميًّا وتلتهم من جهودنا وأوقاتنا وتركيزنا، وقدراتنا تشعرنا بأهميَّة حاجتنا اليوميَّة للعودة إلى دواخلنا وتفحُّص دوافعنا أكثر من مرَّة في اليوم الواحد، حتَّى نعرف أنفسنا ونتعرَّف على جوهر من هم حولنا أكثر، بعيدًا عن الإشعارات والرُّموز والكلمات والرَّسائل الصَّوتيَّة القصيرة والمحادثة الآنيَّة والآليَّة والزَّائفة!

هل سيكون تعطُّل أو تعطيل وسائل التَّواصل هذه من ممكنات عودتنا إلى أنفسنا؟ هل هي في الواقع تعطي إمكانيَّة لتواصلنا الفعَّال مع من حولنا بما فيها من إمكانيَّات ووسائل؟ هل تمنحنا القدرة على سبر أغوار أعقد المسائل؟ أم صارت عالمًا إضافيًّا يثقل كاهل وجودنا عندما زاد استخدامها عن حدِّه وانقلبت نصاله باتِّجاه ذواتنا فصرنا الوسيلة والضَّحيَّة في الآن ذاته فتكسَّرت النِّصال على النِّصالِ، هذه أسئلة تطفو على السَّطح ونحن نحاول التَّمهيد لحجج تقول أنَّ التَّفكير في إلغاء حساباتنا على تويتر وفيسبوك وعلى قوقل وعلى الواتساب والتِّلغرام وكل الخدمات التي يسيطر عليها أساطين  القوَّة في عصرنا الحديث، شركات التَّقنية، أمر جدير بالتَّأمل على مهل وببطء ولو قليلًا.

أوَّل الأفكار التي نستعرضها هنا هي تلك التي طرحها كال نيوبورت (Cal Newport) وهو بروفيسور جامعيٌّ في الثَّلاثينات من عمره ومتخصِّص بالحاسب الآليِّ ويدرِّس في جامعة يوتاه بالولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. يقول كال أنَّه عاصر مارك زوكربيرغ وعاش فترة بزوغ منصَّة فيسبوك لكنَّه لم يسجِّل قطّ فيها كمستخدم أو في غيرها من منصَّات التَّواصل الاجتماعيِّ! كانت الدَّوافع الأولى لقراره ذاك نابعة من غِيرة مهنيَّة على حدِّ تعبيره ثمَّ صارت أمرًا آخرًا.

يقول كال أنَّه لم يتأثَّر البتَّة بقراره هذا وهو يزعم أمرين، أوَّلهما هو إنَّه حتَّى بدون الشَّبكات الاجتماعيَّة لم يفقد قدرته على التَّواصل مع الأصدقاء وزملاء المهنة والمهتمِّين، فهو مطَّلع على آخر الأفكار التِّقنيَّة الجديدة. وثانيهما على العكس من ذلك يرى أنَّه أكثر كفاءة وبذلك أكثر سعادة وسروراً بدون الشَّبكات الاجتماعيَّة، وهو ناجح ومبدع ومنتج بدونها، ويجد تسلية في كثير من الأمور الأخرى. ويقول -بطريقة تثير العجب- إنَّه يطمح إلى مستقبل يخلو من استخدام هذه الشَّبكات الاجتماعيَّة “بصيغتها الحاليَّة” وأن يكون هناك عدد أناس أقلَّ في هذه الشَّبكات التي تكتسح العالم بأسره بنوع من الهيمنة.

إن هناك ميلًا جديدًا يمثِّله البروفيسور كال وكثير ممَّن يشبهه، وهؤلاء يعتقدون بأنَّ الشَّبكات الاجتماعيَّة لا تمثِّل ذروة التَّقدم التِّكنولوجيِّ، فهي ليست التِّكنولوجيا، إنَّما في أعماقها يوجد شيء مختلف تمامًا، فهي قد يبدو أنَّها تقدِّم في أساسها حلًّا رافعًا كحال كثير من الأدوات -قديمًا وحديثًا- لاحتياجاتنا الحقيقيَّة في إنجاز أعمالنا وتحقيقنا للتَّقدُّم المطلوب لكنَّها ليست تقدمًا تقنيًّا في حدِّ ذاتها، مع التَّأكيد على أنَّ الإنترنت كان ولا يزال فتحًا مبينًا على صعيد التَّقنية؛ لأنَّ التَّواصل وتبادل المعلومات بدون أيَّة مؤثِّرات أخرى يُعدُّ أمرًا أصيلًا فيها ومنها، لكن هذا الأمر تغيَّر مع تغيُّر دوافع الشَّبكات الاجتماعيَّة بقصد أو بدون قصد.

فشبكات التَّواصل الاجتماعيَّة أوَّل ما بدأت كانت أدواتًا للتَّسلية والمتعة عبر التَّواصل، يجد فيها المستخدم وسيلة لتشتيت همَّه وللسَّلوى، مكانٌ للفضفضة (غير الصحية والخطرة أحيانًا) قبل أن تؤخذ بجديَّة بطريقة مَّا. والمشكلة التي يشير إليها عدَّة باحثين أنَّ منصَّات التَّواصل الاجتماعيِّ صارت أقرب في واقع الحال إلى آلات القمار، تسجِّل الدُّخول إلى حسابك في تطبيق التَّواصل الاجتماعيِّ وتسحب العتلة وأنت تحدِّث الحالة وتنتظر ما يثير محفِّزات إطلاق الدوبامين في دماغك، والدوبامين ناقلٌ عصبيٌّ كيميائيٌّ يخلِّف نقله شعورًا بالنَّشوة والجذل في دماغ الكائن البشريِّ وجسده، وغالبًا ما يتعلَّق هذا الأمر بالإدمان على حصول أشياء معينة، والدِّماغ البشريُّ يعيش حالة من الجوع الدَّائم والنَّهم للجديد أيا كان، وكانت هذه الحاجة فرصة اتَّخذها المختصُّون في تطوير شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ لتعزيز اهتمامك باستخدام هذه المنصَّات. فيغمرك التَّطبيق بسيل من الأشياء التي تتعلَّق بك وبما هو أو بمن حولك، تهمُّك كانت أم لا تهمك لكنَّها بالتَّأكيد تثير فضولك وتغذِّي حاجة عقلك إلى تناول معلومات أكثر وأكثر فيها المسلِّي والمفيد والضَّار أيضًا، والضَّحيَّة غالبًا وقتك وجهدك.

لقد نجح عتاة صنَّاع الشَّبكات الاجتماعيَّة في كتابة خوارزميَّات بوسعها تتبُّع سلوكك وتفضيلاتك على الشَّبكات ومن ثمَّ صنع سيل من البيانات في طريقك يجذبك كلَّ مرَّة أكثر وأكثر ويجعلك غير قادر على الانفكاك من الرَّغبة في تحديث الصَّفحة والبحث عن جديد يغذِّي عقلك، أو حتَّى أمرًا تافهًا سخيفًا، وبالذَّات لو كان كذلك. ولو كانت هناك معلومة قد تبدو مفيدة  فهي لا تغدو أن تكون سطحيَّة أو غير موثوقة ومنحازة، وتأمَّل مدى السَّطحيَّة التي تمنحها هذه الوسائل مقابل العمق التي نتواخاه حين نحاول فهم فكرة ما في كتاب أو مقالة، كان الأوَّلون يغوصون في كتب طويلة المحتوى مع استيعاب وفهم عاليين، في حين أنَّنا نعجز اليوم عن إنهاء متابعة مقطع على اليوتيوب يشرح كتاباً بأكمله في ثلاث دقائق ونستمر بتأجيله أو إضافته إلى قائمة لا تنتهي من الألسنة في المتصفحات أو في قوائم القراءة المؤجَّلة.

إنَّ شركات التَّقنية الأربع (نعني أمازون وقوقل وتويتر وفيسبوك وأبل) يعمل بها موظفون مختصَّون تحت اسم  مهندس الانتباه (ِAttention Engineer) وهم أناس يعيدون توظيف تقنيات تستخدم في صالات المقامرة في لاس فيجاس مثلًا للنَّجاح في الاستحواذ على انتباهك وحصد إدمانك وبقائك على شبكاتهم أطول وقت ممكن، والمصلحة لمن؟ هذا ما سنتبيَّنه بعد قليل.

إنَّ المشكلة هنا هي أنَّك لست مستهلكًا أو مستخدمًا على شبكات التَّواصل الاجتماعيَّة، أنت عبارة عن سلعة تباع وتشترى بين طرفين، الأول صاحب المنصَّة، والثاني هو الطرف الثالث المعلن؛ لأنَّ النَّموذج القائم حاليًّا في شبكات التَّواصل هو نموذج الحصول على الأرباح عبر الإعلانات وليس عن طريق الاشتراكات مثلًا، هذا الطَّرف الثَّالث يريد أن يتحكَّم بسلوكك ليبيعك سلعة ما أو يغيِّر توجهك السِّياسيّ (كما حدث في الانتخابات الأمريكية) أو يزعزع أفكارًا في عقلك، اعتمادًا على سلوكك في الشَّبكة وبياناتك وتوجُّهاتك المكشوفة مسبقًا وأنت بالطَّبع تشاركها طواعية، فأنت سلعة ولست مستهلكًا، فيتبيَّن لنا هنا أنَّ الغرض هو منفعة الطَّرفين عبر تعظيم الاستخدام الأمثل للسِّلعة (المستخدم).

تقدم لك الشركات تلك جرعات من الملذَّات اللَّحظيَّة التي تثير الحواس وتشعل الدوبامين في دماغك مقابل لحظات من انتباهك ووقت وجهدك، ونُتفًا كبيرة وكثيرة من بياناتك الشَّخصيَّة وغيرها، كل ذلك يعبأ ويباع لمشترين لا تعرفهم. ومن ثمَّ فإن الامتناع عن الشَّبكات الاجتماعيَّة بصيغتها الحاليَّة المذكورة آنفًا هو وسيلة تغيير ومقاومة وهو اختيار في واقع الحال يُمكِّنك من استكشاف تسليات أخرى على حساب هذه التَّسلية الغريبة في متابعة الأشياء لغرض المتابعة فقط، لنقل أنَّها هي -نعني الشَّبكات الاجتماعيَّة- منتج آخر لا تستخدمه لأنَّ فيه ما يضرك، ذلك لأنَّك اخترت تجنبها لما فيها من ضرر على سلوكك ووقتك وجهدك، يشبه الامتناع عن السُّكر أو التَّبغ أو طلاء الجدران الذي يحتوي على الرَّصاص، نمتنع إلى حين تَخلِّي أصحاب المنصَّات عن استخدامنا كسلع.

قد يسترعي انتباه الجميع فكرة أنَّ التَّخلي هذا قد يضرُّ بوعيهم ومعرفتهم وربما بعلاقاتهم التِّجاريَّة والمهنيَّة. فبدون التَّواصل الاجتماعيِّ هم لا شيء! لكن الواقع يقول أنَّ الجهد في البروز على شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ لا يحتاج لعميق جهد أو فكر، هي أدوات مصمَّمة بطريقة يتمكَّن فيها فتى ذو ستِّ سنواتٍ من الذُّيوع والقدرة على التَّفاعل، وهنا نذكر أيضًا أنَّ شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ بصيغتها الحالية تستنفر كلَّ ما في الإنسان من قدرة على التَّغوُّل؛ لأنَّ الأخبار غير الإيجابيَّة هي وقود هذه المنصَّات في غالب الأمر، فالمنصَّات بسبب افتقارها للسِّياق تعتمد على تحفيز أسوأ ما في البشر لتبقى حيَّة ومتحرِّكة، بعض المؤثِّرين يعدُّون شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ حمامات الإنترنت وهي في هذا تشبه جدران الكتابات الثَّموديَّة، وفي هذا استطراد لطيف، حيث كانت الثَّموديَّة في القرون الغابرة لغة الشَّعب في التَّعبير عن يوميَّاتهم، وهي لغة آنيَّة شخصيَّة ذاتيَّة مقارنة بلغة الملوك السِّريانيَّة والتي كانت رفيعة وتستخدم في المخاطبات الرَّسميَّة، حيث أنَّ العديد من الكتابات الثَّموديَّة قائم على تسجيل يوميَّات انتقام فلان من فلان أو ضربه أو شتمه، أو تسجيل وقائع ما يُستحى من تسجيله، وهو يشبه جدًّا ما يكتبه العامَّة على جدران الفيسبوك أو التَّواصل الاجتماعيِّ مبتورًا من صاحبه أو متخفِّيًّا تحت اسم مستعار، الشَّبكات الاجتماعيَّة تظهر أسوأ ما فيك، لأنَّك ترغب في الانخراط في سلاسل من التَّعليق على تعليقات مجتثَّة من سياقها وفيك رغبة عارمة في ألَّا تترك خارج هذا السِّياق المبتور أصلًا، والأسوأ عندما تتعرض لتنمر غير مبرَّر أو ممنهج، هذا الأمر معدٍ فحينها سيصدر منك سلوك نحو الآخرين على أساس التَّعامل بالمثل ومن هنا تكبر كرة الثَّلج وتسحق الجميع، كلُّ ذلك تحت التَّصنيف الوهميِّ للمنصَّات الافتراضيَّة وفي أماكن قائمة على أسس واهية افتراضيَّة منبتَّة الصِّلة نوعًا ما بالواقع وصارت -بعد ما كانت أمكنة للتَّسلية- محاكم يحاكم فيها من يقع عليه ثقل السِّياق المبتور كما يسمَّى. إنَّ شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ تستخلص أسوأ ما فيك، هي مصمَّمة لهذا، لأنَّ الإشارة إلى أخبار أو أفكار شاذَّة وغريبة هي الوقود التي تتغذَّى منه الحركة على التَّواصل الاجتماعي كما قلنا، مثل فكرة المانشيتات المثيرة التي كانت تبتكرها الصُّحف فيما مضى لتزيد من رواجها.

حسنًا، كل هذا الهجاء يحتاج إلى البحث عن البديل، والبديل هو كلُّ عملٍ جادٍّ نادرٍ ذي قيمة وينتج عن إعمال عميق للفكر مع تركيز كامل، يسهم في زعزعة الأفكار الحقيقيَّة ممَّا يساهم في تغيير البشريَّة إلى الأفضل، إنَّ العمل العميق ينتج أشياء أكثر قوَّة وعمقًا وتأثيرًا، بوسعك على إثر عمل عميق وبتركيز كامل أن تكتب خوارزميَّة تحلُّ مشكلة إنسانيَّة ما، أو أن تكتب مقالة من ألف كلمة قد تُغيِّر سلوك إنسان للأفضل، أو أن تبحث في مصادر أكاديميَّة موثَّقة حول آخر بحوث جهة ما عن أمر حيويٍّ ما، بوسعك بالعمل العميق أن تبحر في بحر من البيانات وتستخدم أدوات الإحصاء في أن تحصل على نتائج مثيرة ومؤثِّرة، هذه كلهُّا أعمال تحتاج إلى وقت وأثرها ووقتها ونجاحها باهر. أمَّا الجهد في شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ لا يغدو عن كونه زوبعة في فنجان. لا نتائج قويَّة ولا أبعادًا إستراتيجية ستصل إليها كلمتك. يقول كال نيوبرت: إنَّ العمل العميق (Deep Work) ينتج أشياءً نادرةً وذات قيمة وعمل كهذا سيجعل الناس تجدك حتَّى دون وجودك على شبكات تواصل اجتماعيَّة.

القضيَّة الأخرى التي تثار حول الدِّفاع عن استخدام شبكات التَّواصل هي أنَّها أماكن للتَّسلية، والزَّعم أنَّها تسلية بريئة وحسب، وفي وسعنا القدرة على التَّحكم بها، المشكلة هي أنَّ الأمر يبدأ ولعًا ثم ينشب أظفاره. لم يمر بتاريخ البشريَّة شيءٌ شبيه فيما نظن، بات البشر اليوم أقلَّ قدرة على التَّركيز والصَّبر، صار عزمهم مفتَّتًا، وأقل قدرة على التَّعاطف حتَّى، كلُّ أنواع التَّسلية في الإنترنت منصبَّة في غالبها على السُّخرية وعلى العبث بالأفكار، يكفيك إلقاء نظرة على مواقع تداول “الميمز” (memes) وهو مصطلح يشير إلى أفكار طفوليَّة مضخَّمة بطريقة مثيرة للمتلقِّي في الوهلة الأولى ثم تصبح شيئًا يبعث عن الإدمان ويقتل التَّعاطف مع الآخر الذي يكون محور السُّخرية في جوهر الميم التَّافه مسطَّح العبرة. وجدليَّة أخرى تشير بحماس نحو القيمة الاقتصاديَّة لعالم الشَّبكات الاجتماعيَّة، وهنا يقال أنَّ المؤسف بحقٍّ هو أنَّ كلَّ ما يثيره الحديث عن اقتصاد الشَّبكات الاجتماعيَّة يصبُّ في اقتصاد غير مستدام. الاقتصاد ليس بحاجة إلى أفعال بوسع طفل أن يقوم بها عبر شاشة آيباد. الاقتصاد يحتاج إلى عملٍ عميقٍ جادٍّ مستدامٍ يحقِّق المصلحة والخير للجميع.

يمكننا هنا والآن أن نذكر بعض أضرار الشَّبكات الاجتماعيَّة. أوَّلها العزلة ومعها شعور مناقض لدى المستخدم يشعره بأنَّه غير معزول، ذلك لأنَّ اتِّصالًا سطحيًا بعيدًا عبر الشَّاشات مهما بلغت ذروته لا يصل إلى اتِّصال حقيقي بين البشر ولا يغني عنه. الشَّاشات لا تغني. وهنالك إشكاليَّة ذات علاقة وهي التَّأثُّر بمثاليَّات النَّاس على الإنترنت، وهذا أمر يعزٍّز الاكتئاب أيضًا. إنَّ عقولنا ليست مصمَّمة للإثارة المستمرَّة، سيل الإثارة ذاته يشبه تيَّارات القصر التي تتعرَّض لها الأجهزة الكهربائيَّة، يعلم الجميع مخاطر سلوك المقامرة الإدمانيَّ، هل أنت مستعد للمغامرة طوال اليوم عبر المقامرة؟ النتيجة ستكوِّن إدراكًا منخفضًا ومسطحًا لذاتك وللمجتمع! ويخلِّفك بشعور من القلق من عدم المعرفة الوهميِّ والحاجة إلى تفقُّد كل ما يحدث من حولنا دومًا وقد لا يهمُّنا ذلك!

إنَّ هنالك ثمن ندفعه مقابل التَّواصل عبر التَّواصل الاجتماعيِّ، ويجب أن نعرف أن هذا الثمن لَّا يوازي عوائدها غير المجزية. إذن ما هو طعم الحياة بلا شبكات تواصل اجتماعيٍّ؟ في عالم اللَّاتواصل الاجتماعيِّ عبر المنصَّات ستجد إيجابيَّة أكثر على المستوى الشَّخصيِّ، إنتاجية أكثر في بيئات العمل، دون العمل أكثر من اللازم، لأنَّ التَّركيز عالٍ، حتَّى مع المشتِّتات التَّقليديَّة مثل الأحاديث مع الزُّملاء والاجتماعات الكثيرة وازدحام الطُّرقات والأمكنة. وهنا وقفة تقول: احترم تركيزك دون تفتيته، قوَّة إنجاز العمل تتناسب طرديًّا مع الوقت المطلوب وقوَّة العمل تأتي من التَّركيز الكامل غير المفتَّت . في عالم اللَّاتواصل الاجتماعي هنالك أدوات تسلية أكثر سلامًا وعمقًا، ففي الصَّباح تقرأ الجريدة وتستمع إلى المذياع (سؤال: متى استمتعت إلى المباريات عبره بتركيز؟)، أو أن تقرأ كتبًا ضخمة على أريكة جلديَّة بعد أن ينام الأطفال.

في سياق ذي علاقة بأثر الإنترنت على الثَّقافة تقول ماريا بوبوفا (Maria Popova) أنّنّا ا في ما مضى من زمان كنَّا نطارد المعرفة عبر الوصول إلى المعنى، والوصول إلى المعنى عمليَّة مضنية تحتاج لجهد ووقت وعودة للدَّاخل وتواصل جيِّد مع الخارج، وإنَّ الوصول إلى المعنى هو في جوهره نفي للتَّفاهة وهو خلق للقيمة في الأشياء وهو بالتَّحديد عكس التَّفاهة التي هي اللامعنى، لقد بتنا بسبب كلِّ هذه الهيمنة التِّقنيَّة الخادعة في انفصال من السِّياق وانهدمت معه العرى البنيويَّة للُّغة حتَّى ضاع المعنى وصرنا نسبح في بحر من التَّفاهة، إنَّ التَّواصل الاجتماعيَّ هدرٌ اقتصاديٌّ يمكن أن يصرف في موارد أقوى وأنفع، ثمَّ إنَّ المعنى يحتاج إلى وقت حتَّى نصل إليه كما قلنا، وإلى نار هادئة تنضج معها الوعي، واليوم فالأجيال بالكاد تستطيع إكمال مقطع صغير اختُزل فيه كتاب يبلغ حجمه 400 صفحة، فكيف نسأل عن مصيرنا مع شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ المسطَّحة في معناها والمغرقة في تفاهتها وأساليب جذبها الملتوية للنَّاس.

وتواصل القول إنَّ الهامش تحوَّل إلى شكل أكثر تغولًا من السِّياق نفسه، ولا مشكلة في ذلك لو كان الحاصل إعادة بعث المتن من خلال السِّياق، المشكلة أنَّ الهامش يبدو وباستمرار ولحظيًّا منفصلًا عن السِّياق العام وعن المتن، وذلك لأنَّ الجديد في خط التَّحديثات هو الأهمُّ والقديم العتيق لا معنى له، صار الهامش يزاحم أسطر الكتب والأصول بطريقة تبعث على الاشمئزاز.

نحن مصابون بعلة مرضيَّة هي قلَّة الصَّبر تجعلنا نريد الحصول على المعلومة دون السَّعي وراء عمل يمكِّننا من استحقاق طلبها. السَّبيل الوحيد للمعلومة هو التَّأمل والدِّراسة والتَّفكر وهو أساس الوعي واتِّخاذ القرارات الضروريَّة والمعنى هو ما يمنح لحياتنا المعنى وأن نعمل ونحبَّ ونتعلَّم، وتقول إنَّنا قد مللنا من التَّفكير بثقافة العصر الحديث نريد المعرفة اللَّحظيَّة ونجحت في تدريبنا الأدوات السَّريعة ونحن نعيش في العصر الملحميِّ للقوائم (listicles) وفي عصر الأنفوجرافيك وكأنَّنا نعود بالرُّسومات إلى العصور البدائيَّة التي كان فيه تعبيرنا محدودًا قاصرًا.

ثمَّ إنَّ المعاناة في العيش وراء المعنى ليس هو المقصود إنَّما السَّعي باتِّجاه الشَّيء الذي يثير شغفنا دون بطء مخلٍ أو تسارع مهلك كما يقول الفيلسوف الأمريكيُّ هنري ديفيد ثورو (Henry David Thoreau) أنَّ المرء الذي يعمل بكدٍّ ليس هو ذاك الذي يعمل كثيرًا. قارن هذا بتطبيقات الهاتف التي تتوالد في هواتفنا وتتمحور حول التَّواصل الاجتماعيِّ. إنَّ شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ تجعلنا نسعى وراء العاجل دون المهم، من عيوب الإنترنت هيكليًّا أنَّه يعطيك الأحدث أولًا بغض النَّظر عن غزارة محتواه ويعدُّه الأهمَّ حتَّى مع الأصول، مع هذا فالإنترنت رائع لكن بدون مركَّبه التِّجاريِّ الدِّعائيِّ. والواقع أنَّ الإنترنت اليوم في عمومه لا يساهم في رفع البشر إلى الأعلى بسبب أنه يتعارض مع طبيعة البشر وحاجاتهم للسُّكون والتَّجدُّد والتَّمهُّل في اتِّخاذ القرارات، والحديث كلُّه متواصل لماريا بوبوفا.

إنَّ مسألة وجودنا على الإنترنت طوال الوقت دون أيِّ استثناء لا يتناسب مع سنن الكون وهو يتعارض مع صحَّة وجودنا على الأرض، ظاهره رحمة وباطنه العذاب. ما يرد فيه من تضخيم للأشياء صار أسوأ وكلُّ شيء بات مضخمًا بطريقة مربكة. والإعلانات هي التي تسيِّر نموذج العمل بعيدًا عن الغنى الرُّوحيِّ.

ثم فوق كلِّ هذا فالمجال جديد هنا للحكم على ما يجري، ليست لدينا تجربة كاملة لأنَّنا من أجيال عاشت على تجربة الإنترنت والشَّبكات الاجتماعيَّة دون أن تأخذ دورتها الكاملة لذا فلا نستطيع الحكم، ويومًا ما سيثور النَّاس على ما يضاد قيمهم الرُّوحيَّة والذَّاتيَّة. الإنترنت اليوم يستخلص أسوأ ما فينا لمصلحة الإعلان والشَّركات الضَّخمة البعيدة عن المحتوى العديد من البشر في دواخلهم الميل إلى صنع أشياء فارقة في سجل البشريَّة وعندهم جوع للمفيد والشَّيِّق، يجب أن تُوجَّه عناية لما فيه خير البشر كما يحصل في ويكيبيديا مثلا، على ما في ويكيبيديا من هنَّات، مثلما اكتُشف في صفحات ويكبيديا المكتوبة باللغة الأسكتلندية، وهذا يحتاج لتوعية وتغيير.

ومشكلة أخرى تحتاج لحل في عالم محركات البحث اليوم وهي ما يسمونه أثر فقاعة المرشِّح (filter bubble)، وهو وصف مستعار للآلية التي تُظهر لنا بها محركات البحث نتائج ما نبحث عنه، حيث تقوم خوارزميات محركات البحث بتخمين المعلومات التي “قد” يفضل المستخدم أن يراها بناءً على معلومات عنه كمكان المستخدم وسلوكيات نقراته الفائتة وتاريخ البحث الذي قام به، ونتيجة لذلك، لا تظهر للمستخدم نتائج البحث التي قد تحتوي على معلومات قد لا تتفق مع نظرته للأشياء، وهنا يبرز المصطلح، حيث يُعزل المستخدم في فقاعاته الثقافية التي تخصه، ربما جاء القصد من تلك الخوارزميات التسهيل، لكنه جاء بمحاصرة المستخدم في عالمه، وآثار هذا الأمر يتعاكس تماماً مع شيء أصيل في فكرة الانترنت، وهي سهولة الوصول إلى المعلومة الموثوقة. قد يبحث مستخدمان عن نفس المدخلات، عن شركة ما مثلا، فيظهر لأحدهما آثار غير إيجابية تقوم بها الشركة على البيئة بينما تظهر للآخر معلومات تتعلق بأدائها المالي دون أدنى إشارة إلى النتيجة الأولى.

أمَّا جارون لانيير (Jaron Lanier) وهو متخصِّص بالتَّقنية وموسيقي ويعدُّ من أوائل المبادرين فيما يسمى بالواقع الافتراضيِّ، حيث أنشأ في الثَّمانينات شركات متخصِّصة طوَّرت تجارب جديدة يتمكَّن من خلالها الفرد من ممارسة أشياء في واقعٍ افتراضيٍّ، كالعزف على الموسيقا، أو التَّصميم، حفاظًا على الموارد وتوظيفًا للحاسب الآليِّ الذي كان إدخاله في حياة النَّاس ثورة على المفهوم القديم الذي كان فيه الحاسب آلة ضخمة وصعبة الاستخدام. يقول جارون لانيير إنَّ الخوارزميَّات التي تديرها شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ على الإنترنت مصمَّمة لتهدِّد صحتك! إنَّ مواقع مثل فيسبوك وتويتر هي مزارع دوبامين تخدِّر عقلك وتغيِّر الطَّريقة التي يعمل بها. إنَّها تعيد برمجة ما تشعر وتقول وتضرُّ بالاقتصاد والسِّياسة والكثير من الموبقات، في كتبه المتعدِّدة يدافع لانيير عن فكرة الإنترنت الصِّحيِّ الخالي من التَّلاعب.

ويقول أنَّه من الصَّعب أن نلغي حساباتنا، لكن من الضَّروريِّ على الفرد أن يجرِّب الانقطاع عنها بإرادته وستجد بعدها أنَّك أسعد وأكثر إيجابيَّة ولديك وقت أكثر وتفكِّر بالحقائق أكثر بعيدًا عن الشَّائعات ونظريَّات المؤامرة، وستجد أنَّ مجتمعك ومحيطك سيتحسَّن. لذا ومع أنَّ الحياة مع شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ أسوأ لكنَّنا لا ندرك ذلك ونغفل؛ لأنَّ وسائل التَّشتيت حاضرة فيها أمام أعيننا بما لا يتيح لنا أيَّ فرصة للفكاك دون الوعي. ومجددًا يؤكِّد أنَّ مشكلة الشَّبكات الاجتماعيَّة تجاه المستخدم اليوم سببها نموذج عمل الشَّركات الضَّخمة وقدرتهم على تكوين منتج قادر على تغيير سلوكك أنت، ويجب أن نتذكر دائمًا أنَّنا لسنا مستخدمين في عالم التَّواصل الاجتماعيِّ، نحن السِّلعة، والمستخدم الحقيقيُّ هو المعلن وصاحب الغرض من وراء توظيف معلوماته عنه، هؤلاء الذين باعتقادهم فعل شيء لتغيير تفكيرك وسلوكك. إنَّ الأمر يجري بطريقة ماكرة وتسلُّليَّة والمعلومات منك تغذي الآليَّة/الخوارزميَّة أكثر وأكثر، فأنت معها تفقد قوَّة الإرادة بفعل الخوارزميَّات التي تعمل منك إليك والمشكلة أنَّنا لا نريد أن تقوم مجتمعاتنا على قيم تقرِّرها جهات تسعى لتعظيم منفعتها بدلًا أن يتصرف الجميع بإرادة ذاتيَّة تقوم على فكرة الرِّبح المتبادل، نحن نريد مجتمعًا يشارك في القيادة لا أن يقاد وحسب بوعي وبلا وعي، مجتمع قائم على الشَّراكة والتَّلاحم حول القيم الأصيلة والتَّفاعل الإيجابيِّ نحو منفعة الجميع.

إنَّ الشَّبكات الاجتماعيَّة التي تلغي شعورك بالتَّعاطف عبر نشر العنصريَّة والتَّنمر والسُّخرية من كلِّ أحد أيًّا كان والاختفاء خلف أسماء مستعارة وشخصيات وهميَّة مجهولة لا تخضع لأيِّ مساءلة وعلى هذا الأساس فكم منَّا سعى إلى حتف معنويَّاته ونفسيَّته بذاته طواعية. يجب على هذا أن يتغيَّر، باتت الأخبار حول العالم تتوارد بأنَّ الشَّبكات الاجتماعيَّة وسيلة للتَّقسيمات وللعبث بالانتخابات حتَّى أنَّ الجهات الإرهابيَّة بات حضورها -للأسف الشديد- قويًّا لوجود منابر مجانيَّة لها. إنَّ الشَّبكات الاجتماعيَّة مصمَّمة لتضخيم أسوأ الأشخاص أو أسوأ ما في الأشخاص. ومشكلتها أنَّها تفتقد للسِّياق الذي يقوم على العقلانيَّة والمنطقيَّة والتَّعاطف كما قلنا. تأتي الشَّبكات الاجتماعيَّة اليوم وتروِّج للعنف والإدمان وتظن أنَّك قادر ومتحكم لكنَّك منوَّم بالدوبامين، حال مجتمع أفراده هكذا كحال مجتمع كلُّ فرد فيه ثمل ولا يوجد أحد صاحٍ للحديث عن المشكلة ومن هنا فيجب التَّوقف عن هذا الممارسات قبل الحديث عن ضررها.

خلاصة القول: إنَّ هذا المقال لا يقول ألغِ أو أبقِ حساباتك على التَّواصل الاجتماعيِّ، هذا ليس واجب المقال، الواجب أن نبذل وسعنا لنعرف أنفسنا ونعرف ماذا يصلحها. والحل عند نقد الشَّبكات الاجتماعيَّة هو تغيير نموذج العمل التي تقوم عليها شركات التَّقنية والتِّواصل الاجتماعيِّ باستبداله بنظام يقوم على تحقيق الأرباح بطريقة تتشابه مع الطرائق العادلة التي تقوم عليها جميع الأعمال الأخرى، كأن يكون هناك اشتراك مع إفصاح تامٍّ عن كلِّ تفاصيل العروض التي تقدِّمها الشركات مقابل خدماتها، لا أن يُعرَّض المستخدم كالسِّلعة كي تستمرَّ الشَّركة في تحقيق الأرباح، فالإنسان له وظائف وإمكانيَّات وأرفق وأرحب من أن يكون سنجابًا في قفص، ونحن كوننا مستخدمين نرفع صوت مطالبنا ونقاطع هذه الجهات العجيبة كي نساهم في جعل الحياة على هذا الكوكب أجمل.

إنَّ أحد التَّوجُّهات الجديدة التي تبادر إلى تغيير نموذج عمل الشَّبكات الاجتماعيَّة المجانيِّ الأخيرة هي شبكة ويكي تريبون بشعار يقول (News Focused Social Media) والذي بادر بها الشَّريك المؤسِّس لموسوعة ويكيبيديا التشاركية جيمي ويلز (Jimi Wales)، حيث يتاح التَّسجيل فيها بمقابل، ومستخدميها في ازدياد، وهي منصَّة تعدُّ بديلًا لفيسبوك وخالية من الإعلانات، والمثير أنَّها تعتمد على التَّبرعات في وضع شبيه بما هو الحال عليه في ويكيبيديا، وذلك لأنَّ القائمين على ويكي تربويُّون هو أنَّ نموذج شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ القائمة على الإعلانات أنَّ فيه مشكلة ونتيجته دومًا أنَّ الفائز هو المحتوى المنخفض. ويسعى الموقع في نموذج عمله أن يكافح الأخبار المزيَّفة ويرتِّب المساهمات بآليَّة تشبه موقع ريدت (reddit) معَ متابعةٍ من مُحررينَ مختصينَ بتمييزِ الغَثِّ من السَمينِ، حيث ترتفع المساهمات ذات الجودة والأهميَّة إلى أعلى وفي الآليَّة تصويت على ذلك بين المستخدمين دون تلاعب أو خوارزميَّات، بلغ عدد المشتركين حوالي 400،000 مستخدم حتى ديسمبر 2019. أسس جيمي ويلز الشَّبكة بعد أن ضاق بهراء النَّقر على حدِّ تعبيره. الشَّبكة لن تستخدم بيانات المستخدمين، كما في ويكيبيديا تمامًا، وسيكون المستخدم قادرًا على تعديل العناوين المضلِّلة. وتكون المقالات مرتَّبة بشكلٍ عفويٍّ وراجعٍ للمستخدمين من الأحدث للأقدم دون تدخُّل من المنَّصة وآليَّاتها. ويبرز في الواقع التَّحدي حول قبول النَّاس فكرة الحصول على المعلومة بمقابل على الشَّبكة نظرًا لوجود الاشتراكات واختفاء الإعلانات، ويراهن القائمون على أنَّ نموذج عمل نتفلكس وكذلك نيويورك تايمز أثبت جدواه.

ما البديل إذن؟ الجواب هو العودة للمشاركة ما يهم مع ذاتك، العودة للأصول، للقلم وللدفتر، تكتب في دفتر تحمله طوال الوقت وتملأه بما يلذُّ لك، كان القدماء يسمُّونه “كومنبليس بوك” (Commonplace Book)، ويقابلها بالعربية الكُنَّاشَةُ أو “كتاب الديوان” كما يعجب البعض تسميته، وهوه وسيلة لحفظ المعلومة في عصر كانت الكتب فيه شحيحية، أوستن كليون (Austin Kleon) صاحب أكثر الكتب شهرة في مجال الإنتاجيَّة وهما كتاب اسرق كفنان وكتاب أظهر أعمالك للآخرين وفيهما يستشهد بعظماء كثيرين كان التَّدوين بمل أشكاله في أصله كتابات  في دفاترهم من الذَّات إلى الذَّات فهو وسيلة للاستشفاء وللعودة للجذور وتخلية النَّفس من الازدحام.

يقولون اعرف عدوك تعرف صديقك، ومن هنا فاعرف أنَّ شبكات التَّواصل الاجتماعيَّة: تفقدك الإرادة الحرَّة، وفقدانها هو شكل من أشكال اللَّاعقلانيَّة في عصرنا الحديث، والشَّبكات الاجتماعيَّة أداة قد تستخدم لإخفاء الحقيقة ونشر الأكاذيب وكلُّ شيء يمكن أن يكون مزيفًا يشمل ذلك كلَّ شيء من المستخدمين الآخرين إلى المعلومة، وتجعلك تقول أشياء لا معنى لها لافتقادها السِّياق، وتحطِّم قابليَّتك للتَّعاطف مع الآخرين لتمحورها حول الخاطئ والكاذب والسَّخيف من الأفكار حتَّى لو من خلال السُّخرية والتَّنمر على الآخرين بغرض جذب الانتباه، وهي في الحقيقة تمنحك التَّعاسة عبر مقارنة المزيَّف بالمزيَّفين، تسلبك حقَّك في الكرامة الاقتصاديَّة لأنَّها تهيمن على وقتك الذي يمكنك استثماره في ألف شيء وشيء يعود بالثَّمرات عليك، وبالتَّأكيد فشبكات التَّواصل تجعل السِّياسة أمرًا مستحيلًا لأنَّها تغش النَّاس وتشوه الواقع.

إنَّ أدوات مثل تويتر وفيسبوك كما يقول أمبرتو إيكو، “تمنح حقَّ الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في الحانات دون أن يتسبَّبوا بأيِّ ضرر للمجتمع، فيسكَّتون فورًا لأنَّهم ليسوا في وعيهم. أمَّا الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنَّه غزو البُلهاء!”.

انتبه من وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، إنها الفخ الجديد، فخ تسقط فيه مرة بعد مرة سعيداً راضياً، كما يقول زغمونت باومان بأن الفيسبوك يتغذّى على خوف البشريّة من الوحدة وهذه الحاجة تجعلها شركة ناجحة أدركت حاجة الانسان لمعالجة مخاوفه الحديثة، وعلى رأسها الوحدة والخوف من عدم الانخراط الاجتماعي، ففي العالم الافتراضيّ “لا وجود للوحدة”، هناك دومًا من يُبدي استعداده ليقرأ لنا وليشاركنا ” اللايك” معربًا عن إعجابه ودعمه. ثم تتشكل أعباء تكوين العلاقات عبر هذه الأزرار والخوارزميات فتتصدَّى لقراراتِ من نصحبُ وإلى من يجب أن نتحدث ومن سنعرف ومن لا ولن نعرف، هي “كالفخّ” يصطاد عواطفنا وبقايانا الهشّة حيث تسود أنماط علاقات غير مستقرّة بلا أعباء أو مسؤوليّات، وأطياف أحاسيس تأتي اليوم لتنقضي غدًا. المطالبة هنا تقول أننا يجب ألا نرَكَنَ لفرديتنا فقط، لأن الحياة الاجتماعية في الأصل هي صوت الفطرة البشرية، وكذلك لا ينبغي أن نلهث وراء الآخرين وأشياءهم عبر وسائل سهَّلت هذا حتى  نسينا أو تناسينا أدوارنا الحقيقية. هذا ما يريد أن يقوله المقال، أن نتوازن على الأقل بين الفينة والأخرى.

يحلو لجارون لانيير أن يستعير فكرة أنَّ القطط من طبيعتها ألَّا تنصاع لتدريب وتهذيب، وتميل إلى ما يوافق مزاجها ومصلحتها وتختار ما تنوشه عيناها، وفي طبيعتها فردانيَّة وترفُّع، أمَّا الكلاب فهي كائنات في طباعها الميل للطَّاعة والتَّدريب والامتثال والخضوع، وخلاصة لانيير الطَّريفة التي يشير إليها  على غلاف أحد كتبه هي أنَّ من الأقرب للحكمة أن يختار المرء أن يكون قطَّةً في هذا العالم على أن يكون شيئًا آخرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى