بقلم: ماجد بن عبدالرحمن البلوشي
طوى وسائل التواصل الاجتماعي عشيّة البارحة نبأ حزين، فقد تناقل الناس نعي شيخنا العالم العامل المفكّر العابد الزاهد الشيخ أ.د جعفر شيخ إدريس – رحمه الله -، الذي قضى نحبه صابرًا محتسبًا راضيًا، بعد حياة مديدة عاش فيها قرنًا من الزمان، حافلة بالعلم والدعوة والعبادة والجهاد المعرفي، استهلَّ فصولها في السودان التي درج على رباها وعاش فيها مستهل عمره وزهرة شبابه الغضِّ، طالبًا في جامعة الخرطوم فمعيدًا بها، ثم توكأ على عصا الترحال، وحزم حقائبه مغادرًا إلى جامعة لندن بعد أن طوّفت به همّته وسمى به عزمه لتحصيل العلم الأكاديمي فحاز على درجتي الماجستير والدكتوراه ببحث واحد، أبان فيه لمشرفه ومناقشيه رسوخ معرفته وقوّة عارضته واكتمال أدواته العلمية، فمنحوه الدكتوراه في طيِّ الماجستير، ثم جابالأرض يذرع قاراتها ودولها، معلّمًا داعية مربيًّا، فكان خير سفير للإسلام وأهله، حتى أسلمه حكم القدر النافذ إلى ريب المنون، والتي ما فتئت مقدماته تغشاه وتعتاده منذ عقدين على هيئة أمراض مستعصية، فتوفّاه الله في مدينة الرياض التي أحبها وأحبته، حيث قضى شطر حياته فيها.
عرفتُ شيخنا جعفر شيخ إدريس أوّل ما عرفته قديمًا، حين كنتُ أقرأ مقالاته العلميّة الفكريّة، وهو ينثر بذوره في أرض المعرفة ويغرس فيها غرسًا صالحًا بكتاباته التي تنصر الشرع وتُنير العقل، وتقريراته العلمية التي تفتح أبوابًا من النظر وتستثير دفين الفكر، فتتضلّع أنفسنا نحن الشباب أبناء ذلك الجيل بروح المؤمن المعتز بدينه، المستأسد بثقافته، المتعالي بيقينه عن رواسب الشبهات.
وبعد أن منَّ الله عليَّ بالقراءة له والإفادة من علمه؛ لقيته في مجالس عدّة بهدوئه وتؤدته وحكمته الراسخة، ولسانه العربي المبين؛ فملك عليَّ عقلي وقلبي، واستولى على إعجابي كما يستولي مجرى الوادي على سيله الدفّاق، وإذ بسمته وحاله يعزّز في نفسي ما لمسته عنه في مقالاته التي قرأتها.
ولكأنَّ الشاعر عناه بقوله:
كانت محادثة الخلّان تُخبرنا / عن جعفر بن صلاح أحسن الخبرِ
فلما التقينا فلا والله ما سمعت / أذْني بأحسن مما قد رأى بصري
وقد زرتهُ – رحمه الله – بعد أنْ أسلمه المرض إلى ثقل الحركة وضعف الذاكرة ولزوم المنزل، غير أن روحه كانت تثبُ نحو مذاكرة العلم فيأنس بحديث الثقافة والفكر، فيستضيء وجه البشوش عن ابتسامة عريضة من جمال ما يسمع ويُعرض عليه، ويستجيد الفائدة ويُعقّب عليها ويتواجد معها، أما لسانه فإنه يلهجُ بالاستغفار والذكر، فلا ينقضي وطر من حديثنا الشيّقِ معه إلا ويُعقبه بالاستغفار الجاري على لسانه رُخاءً حيث أصاب.
وقرأتُ عليه في معاني الاستغفار والتوبة ودلالاتها قولَ ابن تيمية: “لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه” (جامع المسائل ٤/ ٤١) فتهلّل وأبرق وجهه واستضاء استضاءة البدرفي تمامه، وأعجبه هذا المعنى أيّما إعجاب.
ولم ينس الشيخ في غمرة إصابته بالمرض أن يتحلى بذوقياته الرفيعة في اللباقة والخُلق الفريد، فتراه يعتذر بين الوقت والآخر بأدب عالٍ ولطف بالغ عن ثقل لسانه وضعف ذاكرته وبطء تدفقه في الحديث.
والشيخ جعفر شيخ إدريس عالم ربّانيٌّ تراثيٌّ شديد الاعتدادِ والشموخ بما خطّه أسلافه من علماء المسلمين، وهو أيضًا فيلسوف مفكّر حسن الفهم والاستيعاب للفلسفات قديمها وحديثها، فإذا قرأ لابن تيمية والغزالي وابن خلدون تجلّى له مرادهم وأدرك معنى كلامهم وشاركهم في العلم والفهم، وأعاد إنتاج معارفهم بأسلوبه الرشيق وبيانه السلس ومنطقه الأخّاذ، وإن قرأ لهيغل وراسل وكانت، أدرك غور ما خطّته أيمانهم، وفهمهم حق الفهم، ووقف وقوف الخبير على أطلال فكرهم الخرِب، فإذا أغار على آرائهم، تركها هشيمًا تذروه رياح علمهالعاصفة.
ولم يكن الشيخ – وحاله مع الفلسفة ما ذكرتُ – متأثرًا بما فيها من الدخن والشوائب، بل هو سلفي الوجه واليد واللسان، متمسّكٌ بطريقة أهل السنة والجماعة، وقد سلّمه الله وأنجاه من طاعون الأفكار الغربية التي ما برحت تفتك بالناس، وتغتال دينهم وإيمانهم، كالشيوعية والعلمانية والإلحاد وغيرها، فأقام لنفسه سياجًا من العلم والمعرفةوالإيمان، ثم أخذ يُنتج مصْل الوقاية من تلك العلل الوبيئة، وينشرها لقاحها بين يدي عقول الشباب وأفهامهم، حتى رجع نفر كبير من الناس إلى العلم والدين، ووجدوا برد اليقين، وحسب الشيخ بهذا منقبة وفضلًا.
وقد سرت إلى الشيخ بركة عنايته بالعلم الشرعي، وتضلعه من الكتاب والسنة، فتجده في نقده للفلسفة والفكر المعاصر يكتب بأسلوب سهْل رهْو مبين، يصيب به المعنى الحق، ويفكّك فيه الأفكار الباطلة، ويقطع دابر الشبهة من أصلها، دون أن يشعر القارئ بغربة اللفظ أو نشوز المعنى، وهذه من محاسن أهل السنة والجماعة التي غبطهم عليها المخالفون لهم قديمًا وحديثًا، أنَّ كلامهم في سهولته ويسره وحسن مأخذه، تخالط بشاشته القلوب، ويسكن العقول، ويأتي إليه الناس طائعين.
وفي هذا السياق يقول ابن تيمية: “ولقد حدثني بعض أصحابنا أنبعض الفضلاء الذين فيهم نوع من التجهّم، عاتبه بعض أصحابه علىإمساكه عن الانتصار لأقوال النفاة، لمّا ظهر قول الإثبات في بلدهمبعد أن كان خفيًّا، واستجاب له الناس بعد أن كان المتكلم به عندهمقد جاء شيئًّا فريًّا، فقال: “هذا إذا سمعه الناس قبلوه وتلقوهبالقبول، وظهر لهم أنه الحق الذي جاء به الرسول، ونحن إذا أخذناالشخص فربيناه وغذيناه ثلاثين سنة، ثم أردنا أن ننزل قولنا في حلقهلم ينزل في حلقه إلا بكلفة“، وهو كما قال، فإن الله تعالى نصب علىالحق الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والنور وبين الباطل والظلام“. انتهى كلامه وهو في الدرء 5/ 61 – 62.
وقد برع الشيخ في ضرب الأمثال، وتقريب المفاهيم الشرعية بأسلوب عصري سهل، ويحرص كثيرًا على معقولية الخطاب الشرعي، ومما يمكن التمثيل به في هذا المقام، أنَّ شخصًا اشتكى إلى الشيخ جعفر عدم فهمه لبعض نصوص الكتاب والسنة، مما أوقعه في شيء من الحيرة، فقال له الشيخ: إنَّ كثيرًا من علماء الطبيعية والفيزياء يستعصي عليهم فهم بعض المسائل في الكون وفي الفيزياء، لكنهم لا يرتابون في دقة نظام الكون، ولا في سلامة قوانينه، وإنما يعترفون بقصورهم المعرفي في تلك الجزئيات، فليكن حالك مع القرآن والسنة كهذه الحال، إن لم تفهم منها نصًّا فلا يقع في قلبك حرج منه، واسأل وتعلّم، لأن القرآن والسنة كقوانين الكون، واضحة المقدمات، صحيحة النتائج.
ويمكن النظر في كتابه: “الفيزياء ووجود الخالق” ومقاله الفذِّ: “البخاري غير معصوم، لكن كل ما في كتابه صحيح”، وغيرها من مقالاته، ليدرك القارئ أسلوب الشيخ في تقريراته ومناقشته وحِجاجه، وهو أسلوب فريد في هذا العصر، وهي مدرسة في التأليف والكتابة كان رائدها الشيخ جعفر بما هيأ الله له من سعة الاطلاع وتشرّب العلم الشرعي والمنهج السلفي، ثم حسن الفهم للثقافة والأفكار المعاصرة.
وفي الشيخ جعفر من الخصائص خصلة تذكرك بالرعيل الأول من سلف هذه الأمة وهي أنه كان غاية في المحافظة على أداء الصلاة جماعة في المسجد في الصف الأول، وقد حدثني أحد أبنائه أنه لم يرَ والده متأخرًا عن الصف الأول منذ أكثر من أربعين سنة.
ولا تقل عنايته بالنافلة عن عنايته بالفريضة، لاسيّما قيام الليل، فهو من أصحاب الأسحار صلاة وتلاوة واستغفارًا ومناجاةً مذ كان في ميعة شبابه، لا يتركها حضرًا ولا سفرًا، وله عناية دائبة بكتاب الله تلاوة وتدبّرًا واستنباطًا، وقد قال له أحد الباحثين الإنجليز: إن الفيلسوف برتراند رسل لم يؤمن بالربوبية لأنه لم يجد دليلا عليها، فردَّ عليه الشيخ جعفر: مسكين رسل، لم يقرأ القرآن، إذ لو قرأه لوجد فيه البراهين الدالة على الربوبية.
وتجد آثار عناية شيخنا بالقرآن ظاهرة في حديثه، فقلَّ أن يتحدث إلا ويستدل بآية من القرآن على معنى حادث، فيدهشك منه ذلك الاستدلال، حتى لكأن جبريل عليه السلام نزل بالآية تلك الساعة، وإذا كتب في نقد فلسفة أو فكر غربي معاصر، أمطرها بوابل من الآيات القرآنية الناقضة لها، والمفكّكة لأصولها، فهو يردُّ قرّاءه إلى حياض البيان القرآني بين يدي مناقشاته الفكريّة، ليمحو عنهم غشاوة الشبهات، حتى يعلّم الجيل المعاصر مدى ثراء القرآن في كشف باطل الأفكار أيًّا ما كان سياقها التاريخي، وتعود نفوسهم بردًا وسلامًا.
وللشيخ جعفر تقدير عظيم للدعاء، ومنزلته الرفيعة في الشرع، وأنَّ الداعي مسلمًا كان أو غير مسلم، إن دعا الله بصدق ويقين بلّغه الله ما سأله، وقد ذكر له بعض غير المسلمين أنّه لا يدري ما هو الحق من بين هذه الملل والنحل والمذاهب المعروفة، لكن يؤمن بوجود الخالق، فقال له الشيخ جعفر: أنصحك أن تدعو الخالق بصدق وتجرّد ويقين، أن يهديك إلى الدين الحقِّ، وأن يدلّك عليه، فإن فعلت ذلك هداك إليه ودلّك عليه.
وعودًا على ابن تيمية، فالشيخ جعفر ممعن التشبّث بأطواق ابن تيميّة المعرفيّة، معجب بأسلوب الشيخ في الحِجاج بالقرآن الكريم، وكثير الإحالة إلى تقريراته غير المسبوقة نوعًا ودرجةً؛ وسألته قديمًا ذات مرّة: من أثّر فيكم من العلماء وبرز دوره في تكوينكم المعرفي والشخصي؟ فقال دون تردّد: تأثرتُ باثنين من العلماء أشد التأثر: أما الأول منهما فهو ابن تيميّة، ثم طوى الشيخ قرونًا طويلة من العلماء، واجتاز الأمصار والأعصار، وقال من فوره: والثاني ابن باز!
ومما ذكره الشيخ جعفر من مواقفه المعرفية مع ابن تيمية أنَّ الفيلسوف الإنجليزي كارل بوبر ألقى محاضرة أكاديمية في محفل علمي مرموق بإحدى جامعات لندن، فذكر قضيةً في المنطق توصّل إليها بطول البحث والنظر والتأمل في العلم، فعلّق الشيخ جعفر على إثْر محاضرته قائلًا له: هذا الذي توصّلت إليه، قرّره ابن تيمية في كتاب كذا وكذا، قبل أكثر من سبعة قرون!
وأما شيخه وصفيّه وخليله ابن باز، فإن من أكثر ما استعظمه الشيخ جعفر في شيخه: عنايته بالدعوة واهتمامه لشأنها، وقد أرسله الشيخُ ابنُ باز إلى عدد كبير من دول العالم التي تتكلم الإنجليزية شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ليدعو إلى الله ويعلم الناس، فانطلق إليها الشيخ داعيةً معلّمًا، في عشرات الدول ومئات المدن، ومن ضمن ما ذهب إليها من الدول: جزر الكاريبي التي كانت نسيًا منسيًّا من الدعوة والدعاة، وقد مكث فيها شهرًا ينتقل بينها جزيرة جزيرة.
ويرى أن شيخه ابن باز اجتمع فيه من محاسن العلم ومكارم الأخلاق والشفاعة للناس والاهتمام وعزائم العبادة والاهتمام بالمسلمين؛ ما تفرّق في غيره من العلماء، فهو في كل باب من أبواب الخير علمٌ وإمامٌ!
ويشبه وصفه لشيخه ابن باز، ما وصف الشافعيُّ به تلميذه الإمام أحمد بقوله: “أحمد إمام في ثماني خصال؛ إمام في الحديث، إمام بالفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر”. (طبقات الحنابلة ١/١٢٠)
ومن أمارات زهد الشيخ ابن باز، أنه عاصر ملوكًا خمسة: الملك المؤسس عبدالعزيز، ثم أبناءه الملوك: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد –رحمهم الله جميعًا –، وكان حظيًّا عندهم، ذا مناصب وجاه ومكانة، فما نُقل عنه أنه طلب منهم شيئًا لنفسه، وقد قال الملك سلمان في لقاء قديم جمعه مع أهل الزلفي: لم يطلب الشيخ ابن باز من الدولة ريالًا واحدًا لنفسه.
بل إن الملك سلمان حين كان أميرًا على الرياض، انتدب شخصًا رفيع المقام وأرسله برسالة إلى الشيخ ابن باز، يلتمس منه أن يقبل أن تشتري له الدولة بيتًا مجاورًا، ويُلحق ببيت الشيخ ابن باز ويكون مكانًا للضيوف ومستراحًا لهم، بعد أن غصّت مجالس بيت الشيخ وملاحقه بكثرة الزوار، فرد عليه الشيخ – بعد شكره – معتذرًا عن قبول المنزل، وقال: “سلمي لي على الأمير سلمان وقل له: ابن باز شمسه على أطراف العسبان”، وهذا مثل شعبي يُضرب للإشارة إلى قرب الرحيل، ودنو الأجل، وتصرّم العمر.
ومما ذكره الشيخ جعفر أيضًا عن ابن باز، أن كثيرًا من العلماء إذا تقدّم بهم السنُّ، واعترتهم الأمراض؛ لزموا بيوتهم وتفرّغوا للعبادة الفرديّة، أمّا الشيخ ابن باز فلم يكن كذلك، فقد استمرَّ داعية معلّمًا ذا صلة مباشرة بالناس حتى وفاته، لأنه كان يرى أن الدعوة من أهم أبواب العبادة ذات النفع المتعدي وأكثرها أجرًا.
ولهذا كان الشيخ جعفر يقول: لم يخدم الدعوة الإسلامية في هذا العصر مثل شخصين: الملك فهد بماله وجاهه، والشيخ ابن باز بعلمه وصِلاته بالدعاة، وقد سمعت من شيخنا جعفر أن الشيخ ابن باز طلب منه كتابة أسماء الدول التي يتحدث أهلها الإنجليزية حتى لا يفوته منها دولة ليس فيها داعية، قال: فكتبت له أسماء الدول ثم جئت أقرؤها عليه، فلا أذكر له دولة إلا ويقول: هذه الدولة فيها أخونا الشيخ فلان وفلان، فلم تبق دولة متحدثة باللغة الإنجليزية في العالم إلا وللشيخ ابن باز فيها دعاة ومعلّمون.
وأصبح الشيخ جعفر أثيرًا حظيًّا عند شيخه ابن باز، مقرّبًا منه بمنزلة النفس والروح، من خاصّة جلاسه وحوارييّه، وكان الشيخ يستأمنه ويثق به غاية الثقة، ويقبل رأيه، وكان الشيخ جعفر يترجم له إذا حضرت الوفود المتحدثة باللغة الإنجليزية، وفي تلك الوفود رؤساء دول، ووزراء، ومسؤولون، وعلماء.
بل إن الشيخ جعفر يعد من أعظم نعم الله عليه بعد الإسلام، معرفته بالشيخ ابن باز، واختصاصه به، ودنوّه منه إلى المنزلة التي جعلت منه موضع ثقة مطلقة عند الشيخ ابن باز.
وقد بدأت صلة الشيخ جعفر بشيخه ابن باز قديمًا وهو في السودان، حين بلغه رأي علمي للشيخ ابن باز في مسألة سياسية، فشدّه ذلك الرأي وأنِس من قائله عقلًا ورُشدًا وحكمة، فتاقت نفسه إلى لقائه حتى أذن الله بذلك فاجتمعا، واتصلت بينهما أسباب المودة والإخاء، ثم لم يقضِ الله عليهما من بعدُ فراقًا ووداعًا إلا بالموت.
فليس بغريب إذن على الشيخ جعفر اجتماع هذه الحماسة العلمية الدعوية لديه وهو الذي نشأ في رحابها منذ كان يافعًا، وهو الذي يأوي– بعد توفيق الله وفضله – إلى ركنين شديدين ويعتصم بطَودين عظيمين هما ابن تيمية وابن باز، تعلّم منهما المنهج السلفي، وتأثّر بهما في أسلوب الدعوة والتعليم، وحسبك بهما!
فما أعجب أن يجتمع في الشخص من أسباب محبته وتعظيمه وإجلاله ما تمتلئ به نفسك أشدَّ الامتلاءِ حتى تغرق فيه وتشرق به، وتستغني به عن غيره، وتراه في كل الناس، ولا ترى عنه عوضًا! هذا هو حال شيخنا جعفر، مع شيخيه: ابن تيمية، وابن باز.
ولأبي نواس في مدح الفضل بن الربيع:
أوحدَهُ الله فما مثلُهُ / لطالبٍ ذاك ولا ناشدِ
وليسَ لله بمُستنكرٍ / أن يجمع العالمِ في واحدِ
وفي بواكير حياة الشيخ وسني شبابه، حين كان في السودان في أثناء دراسته الجامعية وبعدها، كان ذا حراك ونشاط ودعوة، يجابه الأفكار المنحرفة ويذود عن دين الله، مما أوقعه فريسة لتخبيب المفسدين، ووشاية الحاسدين، لاسيما حين فشا الفكر الشيوعي في السودان، فانزوى فارًّا بنفسه ودينه عن كمائن أولئك وحبائلهم، ثم قضى الله بعد مدة أن يلقى الرئيس النميري ويجتمع معه، وكان الرئيس النميري حينها قد اتصلت أسباب العلاقة بينه وبين الشيوعيينوتوطدت، فقال له الشيخ جعفر: كيف تقرّب الشيوعيين وتتحالف معهم، وهم لا يؤمنون بالله ولا برسوله، فالتفت إليه النميري مستعجبًا من عدم إيمانهم، وقال له باللهجة السودانية رافعًا صوته في دهشة: يا زول! ثم قال للشيخ جعفر مطمئنًا: يا شيخ جعفر، الشيوعيين دِيل اصبر ليهم! ثم قام النميري بحملته المعروفة على الشيوعيين فحصدهم حصدًا كأن لم يغنوا فيها بالأمس، ونكبهم نكبة أتتْ عليهم جميعًا فجعلتهم كالرميم.
وللشيخ جعفر – رحمه الله – طريقة في ضبط علمِ ما لم يتخصص فيه، وهو أن يقرأ فيه كتابًا جامعًا مانعًا، ويردّد قراءته ويكرّرها حتى يستوعب أصول ذلك العلم، وذكر أن هذه طريقة الشيخ ابن باز، وهي أيضًا طريقة صاحبه وصديقه العالم الأديب الدكتور عبدالله الطيبرحمه الله، الحائز على جائزة الملك فيصل في اللغة العربية والأدب، صاحب الكتاب النفيس الذي لم ينسج على منواله أحد من العلماء: “المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها”.
ومن لطيف أخبار الدكتور عبدالله الطيب أن الشيخ جعفر لقيه ذات يومًا خارجًا من المسجد الحرام بمكة، وهو يحمل معه كتاب سيبويه، فسأله عنه، فقال الطيّب: قرأته في الحرم رجاء البركة.
والدكتور عبدالله الطيب يكاد يحفظ كتاب سيبويه، وهو متيّم به إلى الغاية، يحمله معه حلًّا وترحالًا، وحاله مع كتاب سيبويه كحال أبي علي الفارسي مع كتاب نوادر أبي زيد، قال ابن جني: “وكان شيخنا أبو علي الفارسي يكاد يصلّي بنوادر أبي زيد إعظامًا لها، وقال لي وقت قراءتي إياها عليه: “ليس فيها حرف إلا ولأبي زيد تحته غرضٌ ما” ثم قال ابن جني: “وهي كذلك لأنها محشوة بالنكت والأسرار”. (سر صناعة الإعراب ١/ ١٣١)
ومقتضى كلام ابن جنّي الأخير أنَّ العلم لا يُنال إلا بالحرث فيه، وإدامة التأمل والنظر، والصبر على لأوائه، والحفر في نصوص العلم وعبارات العلماء لمحاولة فهمه واستيعابه وضبطه، لاسيّما الكتب المعدودة في أصول الفنون وجوامع العلم المؤسّسة للمعرفة كالمتون، ولابن تيمية تعبير أخّاذ وكلام عالٍ يصف فيه شغف العلماء بالمعرفة واستيعاب زمانهم في تحصيله، فيقول: “وهؤلاء أهل العلم، الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم” (منهاج السنة النبوية ٦/ ٥٢)، وقال أيضًا واصفًا حاله هو مع مسائل العلم والمعرفة: “فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام الشرعية، تصويرًا وتقريرًا، وتأصيلًا وتفصيلًا، فوقع الكلام في حكم..” إلى آخره كلامه، وهو في مجموع الفتاوى 21/ 534، وقال كذلك واصفًا فقه ابن عباس وعلمه مقارنة بغيره من الصحابة: “وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقّه والاستنباط وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها”، وانظر بقية كلامه وسياقه وسباقه في مجموع الفتاوى 4/ 94، فإنه مهم ونفيس.
ومما يجدر بي أن أنوّه إليه أنَّ الدكتور عبدالله الطيّب كان منقطعًا إلى المعرفة والعلم كأنه لم يُخلق إلا لذلك! وله رأيٌ في أدباء أوروبا الكبار كشكسبير وغيره، أسّس بنيانه على استقراء وفحص وسبر طويل لآدابهم، وخلاصته أنَّ تراثهم الأدبي يُعد متوسّطًا إذا ما قورن بتراث نظائرهم في الشهرة والصيتِ من أدباء العرب، في جزالة الألفاظ ودقّة المعاني وحُسن السبك، وحسبك هذه الشهادة من عالم عبقري كالطيّب، يحذق الإنجليزية كحذقه للعربية.
وبعدُ: فالشيخ جعفر معظّمٌ لما عظّمه الله من أمره وشرعه، وقّاف عند حدوده، وقال لنا في مجلس من المجالس العلميّة: زرتُ عالمًا لغويًا كبيرًا في السودان، وكانت شهرته في العلم قد ذاع صيتها شرقًا وغربًا حتى عُدَّ من كبار اللغويين، ثم قيل لي بأنه لا يصلّي! فما عدت إلى مجلسه ثانية، وانصرفت نفسي عنه.
ولمّا شاء الله أن يقعده المرض، وتتصل به أسبابه، صار جليس بيته، يطرقه الزائرون والمحبون، فترى مجلسه غاصًّا بأهل العلم والدعوة والفكر، من أحبابه وطلابه، وكان يقضي كثيرًا من وقته في قراءة القرآنوتدبّره، وله مجالس يوميّة يُقرأ فيها عليه كتب السنة، وهكذا امتدت به أيامه الأخيرة إلى الكتاب والسنة كما بدأت بههما.
ومن غرائب مرض الشيخ وابتلائه بالجلطة أنها أصابته في مركز اللغة بالدماغ، ففقد علمه باللغة الإنجليزية وتلاشى حديثه بها حتى كأنْ لم يكن يتكلّمها قط، وهو الذين كان حاذق الحديث بها كأنه من أهلها الناشئين عليها.
وللشيخ من الذرية بنون شهود بررة كرام، تلمح فيهم مخايل النبوغ وسمت الصلاح ونور السكينة، تبدّدَ فيهم من خصال المعرفة ومناقب الخير ما اجتمع في والدهم، أما أكبرهم فهو عبدالرحمن، من عقلاء الرجال وفضلائهم، وله آراء في السياسة والفكر والثقافة تكشف عن عقل راجح وفهم ثاقب، ويقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.
وثانيهم عبدالمنعم، ولا ألقاه إلا وأذكر قول الشافعي وقد قيل له: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه، فتودُّ أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به مثل ما تنعّمت الأذنان! (مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ١٤٣)
فإذا سمع عبدالمنعم شيئًا من الشعر المُطرب؛ تواجد وتأوّه وارتفع صوته، وطار في آفاق اللذة الأدبية، فما يزال يستزيدك من الأدب ويستقرؤك منه حتى تنتشي روحه بمعتّقاتِ السكرة المباحة!
أمّا ثالثهم فهو يوسف، وكنيته أبو مريم، فتح الله عليه في دعوة غير المسلمين، حتى صار رأسًا في الدعوة الإسلامية، وركنًا من أركانها، يمضي فيها على سَنن والده، ويدرج في مسالكه، وأتمثّل عند لقائي بأبي مريم قول الله تعالى عن نبيّه موسى عليه السلام: (وألقيتُ عليك محبّة مني)، فإن لقيتَه يومًا من الدهر فقد لاقيتَ مكارم الأخلاق ومحاسن الخِصال.
وأذكرُ بآل جعفر قول عبيد بن العرمس الكِلابي يصفُ قومًا لقيَهم:
هيْنونَ ليْنونَ، أيسارٌ ذوو كرمٍ / سُوّاسُ مكرمةٍ أبناءُ أيْسارِ
من تلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيّدهم / مثلَ النجومِ التي يسري بها الساري
ولهذه الأبيات قصة تدلُّ على سخاءِ النفس، وتكملة يحسن الوقوف عليها، وهي في الكامل للمبرّد (١/ ١٠٦).
وينطبق على شيخنا – رحمه الله – دعاء المؤمنين المعروف: “ربنا هبَّ لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إمامًا”، فقد رزقه الله السعادة في زوجه وقرّة عينه أم عبدالرحمن، المحسنة الصالحة العابدة، التي سبقته في الرحيل إلى الدار الآخرة رحمها الله، ثم قرّت عينه بأولئك الأبناء الكرام البررة، ومعهم أختٌ صالحة نابهة ذات عقل ورشد، وأما مسك الختام فهو أنَّ الشيخ كان أخًا قريبًا لكل المسلمين، وقدوة للمتقين في مشارق الأرض ومغاربها، فلم يقصر نفسه على طائفة أو حزب أو انتماء، بل كان حنيفًا مسلمًا سلفيًّا حليمًا أوّاهًا، فأسكنه الله نفوس خلقه، وإذا شئت فطوّف ببصرك في أنحاء شبكات التواصل الاجتماعي، لترى كيف أمطره المسلمون في مختلف أنحاء المعمورة بدعواتهم، وأسبلوا عليه دمع الحزن على فقده الموجع.
رحم الله شيخنا الشيخ جعفر وغفر له، ورفع درجته في المهديين، وخلفه في عقبه في الغابرين، وأفسح له في قبره، ونوّر له فيه، وجمعنا وإياه ووالدينا وموتى المسلمين في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.



