عام

لا ينبغي أن يكون الانتحار خطراً مهنياً للأطباء

 

  • تأليف : أندريه بيكارد – ANDRÉ PICARD
  • ترجمة : مصطفى هندي
  • تحرير : خلود بنت عبدالعزيز الحبيب

في 14 من شهر نوفمبر عام 2014 عُثر على جثة (إيملي مارشان) في سيارة متوقفة في الطرف الشمالي من مدينة (مونتريال – كندا )،( إميلي) ذات السبع وعشرين عاما – والتي في فترة الاقامة [الامتياز] من دراسة الطب بجامعة مونتريال – ماتت منتحرة بجرعة زائدة من مخدر(الهيدرومورفين)، وعلى عكس معظم حالات الانتحار، جذب انتحار السيدة مارشان انتباه كثير من وسائل الإعلام،

حدث ذلك أثناء حالة من الاضطراب الوظيفي حيث كانت إدارة المستشفيات التابعة لجامعة مونتريال تحت الرقابة، وفي أعقاب تقرير الإدانة المدوي الذي أعده [مسؤول الشكاوى بالجامعة] عن انتحار طالب آخر في كلية الطب، وعلى إثر هذا قام الطبيب الشرعي في (كيبيك)، (جين بارشو)، بتوجيه أصابع الاتهام إلى جامعة مونتريال حيث أنها وقفت مكتوفة الأيدي، بينما كانت الطالبة المريضة، و المضطربة تنزلق وحدها ببطء إلى نهاية مسدودة من اليأس، كان تقرير الطبيب الشرعي ينظر فيى قضية محددة و بالرغم من ذلك فقد لاحظ أنها جزء من قضية أكبر بكثير وهي أن المعدلات الفلكية للاكتئاب بين طلاب الطب و المقيمين، بجانب الواقع المقلق، يدفعان واحداً من كل سبعة طلاب لأخذ فكرة الانتحار على محمل الجد.

يصنف الانتحار الآن على أنه أحد المخاطر المهنية للأطباء، حيث يودي بحياة 400 طبيب في الولايات المتحدة سنويا، وكذلك العشرات في كندا، و تبدأ المشاكل مبكراً، حيث يواجه طلبة الطب معدلات عالية من الإرهاق و الإكتئاب أعلى بكثير مما يواجه عامة الناس، و يتعرض طلبة الطب – لاسيما المقيمين – إلى ضغوط هائلة من الإختبارات القاسية والبيئة الموحشة و الساعات المنهِكة، لكن الإجهاد ليس هو التفسير الوحيد ، فكما أشار كل من الطبيب الشرعي، و مفوَّض الجامعة للشكاوى في تقاريرهما، فإن الفصول الدراسية الطبية و بيئة العمل تتسم بالوحشية، فالتنمر والإزعاج [العدوان] النفسي شائع في المستشفيات بالإضافة إلى وصمة عار الأمراض العقلية المنتشرة في المجال الطبي، و باختصار فإن التعليم الطبي غالباً ما يتبع أسلوب [بناء العضلات] والذي يوجب تحطيم الطالب ثم صقله، وحدهم الضعفاء، وغير الجديرين هم الذين لا يطيقون ذلك، وعلى عكس المتوقع يفتخر كثير من الأطباء بعقلية هذا التدريب المهني، عندما بُذلت الجهود للقضاء على ساعات العمل الجنونية للمقيمين

( 100 ساعة / أسبوع )، كانت النتيجة هي الرفض اللطيف ( أو غير اللطيف أحياناً ) من الأطباء الكبار؛ باعتبار أن الجيل الأصغر صبيان لا يُعتمد عليهم، حتى وزير الصحة في ( كيبيك )، د. غاتيان باريت، عندما سئل عن حالات الانتحار في الوسط التعليمي الطبي أجاب باستخفاف:” الضغط الذي يتعرضون له أقل مما كان عليه قبل 15 عاماً “.

في الحقيقة، الشئ المختلف اليوم ليس أن الشباب أضعف من ذي قبل، بل إن التوقعات أصبحت أعلى و العزلة كذلك أمست أكبر بكثير على الرغم من (أو ربما بسبب ) ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي. إن طلاب الطب و المقيمين يتجهون إلى عالم بلا يقين حيث لا يضمن الإنسان حياة كريمة، هناك أيضا اهتمام غير متحفظ بالأطباء و المقيمين الذين يقتلون أنفسهم، فعلى الأقل يتم الحديث عنهم الآن قبل أن يتم التكتم على الحدث، لكن عندما تتدخل المنظومة [الجامعية] في جمع المعلومات عن الاكتئاب و الانتحار، فإنها لم تقدم شيئا ملموساً لعرض المساعدة أو الاستثمار في الوقاية، إميلي – كحال زميلاتها – تتمتع بعلامات متميزة ، و منذ دخولها المدرسة الثانوية قد كرّست نفسها و روحها؛ بهدف أن تصبح طبيبة ناجحة في الأمراض الباطنية، أثناء الدراسة تم تشخيصها بأنها مصابة باضطراب في الشخصية، و في الإقامة [ سنوات الامتياز ] عانت من نوبات اكتئاب حادة اضطرتها إلى دخول المستشفى، كما حاولت الانتحار سابقا مستخدمة نفس المخدر ( الهيدرومورفين )، لكن السيدة مارشان، كما أقر أصدقاؤها لاحقا، أتمت دراستها بسرعة قصوى؛ لخوفها الدائم من أن يُكتشف مرضها فتتعطل مسيرتها المهنية، يظهر البحث بشكل متزايد أن الفائقين، مثل أولئك الذين ينجذبون إلى مدرسة الطب، هم أشخاص سريعو التأثر [ و أكثر عرضة للاضطرابات النفسية ]، ومن المفارقات أن الصفات التي تجعل من الشخص طبيباً ناجحاً، كالتعاطف والعناية والطموح إلى الكمال، تجعله عرضة لخطر الارهاق و الاكتئاب والانتحار، فالطلاب الذين ينجذبون إلى كلية الطب هم الأفضل و الأذكى بين جيلهم، إنهم فطنون، و موهوبون، و ذوي عزيمة، لكن أيضا الكثير منهم قلقون، و مرتبكون، و ضائعون، ليس لأنهم ضعفاء؛ بل لأنهم مرضى، لا يمكننا ببساطة أن نستجيب للنصيحة العتيقة للمعالجين العاجزين ( الطبيب يُشفى ذاتياً ) بل يجب علينا أن نوفر البيئة التي يستطيع فيها أطباء المستقبل تعلم الشفاء بداية من العناية بأنفسهم.

المصدر : Suicide should not be an occupational hazard for doctors

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى