عام

القراءة الرأسمالية للفلسفة

أحمد الحمدي

-1-

 من المعهود في التصور العُمومي عن البحوث الفلسفية أنها ذاتَ طبيعةٍ تجريديَّة، عَصِيَّة على الفهم غالبًا. وهذا التصور ذو وجاهَة ومصداقية؛ فتاريخ الفلسفة عبر إنتاجات أعلامها ومؤسسي اتجاهاتها شاهدٌ على صحة هذا الانطباع حول وُعورة البحث الفلسفي.

وعلى الرَّغْم من محاولاتِ تجديد التعليم في الدَّرْسِ الفلسفي، وتذليلِ اللغة العَصيَّة في مسائل الفلسفة الكبرى؛ إلا أن الممارسين لتعلُّمِها وتعليمها يدركون أنها مهمة شاقة، وأن تطْرِيَةَ بحوثها عبر تقريب المفاهيم التجريدية بنماذج حسية قريبة، أو بلغةٍ سهلة- تظل كذلك مسألة تعليمية وتربوية نسبية في نجاحها وجدواها.

-2-

الرأسمالية الغربية -لا سيما في مهدها العالمي اليوم (أمريكا)- بوصفها منعطفًا تاريخيًا وحضاريًا كبيرًا في مسيرة الفلسفة الغربية الحديثة- نشأت فيها ((الفلسفة البراجماتية)) نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر للميلاد وامتدت تأسيسها فيما بعد؛ عبر مخاض ثورة شملت مجمل مناحي الحياة الصناعية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية.

في ظل الحَراك الجديد في المجتمع الغربي الأمريكي كان السعي للمصالح المادية والتمحور حول المنفعة والنتائج هي الروح السائدة في العالم الجديد- الذي سيصبح فيما بعد ثقافة عالمية، وفلسفة حضارية تسير في نهجها جل مجتمعات العالم المعاصر.

-3-

هذان الأمران: صعوبة البحوث الفلسفية، ونشوء فلسفة براجماتية نفعية تركز على النتائج- شكَّلا أرضيةً لتحول البحث الفلسفي إلى أيدي الجمهور من الناس. والفلسفة ليست هي الوحيدة التي أخذت طريقها إلى جمهور الناس في الفضاءات العمومية الغربية- بل العلوم الطبيعية كانت هي الأسبق في انتشارها كثقافة، ولعل ظاهرة الانتشار للعلوم، وتبسيط مفاهيم المعارف العلمية بين شرائح المجتمع الغربي الحديث والمعاصر يمكن اعتبارها ظاهرة ريادية حضارية تُحسب في موازين التقدم والتنمية المستدامة للغرب الأوروبي والأمريكي.

إن المجتمع الصناعي والتقني الناشئ يديره في المحصلة النهائية بشر، لهم حاجات الإنسان وغرائزه، رغم تمركزه على النفع والنتيجة. ثم إنه مجتمعٌ قادمٌ من إرثٍ أوروبي فلسفي وأخلاقي وروحي وديني- الأمر الذي سيجعل من إنسان العالم الجديد (أمريكا) متسائلًا عن المصير والجدوى والمعنى…، وكلها أسئلة ذات طبيعة فلسفية تجريدية أصالةً.

-4-

وفي محاولات الإجابة عن هموم الإنسان الأوروبي في العالم الجديد (أمريكا) نشأت إجابات عديدة تتطلع لبقاء الإنسان فاعلًا ومنتجًا! وخادمًا لطموح الأحلام الرأسمالية الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن الرغبة في تحقيق الفرادة الذاتية، والامتياز الشخصي.

((سؤال الأخلاق والمعنى والجدوى)) كان من ضمن المحاولات الفلسفية الكبرى التي اعتنى بها البحث الفلسفي في سياق الرأسمالية الأمريكية. وعبر فضائها العمومي تجلت محاولات فلسفية أخلاقية تبسيطية تحاول تقديم إسناد معنوي للإنسان الجديد بما يحقق أهداف المجد الشخصي والحلم الحضاري.

بين يديَّ إحدى تلك المحاولات الفلسفية الأخلاقية في سياق الرأسمالية المعاصرة، وهو كتاب «فلسفة الاتزان اليومي لـ ريان هوليداي وستيفن هانسلمان «(ط1، بالإنجليزية 2016م) و(ط1، بالعربية، 2018م، جرير).

كتاب «فلسفة الاتزان اليومي« محاولةٌ للاتكاء على الإرث الفلسفي اليوناني في حقل الأخلاقيات، من أجل تقديم دعم معنوي للإنسان الحديث في سلوكياته خلال اليوم والليلة في زحمة إيقاع الحياة المعاصرة. ينتقي الكتاب نصًا لفيلسوف يوناني، ويعيد تفسيره(تأويله) بما يخدم حاجات الإنسان في المجتمع الرأسمالي المعاصر.

أي إنّ الكتاب شرحٌ رأسمالي على المتن الفلسفي الأخلاقي الغربي، وفي هذا الشرح الكثير من الحِكم اليومية النافعة، (وحِكَمٌ أخرى لا أتقبلها) بلغة سهلة وتقسيم عملي يشبه البطاقات اليومية، مناسب لمشغولية الإنسان المعاصر، وضيق زمانه.

-5-

ينطلق الكتاب من الاعتقاد الحديث بحق الجميع في الوصول إلى المعرفة والعلوم، فـ”الفلسفة ليست مجرد مسعى مقصور على الأكاديميين أو الأثرياء، بل إنها إحدى أهم الأنشطة التي يمكن للإنسان الانخراط فيها. إن الهدف منها كما يقول هنري ديفيد ثورو بعد بضعة آلاف من السنين من إبكتيتوس، هو (مساعدتنا على حل مشكلات الحياة، ليس نظريًا فحسب، بل عمليًا أيضًا)”.

فهدف الكتاب من العودة إلى الفلسفية الأخلاقية في التراث اليوناني هو التخفف من أعباء الحياة المعاصرة، وتحسين جودة الحياة. وهي إحدى القراءات المعاصرة للتراث اليوناني والإغريقي.

والقراءة وإعادة التأويل حق مشروع في أي أمة تقرأ تراثها من أجل حاضرها، إلا أن الأهداف والمناهج تختلف في قراءة الماضي من أجل الحاضر بين أمة وأخرى.

-6-

يرى الكتاب أنّ الفلسفة اليونانية تعمل وفق ثلاث أنظمة متداخلة هي: الإدراك والإرادة والفعل. ويؤكد على أنّ للفلسفة العملية اليونانية ثلاث غايات هي: تحقيق الاستقرار والثبات والسكينة.

 العديد من أقوال الفلاسفة والمعلمين الروحانيين يحفل بها الكتاب، من أجل تحقيق الاتزان في عالم يفتقد إلى الاستقرار. فالكتاب يشكو من سخافة أفكار الجمال المعاصرة، ويدعو إلى إدارك المهمة الأساسية في الحياة “أنْ تكون إنسانًا جيدًا”(ص171)، وأنْ تكون إنسانًا جيدًا يعني أنْ تتحلى بأخلاقيات الفضيلة (العدالة – النزاهة- الانضباط- المبادرة)، أما الخسارة وهي واحدة من أعمق مخاوفنا -فعليك ألا تخشاها؛ فهي من طبيعة الحياة.

إنّ الفلسفة -حَسَبَ الكتاب-تقتضي تربية العقل على أربع عادات كما يقول أوريليوس:

“1- لا تتقبل شيئًا مزيفًا أو غير مؤكد. 2- توجيه العقل نحو النفع العام. 3- توجيه الرغبات فيما يمكن السيطرة عليه. 4- تقبل الواقع والتكيف معه”.

إذن الفلسفة في منظور المؤلفين “ما هي إلا أداة نستخدمها طوال حياتنا لنعود إلى طبيعتنا الفطرية”، وهذه الأداة تقتضي أنْ تربي في ذاتك حاسة الانتباه من أجل العثور على المشهد الصحيح لحياتك، وفق إمكاناتك، والتدرب على التخلي عما ليس لك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى